المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القاعدة الذهبية في جواز التأويل عند الحنبلية



مصطفى حمدو عليان
19-11-2011, 19:03
*بسم الله ، والصلاة والسلام على رسول الله:

مما اختلفت فيه الطوائف والفرق جواز التأويل في الصفات، و قد وجدت ضابطاً في التأويل عن أئمة الحنابلة-أرى أنه يحل كثيرا من الاشكالات- ، والقانون في ذلك حرمة التأويل إلا بدليل مروي عن السلف.

وقد اشتهر عند السادةالحنابلة قول الإمام أحمد : كيف أقول ما لم يقل! وقد اتبع الامام السلف في الصفات فما قالوه قاله وما سكتوا عنه سكت عنه، وهو يترجم ذلك عملياً فحين سئل عن قوله في القرآن لا خالق ولا مخلوق من قاله ؟ استدل بأحد أئمة السلف وهو جعفر الصادق. كما في سير أعلام النبلاء.

وقال الامام أحمد فيما رواه ابن بطة معتدا بكلام أئمة السلف في العقائد:" وليكن ما ترشده به ، وتوقفه عليه من الكتاب والسنة والآثار الصحيحة من علماء الأمة من الصحابة والتابعين ، وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإياك والتكلف لما لا تعرفه ، وتمحل الرأي ، والغوص على دقيق الكلام ، فإن ذلك من فعلك بدعة ، وإن كنت تريد به السنة ، فإن إرادتك للحق من غير طريق الحق باطل ، وكلامك على السنة من غير السنة بدعة"

وعلى ذلك سارالحنابلة إلا من شذ وغالى. وهذه نقول الحنابلة في إتباع السلف فما تأولوه تأولناه وما سكتوا عنه سكتنا عنه ، وهذه قاعدة ذهبية تزيل كثيرا من الخلافات بين الفرق والطوائف:
1-*قال أبو عبد الله عبيد الله بن بطه العكبري - رحمه الله تعالى - في بعض الصفات الخبرية:
ثم الإيمان والقبول والتصديق, بكل ماروته العلماء ونقلته الثقات أهل الآثار عن رسول الله , وتلقاها بالقبول , ولاتردبالمعاريض, ولا يقال لم وكيف ؟
ولاتحمل على المعقول , ولا تضرب لها المقاييس,ولايعمل لها التفاسير , إلإمافسره رسول الله , أورجل من علماء الأمة ممن قوله شفاء وحجة" أحاديث الصفات والرؤيةص42، اسم الكتاب : كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانه.
2* قال الإمام الحافظ عزالدين عبدالرازق بن رزق الله الرَّسْعَني الحنبلي في كتابه ( رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز ) ( 8/239:" وقاعدة مذهب إمامنا في هذا الباب : اتباع السلف الصالح ، فما تأولوه تأولناه ، وما سكتوا عنه سكتنا عنه ، مفوضين علمه إلى قائله ، منزهين الله عما لا يليق بجلاله"
3*وهذا ابن حمدان يحرم التأويل إلا بدليل وهو من أكابر الحنابلة انتهت اليه معرفة المذهب، قال في نهاية المبتدئين :
ويحرم تأويل ما يتعلق به سبحانه من الكتاب والسنة وتفسيره، إلا بصادر عن رسول الله ص أو عن بعض أصحابه.وقد تأول أحمد آيات وأحاديث كآية النجوى وقوله أن " يأتيهم الله" وقال قدرته وأمره وقوله "وجاء ربك " قال: قدرته ذكرهما ابن الجوزي في المنهاج واختار هو إمرار الآيات كما جاءت من غير تفسير .
وتأول ابن عقيل كثيرا من الآيات والاخبار .
وتأول أحمد قول النبي صلى الله عليه وسلم " الحجر الاسود يمين الله في الارض " ونحوه أ.هـ. ومن هذا الكلام يتضح أن كلام الغزالي في إثبات التأويل عن الإمام أحمد كلام صحيح ، أثبته أئمة الحنابلة أنفسهم قبل مجيء ابن تيمية.
"نهاية المبتدئين" ص(35). وقد قال كذلك البلباني في مختصر نهاية المبتدئين.

4* وقال الآجري في الشريعة في اعتبار تفسير العلماء:
وعند أهل العلم من أهل الحق وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون فهو كما قال أهل العلم : مما جاءت به السنن : إن الله عز وجل على عرشه ، وعلمه محيط بجميع خلقه ، يعلم ما يسرون وما يعلنون ، يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون وقوله عز وجل : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله فمعناه : أنه جل ذكره إله من في السماوات ، وإله من في الأرض ، إله يعبد في السماوات ، وإله يعبد في الأرض ، هكذا فسره العلماء.

5*وفي طبقات ابن رجب في ترجمة ابن هبيرة :" قال مصنف سيرته: كثيرًا ما سمعته يقول: ليس مذهب أحمد إلا الاتباع فقط. فما قاله السلف قاله، وما سكتوا عنه سكت عنه فإنه كان يكثر أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق، لأنه لم يقل. وكان يقول في آيات الصفات: تمرّ كما جاءت."

