المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إذا كان الله يدافع عن الذين آمنوا ، فلماذا ....... !!



عمر حسين الدجاني
08-11-2011, 04:13
السلام عليكم
تحية طيبة للجميع وعندي سؤال أو شبهة أتمنى ان اجد جوابها عندكم .
ولكن اتمنى هذه المرة ان تحيلوني على شيء مقنع يمكن للإنسان العاقل أن يفهمه.


كما تعلمون أنه يحصل كثيرا ان يتسلط مجرمون على امرأة مسلمة فيغتصبوها وينتهكوا عرضها . وخصوصا في حالات الحروب. فيتسلط كفار او حتى مسلمين على مسلمات ويغتصبوهن.
والأدهي من ذلك انهم أيضا قد يتسلطو على رجال مؤمنين ويغتصبوهم .

ومثل هذه الجرائم حصلت في البوسنة وابو غريب وغيرها وتحصل في سوريا وليبيا وغيرها في السجون او خلال الثورات .
وأيضا سمعنا قصص عن رجال يغتصبون امام زوجاتهم !

وآخر خبر مؤلم سمعته هو أنه في ليبيا تسلط الجنود على اسرة كبيرة فأخذوا الجدة واحضروا أبناءها وأحفادها واغتصبوها أمامهم .!

وبصراحة هذه القصة الأخيرة هي التي حفزتني ان اطرح السؤال هنا . وهو سؤال كان يراودني منذ سنين عديدة

تخيلوا هذه الفظاعات كم هي مخزية ومقززة . ولا شك أنها تحصل لمؤمنين مسلمين موحدين مصلين .

هي ابتلاءات ، وانا لا اعترض على الابتلاء
ولكن كيف يكون ابتلاء المؤمن من هذا النوع لا افهم ؟ !

لو أن المؤمن يقطع إربا إربا فقد أتفهم هذا الابتلاء .
ولكن ان يحصل معه مثل هذه الانتهاكات المذلة الى ابعد الحدود ، وان يفتضح ويستلب شرفه امام العالم او يحدث له ذلك امام عائلته فهذا شيئ لا يتفق في نظري مع مفهوم عزة وكرامة المؤمن .

ومن الآيات التي أراها تناقض هذه الجرائم قوله تعالى :

(إن الله يدافع عن الذين آمنوا)
(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)
(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)
(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)
(أليس الله بكاف عبده)

فهل هؤلاء الذين يتعرضون لهذه المخازي ليسوا مؤمنين ؟
وإذا كان بعضهم او أكثرهم غير مؤمنين فهل معقول ان كلهم غير مؤمنين رغم أن الكثير منهم يُفعل به ذلك أصلا بسبب أنه مؤمن مسلم ؟
وإذا كانوا مؤمنين فكيف يتفق هذا مع تقرير الله تعالى انه يدافع عن الذين آمنوا وأن المؤمنين لهم العزة وأنهم الأعلون وان لهم حياة طيبة وان الله كافيهم ،،الخ

؟ ؟

محمد سليمان الحريري
08-11-2011, 05:47
أخي عمر بارك الله فيكم:
إن مثل هذه التساؤلات التي خطرت ببالك وتخطر ببال الكثيرين, إنما علاجها هو أن تتذكر دوماً أن كل ما سوى الله هو ملك لله تعالى, ولذلك فإن الله تعالى لا يُتصور منه الظلم في حق أحد, ولكن مع ذلك فقد كتب على نفسه الرحمة.
وتذكر أن كل ما يصيب الإنسان من هم وغم وابتلاء, إنما هو نتيجة لكسب يده, قال تعالى:" وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ " .
فهؤلاء الذين ذكرتهم, لا تدري أنت ما هو ماضيهم, لعلهم أساؤو فأراد الله تعالى أن يبتليهم ليطهرهم من تبعات إساءاتهم.
فهل تريد دفاعاً أكثر من أن يرد الله النار عن عبده, وذلك بأن يبتليه ليطهره؟
أما قول الله عز وجل: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) فما الذي يدريك أن هؤلاء من الذين يعملون الصالحات؟
وأما قول الله تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) فإن الله تعالى من أسمائه : المعز المذل, ويقول شيخنا النابلسي: إنه يذل ليعز, أي إذا انحرف الإنسان فلا بد من تصحيح مساره, لا بد من لفت نظره, ليعود إلى التزام أوامر ربه واجتناب مناهيه, لأن العزة الحقيقية هي بالتزام حدود الشرع.
أما الآية الكريمة: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) فمن لوازم الإيمان اتباع المعصوم صلى الله عليه وسلم, فلنسأل أنفسنا : ما مدى حرصنا على اتباع أوامره؟
وقوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده) : فابحث يا أخي عن معنى العبودية في كلام أهل العلم, لتدرك أن الواصلين إلى مرتبة العبودية هم قلة قليلة ممن جاهدوا أنفسهم طويلاً في الله.
ختاماً: أكثر من تلاوة القرآن بتدبر وخشوع, فإنه شفاء لما في الصدور

عمر حسين الدجاني
08-11-2011, 06:28
إذن كلامك اخي محمد الكسور يعني دليل وإشارة وفضيحة لكل من يُغتصب أو تغتصب بنته أو أمه بأنهم ليسوا من المؤمنين العابدين حقا وأنهم ليسوا من الذين عملوا الصالحات !
والمعنى أخي أن كل من يحصل له هذا فلنفهم انه كذلك ، إذن فليس تعرضه للاغتصاب وهتك العرض هو الفضيحة الوحيدة ، بل يوجد فضيحة جديدة هي انه كذا وكذا وكذا بما أنه قدّر الله عليه ذلك !!
غريب ! مع أن الله قال أنه (يدافع عن الذين آمنوا) ولم يخصص . والإيمان هو التصديق بلا إله إلا الله محمد رسول الله. ولم يقل الله أنه (يدافع عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتابوا وأحسنوا وتحققوا بالعبودية الكاملة) !

على كل حال : إذن ماذا يفعل الإنسان حتى يتجنب مثل هذا المصير ؟ هل إذا تاب من ذنوبه وعمل صالحا سوف تنطبق عليه هذه الآيات ؟ أم يجب أن يكون من الذين لم يقعوا في حياتهم إلا بالصغائر ؟

ماذا عن الذي أشرك أو قتل أو ارتكب الكبائر ثم تاب فهل ستنطبق عليه هذه الآيات أم سيظل معرضا لمثل هذا المصير ؟
أتمنى أن أسمع كلاما فيه حجج أو أدلة من الكتاب والسنة وأقوال المفسرين. أريد أدلة في أن الذين يستحقون هذا الدفاع هم أصحاب الصفات الفلانية .
فأنا بحسب علمي وفهمي الظاهري ان هذه الآيات تعني كذا و كذا . وهي بحسب فهمي لها تتعارض مع مصائر الكثير من المؤمنين والمسلمين . فإما ان اكون انا فهمت الآيات بطريقة خاطئة ففهمونا ايها لطفا ، أو ان هؤلاء ببساطة ليسوا مؤمنين عملوا صالحات ، فاخبروني بالضبط كيف يمكن ان يستحق المؤمن هذا الدفاع الرباني ؟ وماذا يفعل على وجه التحديد ؟ وبالادلة إذا أمكن.

جلال علي الجهاني
08-11-2011, 09:46
أخي عمر، ما تفسيرك وتفهمك لــ
لو أن المؤمن يقطع إربا إربا فقد أتفهم هذا الابتلاء .

مع الآيات الكريمة التي ذكرتها؟

عبد السلام مازن ابو خلف
08-11-2011, 09:48
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مع أنه ليس لدي وقت لمناقشة الموضوع تفصيلاً لكني أحببت أن أنقل بعض الآيات والأحاديث التي تكفي من تدبرها، وحاصل ما يمكن أن يقال أن هذه الدار دار ابتلاء وتكليف لا دار علوٍ وتشريف، فهذا هو الأصل الأصيل الذي تدور عليه محكمات الآيات ويفسر ما سواها في ضوئها، وإليك بعض النصوص المغنية لك إن شاء الله تعالى:

قال تعالى: ((وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم))

قال أبو السعود: وعنْ قَتَادةَ: أنَّها نزلتْ في يومِ أحدٍ.

قال الإمام البيضاوي: (ولو يشاء الله لانتصر منهم) لانتقم منهم بالاستئصال (ولكن ليبلو بعضكم ببعض) ولكن أمركم بالقتال ليبلوا المؤمنين بالكافرين؛ بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم، والكافرين بالمؤمنين؛ بأن يعاجلهم على أيديهم.



قال تعالى : ((مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ))


عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ : « مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ أَوْ دُونَ دَمِهِ أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ».رواه أبو داود.

ومحل الشاهد في هذا الحديث هو عن نفس ما سألتَ عنه، فمن قاتل دفاعا عن عرضه فهو شهيد، فالدفاع عن أعراضنا هو أمر كلفنا به ولم يُضمن لنا عدمُ حصوله وإلا لما رتب الله ثواب الشهادة على المقتول دون عرضه وشرفه، نعم؛ قد يدافع الله عن عرضك لِتشكر وقد لا لِتصبر، والمؤمن يرضى بالقضاء لا بالمقضي إن كان شراً، وقدر الله واقع لا محالة؛ رضي من رضي وسخط من سخط، وفي الآخرة يقتص للمظلوم من الظالم.
والله أعلم.
والسلام.

هاني علي الرضا
08-11-2011, 16:42
أعتقد أن منشأ الإشكال عند السائل من فهمه الإطلاق والدوام من قوله تعالى { إن الله يدافع عن الذين منوا } ، ففهم أن كل من اتصف بالإيمان ولابسه فإن الله ينصره دون قيد أو شرط ، وهو فهم خاطئ لأن مدافعة الله عن المؤمنين نصر لهم على أعداءهم ونصر الله مشروط بنصرتهم هم لله أي لدينهم والتزام شرعه كما في قوله تعالى {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} فإن تأخر الشرط تأخر المشروط دون أن يعني عدم إيمانهم لأن الشرط ليس الإيمان فقط وإنما نصرة الله ، فنصر الله ليس هدية مجانية لكل من تسمى بالإيمان وأعلن الشهادة أو ولد مسلما وإنما له اشتراطات وعليه محاذير وروح {نحن أبناء الله وأحباءه} وينبغي عليه أن ينصرنا ويحيينا حياة طيبة ليست من دين الله في شيء - بل عقيدة الأشاعرة على أنه ما عليه سبحانه واجب - وإنما هي من سنن اليهود والنصارى لذا تجد النصارى كثيرا ما يفقد الواحد منهم إيمانه عقب تعرضه لهزة شخصية أو مشاهدته عذابات الآخرين ، وقد رد عليهم سبحانه خيالاتهم فقال {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} فكذلك نحن بشر ممن خلق ولا امتياز لنا على غيرنا إلا بمقدار تمسكنا بحبل لله فمتى تمسكنا به تحقق الموعود من النصر وإن لا فلا .

وتأمل كذلك في أن المدافعة والنصرة مشروطة بتحقيق شرط نصرة الله والتحقق بالصلاح وكيف أن هذا يلوّح بأن النصر يأتي بعد بذل الأسباب لأن هذه الدنيا مسيرة بالأسباب ومقيدة بها ، فمن لم يبذل السبب ولم يسع في عوامل النصر وأسبابه من صلاح شخصي ومجتمعي وتفوق قوة ومال فلا يظن أن نصر الله يأتيه وهو جالس في داره على أريكته يفاكه أهله .

أما من يتعرض لمثل ما ذكره السائل من ابتلاءات والفرض فيه كمال الإيمان والصلاح الشخصي أو مع كونه من غير المكلفين أصلا كما الأطفال فمن باب (يخسف باولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم) كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

فلا إشكال أصلا في هذه الآيات إن فهمت في ضوء غيرها ، وأغلب الإشكالات التي تنشأ عند كثير من الناس في فهم القرآن تأتي من فهمه مجتزأ ومن عدم اعتبار القرآن وحدة واحدة يفسر بعضه بعضا ويقيد بعضه مطلق بعضه ويخص عمومه ويفصل مجمله وكذلك في عدم فهمه في ضوء السنة وقد أوتي رسول الله وحيين لا وحيا واحدا .

والله الموفق .

