المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خواطر ......



أنفال سعد سليمان
23-10-2011, 12:05
بسم الله الرحمن الرحيم

كثيرًا ما يشغلني موضوع بلاغة الألسن و فصاحتها ، و تحليل الكلام ، و معرفة مراميه ، أتلذذ في ذلك أكثر من أي عمل في الدنيا ..

و آخر -في ضمن أُخر !- ما كنتُ أفكر فيه هو ما يُسمى في علم المعاني "إيجاز الحذف" ، و تعريفه : [ما يكون بحذف شيء من العبارة مع قرينة تعيِّن المحذوف ، فإن لم تكن قرينة تعين المحذوف ، كان الحذف رديئا ، و الكلام غير مقبول] اهـ . و أيضا يُضم إلى ذلك -أقصد ما أفكر فيه- ، انتقاء الألفاظ المناسبة ، أعني "البلاغة" .


كنتُ أفكر ، إن كان الطرفان يعرفان ما يتحدثان عنه تماما -سواء كانا قريبين من بعضهما أو غريبين- ، "ظاهرا و باطنا" ، فلم الحاجة إلى انتقاء الألفاظ المناسبة ، و لم إيجاز الحذف !!

حسنا ، لأوضح كلامي أكثر ، على سبيل المثال ، أنا أعلم أن الطرف الآخر يريد أن يقول كذا / يظن بي كذا ، فلم أتضايق إذا اختار لفظا غير مناسب مع إني أعلم أن هذا اللفظ الغير لائق ينطبق علي تماما ، لا ، بل آنس إذا "حسن" اللفظ ، مما يجعله أقل انطباقا علي ، مع إني في قرارة نفسي أعلم أنه في قرارة نفسه يريد ذلك المعنى و اللفظ الآخر !


هذا بالنسبة لانتقاء اللفظ المناسب للتعبير ، و مثال آخر ، و لكن هذه المرة على "الإيجاز بالحذف" ، قال الله عز و جل على لسان سيدنا نوح عليه السلام : {رب إن ابني من أهلي و إن وعدك الحق و أنت أحكم الحاكمين}
و المحذوف : "رب إن ابني من أهلي و أنت قد وعدتني أن تنجي أهلي بقولك {إلا أهلك} ، و يستحيل عليك الإخلاف بالوعد ، أو أن تغير حكمك على ابني ، لأن حكمك و حكمتك قديمتنان لا تزالان ، و أنت أحكم الحاكمين"


و الله تعالى يعلم ما أخفاه قلب سيدنا نوح من عبارات ! و سيدنا نوح يعلم أن الله يعلم بهذه العبارات ! فعلام الإخفاء !




و لقد أجبتُ على نفسي ..... و لكن الجواب أحسه ناقصا للساعة :/

أنفال سعد سليمان
19-01-2012, 01:20
طبعا أنفال إذا مر عليها وقت طويل لم تكتب فيه "يصير في إيدها حِجَّة (أو حكة بالفصحى)" ! -كما نقول نحن الكويتيين-.

المهم ، توصلتُ إلى جواب اقتنعت فيه نفسي بالنسبة للسؤال المذكور ، أقصد :


إن كان الطرفان يعرفان ما يتحدثان عنه تماما -سواء كانا قريبين من بعضهما أو غريبين- ، "ظاهرا و باطنا" ، فلم الحاجة إلى انتقاء الألفاظ المناسبة ، و لم إيجاز الحذف !!


و هو و إن كان واضحا و بديهيا عند الكثيرين -إن لم يكن الكل- و لكني سأقوله على كل حال .. و الله تعالى يوفقنا .. أما عدم كتابتي للجواب إلا هذه الساعة فلا يعني أني الآن فقط انكشف لي .. بل لسبب آخر ..

أقول : إن للكلمات نفوذا غريبا ، و تأثيرا قويا ، في النفوس . نفوذ و تأثير يجعل المرء يفرح بما يستيقن أنه كذب في نفس الأمر بالنسبة لما يتصف به مثلا ، مقتنعا مستغنيا بما أخذت نفسه من النشوة إذ قيلت له كلمة المجاملة (غير صادقة في نفس الأمر كما قلت) ، عن البحث في حقيقة هل كلمة المجاملة هذه صادقة في حقي أم لا ! و بالعكس أيضا ، أعني لو قيلت كلمة سوء لشخص لا يتصف بها أصلا لتضايق منها حتى لو قطع في نفسه أنه لا يستحقها .

