المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم العقوبة في الفكر القانوني الاسلامى المقارن(2)



صبرى محمد خليل خيرى
05-11-2011, 22:34
مفهوم العقوبة في الفكر القانوني الاسلامى المقارن(2)
د.صبري محمد خليل/ أستاذ الفلسفة بجامعه الخرطوم sabri.khalil30@yahoo.com
موانع إيقاع العقوبة: كما حدد القانون الجنائي الاسلامى موانع إيقاع العقوبة، فتناول الأسباب التي تسوغ سقوط الحد،وقسمها إلى ثلاثة أنواع : الاول يتعلق بشروط تحقق العقاب، فإذا كان مرتكب الجريمة غير مسئول بان يكون مجنونا او معتوها او مكرها... لا يوجد عقاب. النوع الثاني ما يتعلق بالإثبات كالرجوع في الإقرار فان هذا يسقط الحد لذا قال الحنابلة: يسن إن كان ثبت ببينة، لأنه لا حاجة إلى تمكينه من الهرب ، ولا يسن أن يدور الناس حول المرجوم من كل جانب كالدائرة إن كان زناه ثبت بإقرار لاحتمال أن يهرب فيترك ولا يتمم عليه الحد . ، كذلك مضى زمن بين وقوع الجريمة وأداء الشهادة وذلك قول الحنفية... والنوع الثالث ما يتعلق باقامه الحد بعد توافر السبب وثبوت الشرط وقيام الإثبات الخالي من كل شبهه ، ومنه ترك التفبذ مده وقد اختلف الفقهاء فيه، والعفو، وتمليك العين المسروقة بعد الحكم، ووقوع الجرم وقت الحرب (محمد ابو زهره ، الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، العقوبة ، دار الفكر العربي، ص317 )،كما أشار القانون الجنائي الاسلامى إلى الشبهات التي تسقط الحدود ،وقسمها إلى أربعه أقسام أصليه: الاول ما يتعلق بركن الجريمة، ويرجع إلى أربعه أقسام: شبهه الدليل وشبهه الملك وشبهه الحق وشبهه الصورة.والثاني يتعلق بالجهل النافي للقصد الجنائي في الارتكاب. والثالث يتعلق بالإثبات. والرابع يتعلق بتطبيق النصوص على الجزئيات والخفاء في تطبيق بعضها ( (محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، العقوبة، دار الفكر العربي ،ص 200).
وهكذا فان اى تطبيق للعقوبات الواردة في القانون الجنائي الاسلامى لا تنتفي فيه موانع إيقاعها يصبح غير شرعي.
قاعدة درء الحدود: ومن القواعد الاساسيه، التي تضبط العقوبات الحدية في القانون الجنائي الاسلامى قاعدة درء الحدود ، ومن أدلتها : ما رواه ابن ماجه عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا)، وحديث سفيان الثوري عن عاصم عن أبى وائل عن عبد الله بن مسعود قال ( ادرؤوا الحدود بالشبهات ، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم )( رواه ابن حزم عن عمر موقوفا عليه ، قال الحافظ : وإسناده صحيح ).
.والحديث (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)(يقول الشوكانى في نيل الاوطار(حديث الباب وإن كان فيه مقال فقد شد من عضده ما ذكرناه فيصلح بعد ذلك للاحتجاج على مشروعية درء الحدود بالشبهات المحتملة لا مطلق الشبهة) وعن عمر ، قال : لأن أخطئ في الحدود بالشبهات ، أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات (الراوي: إبراهيم النخعي - خلاصة الدرجة: إسناده صحيح - المحدث: السخاوي - المصدر: المقاصد الحسنة - الصفحة أو الرقم: 50).والدرء لغة الدَّفْع. دَرَأَهُ يَدْرَؤُهُ درءا ودَرْأَةً: دَفَعَهُ (لسان العرب)، أما اصطلاحا فهو دفع العقوبة الحدية، قدر الاستطاعة ،بمدفعها الشرعي.
أولا: على المستوى التشريعي: ومضمونه دفع العقوبة الحدية بمدفعها الشرعي على مستوى إصدار القانون .