عمر حسين الدجاني
08-11-2011, 17:17
أخي عمر، ما تفسيرك وتفهمك لــ

مع الآيات الكريمة التي ذكرتها؟



أخي المحترم جلال سؤالك بمحله . لأنه يبدو تناقض في طرحي ن إذ مادام أني لا ارى تعارضا بين الآيات والتقطيع إربا إربا فما معنى قولي بالتعارض بينها وبين الاغتصاب ؟ !. واعترف ان هذا تناقض مني أنا . ولكن يمكن السبب هو أن التقطيع ليس فيه اذلال وإهانة كبيرة للمؤمن بل فيه شرف الصبر والشهادة . ولكن الاغتصاب وخصوصا للمرأة امام اولادها أو زوجها او أي احد امام الناس وامام اقربائه واصدقائه فهذا too much وهوأمر يصدم وفيه قمة الاذلال والتحقير لكرامة المؤمن التي اخبرنا الله في الكثير من الآيات والآثار عن عظم كرامة المؤمن عند الله وأن هدم الكعبة أهون من قتل المؤمن وان المؤمن يستمد العزة من الله وأنه بشكل عام أكرم ما خلق الله . فهذا الذي يحدث عندي هذه الإشكالات .
فكيف يهون المؤمن على الله تعالى لهذا الحد بحيث يسمح لحثالات الخلق من الكفار والمجرمين أن ينتهكوا عرضه ويفضحوه أمام الناس وهو لعله لم يتعرض لذلك إلا لأنه يجاهد ويقول الحق ويرفض الزور والدنية ! فكيف يكون هذا هو جزاء الصدق ! ولو قلنا أنه في الدنيا فقط . ولكن الدنيا حياة أيضا ومايحصل فيها يظل حقيقة واقعية لن يمحيها الموت او حتى البعث . لان ما حصل فقد حصل وانتهى الامر .
هذا هو الأمر الذي يحيرني واصارحكم يجعلني افقد توكلي على الله . هذا امر محزن جدا لي . كيف اتوكل على الله وانا ارى انه يسمح بمثل هذا لعباده المصطفين بالإيمان وكلمة التوحيد ! وما يدريني انني احسن من الآلاف أو الملايين الذين تعرضوا لمثل هذا الإذلال !!
أنا لست احسن منهم ، وربما اكثرهم يكونوا اكثر طاعة لله مني . فكيف وبأي منطق يطالبوننا ان نتوكل على الله وهذه هي الحقائق والوقائع التي نراها ونعلم انها صحيحة مائة بالمائة !
هذا بصراحة ما يجعلني غير قادر على المصالحة الكاملة مع ربي . وانا اكلمكم بدون زور وكذب واقول لكم ان هذا هو حالي مع الله . مع أني لا احب هذا الحال ولكنه مبني على امور فوق طاقتي . وازيد صراحة في وصف حالي واقول انه يوجد مشكلة حقيقية ، وأزمة ثقة بيني وبين ربي . ولا بد انني صاحب تفكير مخطيء ،، ولا أريد نصائح وعظية أبدا ، ولكن اريد من يتكلم معي بالحجة والمنطق ويقنعني بهذا العالم اللاعقلاني الغير مفهوم الذي اي شيء سلبي فيه ملقى على عاتق ومسؤولية الانسان فقط أما الذي خلق الانسان وخلق ظروفه واختياراته فليس لنا ان نستفهم منه عني شيء او ان ننسب اي خلق سلبي له مع اننا نعلم علم اليقين انه هو خالق كل ذلك وهو الذي ان شاء منع اي شر في الوجود واراح هذه المخلوقات المسكينة التي لم تأتي للوجود اصلا بأرادتها ولم تطلب هي ان تخلق !

غريب والله يا محترمين موضوع الدين كله ، معقد وغير مفهوم بالنسبة لي وغير عقلاني ولولا ان وجود الكون لا يمكن ان اتقبل انه بالصدفة ولولا الىثار الكونية الكبيرة الدالة على وجود الله لتركت هذه المواضيع ولم اتعب حالي فيها اصلا و لشطبت فكرة الدين من راسي وانا واثق ومرتاح .

مصطفى سعيد
08-11-2011, 17:41
السلام عليكم
قال تعالى
"إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ*أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ *ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ ٱلأُمُورِ "
لابد لنا من قراءة هذه الآيات مجتمعة ؛ ففى قوله تعالى "وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ"جزء كبير من الاجابة ؛ فما يحدث من اعتداء على المؤمنين يدخل تحت سنة الدفع ، ورغم أنهم ظلموا ورغم أن الله على نصرهم لقدير فإن سنة الله هى دفع الناس بعضهم ببعض ؛
وطالما كان الحراك المجتمعى والقتال فى اطار سنة التدافع فإن هذه السنة تظل فاعلة لتحقيق التمايز بين الناس أفرادا ومجتمعات
أما إذا تجاوز إلى الخيانة وإلى الكفران " إنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ" بهذه السنن فإن الله يدافع عن الذين آمنوا بما يفوق هذه السنن ، وهو ماحدث فى غزوة الأحزاب - الخندق - ؛ عندما خان اليهود عهدهم وكفروا -رغم علمهم - بسنة الله مع الذين آمنوا .
وهو ماحدث مع بنى اسرائيل لما صبروا على أذى فرعون فنجاهم الله وأهلك فرعون بغير قتال ولاحرب ؛ وكذلك أهلاك الأمم الغابرة كان دفاعا عن الأنبياء ... فعندما هم القوم باخراج النبى ومن معه أو رجمه أو ماشابه نجاه الله ودافع عنه وعن المؤمنين واهلك الاخرين .

أما النصر
فى قوله تعالى
"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ " البقرة 214
فواضح أنه بعد شهادة البعض وأسر البعض و.... إلخ ،كثمن مدفوع للجنة وكدليل على الذين جبنوا أو بخلوا أو ردهم تأخر النصر ولاقامة الدليل -كذلك - على ظلم الظالم ؛ والأهم تحديد المجموعة الفائزة بصبرها وجهادها وايمانها .
فلك أن تتخيل أن ظالما أراد أن يبطش بمؤمن فدافع الله عن الأخير بمجرد أن نوى أو هم الظالم بالبطش به ...فكيف يكون راى الناس فى هذا ؟!؛ إنهم لم يطلعوا على نية الظالم ولم يروا فى الواقع منه ظلما وسيتعاطفون معه .
لذلك إن الأذى الواقع بالمؤمن هو لاقامة الدليل على ظلم الظالم ؛كما أن هزيمة المؤمنين واستشهاد بعضهم دليل على جهادهم وصبرهم واستحقاقهم أن يمدهم الله بالملائكة لنصرتهم واستحقاقهم للفوز بالجنة

سعيد بن عبد القادر مكرم
08-11-2011, 22:47
أخي عمر ، السلام عليكم

إن ما أثرته من شبهة في قوله تعالى : إن الله يدافع عن الذين آمنوا... " ، يمكن رده من وجوه :

أولا : أن الدفاع عن الذين آمنوا يتناول عموم الجماعة ، لا خصوصها ، فقد يتأذى بعض الأفراد المؤمنين بظلم الأعداء و إذلالهم ، و لا يكون ذلك خذلانا من الله - عز و جل - لأن العبرة بمصير الجماعة المسلمة ، لا الأفراد ، و قد لاقى المسلمون في تاريخهم الحديث من الإذلال على يد المستعمر ما يندى له الجبين من اضطهاد و إذلال و انتهاك لحرماتهم ، إلا أن الله نصرهم على عدوهم في النهاية لمّا قاوموا هذا المستعمر إذ لو لم يحدث في بعض أفرادهم ذلك ، لربما قعسوا عن القتال و الجهاد ، و رب ضارة نافعة كما يقول المثل .
ثانيا : إن الاحتجاج على الله بذلك فيما يقع لبعض الأفراد من انتهاك لحرمتهم لا يجوز ، ذلك أن الله يبتلي عباده بما شاء ، دون أن ينال ذلك من مصير الجماعة في دينها و مستقبلها .
ثالثا : إن مثل هذه الأفعال الشنيعة تقع ضمن دائرة حرية الإنسان مسلما كان أو كافرا ، و تطال أفرادا ، حتى يعلم الإنسان أن الخير أو الشر من كسبه ، و أنه ينبغي أن يتحمل نتائج أفعاله .
رابعا : أن تغييب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يوجب عقوبة الله على القوم حتى لو كان فيهم الصالح من عباد الله ، سواء كانت هذه العقوبة كارثة طبيعية ، أو تسليط بعضهم على بعض ، أو تسليط عدو عليهم .
خامسا : هذه الأفعال الإذلالية هي امتحان من الله لبعض المؤمنين ، و الإذلال لا يتوقف على الاغتصاب فقط ، و إنما على ألوان أخرى من العذاب و الهوان يسامها المؤمن .
سادسا : ضعف الإنسان المؤمن بأن يستعجل النصر ، فإن لم يكن ، يئس و داخله الشك ، و منه ما حدث يوم أحد لما أشيع أن رسول الله قد مات ، فلانت عزائم بعض الصحابة - رضي الله عنهم - و قد أصيب يومئذ رسول الله - صلى الله عليه و سلم - في رباعيته ، حتى غشي عليه ، و مع ذلك تحصن به بعض الصحابة لإيمانهم بأن الله عاصمه . و قد عصمه الله فعلا حتى أتم رسالته ، ثم لقي ربه - صلى الله عليه و سلم - و لنتأمل هذا الحديث الشريف الذي يصف نفسية بعض الصحابة - رضي الله عنهم - عندما يستعجلون النصر ، و هم يعانون ما يعانون من الظلم و الهوان : عن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: (كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ). وفي رواية عند البخاري أيضاً: عنه -رضي الله عنه - قال: "أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردةً، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا مِنَ المشركين شِدةً فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه، فقال: (لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ) زَادَ بَيَانٌ –رجل من رجال السند- (وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ).
فالنصر كما ترى لا يوكل للخوارق ، و إنما إلى الأخذ بالأسباب ، ثم التوكل على الله ، و لو شاء النبي - عليه الصلاة و السلام - الدعاء على قومه بإهلاكهم لفعل ، لكن تقدير قيمة هذا النصر لن تكون ذات طعم ، لأنه سيجيء سهلا ، و ما يجيء سهلا فإنه سرعان ما يتبدد و يزول ، و كذلك لم يدع النبي على قومه رحمة بهم ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله و لا يشرك به شيئا ، و قد حدث ذلك فعلا .
سابعا : ابتلي النبي - صلى الله عليه و سلم - بحادثة الإفك ، و لم يقل أحد من الصحابة : كيف يحدث ذلك له و هو نبي ، و لم تهتز ثقتهم به و لا بالله ، حتى نصره الله .
و عليه ، فإن حصول مثل ذلك لا يقدح في المؤمن ، و لا كرامته ، لأنه لم يرض ذلك و إنما أكره عليه ، و الله لا يؤاخذ المكره و لا الناس يؤاخذونه ، فليحتسب أجره عند الله بما ناله من غم و هم و انكسار ، و هذا الظلم الذي يفلت أصحابه من العدالة الدنيوية ، لهو خير دليل على وجود عالم آخر يحاسب فيه الله هؤلاء الظلمة ، و يقتص منهم .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

رمضان ابراهيم ابو احمد
09-11-2011, 06:12
جزاكم الله خيرا أيها الإخوة الكرام على هذه الردود الكافية الشافية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