كنتُ ذاهبة اليوم إلى لقاء لمرشح في مجلس أمة و كان شعاره حملته "أمل و عمل" فقال لنا مثالا يناسب المقام (لم أسمع أوله بالضبط و لكني سمعتُ آخره فلذلك سأخمن تخمينا أقرب لليقين)

إذا كان الرجل فيه مرض في ركبتيه بحيث يعيقه عن المشي ، و معارفه يعرفون ذلك ، فحين يخرج إليهم محاولا أن يمشي فرأوه و قالوا جميعا -جاهلين بتأثير هذه الكلمة عليه-

"طاح طاح طاح" (أي "سقط" بالفصحى)

فحين يسمع هذه الكلمة تتبرمج نفسه على ذلك فيسقط !

(عذرا على سرد المثال بصورة غريبة هذا ما أتذكره)

في هذا اللقاء أيضا التقيتُ بصديقة لي طبيبة من المتخرجين من جامعة البحرين ، فكانت تقول لي إبان دراستها هناك و ذهابها للمستشفيات للتدريب في قسم الطب النفسي هناك حالات كثيرة جدا من المرضى النفسيين الذين يكونون "inpatient" ، أي يظلون في المستشفى (لا أدري كم المدة و لكن ما فهمته أنها طويلة إن لم يكن بقية العمر) ، فتعجبت من ذلك و سألتها عن السبب ، فأجابت أن أهلهم لا زالوا يقولون عنهم مرضى حتى تبرمج المريض أنه سيبقى كذلك بلا علاج يزيل المرض نهائيا ، بغيةَ التخلص منهم ، فلا حول و لا قوة إلا بالله .

فلكم أن تتصوروا مدى تأثير الكلمة على النفوس .

و كم كانت تقول لي أمي عن أمر إما سمعته مباشرة عن المتخصصين في هذا المجال أو نُقل إليها أن ترديد كلمة "أحب الله" كثيرا تزرع محبة الله تعالى في القلب كالذكر تماما ، و يُضم إلى ذلك قصة الرجل الصالح الذي كان يردد "الله معي ، الله شاهدي ، الله ناظري" .

و لذلك السبب -أعني هذا التأثير العظيم للكلمة- شن "شيخي" محمود شاكر رحمه الله تعالى حربه على لويس عوض المستشار الثقافي لمؤسسة الإهرام في كتابه الجليل "أباطيل و أسمار" .. و أنقل لكم فقرة من آخر مقالة في الكتاب "ضفادع في ظلماء الليل" ذكرتُها حقيقة و أحببت أن أزين فيها موضوعي ..

قال رحمه الله :

[... و غاية القول هو أني ، على ذلك كله ، لا أستطيع أن أحتمل العبث بشأن "الكلمة" سواء كان ذلك في عربيتي ، أو في لغة غير عربيتي ، و لا يحملني على التهاون في ذلك شيء من عداوة أضمرها لهذه اللغة و أصحابها ، و لا رفضي للاتجاه الذي تتجه إليه "كلمة" عدو أعاديه ، لأن الكلمة هي "البيان" ، و "البيان" هو نعمة الله الكبرى التي أنعم بها على عباده من كل جنس و لون ، و كذلك علمنا ربنا سبحانه إذ قال : {الرحمن ، علم القرآن ، خلق الإنسان ، علمه البيان} . فمن استهان بالكلمة ، فقد استهان بأفضل آلاء الله على عباده ، و بالنعمة الكبرى التي أخرجته من حد البهيمة العجماء ، إلى حد الإنسان الناطق .] اهـ

و رحم الله الصحابية التي روت الحديث (لا أذكر لفظه) أنه لا يعد كذبا ما يقول الرجل لامرأته ، و المرأة لزوجها .

و صلى الله و سلم على من قال "رب كلمة يقولها المرء في رضا الله تعالى لا يلقي لها بالا يرفع الله بها العبد درجات ، و رب كلمة يقولها في سخط الله لا يلقي لها بالا ، تهوي به في جهنم سبعين خريفا" ، أو كما قال صلى الله عليه و سلم .


فيا إخواني في الأصلين : راعوا ألفاظكم و انتقوها بدقة .. إذا أردتم التأثير الإيجابي للناس .. أو عدم التأثير السلبي للناس .. و لا يخفى عليكم ما لهذا الأمر من أهمية في العلوم أيضا ، خصوصا علم الكلام .

و ......

آااه ! أجرجر نفسي جرا بالسلاسل إلى القراءة ! كما يقاد الذين عجب منهم رب العزة إلى الجنة بالسلاسل ! .. و لكنها تأبى إلا الكتابة ! فما الحيلة يا قوم ؟

دعواتكم !