تضييق دائرة العقوبة الحدية: ويتضمن درء الحدود على المستوى التشريعي عدم اعتبار النظام القانوني العقوبة المعينة عقوبة حديه ما لم يجمع عليها الفقهاء"و هو ما يدل على أنهم استندوا إلى نص يقيني الورود قطعي الدلالة" لان كل فعل يختلف فيه الفقهاء حلا و تحريما فان الاختلاف شبهه تسقط الحد ، يقول ابن قدامه في المغنى( ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه... لان الاختلاف في اباحه الوطء فيه شبهه، والحدود تدرأ بالشبهات).وهنا تعتبر العقوبة المعينة عقوبة تعذير، مع استمرار توصيف الجريمة التي تستوجبها بأنها جريمة حديه(طبقا للدلالة التبعية الأولى لمصطلح حد) ،وتوصيف الفعل المنهي عنه بأنه حد(طبقا للدلالة الاصليه لمصطلح حد).
حد الحرابة: وعلى سبيل المثال فان النهى عن قطع الطريق(الحرابة) هو حد لأنه ورد النهى عنه في نص يقيني الورود قطعي الدلالة،يقول تعالى( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (
)المائدة:33،(،وبالتالي فان فعل قطع الطريق هو جريمة حديه، أما عقوبة قطع الطريق فهي عقوبة تعذيريه لا عقوبة حديه بدليل اختلف الفقهاء في العقوبات الواردة في الايه : أهي على التخيير أم على التنويع : فذهب الشافعية والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى أن " أو " في الآية على ترتيب الأحكام ، وتوزيعها على ما يليق بها في الجنايات : فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى . ومن أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ مالا نفي من الأرض. وقال قوم من السلف : إن الآية تدل على التخيير بين الجزاءات الأربعة ، فإذا خرجوا لقطع الطريق وقدر عليهم الإمام ، خير بين أن يجري عليهم أي هذه الأحكام إن رأى فيه المصلحة وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا (الموسوعة الفقهية الكويتية:18/175).
حد الردة: وكذلك النهى عن الردة هو حد ، لأنه ورد النهى عنه في نص يقيني الورود قطعي الدلالة، قال تعالى(وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(البقرة: 217)، وبالتالي فان فعل الارتداد عن الدين هو جريمة حديه، أما عقوبة الارتداد عن الدين فيختلف توصيفها باختلاف قسميها: الردة المغلظة ،والردة المجردة، يقول ابن تيمية: (إن الردة على قسمين: ردة مجردة، وردة مغلظة شرع القتل على خصوصها، وكلتاهما قد قام الدليل على وجوب قتل صاحبها؛ والأدلة الدالة على سقوط القتل بالتوبة لا تعمّ القسمين، بل إنما تدل على القسم الأول (الـــــردة المجردة)، كما يظهر ذلك لمن تأمل الأدلة على قبول توبة المرتد، فيبقى القسم الـثـاني (الردة المغلظة) وقد قام الدليل على وجوب قتل صاحبه، ولم يأت نص ولا إجماع بسـقــــــوط القتل عنه، والقياس متعذر مع وجود الفرق الجلي، فانقطع الإلحاق؛ والذي يحقق هــذه الطريقة أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ولا إجماع أن كل من ارتد بأي قول أو أي فعل كان فإنه يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه، بل الكتاب والسنة والإجماع قد فرّق بين أنواع المرتدين) ( الصارم المسلول، 3/696(.).
القسم الاول:الردة المجردة: وهى مجرد الارتداد عن الدين دون ان يصاحب ذلك اى فعل، وأساس مشروعيه عقوبة الردة المجردة ان الكفر- و الردة احد أشكاله فهي كفر طارئ- و لو كان عقيدة مضمره لا يضر الله شيئا سبحانه وتعالى، ولكنه يضرّ صاحبه والمجتمع الذي ينتمي إليه، لأنه يجرّد صاحبه من صدق الالتزام في تعامله مع الآخرين بقواعد التعامل الاجتماعي بين الناس التي جاءت في القرآن والتي تسمّى جملة "الإسلام"( د. عصمت سيف الدولة: رسالة في الكفر والإيمان). وعقوبة الردة المجردة عقوبة تعزيزيه لا حديه، يقول الباجي أن الردة )معصية لم يتعلق بها حد ولا حق لمخلوق كسائر المعاصي((الباجي، المنتقى شرح الموطأ، جـ 5 ص 282 (ط القاهرة (1332ومن الادله على ذلك:
أولا: سقوطها بالتوبة، فقد اتفق جمهور الفقهاء على استتابه المرتد، وان اختلفوا في إمهاله بعد استتابته ومده الإمهال، فمذهب الحنابلة وعند الشافعي في ظهر الأقوال يجب استتابة المرتد في الحال ولا يمهل. ويرى مالك ان يمهل ثلاثة أيام، ويروى عن التابعي إبراهيم النخعي ان المرتد يستتاب أبدا، وقد رواه عنه سفيان الثوري وقال: "هذا الذي نأخذ به)" المصنف، جـ10 ص 166(،وقد فسر بعض العلماء قول النخعى بمعنى انه يرى ان لا يقتل المرتد يقول ابن حجر: ( وأخرج ابن أبي شيبة عن حفص عن عبيدة عن إبراهيم: لا يقتل. والأول أقوى فإن عبيدة ضعيف، وقد اختلف نقله عن إبراهيم)،كما فسره البعض بمعنى تكرار استتابه المرتد كلما تكررت منه يقول ابن حجر في فتح الباري :( وعن النخعي يستتاب أبداً كذا نقل عنه مطلقاً، والتحقيق أنه في من تكررت منه الردة). والعقوبة الحدية لا تسقط بالتوبة.