محمد سليمان الحريري
09-11-2011, 18:01
أخي عمر أنا مهتم بأمرك, وأحب أن أفيدك بشيء من التفصيل:
بداية: هل يستطيع أحد في الدنيا كلها أن يعيرك بأن أصلك نطفة؟ الجواب لا بالتأكيد, وذلك لأن الناس كلهم مشتركون في هذا الحكم, كذلك الأمر بالنسبة لما ذكرته, فإنه لا يعد فضيحة لأحد, لأن الناس كلهم ( عدا الأنبياء طبعاً) مشتركون في كونهم خطائين , والدليل قوله : « كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ».
كما أنه الذي ذكرته ليس إشارة قطعية إلى أن هؤلاء ليسوا من الذين يعملون الصالحات, لكنه مجرد احتمال وارد, وربما كان علي أن أبين ذلك, فأنا المخطئ في هذا.
أما قولك أخي الكريم: (والمعنى أخي أن كل من يحصل له هذا فلنفهم انه كذلك):
فالآية الكريمة واضحة: " وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ". و المصائب التي تحل بالمؤمن يا أخي الكريم عمر: من جهة هي بمثابة تأديب له على انحراف قد وقع منه, وهذا التأديب هو من لوازم كونه تعالى رباً للعالمين, إذ أن من معاني الرب المربي, والمربي لابد من أن يعاقب وأن يردع.
ومن جهة أخرى: فهذا التأديب إنما هو رحمة من الله بعباده: قال : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى : أي عذاب الدنيا ومصائبها, الذل الذي قد يلحق بالمؤمن, الجوع الخوف, المرض, فقد الأحبة, الكوارث, الاعتقالات, المداهمات وترويع الآمنين, الإهانات, غلاء الأسعار, المشاكل مع الأهل, المشاكل مع الناس, دون العذاب الأكبر, أي قبل عذاب يوم القيامة, لعلهم يرجعون إلى ساحة الإيمان والتقوى قبل فوات الأوان وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وهذه الآية الكريمة تجيب عن كثير من التساؤلات في حياتك, وتعطيك تصوراً صحيحاً للأحداث التي تجري من حولك.
الآن ما الذي يحدث لو أن الله تبارك وتعالى لم يستخدم هذه السياسة مع عباده, أقصد سياسة التأديب, أي ما الذي سيحصل لو أن الله جعل حياة الناس عامة, وحياة المؤمنين بشكل خاص خالية من المصائب والمنغصات, الذي سيحصل أن الله لن يكون عندها رباً للعالمين, لأن من معاني الرب المربي, والمربي لا بد أن يعاقب وأن يؤدب, فإذا لم يعاقب ولم يؤدب فلا يكون رباً, تخيل أن العبد المسلم يعيش حياة مطمئنة هادئة لا تشوبها شائبة, ولا تعكرها مصيبة, ولا يوجد في حياته ما يؤلمه ويقلقه, عندئذ فإن هذا العبد سينتقل من انحراف إلى انحراف, وسيخرج من ذنب ليقع في آخر وهو لا يفكر مجرد تفكير بأن يتوب ويستغفر ويصلح, إذ لا يوجد شيء يجبره على ذلك, لا يوجد ما يردعه عن الذنب, لأنه كما ذكرت, الأمور ميسرة والحياة من أجمل ما يكون, وهكذا سيصل العبد إلى نقطة النهاية في حياته الدنيا وهو في أسوأ حال, وسيلاقي ربه وهو محمل بأثقال من الذنوب كالجبال, والنتيجة: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُأهكذا أفضل؟؟
أي بدون المصائب والابتلاءات تصبح الحياة الدنيا كأنها فخ نصبه الله لعباده ليوقع بهم يوم القيامة, وعندئذ يكون الله قد غش عباده, وهذا مستحيل في حق الله الذي كتب على نفسه الرحمة, لذلك فإن حكمة الله ورحمته بعباده تستلزم منه أن يبعث إليهم تنبيهاً عند كل انحراف يقعون به, وقد قال لنا وبكل صراحة: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ .
أما قولك: ( إذن فليس تعرضه للاغتصاب وهتك العرض هو الفضيحة الوحيدة ، بل يوجد فضيحة جديدة هي انه كذا وكذا وكذا بما أنه قدّر الله عليه ذلك !!).
فلماذا حصرت التأديب في الفضيحة؟ والجواب أن التأديب قد يكون بأقل من ذلك بكثير, فقد قال النبي : «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا».
لكن القاعدة: أنه كلما كان الإنحراف أكبر, كان التأديب أشد, إلا إذا تدارك نفسه بالتوبة الصادقة.
أما قولك يا أخي الكريم: (غريب ! مع أن الله قال أنه (يدافع عن الذين آمنوا) ولم يخصص .)
لا داعي للتخصيص, والدليل أن الإيمان بمفهومه العام عند أهل السنة الأشاعرة يشمل الأعمال الصالحة, والدليل قوله تعالى: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ " والمقصود بالإيمان في هذه الآية هو الصلاة, والصلاة من العمل الصالح, كما يذكر المفسرون.
وقال النبي : « الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ». فلاحظ كيف عد النبي  الأعمال الصالحة كالحياء وإماطة الأذى عن الطريق, من الإيمان.
وقولك: (والإيمان هو التصديق بلا إله إلا الله محمد رسول الله. ولم يقل الله أنه (يدافع عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتابوا وأحسنوا وتحققوا بالعبودية الكاملة) !)
التصديق بـ لاإله إلا الله محمد رسول الله, هو تعريف أصل الإيمان, وليس تعريفاً للإيمان, أما الإيمان بمفهومه العام: فهو قول وعمل, يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, وهو المقصود في الآية التي ذكرتَها.
أما الأسئلة التي طرحتها : (على كل حال : إذن ماذا يفعل الإنسان حتى يتجنب مثل هذا المصير ؟ هل إذا تاب من ذنوبه وعمل صالحا سوف تنطبق عليه هذه الآيات ؟ أم يجب أن يكون من الذين لم يقعوا في حياتهم إلا بالصغائر ؟)
الجواب: عليه أن يتوب من ذنوبه توبة صادقة, ويداوم على الاستغفار, وعندئذ سيكون في معزل عن التأديب الرباني,فقد قال تعالى: " مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا " و قال النبي : «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ ، كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ.» ماذا تريد أكثر من ذلك؟
وسؤالك :(ماذا عن الذي أشرك أو قتل أو ارتكب الكبائر ثم تاب فهل ستنطبق عليه هذه الآيات أم سيظل معرضا لمثل هذا المصير ؟)
إن تاب وآمن وعمل صالحاً فإن الله لن يغفر له فحسب, بل سيبدل الله سيئاته حسنات, كما أخبر بذلك: " وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا " فهل هناك أعظم من هذا الكرم؟؟؟ وستنطبق عليه الآيات لكن بشرط الاستمرار على الاستقامة, بحيث كل ما وقع في ذنب سارع إلى التوبة مباشرة, وهكذا يبقى العبد في حفظ الله تعالى, أما أن يسترسل في المعصية ويستمر دون توبة, فلا بد عندئذ من التأديب ( طبعاً نحن نتحدث عن المؤمن ).
وقولك: (ولكن الاغتصاب وخصوصا للمرأة امام اولادها أو زوجها او أي احد امام الناس وامام اقربائه واصدقائه فهذا too much وهوأمر يصدم وفيه قمة الاذلال والتحقير لكرامة المؤمن التي اخبرنا الله في الكثير من الآيات والآثار عن عظم كرامة المؤمن عند الله وأن هدم الكعبة أهون من قتل المؤمن وان المؤمن يستمد العزة من الله وأنه بشكل عام أكرم ما خلق الله . فهذا الذي يحدث عندي هذه الإشكالات .)
هو فعلاً قمة الإذلال, لكن هذا الإذلال والتحقير أصله من الشخص نفسه, والدليل: قال النبي : « لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا وكيف يذل نفسه ؟ قال يتعرض من البلاء لما لا يطيق» إذن هو الذي يعرض نفسه للابتلاء, وذلك عندما يقع في المعصية ثم لا يتوب منها بل يبقى مصراً عليها.
ولأن المؤمن هو أكرم مخلوق على الله تعالى كما ذكرت, فقد كان لا بد من أن يكون محط عناية واهتمام ومتابعة من الله عز وجل, بحيث كلما أخطأ هذا المخلوق الكريم, فإن الله يبعث إليه تنبيهاً ليرده إلى الصراط المستقيم, لأنه يريد منه أن يكون في حالة راقية جداً , بعيداً عن دنس الانحرافات, وطاهراً من أدران الشبهات والشهوات, ( لأنه كم يقول الناس: محسوب على الله).
وقولك: (فكيف يهون المؤمن على الله تعالى لهذا الحد بحيث يسمح لحثالات الخلق من الكفار والمجرمين أن ينتهكوا عرضه ويفضحوه أمام الناس )
الأصل أن المؤمن غالٍ على الله, ولا يهون المؤمن على الله إلا إذا هان أمر الله عليه, قال تعالى: " نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ " وحثالات الخلق والكفار والمجرمون لن يكونوا أشد من الزبانية الغلاظ الشداد, فعقوبة الدنيا تدفع عقوبة الآخرة, وهذا من كرم الله تعالى, قال سيدنا محمد : " بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ "
وتقول أيضاً: (وهو لعله لم يتعرض لذلك إلا لأنه يجاهد ويقول الحق ويرفض الزور والدنية ! فكيف يكون هذا هو جزاء الصدق !)
لا تستطيع أن تحكم على الناس بمجرد الظاهر, ولا يمكن أن تصف أحداً بالصدق أو بالكذب, بل علم ذلك كله إلى الله وحده, وقد شهد الصحابة لرجل بأنه أبلى بلاء حسناً في المعركة, ثم أخبر  أن هذا الرجل من أهل النار, وإليك نص الحديث: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  حُنَيْنًا فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلاَمِ « هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ » فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالاً شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ الَّذِى قُلْتَ لَهُ آنِفًا « إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ » فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالاً شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِىُّ  « إِلَى النَّارِ » فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَأُخْبِرَ النَّبِىُّ  بِذَلِكَ فَقَالَ « اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ».
فكيف تحكم أنت يا أخي عمر على هؤلاء بأنهم مجاهدون صادقون؟؟
وأقول لك وبكل صراحة, وأكتبها بالخط العريض: كل إنسان يفضحه الله أمام الناس, فاعلم أن ذلك لا يكون إلا بعد التنبيه اللطيف, فإذا لم يستجب فعندئذ يبدأ التصعيد من الله شيئاً فشيئاً, ولو أن هذا الإنسان حفظ الله لحفظه الله, قولاً واحداً, قال  : «إحفظ الله يحفظك».
ولا حظ قول الله تعالى: " اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى " ألا يعلم الله بعلمه القديم أن فرعون لن يستجيب لداعي الله؟؟ فلماذا إذن أمر موسى وهارون عليهما السلام أن يتلطفا معه في بداية الأمر؟ الجواب واضح, ليقول الله لك: أنا لا أبطش من أول مرة.
وقد قال سيدنا عمر للص الذي ادعى أنها أول مرة يسرق فيها, قال له كلاماً معناه: كذبت, ما كان الله ليفضحك من المرة الأولى.
ولله در ابن عطاء الله إذ يقول: (( من لم يقبل إلى الله بملاطفات الإحسان, سيق إليه بسلاسل الإمتحان )).
وشيخنا النابلسي يقول دائماً: إما أن تأتيه طائعاً, أو أن يأتي بك بالعصا, فأيهما أرقى؟؟ والعاقل تكفيه إشارة.
وأكثر الناس يطالبون بالذي لهم, (أو بعبارة أصح: بالذي يظنون أنه لهم) وينسون الذي عليهم, وهذا عدم توازن, وعدم التوازن هو الذي يؤدي بدوره إلى الارتياب والشك.
ثم قلت بعد ذلك: (ولو قلنا أنه في الدنيا فقط . ولكن الدنيا حياة أيضا ومايحصل فيها يظل حقيقة واقعية لن يمحيها الموت او حتى البعث . لان ما حصل فقد حصل وانتهى الامر .)
من أين لك يا أخي عمر بأن الموت لن يمحوها, أو حتى البعث؟ قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ " .
فإذا كانت أهوال القيامة تنسي الوالدة الحنون ولدها الرضيع, فهل ستترك مجالاً لتذكر ما حصل في الدنيا من آلام, والتي مهما عظمت فإنها لا تساوي شيئاً أمام أهوال الآخرة؟
قال المصطفى : « يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ ، فَيُقَالُ : اغْمِسُوهُ فِي النَّارِ غَمْسَةً ، فَيُغْمَسُ فِيهَا، ثُمَّ يُخْرَجُ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : أَيْ فُلاَنُ , هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لاَ ، مَا أَصَابَنِي نَعِيمٌ قَطُّ ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا ، وَبَلاَءً ، فَيُقَالُ : اغْمِسُوهُ غَمْسَةً فِي الْجَنَّةِ ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً ، فَيُقَالُ لَهُ : أَيْ فُلاَنُ , هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ ، أَوْ بَلاَءٌ ، فَيَقُولُ : مَا أَصَابَنِي قَطُّ ضُرٌّ ، وَلاَ بَلاَءٌ».
فالأول نسي ما مر به من النعيم الكبير من غمسة واحدة في العذاب, والثاني نسي مصائبه وآلامه الجسيمة لمجرد غمسة واحدة في النعيم.
ثم قلت: (هذا هو الأمر الذي يحيرني واصارحكم يجعلني افقد توكلي على الله . هذا امر محزن جدا لي . كيف اتوكل على الله وانا ارى انه يسمح بمثل هذا لعباده المصطفين بالإيمان وكلمة التوحيد ! وما يدريني انني احسن من الآلاف أو الملايين الذين تعرضوا لمثل هذا الإذلال !! )
أعود وأكرر الاسطوانة نفسها: من قال لك أن هؤلاء من عباد الله المصطفين؟؟؟؟؟
وقد مر معك قبل قليل أنه لا يمكن أن نحكم بصدق الناس ولا بكذبهم, وقد قال تعالى: " هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ".
وقد أخبر النبي  أن في الناس أقواماً يظهرون بمظهر الإخبات والخشوع لله, وفي الحقيقة هم من المارقين, أي لا يعرفون من الدين إلا مجرد الانتساب الشكلي لجماعة المسلمين, قال : « يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»
وأما قولك: ((فكيف وبأي منطق يطالبوننا ان نتوكل على الله وهذه هي الحقائق والوقائع التي نراها ونعلم انها صحيحة مائة بالمائة ! هذا بصراحة ما يجعلني غير قادر على المصالحة الكاملة مع ربي))
نطالبك بذلك بمنطق العقل السليم, لأن الذي يتابع معاملة الله الحسنة للكثير من عباده, يعرف أن الله لن يتخلى عنه إذا استقام وكان من عباد الله المخلصين, حاول أن تبحث عن كتاب " آيات الرحمن في حرب الأفغان " لتعرف حجم المدد والحفظ الإلهي الذي كان يعامل الله به المجاهدين من حركة طالبان, والذين هم من أهل السنة الماتردية, ولله الحمد, ويكفيك أن تعلم أنهم في بداية الأمر كانوا يواجهون الدبابات بالسكاكين وقد وصل حجم الدين عليهم لأحد معامل السكاكين في باكستان, وصل إلى ملايين الدولارات.
لا يوجد في الدنيا كلها قانون يبرر الانتصار على الدبابات بالسكاكين, لا يوجد إلا قانون واحد: هو قانون المدد الرباني والحفظ الإلهي.
إذن, ليست المشكلة في الحقائق والوقائع التي نراها, كلا, بل المشكلة أننا نفسرها تفسيراً خاطئاً, ولا ننظر إلى القضايا إلا من جهة واحدة.
ولن تتصالح مع ربك إلا إذا صححت نظرتك تجاهه. وحتى تصحح نظرتك تجاهه, لا بد من أن تعرفه, وأن تعرفه يعني أن تعرف أسماءه الحسنى, وصفاته الفضلى, وأنا أدلك على ما سيساعدك بإذن الله.
أدخل إلى موقع النابلسي للعلوم الإسلامية, ثم إلى قسم العقيدة ومنه إلى أسماء الله الحسنى, وابدأ بتحميل الدروس وداوم على استماعها على حسب فراغك واستعدادك النفسي, والأهم أن تستمع بخشوع وأن لا تسمح للأفكار الجدلية بالتدخل لتعكير الجو.
بمعنى أني أريدك أن تسلّم وأن تذعن لما يقول الشيخ دون أي جدل أو فلسفة, وذلك في المرحلة الأولى فقط, وذلك حتى تتمكن أنوار العلم من اختراق غاشية الشك التي ألاحظها عندك.
والتسليم والإذعان في البداية, هو السبيل للوصول إلى المعرفة الحقيقية في النهاية, فإذا ما أذعنت لأمر الله دون أدنى اعتراض, فإن الله تعالى يكافؤك بأن يكشف لك الحكمة عن كل شيء يمكن أن تتساءل عنه, وهذا أمر جربته أنا بنفسي لله الحمد. قال تعالى: " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "

أما قولك: ((وازيد صراحة في وصف حالي واقول انه يوجد مشكلة حقيقية ، وأزمة ثقة بيني وبين ربي . ولا بد انني صاحب تفكير مخطيء ،، ولا أريد نصائح وعظية أبدا ، ولكن اريد من يتكلم معي بالحجة والمنطق ويقنعني بهذا العالم اللاعقلاني الغير مفهوم الذي اي شيء سلبي فيه ملقى على عاتق ومسؤولية الانسان فقط أما الذي خلق الانسان وخلق ظروفه واختياراته فليس لنا ان نستفهم منه عني شيء او ان ننسب اي خلق سلبي له مع اننا نعلم علم اليقين انه هو خالق كل ذلك وهو الذي ان شاء منع اي شر في الوجود واراح هذه المخلوقات المسكينة التي لم تأتي للوجود اصلا بأرادتها ولم تطلب هي ان تخلق !