عبد اللطيف بن عبد الحفيظ
19-01-2012, 11:55
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

ينسب هذا الكلام إلى الامام الشافعي و لا اعلم صحته :

قال رضي الله عنه لتلميذه يونس بن عبد الأعلى : يا يونس اذا رأيت من اخيك ما تكره فان واجهته به أوحشته و ان كتمته عنه فقد خنته، قال و ماذا أفعل يا امام، قال اجعله في وسط الكلام و عرّض به تعريضا.


والله اعلم

أنفال سعد سليمان
19-01-2012, 12:45
بارك الله فيك

و أين كلامي من كلام الإمام الشافعي ؟!

إن الإنسان -لأول وهلة- يظن أنه يستطيع أن يقول كلاما مثل كلام الأفذاذ ، ليكن ذلك -تنزلا !- ، و لكن من أين لك المعاني و العلوم التي يستحضرها هذا الإمام إذ قال هذه الكلمة و المشاعر التي يكنها إذ قالها ؟!


-----------------

تنبيه : وصلني من أحد المشايخ الأفاضل في المنتدى :

(في مشاركتك الأخيرة كتبت: أو يصيبني ما أصاب النبي صلى الله عليه و سلم حين فتر الوحي بعد آية {اقرأ} ، من الاهتمام و الاغتمام ..

وهذه الجملة لا تليق، لأن تشبيه الإنسان حالة نفسه بحالة النبي صىلى الله عليه وسلم فيه قدر من تنقيص قدر النبي صلى الله عليه وسلم، فليس حاله مثل حال أي أحد كان، وقد نص العلماء على أن من قال: ظلمتُ كما قد ظلم النبي صلى الله عليه وسلم قد وقع إما في الردة أو اقترب منها ..)

أستغفر الله فإن الجهل عدو ..
إنما تذكرت فقط هذه الحالة التي كان عليها النبي صلى الله عليه و سلم إذ تصيبني هذه الحالة .. و لم أعن -بالطبع- أني أماثل حالته أو قريب منها ..

عبد اللطيف بن عبد الحفيظ
19-01-2012, 19:17
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته



بسم الله الرحمن الرحيم



كنتُ أفكر ، إن كان الطرفان يعرفان ما يتحدثان عنه تماما -سواء كانا قريبين من بعضهما أو غريبين- ، "ظاهرا و باطنا" ، فلم الحاجة إلى انتقاء الألفاظ المناسبة ، و لم إيجاز الحذف !!

حسنا ، لأوضح كلامي أكثر ، على سبيل المثال ، أنا أعلم أن الطرف الآخر يريد أن يقول كذا / يظن بي كذا ، فلم أتضايق إذا اختار لفظا غير مناسب مع إني أعلم أن هذا اللفظ الغير لائق ينطبق علي تماما ، لا ، بل آنس إذا "حسن" اللفظ ، مما يجعله أقل انطباقا علي ، مع إني في قرارة نفسي أعلم أنه في قرارة نفسه يريد ذلك المعنى و اللفظ الآخر !


هذا بالنسبة لانتقاء اللفظ المناسب للتعبير ، و مثال آخر ،

النفس بطبعها تنفر مما يسيء إليها، فكلام الشافعي اعلاه ان صح فهو في غاية النفاسة، ففرق بين من ينتقي كلمات او الفاظا لمدح اخر او ذمه بما ليس فيه، فيضره اكثر مما ينفعه، و بين من ينتقي الكلمات او يستعمل اسلوب التعريض (مثلا) للإصلاح، بحيث لو صارحه لضره ( كأن لا يتقبل منه او يزيد في غيه او... )
فليس العيب في انتقاء الكلمات و انما العيب في طريقة الاستعمال


هذا بالنسبة لانتقاء اللفظ المناسب للتعبير ، و مثال آخر ، و لكن هذه المرة على "الإيجاز بالحذف" ، قال الله عز و جل على لسان سيدنا نوح عليه السلام : {رب إن ابني من أهلي و إن وعدك الحق و أنت أحكم الحاكمين}
و المحذوف : "رب إن ابني من أهلي و أنت قد وعدتني أن تنجي أهلي بقولك {إلا أهلك} ، و يستحيل عليك الإخلاف بالوعد ، أو أن تغير حكمك على ابني ، لأن حكمك و حكمتك قديمتنان لا تزالان ، و أنت أحكم الحاكمين"


و الله تعالى يعلم ما أخفاه قلب سيدنا نوح من عبارات ! و سيدنا نوح يعلم أن الله يعلم بهذه العبارات ! فعلام الإخفاء !

