المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا سال سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام رؤية الله



محمد علي محمد عوض
23-11-2011, 14:01
السلام عليكم
خطر لي سؤال وانا اقرا كتاب الله جل جلاله
لماذا سال سيدنا موسى ربه ان ينظر اليه"ارني انظر اليك"
وما العلاقة بين سؤاله وسؤال قومه"لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة"
ولماذا عذب القوم بسؤالهم ثم من الله عليهم بالحياة بعد الصاعقة وسيدنا موسى خر صعقاوايضا بعدها افاق وقال "سبحانك تبت اليك وانا اول المؤمنين" ونص البيان على توبته صل الله عليه وسلم

ارجو مساعدتي في فهم هذا الامر وجزاكم الله خيرا

خادمكم وتلميذكم

سعيد بن عبد القادر مكرم
24-11-2011, 00:18
بسم الله الرحمن الرحيم

جوابا على سؤالك ، أنقل إليك جزءا من تفسير إمامنا الرازي - رحمه الله - متعلقا بسؤالك ، لقوله تعالى : " وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ " الأعراف ، 143 .
يقول الرازي : "... والحجة الرابعة: قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال: { تُبْتُ إِلَيْكَ } ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال: { وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.

واعلم أن أصحابنا قالوا: الرؤية كانت جائزة، إلا أنه عليه السلام سألها بغير الإذن وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكانت التوبة توبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه، فهذا جملة الكلام في هذه الآية. والله أعلم بالصواب.

المسألة الرابعة: في البحث عن هذه الآية. نقل عن ابن عباس أنه قال: جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل، وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه، فقال: { رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } " انتهى كلام الرازي .

أما سؤال قوم موسى رؤية الله جهرا ، فينقل فيها الرازي قولين للمفسرين :
" للمفسرين في هذه الواقعة قولان، الأول: أن هذه الواقعة كانت بعد أن كلف الله عبدة العجل بالقتل، قال محمد بن اسحاق: لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال. وحرق العجل وألقاه في البحر، اختار من قومه سبعين رجلاً من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى يسمعنا كلامه، فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه الله إليه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وعوا، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه، وسمع القوم كلام الله مع موسى عليه السلام يقول له: افعل ولا تفعل، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعاً وقام موسى رافعاً يديه إلى السماء يدعو ويقول: يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد، فما الذي يقولون فيّ، فلم يزل موسى مشتغلاً بالدعاء حتى رد الله إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.
القول الثاني: أن هذه الواقعة كانت بعد القتل، قال السدي: لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً، فلما أتوا الطور قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل، فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد فماذا أقول لهم؟ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً فقال موسى:
{ إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ }
[الأعراف: 155] إلى قوله:
{ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ }
[الأعراف: 156] ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا ونظر كل واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى، فقالوا: يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء، فدعاه بذلك فأجاب الله دعوته. واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو غيرهم."
أما الفرق بين سؤال موسى -عليه السلام - و سؤال قومه ، فهو أن سؤال موسى - عليه السلام - كان عن شوق عظيم كما في الحديث السابق ذكره ، أما سؤال قومه ، فيجيب عنه الرازي بقوله :
" فإن قال قائل: فما السبب في استعظام سؤال الرؤية؟ الجواب في ذلك يحتمل وجوهاً :
أحدها: أن رؤية الله تعالى لا تحصل إلا في الآخرة، فكان طلبها في الدنيا مستنكراً. وثانيها: أن حكم الله تعالى أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى الله فكان طلب الرؤية طلباً لإزالة التكليف وهذا على قول المعتزلة أولى، لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري والعلم الضروري ينافي التكليف، وثالثها: أنه لما تمت الدلائل على صدق المدعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتاً والمتعنت يستوجب التعنيف، ورابعها: لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن في منع الخلق عن رؤيته سبحانه في الدنيا ضرباً من المصلحة المهمة، فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا كما علم أن في إنزال الكتاب من السماء وإنزال الملائكة من السماء مفسدة عظيمة فلذلك استنكر طلب ذلك والله أعلم."
أما صعق موسى - عليه السلام - فهو ما أصابه من الغشية ثم أفاق ، و الصعق في حال موسى عليه السلام لا يدل على الموت و إنما على الغشية بدليل أنه أفاق ، أما صاعقة قومه فكانت سببا في موتهم ، و في ذلك يقول الرازي :
" أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتاً لأنه قال: { فَلَمَّا أَفَاقَ } والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي، وثالثها: أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت. ورابعها: أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون. ولذلك قال: { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } منبهاً على عظم العقوبة، القول الثاني: وهو قول المحققين: إن الصاعقة هي سبب الموت ولذلك قال في سورة الأعراف: { فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } واختلفوا في أن ذلك السبب أي شيء كان على ثلاثة أوجه. أحدها: أنها نار وقعت من السماء فأحرقتهم. وثانيها: صيحة جاءت من السماء، وثالثها: أرسل الله تعالى جنوداً سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة.

أما قوله تعالى: { ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } لأن البعث قد (لا) يكون إلا بعد الموت، كقوله تعالى:
{ فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا }
[الكهف: 11، 12]. فإن قلت: هل دخل موسى عليه السلام في هذا الكلام؟ قلت: لا، لوجهين. الأول: أنه خطاب مشافهة فلا يجب أن يتناول موسى عليه السلام. الثاني: أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى: { فَلَمَّا أَفَاقَ } مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت، وقال ابن قتيبة: إن موسى عليه السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه. أما قوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم، أما أنه كلفهم فلقوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ..."

أرجو أن يكون ذلك شافيا لمسألتك ، و السلام عليكم .