غريب والله يا محترمين موضوع الدين كله ، معقد وغير مفهوم بالنسبة لي وغير عقلاني ولولا ان وجود الكون لا يمكن ان اتقبل انه بالصدفة ولولا الىثار الكونية الكبيرة الدالة على وجود الله لتركت هذه المواضيع ولم اتعب حالي فيها اصلا و لشطبت فكرة الدين من راسي وانا واثق ومرتاح .))
فالإجابة حاضرة بفضل الله, ولكن أطلب منك أنت أن تكتب إجابة عن هذا الكلام, وذلك بعد أن تمضي شوطاً في درس أسماء الله الحسنى, وذلك من أجل أن أرى وأطمأن إلى مدى التحسن في خواطرك.

وإذا كنت مصراً على أن أبعث لك الإجابة, فراسلني على بريدي:
alfakhrarrazi@gmail.com

اتمنى لك التوفيق.

محمد سليمان الحريري
09-11-2011, 18:07
أخي عمر أنا مهتم بأمرك, وأحب أن أفيدك بشيء من التفصيل:
بداية: هل يستطيع أحد في الدنيا كلها أن يعيرك بأن أصلك نطفة؟ الجواب لا بالتأكيد, وذلك لأن الناس كلهم مشتركون في هذا الحكم, كذلك الأمر بالنسبة لما ذكرته, فإنه لا يعد فضيحة لأحد, لأن الناس كلهم ( عدا الأنبياء طبعاً) مشتركون في كونهم خطائين , والدليل قوله : « كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ».
كما أنه الذي ذكرته ليس إشارة قطعية إلى أن هؤلاء ليسوا من الذين يعملون الصالحات, لكنه مجرد احتمال وارد, وربما كان علي أن أبين ذلك, فأنا المخطئ في هذا.
أما قولك أخي الكريم: (والمعنى أخي أن كل من يحصل له هذا فلنفهم انه كذلك):
فالآية الكريمة واضحة: " وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ". و المصائب التي تحل بالمؤمن يا أخي الكريم عمر: من جهة هي بمثابة تأديب له على انحراف قد وقع منه, وهذا التأديب هو من لوازم كونه تعالى رباً للعالمين, إذ أن من معاني الرب المربي, والمربي لابد من أن يعاقب وأن يردع.
ومن جهة أخرى: فهذا التأديب إنما هو رحمة من الله بعباده: قال : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ولنذيقنهم من العذاب الأدنى : أي عذاب الدنيا ومصائبها, الذل الذي قد يلحق بالمؤمن, الجوع الخوف, المرض, فقد الأحبة, الكوارث, الاعتقالات, المداهمات وترويع الآمنين, الإهانات, غلاء الأسعار, المشاكل مع الأهل, المشاكل مع الناس, دون العذاب الأكبر, أي قبل عذاب يوم القيامة, لعلهم يرجعون إلى ساحة الإيمان والتقوى قبل فوات الأوان وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وهذه الآية الكريمة تجيب عن كثير من التساؤلات في حياتك, وتعطيك تصوراً صحيحاً للأحداث التي تجري من حولك.
الآن ما الذي يحدث لو أن الله تبارك وتعالى لم يستخدم هذه السياسة مع عباده, أقصد سياسة التأديب, أي ما الذي سيحصل لو أن الله جعل حياة الناس عامة, وحياة المؤمنين بشكل خاص خالية من المصائب والمنغصات, الذي سيحصل أن الله لن يكون عندها رباً للعالمين, لأن من معاني الرب المربي, والمربي لا بد أن يعاقب وأن يؤدب, فإذا لم يعاقب ولم يؤدب فلا يكون رباً, تخيل أن العبد المسلم يعيش حياة مطمئنة هادئة لا تشوبها شائبة, ولا تعكرها مصيبة, ولا يوجد في حياته ما يؤلمه ويقلقه, عندئذ فإن هذا العبد سينتقل من انحراف إلى انحراف, وسيخرج من ذنب ليقع في آخر وهو لا يفكر مجرد تفكير بأن يتوب ويستغفر ويصلح, إذ لا يوجد شيء يجبره على ذلك, لا يوجد ما يردعه عن الذنب, لأنه كما ذكرت, الأمور ميسرة والحياة من أجمل ما يكون, وهكذا سيصل العبد إلى نقطة النهاية في حياته الدنيا وهو في أسوأ حال, وسيلاقي ربه وهو محمل بأثقال من الذنوب كالجبال, والنتيجة: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُأهكذا أفضل؟؟
أي بدون المصائب والابتلاءات تصبح الحياة الدنيا كأنها فخ نصبه الله لعباده ليوقع بهم يوم القيامة, وعندئذ يكون الله قد غش عباده, وهذا مستحيل في حق الله الذي كتب على نفسه الرحمة, لذلك فإن حكمة الله ورحمته بعباده تستلزم منه أن يبعث إليهم تنبيهاً عند كل انحراف يقعون به, وقد قال لنا وبكل صراحة: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ .
أما قولك: ( إذن فليس تعرضه للاغتصاب وهتك العرض هو الفضيحة الوحيدة ، بل يوجد فضيحة جديدة هي انه كذا وكذا وكذا بما أنه قدّر الله عليه ذلك !!).
فلماذا حصرت التأديب في الفضيحة؟ والجواب أن التأديب قد يكون بأقل من ذلك بكثير, فقد قال النبي : «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا».
لكن القاعدة: أنه كلما كان الإنحراف أكبر, كان التأديب أشد, إلا إذا تدارك نفسه بالتوبة الصادقة.
أما قولك يا أخي الكريم: (غريب ! مع أن الله قال أنه (يدافع عن الذين آمنوا) ولم يخصص .)
لا داعي للتخصيص, والدليل أن الإيمان بمفهومه العام عند أهل السنة الأشاعرة يشمل الأعمال الصالحة, والدليل قوله تعالى: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ " والمقصود بالإيمان في هذه الآية هو الصلاة, والصلاة من العمل الصالح, كما يذكر المفسرون.
وقال النبي : « الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ». فلاحظ كيف عد النبي  الأعمال الصالحة كالحياء وإماطة الأذى عن الطريق, من الإيمان.
وقولك: (والإيمان هو التصديق بلا إله إلا الله محمد رسول الله. ولم يقل الله أنه (يدافع عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتابوا وأحسنوا وتحققوا بالعبودية الكاملة) !)
التصديق بـ لاإله إلا الله محمد رسول الله, هو تعريف أصل الإيمان, وليس تعريفاً للإيمان, أما الإيمان بمفهومه العام: فهو قول وعمل, يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, وهو المقصود في الآية التي ذكرتَها.
أما الأسئلة التي طرحتها : (على كل حال : إذن ماذا يفعل الإنسان حتى يتجنب مثل هذا المصير ؟ هل إذا تاب من ذنوبه وعمل صالحا سوف تنطبق عليه هذه الآيات ؟ أم يجب أن يكون من الذين لم يقعوا في حياتهم إلا بالصغائر ؟)
الجواب: عليه أن يتوب من ذنوبه توبة صادقة, ويداوم على الاستغفار, وعندئذ سيكون في معزل عن التأديب الرباني,فقد قال تعالى: " مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا " و قال النبي : «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ ، كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ.» ماذا تريد أكثر من ذلك؟
وسؤالك :(ماذا عن الذي أشرك أو قتل أو ارتكب الكبائر ثم تاب فهل ستنطبق عليه هذه الآيات أم سيظل معرضا لمثل هذا المصير ؟)
إن تاب وآمن وعمل صالحاً فإن الله لن يغفر له فحسب, بل سيبدل الله سيئاته حسنات, كما أخبر بذلك: " وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا " فهل هناك أعظم من هذا الكرم؟؟؟ وستنطبق عليه الآيات لكن بشرط الاستمرار على الاستقامة, بحيث كل ما وقع في ذنب سارع إلى التوبة مباشرة, وهكذا يبقى العبد في حفظ الله تعالى, أما أن يسترسل في المعصية ويستمر دون توبة, فلا بد عندئذ من التأديب ( طبعاً نحن نتحدث عن المؤمن ).
وقولك: (ولكن الاغتصاب وخصوصا للمرأة امام اولادها أو زوجها او أي احد امام الناس وامام اقربائه واصدقائه فهذا too much وهوأمر يصدم وفيه قمة الاذلال والتحقير لكرامة المؤمن التي اخبرنا الله في الكثير من الآيات والآثار عن عظم كرامة المؤمن عند الله وأن هدم الكعبة أهون من قتل المؤمن وان المؤمن يستمد العزة من الله وأنه بشكل عام أكرم ما خلق الله . فهذا الذي يحدث عندي هذه الإشكالات .)
هو فعلاً قمة الإذلال, لكن هذا الإذلال والتحقير أصله من الشخص نفسه, والدليل: قال النبي : « لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا وكيف يذل نفسه ؟ قال يتعرض من البلاء لما لا يطيق» إذن هو الذي يعرض نفسه للابتلاء, وذلك عندما يقع في المعصية ثم لا يتوب منها بل يبقى مصراً عليها.
ولأن المؤمن هو أكرم مخلوق على الله تعالى كما ذكرت, فقد كان لا بد من أن يكون محط عناية واهتمام ومتابعة من الله عز وجل, بحيث كلما أخطأ هذا المخلوق الكريم, فإن الله يبعث إليه تنبيهاً ليرده إلى الصراط المستقيم, لأنه يريد منه أن يكون في حالة راقية جداً , بعيداً عن دنس الانحرافات, وطاهراً من أدران الشبهات والشهوات, ( لأنه كم يقول الناس: محسوب على الله).
وقولك: (فكيف يهون المؤمن على الله تعالى لهذا الحد بحيث يسمح لحثالات الخلق من الكفار والمجرمين أن ينتهكوا عرضه ويفضحوه أمام الناس )
الأصل أن المؤمن غالٍ على الله, ولا يهون المؤمن على الله إلا إذا هان أمر الله عليه, قال تعالى: " نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ " وحثالات الخلق والكفار والمجرمون لن يكونوا أشد من الزبانية الغلاظ الشداد, فعقوبة الدنيا تدفع عقوبة الآخرة, وهذا من كرم الله تعالى, قال سيدنا محمد : " بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ "
وتقول أيضاً: (وهو لعله لم يتعرض لذلك إلا لأنه يجاهد ويقول الحق ويرفض الزور والدنية ! فكيف يكون هذا هو جزاء الصدق !)
لا تستطيع أن تحكم على الناس بمجرد الظاهر, ولا يمكن أن تصف أحداً بالصدق أو بالكذب, بل علم ذلك كله إلى الله وحده, وقد شهد الصحابة لرجل بأنه أبلى بلاء حسناً في المعركة, ثم أخبر  أن هذا الرجل من أهل النار, وإليك نص الحديث: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  حُنَيْنًا فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلاَمِ « هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ » فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالاً شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ الَّذِى قُلْتَ لَهُ آنِفًا « إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ » فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالاً شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِىُّ  « إِلَى النَّارِ » فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَأُخْبِرَ النَّبِىُّ  بِذَلِكَ فَقَالَ « اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ».
فكيف تحكم أنت يا أخي عمر على هؤلاء بأنهم مجاهدون صادقون؟؟
وأقول لك وبكل صراحة, وأكتبها بالخط العريض: كل إنسان يفضحه الله أمام الناس, فاعلم أن ذلك لا يكون إلا بعد التنبيه اللطيف, فإذا لم يستجب فعندئذ يبدأ التصعيد من الله شيئاً فشيئاً, ولو أن هذا الإنسان حفظ الله لحفظه الله, قولاً واحداً, قال  : «إحفظ الله يحفظك».
ولا حظ قول الله تعالى: " اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى " ألا يعلم الله بعلمه القديم أن فرعون لن يستجيب لداعي الله؟؟ فلماذا إذن أمر موسى وهارون عليهما السلام أن يتلطفا معه في بداية الأمر؟ الجواب واضح, ليقول الله لك: أنا لا أبطش من أول مرة.
وقد قال سيدنا عمر للص الذي ادعى أنها أول مرة يسرق فيها, قال له كلاماً معناه: كذبت, ما كان الله ليفضحك من المرة الأولى.
ولله در ابن عطاء الله إذ يقول: (( من لم يقبل إلى الله بملاطفات الإحسان, سيق إليه بسلاسل الإمتحان )).
وشيخنا النابلسي يقول دائماً: إما أن تأتيه طائعاً, أو أن يأتي بك بالعصا, فأيهما أرقى؟؟ والعاقل تكفيه إشارة.
وأكثر الناس يطالبون بالذي لهم, (أو بعبارة أصح: بالذي يظنون أنه لهم) وينسون الذي عليهم, وهذا عدم توازن, وعدم التوازن هو الذي يؤدي بدوره إلى الارتياب والشك.
ثم قلت بعد ذلك: (ولو قلنا أنه في الدنيا فقط . ولكن الدنيا حياة أيضا ومايحصل فيها يظل حقيقة واقعية لن يمحيها الموت او حتى البعث . لان ما حصل فقد حصل وانتهى الامر .)
من أين لك يا أخي عمر بأن الموت لن يمحوها, أو حتى البعث؟ قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ " .
فإذا كانت أهوال القيامة تنسي الوالدة الحنون ولدها الرضيع, فهل ستترك مجالاً لتذكر ما حصل في الدنيا من آلام, والتي مهما عظمت فإنها لا تساوي شيئاً أمام أهوال الآخرة؟
قال المصطفى : « يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ ، فَيُقَالُ : اغْمِسُوهُ فِي النَّارِ غَمْسَةً ، فَيُغْمَسُ فِيهَا، ثُمَّ يُخْرَجُ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : أَيْ فُلاَنُ , هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لاَ ، مَا أَصَابَنِي نَعِيمٌ قَطُّ ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا ، وَبَلاَءً ، فَيُقَالُ : اغْمِسُوهُ غَمْسَةً فِي الْجَنَّةِ ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً ، فَيُقَالُ لَهُ : أَيْ فُلاَنُ , هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ ، أَوْ بَلاَءٌ ، فَيَقُولُ : مَا أَصَابَنِي قَطُّ ضُرٌّ ، وَلاَ بَلاَءٌ».
فالأول نسي ما مر به من النعيم الكبير من غمسة واحدة في العذاب, والثاني نسي مصائبه وآلامه الجسيمة لمجرد غمسة واحدة في النعيم.
ثم قلت: (هذا هو الأمر الذي يحيرني واصارحكم يجعلني افقد توكلي على الله . هذا امر محزن جدا لي . كيف اتوكل على الله وانا ارى انه يسمح بمثل هذا لعباده المصطفين بالإيمان وكلمة التوحيد ! وما يدريني انني احسن من الآلاف أو الملايين الذين تعرضوا لمثل هذا الإذلال !! )
أعود وأكرر الاسطوانة نفسها: من قال لك أن هؤلاء من عباد الله المصطفين؟؟؟؟؟
وقد مر معك قبل قليل أنه لا يمكن أن نحكم بصدق الناس ولا بكذبهم, وقد قال تعالى: " هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ".
وقد أخبر النبي  أن في الناس أقواماً يظهرون بمظهر الإخبات والخشوع لله, وفي الحقيقة هم من المارقين, أي لا يعرفون من الدين إلا مجرد الانتساب الشكلي لجماعة المسلمين, قال : « يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»
وأما قولك: ((فكيف وبأي منطق يطالبوننا ان نتوكل على الله وهذه هي الحقائق والوقائع التي نراها ونعلم انها صحيحة مائة بالمائة ! هذا بصراحة ما يجعلني غير قادر على المصالحة الكاملة مع ربي))
نطالبك بذلك بمنطق العقل السليم, لأن الذي يتابع معاملة الله الحسنة للكثير من عباده, يعرف أن الله لن يتخلى عنه إذا استقام وكان من عباد الله المخلصين, حاول أن تبحث عن كتاب " آيات الرحمن في حرب الأفغان " لتعرف حجم المدد والحفظ الإلهي الذي كان يعامل الله به المجاهدين من حركة طالبان, والذين هم من أهل السنة الماتردية, ولله الحمد, ويكفيك أن تعلم أنهم في بداية الأمر كانوا يواجهون الدبابات بالسكاكين وقد وصل حجم الدين عليهم لأحد معامل السكاكين في باكستان, وصل إلى ملايين الدولارات.
لا يوجد في الدنيا كلها قانون يبرر الانتصار على الدبابات بالسكاكين, لا يوجد إلا قانون واحد: هو قانون المدد الرباني والحفظ الإلهي.
إذن, ليست المشكلة في الحقائق والوقائع التي نراها, كلا, بل المشكلة أننا نفسرها تفسيراً خاطئاً, ولا ننظر إلى القضايا إلا من جهة واحدة.
ولن تتصالح مع ربك إلا إذا صححت نظرتك تجاهه. وحتى تصحح نظرتك تجاهه, لا بد من أن تعرفه, وأن تعرفه يعني أن تعرف أسماءه الحسنى, وصفاته الفضلى, وأنا أدلك على ما سيساعدك بإذن الله.
أدخل إلى موقع النابلسي للعلوم الإسلامية, ثم إلى قسم العقيدة ومنه إلى أسماء الله الحسنى, وابدأ بتحميل الدروس وداوم على استماعها على حسب فراغك واستعدادك النفسي, والأهم أن تستمع بخشوع وأن لا تسمح للأفكار الجدلية بالتدخل لتعكير الجو.
بمعنى أني أريدك أن تسلّم وأن تذعن لما يقول الشيخ دون أي جدل أو فلسفة, وذلك في المرحلة الأولى فقط, وذلك حتى تتمكن أنوار العلم من اختراق غاشية الشك التي ألاحظها عندك.
والتسليم والإذعان في البداية, هو السبيل للوصول إلى المعرفة الحقيقية في النهاية, فإذا ما أذعنت لأمر الله دون أدنى اعتراض, فإن الله تعالى يكافؤك بأن يكشف لك الحكمة عن كل شيء يمكن أن تتساءل عنه, وهذا أمر جربته أنا بنفسي لله الحمد. قال تعالى: " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "

أما قولك: ((وازيد صراحة في وصف حالي واقول انه يوجد مشكلة حقيقية ، وأزمة ثقة بيني وبين ربي . ولا بد انني صاحب تفكير مخطيء ،، ولا أريد نصائح وعظية أبدا ، ولكن اريد من يتكلم معي بالحجة والمنطق ويقنعني بهذا العالم اللاعقلاني الغير مفهوم الذي اي شيء سلبي فيه ملقى على عاتق ومسؤولية الانسان فقط أما الذي خلق الانسان وخلق ظروفه واختياراته فليس لنا ان نستفهم منه عني شيء او ان ننسب اي خلق سلبي له مع اننا نعلم علم اليقين انه هو خالق كل ذلك وهو الذي ان شاء منع اي شر في الوجود واراح هذه المخلوقات المسكينة التي لم تأتي للوجود اصلا بأرادتها ولم تطلب هي ان تخلق !

غريب والله يا محترمين موضوع الدين كله ، معقد وغير مفهوم بالنسبة لي وغير عقلاني ولولا ان وجود الكون لا يمكن ان اتقبل انه بالصدفة ولولا الىثار الكونية الكبيرة الدالة على وجود الله لتركت هذه المواضيع ولم اتعب حالي فيها اصلا و لشطبت فكرة الدين من راسي وانا واثق ومرتاح .))
فالإجابة حاضرة بفضل الله, ولكن أطلب منك أنت أن تكتب إجابة عن هذا الكلام, وذلك بعد أن تمضي شوطاً في درس أسماء الله الحسنى, وذلك من أجل أن أرى وأطمأن إلى مدى التحسن في خواطرك.

وإذا كنت مصراً على أن أبعث لك الإجابة, فراسلني على بريدي:
alfakhrarrazi@gmail.com

اتمنى لك التوفيق.

مصطفى سعيد
10-11-2011, 13:33
السلام عليكم
الأخ محمد سليمان
الموت مصيبة وهو ليس بما قدمت أيد أحد
وعند قراءة الآية
"وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ "
فإن مصيبة الموت ليست مشمولة فيها
وليس كل ما يصيب الناس يكون بما قدمت أيديهم
إذن نحتاج لتقسيم المصائب
أقدار ؛ عقوبات شرعية ؛ فتن ؛ كفارات

ولذلك نرجو ازالة اللبس
فقولك وقد قال سيدنا عمر للص الذي ادعى أنها أول مرة يسرق فيها, قال له كلاماً معناه: كذبت, ما كان الله ليفضحك من المرة الأولى.
فضح المذنب هنا بذنبه متلبسا به فلايقارن برجل ضعيف مسالم اغتصبه ظالم
وفضح السارق من أول مرة أفضل له كى يرجع
والله قد يفضح من أول مرة ....وكل الناس قد أخطأ ففضحه الله فارتدع ... كمن دخن سيجارة أو أخذ لقمة خلسة ؛ أو ترك أبوه يصلى وترك الصلاة وذهب يلعب حتى قاربت الصلاة على النهاية تصنع أنه يصلى ولكن أباه كشف أمره ...... الخ فهنا تعلم بالخطأ

ونسأل متى فُضح فرعون ؟
يوم هزيمته يوم الزينة ......وهو لايزال مفضوحا منذ يوم غرقه ونجاة بدنه آية للناس


فمسألة اصابة المؤمن بمصيبة وقعت عليه من ظالم لايشترط أنه يستحقها من الناحية الشرعية كأن تكون عقابا ؛ وإن كان يستحقها من الناحية الكونية لضعفه وقلة حيلته ؛
وهو مأجور فيها إن لم يمن فى الدنيا ففى الآخرة

عمر حسين الدجاني
10-11-2011, 23:29
اشكرك أخي محمد سليمان على ردك المفصل . وقد أجبت على مسائل كثيرة اخي باجوبة طيبة ، ولكن تظل المشكلة كيف نوفق بين حقيقة أن الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل وبين فكرة أن الانبياء وأهل الطاعة محفوظين ويدافع الله عنهم وانهم هم الأعلون !
فالموضوع أصبح انه مرة أهل المعصية هم الذين يتعرضون للبلاء الأشد !
ومرة أهل الطاعة هم الذين يتعرضون للبلاء الأشد !

فإذا كان أهل الطاعة قد حظوا بدفاع الله عنهم وأن الله معهم وأنهم لهم العزة والحياة الطيبة و و و الخ مما ذكرناه ، فهذا يعني بالمنطق أن بلاءهم أخف وأن أمرهم ألطف وأن آلامهم أقل من أهل المعصية الذين يستحقون الضراء لكي يرتدعوا ويتضرعوا ويتوبوا !
ولكن في نفس الوقت نسمع أن الأنبياء وأهل الطاعة هم الأشد بلاء وهم الذين يتعرضون لمكاره أكثر بما ان لهم أجور أكبر .

فهل من توضيح لهذه المشكلة ؟

شفاء محمد حسن
11-11-2011, 01:11
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ الفاضل.. اسمح لي بأن أجيب عن بعض تساؤلاتك.. ولكن قبلها يجب علينا أن نبين بعض الأمور التي ربما تكون سبب اللبس..
أولا: حفظ الله للمؤمنين.. فمماذا يكون الحفظ؟!
حفظ الله للمؤمنين هو حفظهم في دينهم، حفظهم عند البلاء من السخط، وحفظهم عند النعمة من الغفلة، وما إلى ذلك، وأمثل لك بمثال:
لي صاحبة عامية لكنها تحافظ على أورادها، وتلازم (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) في الصباح والمساء..
اتصل بها زوجها الذي تحبه كثيرا ليلة وقال لها: جهزي العشاء فأنا في الطريق وقد قاربت الوصول، وبعد دقائق اتصل بها إنسان يخبرها بأن زوجها مات بحادث سيارة قريبا من البيت!
قالت: أغلقت الهاتف وانطلقت إلى الحمام فتوضأت وصليت ركعتي شكر على البلاء، كنت مطمئنة..
وما إن انتهت عدتها حتى انطلقت تبحث عن مجالس الخير، وملازمة أهل الطاعة.. وانقلبت حالها لأفضل حال..
فهذه قد حفظها الله تعالى بملازمتها للأذكار من أن تفتن عند البلاء.. بينما نجد الكثيرات ممن يموت أزواجهن يقضين حياتهن ألما وحزنا وسخطا على قضاء الله تعالى وقدره.. (فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)..
ومن هنا تأتي الإجابة على السؤال الآخر، كيف يعيش المؤمن حياة طيبة.. والإجابة: أن الحياة الطيبة لا تقاس بالأمور الظاهرة، فكم من إنسان منعم بالظاهر، متألم بالباطن، فهو يعيش حياته نكدا، وأما المؤمن الذي رضي بقضاء الله تعالى واطمأن له، ولم يعترض على قضاء الله تعالى وقدره، فهذا هو الذي يعيش الحياة الطيبة برضاه وسعادته وأمله بالله تعالى الذي لن يضيع له أجره.. وكم رأينا من أناس أحاطهم البلاء من كل جانب، وكل من رآهم يغبطهم على سعادتهم..
بقي أن نعلم أن البلاء يصيب المؤمن والكافر، لكنه للمؤمن رحمة؛ لأنه يكفر خطاياه، أو يرفع درجاته، وللكافر عذاب في الدنيا قبل الآخرة، (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله مالا يرجون)

وأما كلامك عن الاعتداء ونحو ذلك، فهو فضيحة في الظاهر، وأما عند الله تعالى فمادام الإنسان ليس آثما بهذه الفضيحة، بل مثاب على صبره عليها، ورضاه بالبلاء الذي قسمه الله تعالى له، مع شدته، فهي إذا ليست فضيحة..
الفضييحة الحقيقية هي المعاصي التي يعملها الإنسان عامدا.. وإن كان ظاهرها حسنا.. فالفضيحة أن يمشي الرجل مع زوجته المتبرجة ويعرضها للرجال، الفضيحة أن تبذل المرأة جسدها للرجال، فهذه ربما تسلم من إيذائهم، ولكنها في مقياس الشرع تفضح نفسها..
فالمؤمن لا يرى الفضيحة إلا هتك الحياء بينه وبين الله تعالى بارتكاب المعاصي، وأما ما عدا ذلك فهو بلاء ثوابه عند الله تعالى محفوظ.. ولا يحق لأي إنسان أن ينظر إلى هذا الذي اعتدي عليه نظرة اشمئزاز أو كره أو نحو ذلك، بل الجميع ينظر إليه نظرة شفقة، بينما الذي تعمد فضح نفسه ينظر إليه نظرة اشمئزاز وكره لعمله..
والكلام في هذه المسألة طويل.. ولكن أرجو أن يكون هذا القدر كافيا..