ايجاز اللفظ مع استيفاء المعنى قمة البلاغة و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم : يأيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم و خواتمه واختصر لي الكلام اختصارا

و لعل السادة الكرام ينفعوننا و بارك الله فيك

أنفال سعد سليمان
20-01-2012, 05:01
أخي الفاضل عبد اللطيف

قلتَ


النفس بطبعها تنفر مما يسيء إليها

طبعا أنا أعرف هذه المعلومة ، و هي موجزة مختصرة ، و القصد من فتح الرابط هو "التأمل" ، و التأمل يقتضي التفسير بأسلوب الإسهاب و التدقيق . و لو أني اكتفيتُ بهذه المعلومة لما فتحت الرابط أصلا .

قلتَ


ففرق بين من ينتقي كلمات او الفاظا لمدح اخر او ذمه بما ليس فيه، فيضره اكثر مما ينفعه

فذممت من لا يحسن انتقاء الكلمات -ابتداء- ، و لكنك قلت -أخيرا- :


فليس العيب في انتقاء الكلمات و انما العيب في طريقة الاستعمال



؟؟؟؟؟

قلتَ


ايجاز اللفظ مع استيفاء المعنى قمة البلاغة

هذا ما درسناه في البلاغة ، و أعيد فأقول القصد من فتح الرابط التأمل المقتضي للتفصيل .. و بناء على ذلك فلا أعدُ هذا سببا كافيا لإظهار سيدنا نوح عليه السلام لرب العزة ما قال ، و إخفائه لكلام آخر في نفسه .

عبد اللطيف بن عبد الحفيظ
20-01-2012, 12:03
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


أخي الفاضل عبد اللطيف

قلتَ



طبعا أنا أعرف هذه المعلومة ، و هي موجزة مختصرة ، و القصد من فتح الرابط هو "التأمل" ، و التأمل يقتضي التفسير بأسلوب الإسهاب و التدقيق . و لو أني اكتفيتُ بهذه المعلومة لما فتحت الرابط أصلا .



الانسان متصف بالكرامة و عزة النفس و الكبرياء و حب المدح ... و يكره الذم و الذلة ...، فانا الآن عندما أكلمك : انتقي الالفاظ لاسباب منها :
ايصال المعلومة بطريقة بسيطة
احاول ان لا أؤذيك في نفسك
احاول ان لا أؤذي نفسي بأن أظهرها جاهلة، فانا لا انتقي الالفاظ لكِ فقط، بل و لي.
و كان استاذي في الكلية يقول لنا: لم يكن السؤال يوما تافها (تحريضا منه على السؤال) بل الجواب هو الدائر بين ان يكون تافها او لا، فالسؤال : جهل بسيط و الجواب اما ان يطابق الواقع فيكون علما او لا فيكون جهلا مركبا
و يقال : اثنان لا يتعلمان : المستحيي و المتكبر، فكبرياؤه يمنعه حتى لا يقال عنه جاهل فالانسان يضع لنفسه مكانة و يجتهد في المحافظة عليها بقدر الامكان، فهو لا يريد ان يقلل من مكانته كما لا يريد من الآخر ان يقلل من مكانته.
و في كتب المنطق يذكرون الحجة الشعرية التي قد تعتمد على مقدمات وهمية يعرف المخَاطب انها وهمية و مع ذلك تؤثر فيه.


قلتَ

ففرق بين من ينتقي كلمات او الفاظا لمدح اخر او ذمه بما ليس فيه، فيضره اكثر مما ينفعه
فذممت من لا يحسن انتقاء الكلمات -ابتداء- ، و لكنك قلت -أخيرا- :

فليس العيب في انتقاء الكلمات و انما العيب في طريقة الاستعمال


قيدت انتقاء الالفاظ بالمصلحة الدينية و الدنيوية


هذا ما درسناه في البلاغة ، و أعيد فأقول القصد من فتح الرابط التأمل المقتضي للتفصيل .. و بناء على ذلك فلا أعدُ هذا سببا كافيا لإظهار سيدنا نوح عليه السلام لرب العزة ما قال ، و إخفائه لكلام آخر في نفسه .

الذي اعرفه ان الاعادة لها ثقل على اللسان و الكلام، فحذف المنطوق اذا كان كلا الطرفين يعلمانِه، مثله مثل النطق به.
فينظر في المحذوف هل هو مطابق للواقع او لا، ان كان مطابقا للواقع لم يؤثر في شيء و ان كان غير مطابق للواقع فينظر في العرف الدائر بين المتخاطبين

فقد يكون المحذوف وصف المخاطَب بشيء مع ان كلا الطرفين يعتقدان خلاف ذلك
والله اعلم

و بارك الله فيك

أنفال سعد سليمان
21-01-2012, 10:27
أخي الفاضل عبد اللطيف .. مشاركتك جهد مشكور ، و لكن ! لا يكفيني و لا يشفي غليلي .. ربما علي ابتداء القراءة في البلاغة فلا شك أنها ستفتح لي أبوابا .. و الله الموفق .