ثانيا: استثناء النساء هنا من عقوبة الردة ، فقد ذهب الحنفية أن المرتدة لا يجب قتلها لأن النبي – صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل النساء ولأن الأصل تأخير الجزاء إلى دار الاخره ، إذ تعجيلها يخل بمعنى ألابتلاء. وعما قيل عن أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قتل مرتدة ، فقد قيل أنه عليه الصلاة والسلام لم يقتلها بمجرد الردة ، بل لأنها كانت ساحره ، شاعره تهجو الرسول – صلى الله عليه وسلم – فأمر بقتلها لهذه ألأسباب. ولكن يجب حبسها أبدا حتى تسلم ، أو تموت.والعقوبة الحدية لا استثناء فيها.
القسم الثاني: الردة المغلظة: وهى الارتداد عن الدين المقترن بمحاوله تقويض النظام القانوني الاسلامى الذى تتوافر فيه الشرعية التكليفيه والتكوينية بالقوة، ومن هذا التعريف يتضح لنا أساس مشروعيه عقوبتها ،وهذا القسم من أقسام الردة يقترن بالمحاربة ، ويتضح هذا الاقتران في اشتراط جمهور من الفقهاء المحاربة في الردة ، وفهمهم للأحاديث الواردة في الردة طبقا لهذا الشرط: فهم يرون أن النفر من عكل وعرينة في حديث المحاربين من عكل وعرينة، الذى رواه البخاري ومسلم وغيرهما لم يُقتلوا لمجرد الردة، وإنما قتلوا لكونهم محاربين يقول ابن تيمية: "هؤلاء قتلوا مع الردة، وأخذوا الأموال، فصاروا قطاع طريق، ومحاربين لله ورسوله") ) الصارم المسلول على شاتم الرسول، ط الهند 1322هـ، ص( 322...كما يرون ان مفارقه الجماعة فى الحديث "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة".يكون بالمحاربة يقول ابن تيمية: "فهذا المستثنى هو المذكور في قوله: التارك لدينه المفارق للجماعة. ولهذا وصفه بفراق الجماعة، وإنما يكون هذا بالمحاربة". (ابن تيمية، المرجع السابق، ص( 316..كما يرون ان الحديث الذي رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما: "من بدل دينه فاقتلوه".مقصور على المرتد من الرجال دون من ترتد من النساء. وقد علل الحنفية ذلك بأن المرأة لا تقاتل، وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل النساء، والنهي عام، فيجري على عمومه ليشمل المرتدة) المبسوط للسرخسي، جـ9 ص108-110. وعقوبة الردة المغلظة حديه،يدل على هذا ما قرره ابن تيميه في النص السابق بان العقوبة في هذا القسم من أقسام الردة لا تسقط بالتوبة .
بناءا على ما سيق فان تقرير د.العوا (أن عقوبة الردة عقوبة تعزيرية مفوضة إلى السلطة المختصة في الدولة الإسلامية، تقرر بشأنها ما تراه ملائما من أنواع العقاب ومقاديره. ويجوز أن تكون العقوبة التي تقررها الدولة الإسلامية للردة هي الإعدام) ( أ. د. محمد سليم العوا، عقوبة الردة تعزيرًا لا حدًّا )لا ينطبق إلا على الردة المجردة، ولا ينسحب على وصف الردة المغلظة .كما يجب ان يضاف له :ان النهى عن الردة هو حد ، لأنه ورد النهى عنه في نص يقيني الورود قطعي الدلالة،وان فعل الارتداد عن الدين بالتالي هو جريمة حديه.
