المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في تفسير الاستواء على العرش



عماد علي القضاة
19-12-2004, 10:00
بسم الله الرحمن الرحيم
( الرحمن على العرش استوى )
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد , فهذا ما قاله الشيخ محمد علي سلمان القضاة رحمه الله , في تسجيل صوتي لـه عن هذا الموضوع والله الموفق :
من حق الإنسان أن يسأل ما يشاء ومن واجب العلماء أن يبينوا للناس : سئل الإمام مالك رحمه الله على ملأ من الناس عن الاستواء على العرش , أجاب : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة , والسائل عنه زنديق أخرجوه من المسجد , فأخرجوه من المسجد . هذا ليس من قبيل العجز وانما هو لفراسة الإمام مالك بأن هنالك زنادقة يريدون أن يلقوا في أذهان المسلمين أسئلة ربما لا تستوعب اكثر عقول الموجودين الجواب ، وفراسته دلته على أن هذا السائل متعنت ولا يقصد الفهم والمعرفة.
( الرحمن على العرش استوى ) حق.. قرآن لا شك فيه ( وهو معكم أينما كنتم ) قرآن ثابت في كتاب الله ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) أيضاً قرآن ثابت لا شك فيه ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) أيضاً ثابت في كتاب الله. ولا بد لنا من تفسير يجمع بين هذه النصوص لأنا لا نستطيع أن نلغي واحداً منها فكلها حق .
هنا عرفنا معنى المحدود واللامحدود ، ومعنى اللامحدود هو الله سبحانه وتعالى ، فمعنى لا محدود : أن العقل يعجز عن الإحاطة بالله تبارك وتعالى ، فالله سبحانه وتعالى فوق العقل ، ندرك الله تبارك وتعالى ونؤمن به من كل شيء في الوجود ، فأنت عندما تنظر إلى تنظيم الكواكب في السماء وهي جمادات ، وتنظيم قسم منها بما تقتضيه مصلحة الإنسان في الأرض , قال الله تبارك وتعالى : ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) يدلك على الله , هذا التنظيم .. هذا الخلق البديع يدلك على الله سبحانه وتعالى , لانه ليست هناك صفة محكمة بغير صانع حكيم , عندما يخرج المولود من بطن أمه يخرج ذكرا أو أنثى وانما يستعمل آلة التناسل بعد مضي حوالي خمسة عشر سنة من عمره ، فهذا يدل على أن الصانع حكيم يعلم ماذا يحتاج هذا المولود في المستقبل ، عندما تنظر الى العين في رأس الإنسان وأنه يحتاج أن يرى بها الأشياء فلا بد ان تكون شفافة نظيفة .. كذلك نجد الجفن دائما يمسحها ... ركب لها مساحة ــ الذي خلقها ــ ونبعتين من تحت الجفن الأعلى تصبان الماء باستمرار ( الدمع ) ومجريين من الأسفل تصرفان الماء النازل من النبعتين , والمساحة شغالة ... هذا الإتقان لا يكون صدفة قال الله تبارك وتعالى : ( وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) , من هنا نعرف الله تبارك وتعالى . والبحث في دقائق صنع الله وفي حكمة صنع الله شيء تخر له الجباه .
أما إدراك الخالق جل جلاله بذاته فهو مستحيل , الإحاطة به مستحيلة لان الله تبارك وتعالى خلق العقل فهو محيط به , والشيء لا يحيط بما هو محيط به , ولذلك قال الله تبارك وتعالى : ( ولا يحيطون به علما ) .
فالنصوص : إذا قرأت القرآن العظيم ومعظم آيات القرآن للدلالة على وجود الله وعلى وحدانية الله وعلى قهر الله لخلقه , معنى القهر انه سيّر كل شيء بنظام , فلا يستطيع شيء أن يخرج عن ذلك النظام الذي رسمه له الله سبحانه وتعالى , فأنت ترى انه لا يوجد إنسان يحب أن يهرم ويموت لكن مرسوم لـه هذا المدار .. أن يبدأ طفلا ثم ينمو ويكون قويا ثم يؤول إلى الهرم ثم يموت .. فهو مقهور , مقهور بالنظام الذي وضعه الله جل جلاله … هذه الكائنات مخلوقة مقهورة لنظام , هذا النظام أقوى من هذا , فالذي وضع النظام أقوى منها وأقوى من النظام , لا اله إلا الله , كل شيء في هذا الكون يدلك على الله , والآيات القرآنية كلها تدل على وحدانية الله … على وجود الله ... على قدرة الله …على رقابة الله … على حكمة الله … على علم الله … على إحاطة الله وليس فقط على وجود الله تعالى فأهم شيء في حياة الإنسان ان يعرف الله تبارك وتعالى .