نسأل الله تعالى أن ينير بصائرنا ويفهمنا ويرزقنا الطمأنينة في الدين..

عمر حسين الدجاني
11-11-2011, 09:24
أولا: حفظ الله للمؤمنين.. فمماذا يكون الحفظ؟!

اختي الفاضلة كلامك كله مفيد ولكن في حصر الحفظ على الأمور الدينية رأي بغير دليل على ما أظن . فالسنة مليئة بالأحاديث حول الحفظ من المصائب والبلايا ومن قال كذا لم يصبه كذا وكذا و الكثير من الىثار حول الطاعة والحفظ من الأذى في البدن والمال والولد والخ. ولذلك فالسؤال للإخوان هو ما شروط هذا الحفظ ؟ وكيف نصنف هؤلاء الذين نراهم ظاهرهم الإيمان ولكن يتعرضون لهتك الأعراض والذل المبين ؟ فهذا الامر حسب علمي لا يصيب الأولياء ! وكيف يمكن ان نتخيل ان الله يتخذ وليا ثم يفضحه ويسمح لأحد أن يغتصب أمه او بنته أو زوجته او حتى هو ! كيف تركب في الدماغ هذه ! وكيف يكون وليا ويكون الله وليه ؟ أليس الولي هو النصير ! هذا شيء لا اقول يتعارض مع العقل ولكن يهدم العقل على عروشه .
والكلام ليس عن مصيبة الموت أو الاذى الجسدي النسبي فهذه أشياء يتعرض لها كل الناس وحتى الأنبياء .

سعيد بن عبد القادر مكرم
11-11-2011, 23:19
أخي عمر السلام عليكم

أنت ههنا تثير مسألة أخرى فتقارن بين ابتلاء الأنبياء و أصحاب الطاعات من جهة ، و ابتلاء أصحاب المعاصي من جهة أخرى ، و الحقيقة أن ابتلاء الأنبياء و الأولياء لا يكون على معاص ارتكبوها ، مع أن الأولياء قد يرتكبون اللمم من المعاصي فتدفعها الصلاة و ما إلى ذلك من وجوه الخير ، و إنما على مقدار تقربهم من الله ، فإن الله إذا أحب عبدا ابتلاه ، و من هنا يكون ابتلاء الله لهم عن رضا ليكون ثوابهم أعظم عند الله لأنهم استحقوا محبة الله . أما ابتلاء أصحاب المعصية من المؤمنين فهو بخلاف الأول لأنه يأتي عقابا لهم على ذنوبهم المقترفة ، فتطهرهم العقوبة الدنيوية .
أما معنى الولي فيحتاج إلى تعريف و بيان ، لا كما تحاول أن تجعلها مجرد رديف للمسلم ، ظاهر الإسلام .
و في هذا الصدد ، نأتي إلى تعريف الولي و مواصفاته من خلال قوله تعالى : { أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } يونس ، 62 .
يقول الإمام الرازي في تفسيره لهذه الآية ما يأتي :
" المسألة الأولى: اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية إلى أن نبين أن الولي من هو؟ ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه. فنقول: أما إن الوحي من هو؟ فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول. أما القرآن، فهو قوله في هذه الآية: { ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } فقوله: { ءامَنُواْ } إشارة إلى كمال حال القوة النظرية وقوله: { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } إشارة إلى كمال حال القوة العملية. وفيه قيام آخر، وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل، ثم نصف الولي بأنه كان متقياً في الكل. أما التقوى في موقف العلم فلأن جلال الله أعلى من أن يحيط به عقل البشر، فالصديق إذا وصف الله سبحانه بصفة من صفات الجلال، فهو يقدس الله عن أن يكون كماله وجلاله مقتصراً على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به، وإذا عبد الله تعالى فهو يقدس الله تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار فثبت أنه أبداً يكون في مقام الخوف والتقوى. وأما الأخبار فكثيرة روى عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس " ثم قرأ هذه الآية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هم الذين يذكر الله تعالى برؤيتهم " قال أهل التحقيق: السبب فيه أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما يشاهد فيهم من آيات الخشوع والخضوع، ولما ذكر الله تعالى سبحانه في قوله:
{ سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ }
[الفتح: 29] وأما الأثر، فقال أبو بكر الأصم: أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبودية الله تعالى والدعوة إليه، وأما المعقول فنقول: ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب، فولى كل شيء هو الذي يكون قريباً منه، والقرب من الله تعالى بالمكان والجهة محال، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقاً في نور معرفة الله تعالى سبحانه، فإن رأى دلائل قدرة الله، وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق بالثناء على الله، وإن تحرك تحرك في خدمة الله، وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله، فهنالك يكون في غاية القرب من الله، فهذا الشخص يكون ولياً لله تعالى، وإذا كان كذلك كان الله تعالى ولياً له أيضاً كما قال الله تعالى:

{ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ }
[البقرة: 257] ويجب أن يكون الأمر كذلك، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين. وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون آتياً بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة، فهذا كلام مختصر في تفسير الولي.

وأما قوله تعالى في صفتهم: { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } ففيه بحثان:

البحث الأول: أن الخوف إنما يكون في المستقبل بمعنى أنه يخاف حدوث شيء في المستقبل من المخوف، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه.

البحث الثاني: قال بعض المحققين: إن نفي الحزن والخوف إما أن يحصل للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة والأول باطل لوجوه: أحدها: أن هذا لا يحصل في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن خصوصاً لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " وعلى ما قال: " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " وثانيها: أن المؤمن، وإن صفا عيشه في الدنيا، فإنه لا يخلو من هم بأمر الآخرة شديد، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة الله تعالى، وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى: { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على أمر الآخرة، فهذا كلام محقق، وقال بعض العارفين: إن الولاية عبارة عن القرب، فوليُّ الله تعالى هو الذي يكون في غاية القرب من الله تعالى، وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة الله تعالى بحيث لا يخطر بباله في تلك اللحظة شيء مما سوى الله، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة، ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فإن صاحبها لا يخاف شيئاً، ولا يحزن بسبب شيء، وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل إلا بعد الشعور به، والمستغرق في نور جلال الله غافل عن كل ما سوى الله تعالى، فيمتنع أن يكون له خوف أو حزن؟ وهذه درجة عالية، ومن لم يذقها لم يعرفها، ثم إن صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية، كما يحصل لغيره، وسمعت أن إبراهيم الخواص كان بالبادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له، فجلس في موضعه وجاءت السباع ووقفوا بالقرب منه، والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ ما كان فازعاً من تلك السباع، فلما أصبح وزالت تلك الحالة ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على يده فأظهر الجزع من تلك البعوضة، فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟ فقال الشيخ: إنا إنما تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فأنا أضعف خلق الله تعالى." انتهى كلام الرازي ، و هذا جزء من تفسيره للآية .
إذن أخي ، فالولي هو من تحقق له الإيمان الصادق اليقيني مع العمل الصالح مما يؤدي إلى نيله محبة الله و رضاه ، فهؤلاء يبتليهم الله بشتى أنواع الابتلاء ،لكن دون أن يكون هذا الابتلاء من النوع الذي ذكرته أي هتك عرضه أمام ناظريه . أما ما دونهم من المؤمنين ، فيمكن أن يبتلوا بما شاء الله عقابا على معاصيهم ، و لله في خلقه شؤون .
و إن كنت تريد أن تتخذ هذا الأمر الذي أشكل عليك مطية للعزوف عن الدين ، و لا نتمنى لك ذلك ، فإن الله غني عن العالمين ، فإن هذا الوجه إذا أشكل عليك ، فلا يصرفنّك عن تأمل الوجوه الأخرى التي تظهر لك حكمة الله فيها . " إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ " . فما خفيت عليك اليوم حكمته ، قد تظهر لك في مقبل الأيام .