التيسير:كما يتضمن درء الحدود على المستوى التشريعي اختيار الأيسر تطبيقا لقاعدة التيسير والتي دلت عليها جمله نصوص منه الحديث " ما خير الرسول (صلى الله عليه وسلم) بين امريين إلا اختار أيسرهما: ومن أشكالها انه في حاله اختلاف الفقهاء في كيفيه تطبيق العقوبة الحدية، فعلي سبيل المثال رغم اتفاق الفقهاء على عقوبة القطع في السرقة فقد اختلفوا في موضع القطع: فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم إلى أن قطع اليد يكون من الكوع ، وهو مفصل الكف ، لأن « النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد السارق من الكوع » ...وذهب بعض الفقهاء إلى أن موضع القطع من اليد: المنكب، لأن اليد اسم للعضو من أطراف الأصابع إلى المنكب.وذهب بعضهم إلى أن موضع القطع: مفاصل الأصابع التي تلي الكف.وموضع قطع الرجل هو مفصل الكعب من الساق ، فعل ذلك عمر رضي الله عنه ، وذهب إليه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وغيرهم ، وهو رواية عن أحمد ، والرواية الأخرى عنه أن موضع القطع : أصول أصابع الرجل وبهذا قال بعض الفقهاء ، لما روي من أن عليا رضي الله عنه كان يقطع من شطر القدم ، ويترك للسارق عقبه يمشي عليها (الموسوعة الفقهية الكويتية:25/344) ومن أشكالها اختيار العقوبة الأيسر في حاله توافر امكانيه الاختيار، كما في اختلاف الفقهاء في العقوبات الواردة في حد الحرابة هل هي وارده على الترتيب أم التخيير،كما سبق ذكره.
ثانيا: على المستوى القضائي : ومضمونه دفع العقوبة الحدية بمدفعها الشرعي على مستوى تطبيق القانون، وذلك بعدم تطبيق العقوبة الحدية على المتهم ما لم تتحقق في فعله كل شروط إيقاع العقوبة الحدية، و تنتفي عنه كل موانع إيقاعها ، فالمدفع الشرعي هنا له قسمان: الاول سلبي ، ويتضمن موانع إيقاع العقوبة، ويضم هذا القسم الشبهات التي أشار إليها قسم من النصوص السابقة، فقاعدة درء الحدود بالشبهات قررها اغلب الفقهاء يقول الإمام ابن المنذر:(وأجمعوا على أنَّ درء الحد بالشبهات)، ويقول العز ابن عبد السلام ( الشبهات دارئة للحدود وهي ثلاثة : إحداهن في الفاعل وهو ظن حل الوطء إذا وطئ امرأة يظنها أنها زوجته أو مملوكته ؛ الثانية شبهة الموطوءة كوطء الشركاء الجارية المشتركة ، الثالثة في السبب المبيح للوطء كالنكاح المختلف في صحته) . وتطبيقا لهذه القاعدة على سبيل المثال لا الحصر ذهب جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى عدم ثبوت حد الزنى بظهور الحمل في امرأة لا زوج لها وأنكرت الزنى ، لجواز أن يكون من وطء شبهة أو إكراه، والحد يدرأ بالشبهة ،استنادا إلى ما روي عن سعيد أن امرأة رفعت إلى عمر ليس لها زوج وقد حملت ، وسألها عمر ، فقالت : إني امرأة ثقيلة الرأس وقع علي رجل وأنا نائمة ، فما استيقظت حتى نزع فدرأ عنها الحد ، وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا : إذا كان في الحد " لعل " " وعسى " فهو معطل
.كما يضم هذا القسم ما قرره القانون الجنائي الاسلامى من الأسباب الشرعية التي تسوغ سقوط الحد،والتي قسمها الفقهاء إلى ثلاثة أنواع : الاول يتعلق بشروط تحقق العقاب، و النوع الثاني ما يتعلق بالإثبات ، والنوع الثالث ما يتعلق باقامه الحد بعد توافر السبب وثبوت الشرط وقيام الإثبات الخالي من كل شبهه كما سبق ذكره (محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، العقوبة ، دار الفكر العربي، ص317 ). . والقسم الثاني ايجابي،ويتضمن شروط إيقاع العقوبة، ويضم هذا القسم الستر كما في قوله صلى الله عليه وسلم قوله (لو سترته بثيابك لكان خيرا لك)، كما يضم العفو كما في القصاص،وتوبة الجاني قبل ان يقدر عليه كما في الحرابة.