6*و قال الطوفي :" فالظواهر الواردة في الكتاب والسنة في صفات البارئ جل جلاله، لنا أن نسكت عنها، ولنا أن نتكلم فيها، فإن سكتنا عنها قلنا: تمر كما جاءت، كما نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه وسائر أعيان أئمة السلف، وإن تكلمنا فيها، قلنا: هي على ظواهرها من غير تحريف، ما لم يقم دليل يترجح عليها بالتأويل". مختصر شرح الروضة

7*قال الامام ابن قدامة المقدسي في جواز تاويلات السلف:" فعلم أن ظاهر هذه الألفاظ هو ما حملت عليه فلم يكن تأويلا ثم لو كان تأويلا فما نحن تأولنا وإنما السلف رحمة الله عليهم الذي ثبت صوابهم ووجب اتباعهم هم الذين تأولوه فإن ابن عباس والضحاك ومالكا وسفيان وكثيرا من العلماء قالوا في قوله وهو معكم أي علمه " ذم التأويل

وقال في تحريم النظر في كتب الكلام :"بل آمنا بما جاء وأمررناه كما جاء وقلنا بما قالوا وسكتنا عما سكتوا عنه وسلكنا حيث سلكوا.."
8*قال الامام عبدالباقي المواهبي في العين والأثر في عقائد أهل الأثر ص34:"فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره كآية الاستواء وحديث النزول وغير ذلك من آيات الصفات إلا بصادر عن النبي ص أو بعض الصحابة وهذا مذهب السلف قاطبة، فلا نقول في التنزيه كقول المعطلة ، بل نثبت ولا نحرف ونصف ولا نكيف ، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات ، فمذهبنا حق بين باطلين ، وهدى بين ضلالتين، وهوإثبات الأسماء والصفات مع نفي التتشبيه والأدوات"هــ
وقد سار الحنابلة على هذه القاعدة الذهبية وإن لم يصرح بعضهم بها تصريحا مفصلاً.فإنك لا تجد حنبلياً إلا وهو يؤول بعض الآيات والأخبار ومن هؤلاء أبو يعلى وابن تيمية.

9*بل حتى ابن تيمية قد صرح بوجود التأويل الصحيح وهو الموافق لسياق النصوص والمروي عن السلف
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى 6/21:
-وقد تقدم أنا لا نذم كل ما يسمى تأويلا مما فيه كفاية وإنمانذم تحريف الكلم عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول في القرآن بالرأي-ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره ؛ إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السنة والسلف عليه ؛ لأنه تفسير القرآن بالقرآن ؛ ليس تفسيرا له بالرأي . والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين كما تقدم . وللإمام أحمد - رحمه الله تعالى - رسالة في هذا النوع وهو ذكرالآيات التي يقال : بينها معارضة وبيان الجمع بينها وإن كان فيه مخالفة لما يظهر من إحدى الآيتين أو حمل إحداهما على المجاز . وكلامه في هذا أكثر من كلام غيره من الأئمة المشهورين ؛ فإن كلام غيره أكثر ما يوجد في المسائل العملية وأما المسائل العلمية فقليل . وكلام الإمام أحمد كثير في المسائل العلمية والعملية لقيام الدليل من القرآن والسنة على ذلك ومن قال : إن مذهبه نفي ذلك فقد افترى عليه والله أعلم . والكلام على قوله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } مثل قوله صلى الله عليه وسلم { إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا ؛ إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته } فمن حمله على قرب نفسه قربا لازما أو عارضا فلا كلام ومن قال : المراد كونه يسمع دعاءهم ويستجيب لهم وما يتبع ذلك . قال : دل عليه السياق فلا يكون خلاف الظاهر . أو يقول : دل عليه ما في القرآن والسنة من النصوص التي تدل على أنه فوق العرش فيكون تفسير القرآن وتأويله بالكتاب والسنة وهذا لا محذور فيه .
*وقال:" لأن من المعاني التي قد تسمى تأويلا ما هو صحيح منقول عن بعض السلف ؛ فلم أنف ما تقوم الحجة على صحته فإذا ما قامت الحجة على صحته وهو منقول عن السلف : فليس من التحريف"
* وقد ذكر ابن مفلح أن ابن تيمية أنكر التاويل المذموم عند السلف . انظر شرح الكوكب المنير
*ومن هذه النقولات ندرك أن من نسب حرمة التأويل مطلقا الى الحنابلة قد أخطأ في فهم المذهب وفي معرفة أقواله.
ملاحظة: أردت بهذه النقولات إثبات القاعدة فقط أما تأويلات الحنابلة فهي كثيرة سأذكرها لاحقاً.

والحمد لله رب العالمين.

مصطفى حمدو عليان
19-11-2011, 19:54
ومن غير الحنابلة :
قال الامام الآلوسي في تفسير سورة الحديد:"
وأنت تعلم أن الأسلم ترك التأويل فإنه قول على الله تعالى من غير علم ولا نؤوّل إلا ما أوّله السلف ونتبعهم فيما كانوا عليه فإن أوّلوا أوّلنا وإن فوضوا فوضنا ولا نأخذ تأويلهم لشيء سلماً لتأويل غيره ".