محمد سليمان الحريري
13-11-2011, 01:43
السلام عليكم:
بالنسبة للأخ الكريم مصطفى سعيد: مصيبة الموت عامة في جميع أهل الأرض, وهي غير داخلة تحت الآية الكريمة كما ذكرت, ولا أظن أن الأمر بحاجة إلى إيضاح, إذ ليس هنا بيت القصيد, والمقصود كان إعطاء تفسير مناسب للمصائب التي تنزل بالمؤمن في حياته.
وأما عن تقسيمك المصائب إلى الأقسام التالية:
1. أقدار 2. عقوبات شرعية 3. فتن 4. كفارات: فإن الأنواع الثلاثة الأخيرة تدخل في النوع الأول, إذ كلها أقدار, فسقط الأول, كذلك النوعان الثاني والرابع هما في الحقيقة نوع واحد: لما ورد في البخاري:
((وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ)) ونتيجة لذلك سيبقى عندنا نوعان من الابتلاء, الأول: عقوبات أو كفارات.
الثاني: فتن.
وقولك: (( وكل الناس قد أخطأ ففضحه الله فارتدع )) فلعله خطأ كتابي, ولعلك أردت أن تقول: وكم من الناس... , وهذا صحيح, ولكن لا يشترط أن يعم هذا الناس كلهم, فكما أن من عباد الله من لا يصلح حاله إلا الفقر, ومنهم من لا يصلح حاله إلا الغنى , ومنهم من لا يصلح حاله إلا الصحة, ومنهم من لا يصلح حاله إلا المرض ( كما جاء في بعض الآثار ) كذلك الأمر بالنسبة للفضيحة وما يقابلها وهو الستر, فالأمر ليس مضطرداً, بل هو نسبي, بمعنى أن الله قد يعالج بالستر وقد يعالج بالفضيحة, وهذا يتحدد وفق حكمة الله تعالى وعلمه القديم.
وأما ما حصل لفرعون, فهو ليس فضيحة فحسب, بل هو القصم النهائي, والفصل الأخير من مسرحية حياته, ثم لا تنس أن فرعون كافر, ونحن نتحدث عن المؤمنين, ومن المعلوم أصولياً أن المؤمن لا يقاس على الكافر.
وأما قولك يا أخي الكريم مصطفى: (( وإن كان يستحقها من الناحية الكونية لضعفه وقلة حيلته )) فالضعف وقلة الحيلة صفة مشتركة في كل البشر, وليس لنا أن نستثني المؤمن ونصفه بها وحده.
وأرجو أن نكون بذلك قد أزلنا اللبس.
وعودة إلى الأخ الكريم عمر:
يبدو أن تساؤلاتك بدأت بالانحسار, وهذا أمر طيب, ويجعلني أشعر بالسعادة.
والذي يظهر لي من كلامك الأخير, أن عندك إشكالات ثلاثة:
الأول: أنك تلاحظ أن هناك تناقضاً بين قضيتين: الأولى: أن الإنسان كلما ازداد إيماناً واستقامة, ازدادت فرصته في نيل الحفظ والرعاية من الله تعالى, والنصوص الدالة على ذلك أكثر من أن تحصر.
والقضية الثانية: أن الإنسان كلما ازداد إيماناً واستقامة, كان تعرضه للبلاء أكثر, وكان ابتلاؤه أشد من غيره, بل أشد من ابتلائه عندما كان في منزلة إيمانية أدنى من التي هو فيها.
وباختصار: هناك تناقض بين الحفظ والحياة الطيبة والنصر والتأييد من جهة, وبين الابتلاء والمصائب والذل والهوان من جهة أخرى, وتصورك لهذا التناقض, إنما بنيته على نفيك أن يكون المشمول بالحفظ هو الجانب الديني فقط, إذ أن النصوص تبين أن الله يحفظ المؤمن المستقيم في دينه وفي دنياه.
الإشكال الثاني: أن هناك تناقضاً بين كون الابتلاء الشديد هو نصيب المنحرف, وفي نفس الوقت هو نصيب المؤمن المستقيم.
الإشكال الثالث: في تحقق الوعود التي يعد بها الله عباده الصالحين.
ونحن نستعين بالله سبحانه وتعالى ليمدنا بما يكفي ويشفي من الأدلة والبراهين.
أخي الكريم: القرآن الكريم فرق بين حياة المؤمن وحياة الكافر, وفرق بين ممات المؤمن وممات الكافر, قال تبارك وتعالى: ((أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )).
بل إن القرآن فرق بين تمتع المؤمن بملذات الحياة وبين تمتع الكافر, قال تعالى: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ )).
من خلال هذه النصوص الكريمة, يتبين لنا الاختلاف الكلي بين الكافر والمؤمن, حتى في التمتع بالنعم, بناء على ذلك, سيحكم العقل السليم بوجود الاختلاف بين المؤمن والكافر فيما يتعلق بالمصائب أيضاً, هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى, وبما أنه لا اختلاف في الظاهر بين حياة المؤمن وحياة الكافر, وبين ممات المؤمن وممات الكافر, وبين تمتع المؤمن ( طبعاً في إطار المباحات) وتمتع الكافر, فلا بد أن يكون الاختلاف والتغاير الذي أثبته الله تعالى, لا بد أن يكون في أمر قد لا يظهر لنا من مجرد نظرة سطحية في الأمور, والقرآن إنما جاء ليساعدنا على التصور الصحيح, ويدلنا على مفاتيح السعادة للنفس البشرية, وليجيب عن كثير من التساؤلات التي تفرضها الظروف المختلفة: (( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )). وقال تعالى: (( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )).
وباختصار, وحتى لا نطيل كثيراً, إن مفهوم السعادة والسكينة والطمأنينة, هي المفاهيم التي يجب أن نفهم على أساسها الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان, وهي الميزان الذي يجب أن يُحَكَّم عند الحديث عن الحياة الطيبة وعن الحفظ والتأييد, وذلك حتى نأخذ التصور الصحيح, ونبتعد عن مواطن الشك, ونستطيع تحسين الظن بالله.
أخي الكريم عمر: لو سألنا الفيلسوف عن هدفه من الخوض فيما هو فيه خائض, ولو سألنا العالم عن ما يرمي إليه من وراء بحوثه, والتاجر عن ما يهدف إليه من وراء تجارته وجمعه للأموال, بل لو سألنا المنحرفين عن سبب علاقاتهم الغير شرعية, لو سألنا كل إنسان: ما الدافع لكل نشاط تقوم به؟
الجواب الذي لا يرفضه المنطق, بل يقره واقع الناس, هو البحث عن السعادة, وكل منتجات الحضارة والتقنية الحديثة, إنما الدافع من ورائها, تحقيق الرفاهية والسعادة للبشر, والسؤال الذي يطرح نفسه: أين السعادة؟
وهنا جاء القرآن الكريم ليبين لك أن السعادة مرتبطة بالإيمان والعمل الصالح: (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )). وإذا حاول الإنسان البحث عن السعادة في غير سبيل الإيمان, عندئذ يأتي القرآن ليسد عليه هذا الاحتمال, وليخبره أن لا نتيجة من وراء سعيه, قال تبارك وتعالى: (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى )).
وخلاصة الميزان الذي اعتمدته, هو أن ننظر إلى النتائج لا إلى المقدمات, فكل قضاء من الله تعالى يوصل الإنسان إلى السعادة في النهاية, فإننا نسمي هذا القضاء حفظاً وعوناً ومدداً, ونعتبر أن كل ما مر سابقاً بالإنسان, سواء أعجبنا أم لم يعجبنا, سواء رأيناه حسناً أم رأيناه قبيحاً, نعتبره مجرد وسيلة وطريق إلى هذه السعادة التي حصلت.
وإنما نسميه حفظاً, لأنه حفظ لك أغلى عنصر في الحياة, ألا وهو عنصر السعادة, في حين عجزت أضخم الحضارات المعاصرة عن تحقيق ذلك, وما قانون إباحة الشذوذ الجنسي, الذي سمحت به أوروبة في السنوات الأخيرة, إلا دليلاً على أنهم لا يزالون يبحثون عن السعادة بشتى الوسائل, ويؤكد ذلك تزايد نسبة الانتحار, خصوصاً بين طبقة الشباب المثقف, والذي من المفروض أن تكون مقومات السعادة عنده أكثر من غيره, ولا نعجب من قول أحد مفكري الغرب: (( إن الحياة في نيويورك غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء )) كما ذكر ذلك الشيخ القرضاوي في كتابه: الإيمان والحياة.
بعد تقريرنا لهذا الميزان, نبدأ بعون الله مناقشة الأمور الثلاثة التي استشكلتها, والتي أثبتُها في البداية:
أما الإشكال الأول, والذي ملخصه أن المؤمن هو الأوفر نصيباً من الابتلاء, وهو في الوقت ذاته الأكثر حظاً من الحفظ, وهذا تناقض فيما يبدو.
والجواب يتلخص بأن نثبت أن هذا التناقض, إنما هو محض وهم لا وجود له في الحقيقة, وسبيل إثبات ذلك أن نثبت إمكانية اجتماعهما معاً ( أي شدة الابتلاء, ووفرة الحفظ ) فلا يكونان متناقضين, لأن النقيضين لا يمكن أن يجتمعا.
أولاً: لا بد أن نأخذ تصوراً صحيحاً عن معنى الحفظ للمؤمن والدفاع عنه, ونريد أن نطرح السؤال التالي: هل بين الله تعالى أن هذا الدفاع وهذا الحفظ يشمل جميع الجزئيات في حياتهم, أم أنه أراد الحفظ والدفاع بالمعنى العام؟
والجواب: أن الله سبحانه وتعالى أراد الحفظ والدفاع بالمعنى العام, إذ لو كان المراد هو الحفظ والتأييد بحيث يشمل كل شاردة وواردة في حياة الإنسان, لكان هذا متناقضاً مع ما قرره الله سبحانه وتعالى من أن الحياة الدنيا دار تمحيص وامتحان, وإذا فكرت فلن تجد إنساناً وجد على هذه الأرض منذ خلق الله الخلق وإلى الآن, قد تحقق له الحفظ في جميع جزئيات حياته, لا الأنبياء والأولياء ولا غيرهم, أما الحفظ المطلق فقد أجله الله تعالى إلى يوم القيامة, قال تعالى في وصف أهل الجنة: ((وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ )). وقال تعالى: ((إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ )). وقوله تعالى: بِسَلَامٍ آمِنِينَ,لا يترك أدنى احتمال للتعب أو الهم أو كل ما قد يزعج الإنسان, أي هناك حفظ تام مطلق من الله.
وخذ المثالين التاليين: أنت إنسان مؤمن مستقيم على أمر الله, إذن فلك وعد من الله تعالى بالحفظ, فإذا ابتلاك الله بمرض من الأمراض, فهل يجوز أن تقول إن الله قد أخل بحفظه لك, ولو _لا سمح الله_ قدر أن ينتهك عرض المؤمن ويفتضح, فهل يكون قد أخل الله بحفظه لهذا المؤمن؟
الجواب: كلا كلا كلا. فإذا نظرت وقارنت بين النعم التي أعطاك الله إياها, وبين النعم التي أخذها منك حين ابتلاك, فسوف تجد أن الذي خسرته لا يساوي شيئاً أمام ما بقي من نعم الله عليك, وسنسقط هذا الحكم على المثالين السابقين:
أما المثال الأول: ففي الأعم الأغلب, لن يحتاج الإنسان إلى أكثر من ثلاثة أو أربعة أنواع من الأدوية, فعندما يدخل إلى الصيدلية ويرى أن فيها أكثر من ألف نوع من الدواء, في حين هو لا يحتاج إلا إلى ثلاثة أو أربعة أنواع, ولمدة يسيرة أيضاً, فهل يستطيع إن كان منصفاً إلا أن يحكم بأن الله قد تفضل عليه وحفظه, لأنه مع مع احتياجه إلى ثلاثة أنواع من الأدوية, فإنه بالمقابل مستغن عن ألف نوع, وما يدريك أن الله تعالى كان سيبتليه بمرض مستعص يحول حياته إلى جحيم, لولا علمه القديم بأن هذا الإنسان سيسلك سبيل الاستقامة؟ إذن استقامته خخفت عنه كثيراً, أما إذا اعتبر أن الله قد أخل بحفظه له والذي وعده به, عندئذ نسأل هذا الإنسان: هل تقبل أن يعاملك الله يوم القيامة بنفس الميزان الذي عاملت به ربك, بمعنى هل تقبل أن يحذف لك ألف حسنة مقابل كل ثلاث سيئات؟؟؟؟
وأما المثال الثاني: هذا الذي افتضح عرضه مرة أو حتى مرتين, أليس من الممكن أن يفتضح ألف مرة؟ وألفين وأكثر, أليس كل ذلك ممكن الوقوع؟ ولكن الله خفف عنه الألف مرة إلى مرة واحدة, أليس هذا حفظاً من الله؟ إن قال لا, فسوف نسأله نفس السؤال السابق: هل تقبل أن يعاملك الله يوم القيامة بنفس الميزان الذي عاملت به ربك, بمعنى هل تقبل أن يحذف لك ألف حسنة مقابل كل سيئة ؟؟؟؟
وطبعاً هذه مناقشة جدلية, وإلا فالحق أنني ما سمعت أن ولياً من أولياء الله تعالى قد أصابته فضيحة في عرضه, والتاريخ أمامك, وأكبر مثال هم الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون, والعلماء العاملون, فهل سمعت أن الله قد ابتلى أحدهم بمثل ما تتصور؟؟؟
بل على العكس: لقد حفظ الله لهم أعراضهم, والذين يتطاولون على عرض النبي صلى الله عليه وسلم, قد هتك الله أعراضهم, فالمرأة الواحدة عندهم, قد يتمتع بها ألف إنسان يكشفون عن جسدها, تصور: هتك الله أعراضهم لمجرد تطاولهم (باللسان فقط) على أم المؤمنين عائشة. فهل بعد هذا الحفظ حفظ؟؟
إذن فالمؤمن كلما ازداد إيماناً واستقامة, ازداد حظه من الحفظ الإلهي, بمعنى أن ما يصرفه الله عنه من السوء أكثر بكثير بكثير بكثير مما قد يعرضه له.
وبالمقابل سيزداد تعرضه للابتلاء, لأنه بمثابة امتحان للترفع, لكن الله يحفظه من تبعات هذا الامتحان, وذلك مهما كان الامتحان شديداً, وخذ النبي صلى الله عليه وسلم كمثال, لقد امتحن في أغلى شيء في الحياة وهو العرض, ولكن الله حفظه من تبعات هذا الامتحان, فزوجته ثبتت براءتها بتوقيع إلهي وآيات تتلى إلى يوم القيامة.
لاحظ: الابتلاء من أعظم مايكون, وهو اتهام الزوجة بالفاحشة.
بالمقابل: الحفظ من أعظم ما يكون, فقد تولى الله بنفسه الدفاع عن هذه الزوجة المظلومة.
وأيضاً لاحظ معي:
عظم الابتلاء يتناسب مع عظم الإيمان الذي عند النبي صلى الله عليه وسلم, إذن فلا نشك في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ )).
عظم الحفظ على قدر عظم الإيمان, وهنا نقرأ قول الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا )).
فالنتيجة التي وصلنا إليها: أن عظم الابتلاء لا يتناقض مع عظم الحفظ, ولا حظت كيف اجتمعا في المثال السابق.
وهذه إجابتنا عن الإشال الأول.
وسنتابع في مشاركات قادمة بإذن الله.

شفاء محمد حسن
14-11-2011, 04:42
الأخ الفاضل.. إجابة على سؤالكم، فربما أكون قد أخطأت في توضيح بعض النقاط بسبب تعجلي بالكتابة..
لكني بنيته على ما قاله الإخوة في المشاركات قبلي: إن الحفظ ليس عاما لكل مؤمن، بل هو لمن استوفى شروطه..
(احفظ الله يحفظك).. أي احفظ الله تعالى بدوام ذكره، يحفظك..
ونعم الحفظ لا يكون فقط من القنوط والفتن ونحو ذلك، بل لكل ذكر فائدة، فبعض الأذكار تقال للحفظ من الشيطان، وبعضها للحفظ من السحر، وبعضها للحفظ من دواب الأرض ونحو ذلك.. وإنما يحفظ الإنسان من الشيء الذي حصن نفسه منه.. فإن لم يحصن نفسه فليس مجرد إيمانه يحصنه.. وليس تحصينه من شيء يحصنه من باقي الأشياء..
ولا بد أيضا أن يعي في الذكر، لا أن يردد لسانه به مع غفلة قلبه عنه..
ولا بد أن الولي وغيره من الناس الصالحين يديمون ذكر الله تعالى بما جاء في السنة مما يقي من البلاء المهين وغيره، فيحظهم الله تعالى..
وأما من غفل عن الذكر فأصابه ما أصابه، فليس هناك وعد من الله تعالى له أن يحفظه من هذا النوع من البلاء حتى نقول بأن هناك تناقض، ولا يلزم من هذا أيضا أن يكون إنسانا فاسدا، أو سيئا ليعاقب بهذا البلاء، بل يكفي أنه لم يحفظ الله تعالى بالتحصن به، فلم يحفظه الله تعالى، فإن صبر مسحت خطاياه، أو كفرت ذنوبه إن لم تكن له خطايا رحمة من الله تعالى..

وختاما أذكر موقفا حدث معي قبل مدة يدل على حفظ الله تعالى لمن تحصن به في أمر من الأمور، استيقظت من النوم على صوت شديد في أذني، كدت أجن منه، فأصابني فزع، إذ أنني نمت الفجر قبل أن أقرأ أذكار الصباح..
حاولت أن أدخل عودا رفيعا إلى أذني لأخرج ما فيها، وبعد محاولات كثيرة لم ينفع شيء..
ثم بدأت أقرأ وردي، فلما بدأت بذكر: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم.... وبلغت فيه: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي وشر كل دابة أنت آخذ بناصيتها..) أدخلت العود مرة أخرى وأخرجته بلا محاولات هذه المرة، وإذا بنملة كبيرة قد علقت به، وخرجت ولله الحمد دون أن تؤذيني..
وإنما أذكر هذا المثال لقرب العهد به، فهناك الكثير من الأمثلة التي نراها من حولنا تدل على فوائد الذكر والدعاء والالتجاء إلى الله تعالى الذي لا يخيب من التجأ إليه..