ان أساس مشروعيه قاعدة درء الحدود ما سبق ذكره من ان نظرية الجزاء في الإسلام لا تقوم على أساس بل هي ، مثل كل أحكام الإسلام ، قائمة على حماية المصالح وذلك بالزجر الكافي والمناسب للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد الآمرة أو الناهية وهي " الحدود " .لذا فان التشدد في العقوبات الحدية المقصود منه الزجر والردع ،وهو ما يتحقق بأقل حد ممكن من التطبيق ، يقول المازري (صان الله الأموال. بإيجاب قطع سارقها. وخص السرقة. لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغضب. ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة، بخلافها. وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر. (يقول ابن القيم) ومن المعلوم: أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم. ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله.(ويقول ابن عبد السلام(من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها قطع يد السارق فإنه إفساد لها، ولكنه زاجر حافظ لجميع الأموال).وتطبيقا لهذه القاعدة تجد ان الفقهاء قد احتاطوا في تطبيق العقوبات الحدية ، فضيقوا دائرة الأفعال التي تنطبق فيها شروط الجريمة الحدية و تستوجب بالتالي عقوبة حديه إلى درجه جعلت الأفعال التي تنطبق فيها هذه الشروط فى حكم النادر. يقول الشيخ محمد أبو زهره( ان الأخذ بمبدأ الشبهة الدارئة للحد القصد منه هو ان تكون شريعة الحد قائمه، والتنفيذ القليل منها صالح لإنزال النكال بالمذنبين، او بعبارة أدق من يكون بصدد الوقوع في الجريمة) (الجريمة والعقوبة في الفقه الاسلامى، دار الفكر العربي، ص 200). وبناءا على ما سبق فانه لا وجه شبه بين قاعدة درء الحدود الشرعية، وتعطيل الحدود غير الشرعي، والذي مضمونه دفع العقوبة الحدية بدون مدفع شرعي،وذلك بعدم تطبيق العقوبات الحدية على المتهم الذى تحققت في فعله كل شروط إيقاع العقوبة الحدية، وانتفت عنه كل موانع إيقاعها (المستوى القضائي)،او عدم تحريم الأفعال التي تنطبق عليها شروط الجرائم الحدية، او اباحه الأفعال التي ورد النهى عنه بقاعدة ناهيه مصدرها نص يقيني الورود قطعي الدلالة(المستوى التشريعي) .
ضوابط تطبيق العقوبة: . انطلاقا من أن أساس مشروعيه العقوبات الحدية الإعدام في القانون الجنائي الاسلامى ليس الانتقام او التشفي من الجاني ، بل القصاص العادل منه ، وزجر غيره من الاعتداء على حياه الناس، فقد وضع القانون الجنائي الإسلامي جمله من الضوابط لضمان اتساق تطبيق هذه العقوبات مع هذا الأساس. فقد اشترط فى عقوبة الجلد أن يكون الضرب بسوط لا عقدة له ، ويكون حجمه بين القضيب والعصا ، وأن يكون الضرب ضربا متوسطا ، فلا يبدي الضارب إبطه في رفع يده ، بحيث يظهر إبطه. وأن يفرق الجلد على بدنه خلا رأسه ، ووجهه وفرجه ، وصدره ، وبطنه ، وموضع القتل ، (الموسوعة الفقهية:18/163) ،كما اشترط في عقوبة القتل ان لا تكون مسبوقة بالتعذيب أو ملحوقه بالمثلة . (محمد قانصو، عقوبة الإعدام: رؤية إسلاميه). وباستقراء كلام الفقهاء في ما يتعلق بعقوبة الصلب في جريمة قطع الطريق يتبين اتفاقهم على أنه ليس المراد بصلب قاطع الطريق أن يحمل على الخشبة حيا ثم يترك عليها حتى يموت ، بل أن يحمل على الخشبة حيا ثم يقتل مصلوبا بطعنه بحربة ( أبو حنيفة ومالك والأوزاعي) او ان يقتل أولا ، ثم يصلب بعد قتله (الشافعي وأحمد ).