مصطفى سعيد
15-11-2011, 12:10
السلام عليكم

ما تفسير تعرض أحد المؤمنين للبغى من أحد الظالمين
"ذٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ " الحج 60
هل هو يستحق أن يُبغى عليه .....
وإن كان مؤمنا ولايستحق فلماذا لم يدفع الله عنه بغى البغاة ؟

آية الحج 60 تقرر أن هناك بغى وأن هناك نصر من الله لمن بُغى عليه
فإن كان قد قُتل ... فنصره يكون فى الآخرة
أو أن نصره يكون فى الدنيا بإعلاء منهجه واهلاك عدوه ... كما حدث مع مؤمن آل ياسين ؛ فقد أكرمه الله وأدخله الجنة وأهلك قومه من بعده بصيحة واحدة .
هذا هو النصر
أما الدفع فلم يحدث ... وتمكنوا منه وقتلوه

وعلى هذا يظل الدفع كما قررت الآية " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ..." من خلال آليات وسنن كونية واجتماعية

محمد علي محمد عوض
15-11-2011, 12:44
اذا كان ايماننا بالله يزيد وينقص بحسب العطاء المادي ومنع الشرور الوقتية الحالية فما ارخصه من ايمان واسهله وستجد كل الناس مسلمين لتحقق مصالحهم لا لاجل الايمان
فالله يدافع عن الذين امنوا وهي بصيغة الجماعة, وهي اكبر حافز لاستمرار مقاومة الظلم ودفع الشر وما قدر الله وقوعه بعد ذلك يكون من قضائه لحكم لا تتبدى لنا, خاصة انها تقع على الافراد لا مجموع الامة عبر تاريخها, فان الله يدافع عن الامة وتستمر بالنهوض وتحفظ من الابادة كما بديت حضارات اخرى, ولم يفهم احد من السلف ان الاية تعني عدم تعرضك لما يسوءك بسبب دفاع الله فقد سب رسول الله وتفل في وجهه الكريم والقي عليه من بقايا الذبيحة وهو اعلى الخلق مقاما وحالا ومعرفة وتصديقا, ولم يحتج احد بهذه الاية من السلف لضر مسه, فهي تعطي المؤمن ضمانة ان يقاوم ويستمر والله يدافع عنه ويظهر الحق,
وتفريق الاخ الكريم صاحب الموضوع بين الاغتصاب والقتل هو من خصوصيات بيئتنا العربية والا فالغربيين يرون القتل اعظم من الاغتصاب كثيرا ويتحملوا اي شيء ما عدا القتل فلا وجه لتخصيصه بالظلم الفادح
كما انه اذا لم نر شرار الخلق يفسدوا الفساد الغير متحمل على بشر فكيف نفسر خلق الله النار الحارقة ودرجاتها السفلى التي فيها من العذاب ما لا يتصور؟ فلا بد ان تلك المنازل السحيقة اللعينة لها سكانها ومواصفاتهم معروفة بقيامهم بما لا يطيقه الانسان فيحق لهم عنئذ مصاحبة اسفل درجات الجحيم
واذا لم نر الظلم الفادح والمصائب الكبيرة تصيب المؤمنين فبماذا نفسر خلق الله الدرجات العلى الكبيرة للصابرين وانه خصص مرتفعات من الجنة لعباد خواص به, فلا بد انهم احتملوا ما لم يحتمله احد وبذلك استحقوا الاجر والتعويض الكبير
وفي العموم المسلم يتاكد تماما ان الله يدافع عن الذين امنوا ورب عمل فيه اغتصاب كما تقول يؤدي لثورة الناس ويمهد الطريق لمحو الظلم ويكون سببا في نصر المسلمين وتحقق الاية ان الله يدافع عن الذين امنوا
والله يعوض المبتلين ويعاقب المسييئين
وعندما حلت الكارثة العظيمة مثلا في بغداد من قبل المغول واعوانهم لم يقل احد في مصر الحبيبة ان الله يدافع عن الذين امنوا ويحتج بالاية لتخلي الله عن المؤمنين في بغداد
بل فهم المسلمون في مصر انها بشرى ليجاهدوا وان الله ناصرهم
ورب موقف من هذا لا تفسره يكون له من المضاعفات الخيرة الكثيرة ما لا يتصور
ويبقى السؤال الاول والاهم
هل انا مؤمن بالله وبصدق اخباره عن نفسه بكل ما اخبر ام لا؟
لانني اذا بحثت عن تعليل كل ما يقع حولي فكاني اطلب ان احظى بعقل يساوي حكمة الله وهذا لا ندعيه في المخترعات البشرية التي نستفيد منها لثقتنا بصانعيها وحكمتهم بدون السؤال عن تفاصيلها فما بالنا في حق الله نطلب الكثير من التعليل
تجد احدنا يسمع النشرة الجوية ويؤمن ببها لثقته بعلم القائمين عليها اما كلام الله فيشك فيه ويطالب بتعليل كل ما حوله
نؤمن انه الحكيم والرحيم والقاهر وانه لا يظلم احدا وحسب ونبتديء بالعمل وتنخذ من ذلك وقودا لنا
وقصة ابوي الصحابي عمار وكيف قضوا اثناء التعذيب مشهورة, ولكن الله يدافع عن الذين امنوا وقدم البعض تضحيات هائلة يعوضهم الله عليها لكنها ضرورية في المسيرة العامة نحو تحقق قوله تعالى ان الله يدافع عن الذين امنوا
وكل شيء يسير وفق سنن الله
وتخيل الطاقة التي يحوزها المسلم عندما يؤمن فعلا ان الله يدافع عن الذين امنوا
واسف للاطالة
وابشر صاحب الموضوع ان الشك اروع معبر للحقيقة لكنه اسوا مستقر للعقل
وجزاك الله خيرا وعلمنا واياك ما ينفعنا
والسلام عليكم
في انتظار افادات الافاضل من اهل المنتدى

عمر حسين الدجاني
18-11-2011, 01:03
ردودكم مفيدة إخواني وأعتذر على عدم المقدرة على التعليق.

أنا في انتظار تكملة الأخ محمد الكسور فهو يتناول تفاصيل مهمة.

محمد سليمان الحريري
27-11-2011, 09:41
الأخ الكريم عمر الدجاني وفقنا الله وإياك والمسلمين إلى ما يحب ويرضى من الأقوال والأفعال والأحوال, وأعتذر عن التأخر.
الإشكال الثاني: أن هناك تناقضاً بين كون الابتلاء الشديد هو نصيب المنحرف, وفي نفس الوقت هو نصيب المؤمن المستقيم.
وحتى نتمكن من إزالة هذا التناقض, لا بد من أن نفرق بين البلاء الذي ينزل بالكافر, وبين البلاء الذي ينزل بالمؤمن, وها نحن نبدأ بذلك مستعينين بالله, ومتوجهين إليه بعبده وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم أن يوفقنا إلى ما يكفي ويشفي.
وهذا الاختلاف سنوزنه أيضاً بالميزان الذي ذكرته لك سابقاً, ألا وهو ميزان السعادة.
والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يثبت لنا كمال قدرته وتمام سيطرته, فيبتلي المؤمن المستقيم ابتلاء شديداً, ثم يجعل السعادة ملازمة له حتى في وسط العاصفة, وفي الوقت نفسه قد يعطي المنحرف أو الكافر الكثير الكثير من متاع الدنيا ومغرياتها, ولكنه يسلب منه السعادة والطمأنينة, ويجعل حياته ضنكاً وشدة, وقد سمعت الشيخ محمد سعيد البوطي يقول في أحد دروس الحكم العطائية, سمعته يقول أن أكثر الذين يشتكون إليه من الأزمات النفسية هم من الطبقة المرفهة.
وقد لاحظت استغرابك الشديد لقضية الاغتصاب, وأنها حتى لو كانت ابتلاء من الله, لكنّ الأمر فضيحة على رؤوس الأشهاد, وأنا أقول لك: من المستحيل أن يحفظ إنسان أعراض الناس ثم يبتلى هو في عرضه, وهذا قد ذكرته لك سابقاً, ولكن الجديد الذي أريد أن أقوله يتعلق بمرحلة ما بعد ( الفضيحة ) كما تسميها أنت, فلو افترضنا أن هذا الإنسان بعد أن تعرض لهذه الضربة القوية, قد ارتدع وتاب إلى الله توبة نصوحا, فالتساؤل الذي قد يخطر ببالك ( وأظنه قد خطر ) هو: ما الفائدة إذا كانت الفضيحة قد حصلت وانتهى الأمر؟ وحتى لو أصبح هذا الإنسان ولياً من أولياء الله, فإن الفضيحة والسمعة السيئة سوف تغطي الجزء المتبقي من حياته؟ وهذا يتناقض مع ماذكرته أنا لك من أن التوبة هي السبيل للتعرض لحفظ الله, فأين الحفظ والفضيخة ستبقى ملازمة له في مرحلة ما بعد التوبة؟!
والجواب أن هذه الأسئلة وأمثالها تتلاشى أمام الإيمان بصفات الله وأسمائه.
وفي مثالنا السابق, نحن بحاجة إلى الإيمان الحقيقي ( لا الإيمان الشكلي ) بقدرة الله المطلقة, فهل تشك أنت في قدرة الله على حفظ سمعة هذا الإنسان حتى بعد أن يتعرض لفضيحة من العار الثقيل؟
إن كنت لا تشك, فقد انتهى الأمر وانهدمت كل التناقضات التي في بالك, وإن كنت تشك, فأنت بحاجة إلى إعادة تأسيس لإيمانك من الصفر, وأنا لا أظنك من هذ النوع.
أو أنك لا تشك, ولكنك تريد برهاناً ذلك, وأغلب الظن أنك من هذا النوع.
والبرهان هو قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (( ورفعنا لك ذكرك )) فكلما ما كانت متابعتك للنبي صلى الله عليه وسلم أكبر, كلما رفع الله لك ذكرك, وسواء حصلت فضيحة, حصلت مشكلة, حدث أي شيء, هذا لا يهم, مادام الملك جل جلاله والذي بيده كل شيء قد رفع لك ذكرك.
والأخت إيمان الليبية التي اعتُدِي على عرضها, أنا ما سمعت أحداً عيرها أو تشمت بها, بل على العكس, أنا أقول لو لم تكن شريفة لما أظهرت الأمر للناس, ولكانت أخفته عنهم, وقد علمت أنه تقدم لخطبتها إنسان شريف من عائلة محترمة.
مثال آخر: أثناء إقامتي في حمص للدراسة في جامعتها, حدثني أحد الإخوة هناك بالقصة التالية, قال لي حدث مرة أن فتاة من ضيعتنا كانت ذاهبة لبعض حوائجها, وفي الطريق سقط منها شيء فاضطرت للانحناء لتلتقطه, فأسرع أحد الشبان من عديمي الأخلاق ومد يده وفعل ما فعل, فما كان من هذه الفتاة إلا أن استدارت ولطمته على وجهه ثم صرخت وجمعت عليه الناس, ولم يقصروا هم أيضاً في تأديبه, ثم سألته: ماذا حصل للفتاة بعدئذ؟ قال لي: كان الخُطَّاب يقفون بالدور على باب دارها (طبعاً هذا أسلوب مبالغة معروف في لغة العرب ), وقد تزوجت وعندها الآن أولاد, ثم وصفها بأنها ( أصيلة وأخت الرجال ).
أرأيت كيف سخر الله هذه التي تسميها فضيحة فيما هو خير هذه الفتاة؟ ولا بد أن تعيش حياة سعيدة وستبقى كبيرة في عين زوجها لأنها إنسانة شريفة.
نعم يا أخ عمر: إيمانك بأن الله هو المهيمن, يحل لك كل هذه الإشكالات, والهيمنة الإلهية , نراها واضحة في قصة سيدنا موسى  , فرعون الذي كان يرتجف كيانه لمجرد أن يسمع أنه ولد لبني إسرائيل ولد ذكر , و يأمر الشرطة أن لا يتركوا من بني إسرائيل طفلاً ذكراً على قيد الحياة , لأنه أُخبر أن نهاية ملكه على يد طفل يولد في بني إسرائيل , ذبح الكثير من أطفال بني إسرائيل , أما الطفل الذي قدر الله أن يهلكه على يديه , فإنه لم ينج من الذبح فحسب , بل يأبى الله إلا أن يتربى في كنف فرعون, يأكل و يشرب و ينام ويلعب في قصره , وفرعون لا يستطيع قتله , لأن الله تعالى قد قذف حب سيدنا موسى في قلوب آل فرعون , وقلوب آل فرعون بيد من ؟ بيد الملك المهيمن , قال تعالى : (( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي )) .
كذلك قلوب العباد, قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ قُلُوبَ بَنِى آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ».
وأنصحك بقراءة كتاب (الإيمان والحياة) للقرضاوي.
ولنا عودة بإذن الله تعالى.

عمر حسين الدجاني
28-11-2011, 08:47
أخي محمد سليمان ،

انا معجب جدا بطريقة تناولك للمسائل ، وأحس انك دقيق لا تترك جانبا من جوانب السؤال الا وتحاول ان تعالجه ، وهذه طريقة احترمها واحسها مفيدة كثيرا

جزاك الله خيرا وانا بانتظار تتمتك

وسوف اطرح اسئلة اخرى في هذا المنتدى اتمنى تتابعها معي ،، كما اتمنى ان انتهي منها لانني تعبت كثير من الابتعاد عن الدين ، ولكن لا اريد ان اعود الى الدين دون حل لهذه الشكوك لانني متاكد انها ان لم تحل فلسوف تظهر مرة اخرى وتطفو على السطح بدون شعور مني ، وهذا ما كان يحصل معي كل مرة ، ولذلك هذه المرة قررت ان لا اقدم على اي تجربة بدون ان افهمها واؤمن بها بحق وليس بالتقليد او بإيهام نفسي والكذب على عقلي.

جلال علي الجهاني
19-12-2011, 19:12
أرجو من الإخوة ألا يخرجوا عن موضوع المناقشة هنا، ومن أراد كتابة شيء زائد، فليفتح موضوعاً جديداً ..

وفقكم الله

حسام الدين رامي نقشبند
20-12-2011, 14:40
أخي الكريم هناك مؤمن معتقد ومؤمن متحقق ومنافق، وكلهم منطوين ضمن مفهوم الإيمان ولا يقع الضرر إلا على الفئة الأولى و الثالثة ..
فعلى الفئة الأولى يقع البلاء من باب الإرقاء القهري رحمة بالمؤمن الذي عجز عن تحقيق إيمانه المنجي وهو الإيمان القلبي،
والفئة الثانية هي معالجة بالعذاب الأكبر دون الأصغر عله يفيء عن نفاقه ويسعى إلى الإيمان الصحيح، وكله خير من الله ما دامت تصب في مصلحة المؤمن فإبعاد العذاب الأكبر المقيم عنه يوم القيامة ..