العقوبة بين النص والاجتهاد: والعقوبات في القانون الجنائى الاسلامى كما سبق ذكره تنقسم إلى قسمين : القسم الاول العقوبات المقدرة، وتتضمن العقوبات الحدية وعقوبات التعذير، والأصل في هذا القسم النص، ومضمونه ذات العقوبة التي وردت في النص اليقيني الورود القطعي الدلالة، والذي اجمع الفقهاء عليه. أما الفرع فهو الاجتهاد ،ومضمونه كيفيه تطبيق هذه العقوبة، والذي اختلف الفقهاء حوله :فعلى سبيل المثال اجمع الفقهاء على أن عقوبة السارق القطع ،ولكنهم اختلفوا في أمور تتعلق بمحل القطع ، ومقداره ، وكيفيته ، وتكرره ، مع تكرر السرقة ونحو ذلك .واتفق جمهور الفقهاء " الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة " على عدم إقامة حد السرقة إلا إذا بلغ المال المسروق نصابا. ولكنهم اختلفوا في تحديد مقدار النصاب، وفي وقت هذا التحديد، وفي أثر اختلاف المقومين لما يسرق، وفي وجوب علم السارق بقيمة المال المسروق.
واتفق الفقهاء على قتل من رفض أولياء القتيل العفو عنه قصاصا، لكنهم اختلفوا في اله القتل... والقسم الثاني العقوبات غير المقدرة وهى عقوبات التعزير، والأصل فيها الاجتهاد
ويتضمن اعتبار العقوبات التعزيريه التي وضعها الفقهاء نقطه بداية للاجتهاد في مجال العقوبات التعزيريه ،وليست نقطه نهاية له. ويتضمن هذا الاجتهاد لاستفادة من إسهامات المجتمعات المعاصرة بشرط عدم تناقضها مع القواعد – الأصول. أما الفرع هنا فهو النص والمقصود به تقيد العقوبات التعزيريه بقواعد ومبادىْ القانون الجنائى الاسلامى الثابتة بنصوص يقينية الورود قطعيه الدلالة. بناءا على هذا فننا نرى خطاْ مذهبين: الاول يلغى الاجتهاد في مجال العقوبات مطلقا. والثاني يقول بالاجتهاد المطلق في مجال العقوبات ، وهنا نشير إلى ما فهمه البعض من كلام الدكتور عصمت سيف الدولة عن العقوبات في الإسلام من انه يقول بالمذهب الأخير حيث يقول في كتابه عن العروبة والإسلام( يكفي أن ننبه إلى أن نظرية الجزاء في الإسلام لا تقوم على أساس الانتقام ... بل هي ، مثل كل أحكام الإسلام ، قائمة على ما يحقق مصالح البشر ، أو حماية المصالح كما يقال في فقه القانون الجزائي ، وذلك بالزجر الكافي والمناسب اجتماعياً للمحافظة على قوة الإلزام في القواعد الآمرة أو الناهية وهي " الحدود " أي الفوارق بين الحلال والحرام ، وإن كان قد جرى إطلاق كلمة الحدود مجازاً على العقوبات . وإذا كان " لا اجتهاد في الحدود " فليس لأحد أن يبيح ما هو محرم فإن تقدير الجزاء الكافي والمناسب على خرق الحدود قابل للاجتهاد ، وفيما يؤكد نفاذ القواعد ويحمي المصالح فيكل الظروف المتغيرة . من هنا فليس دقيقاً فيما نرى، أن يقال إن عمر بن الخطاب قد عطل حدّ السرقة عام المجاعة. فما كان له أو لغيره أن يبيح ما حرّم الله. ولكنه رأى في ظروف معينّة أن جزاء قطع اليد لا يؤدي غايته في الزّجر وحماية المال . ويدخل في هذا كل ما اجتهد الأئمة في اشتراطه للمسؤولية عن الجرائم فهي شروط متعلقة بإيقاع الجزاء وليس بشرعية الفعل)غير إننا نؤل كلامه السابق بالاجتهاد في العقوبات غير المقدرة اى عقوبات التعزير دون العقوبات المقدرة اى العقوبات الحدية وعقوبات القصاص بقرينتين، القرينة الأولى: فقوله في ذات الكتاب ( أما مجال الجرائم والعقوبات فقد كان النفاق أكثر فجرا، أراد المستعمر ان يوهموا الشعب بان قانون العقوبات الذى استعاروه من نابليون يمثل اراده ولى الأمر الشرعي، فيما هو مباح له شرعا من تحديد عقوبات التعذير ،على ما يقول بعض المجتهدين)( عن العروبة والإسلام ، ص 243 244) .والقرينة الثانية رفضه لما قرره على عبد الرازق في كتابه(الإسلام وأصول الحكم) من ( ان كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات فإنما هو شرع ديني خالص)كما في قوله ( لقد قال الشيخ على عبد الرازق شططا واخطأ فيما قال على كل وجه ساند به مذهبه) (عن العروبة والإسلام، ص277) .
- للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان http://drsabrikhalil.wordpress.com) ) .