سبحان الله , الذي يموت ناقص العلم بالله يحشر يوم القيامة ناقص العلم بالله , قال الله تبار وتعالى : ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون انهم على شيء ألا انهم هم الكاذبون ) فلو حصل عندهم تمام العلم بالله في الدار الآخرة لما حلفوا بالله , وهذا من عذابهم , نقص علمهم بالله من عذابهم , نعوذ بالله نعوذ بالله نعوذ بالله من عذاب الله , واعظم من ذلك حجبهم عن رؤية الله تبارك وتعالى , ورؤية الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة اعظم نعيم من كل ما في الجنة من نعيم .
فلا بد من العلم بالله ولذلك تجد القرآن كثير النصوص في تعريف الناس بربهم واهم شيء في حياة الإنسان أن تتم معرفته بالله سبحانه وتعالى , وكل شيء في الوجود تجده منظما والعمل الغائي يعني الشيء المعدّ لهدف يأتي بعد فترة لا يصدر إلا عن حكيم , فكل شيء في الوجود منظم ويدلك على الله , اضرب لك مثلا : امسك شيئا من الحبر او الدهان واكتب على ورقة ( الله ) يعني خط معين تقراه ( الله ) فهل هذا الخط المعين يدلك على الله تبارك وتعالى اكثر من هذا الإنسان الذي خط هذا الخط , لما في هذا الإنسان من عجائب الصنع ؟ سبحان الله , فالإنسان ذاته اذا نظرت إليه ذكّرك بالله , والشجرة والثمرة تذكّرك بالله , والسماء والنجوم تذكّرك بالله , ودورة الأرض وبعدها عن الشمس تذكرك بالله وان شئت فاقرأ من أوائل سورة ( عم يتساءلون )- أول سورة النبأ تجد البراهين العظيمة وفي غيرها من السور , كما قلت لك اكثر الآيات القرآنية للدلالة على الله حتى القصة تجدها هادفة للتعريف بالله سبحانه وتعالى .
فنحن عندما نقول : ( الرحمن على العرش استوى ) هل هو بصورة تدركها عقولنا ؟ لو قلنا بصورة تدركها عقولنا لأصبحنا نقول بان الله محدود يمكن لعقولنا ان تحيط به , أوردت لك النصوص : ( الرحمن على العرش استوى ) ( وهو معكم أينما كنتم ) ( ونحن اقرب إليه من حبل الوريد ) ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) كلها حق , وهو في السماء ( ءأمنتم من في السماء ان يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ) وأين العرش وأين السماء ؟ !
السماوات السبع والأرضين السبع لو ألقيت في العرش لكانت كحلقة في فلاة , قرب السماء بالنسبة الى قربها من العرش كقرب غرض يبتعد عنك مترين الى بعد ما بين المشرق والمغرب او اعظم من ذلك , فالله كبير جل جلاله , ملكه واسع , لا اله الا هو , وكما انه عظيم في الأشياء العظيمة التي خلقها من السماوات والأرض هو عظيم في الجزئيات الصغيرة التي تتألف منها هذه الأجسام , لا يحيط بصغرها إلا هو سبحانه وتعالى , الله تبارك وتعالى جعل المقياس للموجودات الذرة , قال الله تبارك وتعالى : ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا اصغر من ذلك ولا اكبر ) فكما أن للذرة أضعاف حتى قامت السماوات والأرض والعرش كذلك فلها أجزاء وأجزاؤها لها أجزاء الى اصغر جزء يستحيل تقسيمه , والله تبارك وتعالى خالق لهذا الجزيء الصغير الذي منه تتألف كل الأجسام , خالقه وممسكه من الزوال قال الله تعالى : ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) .
فنحن نقول : ( الرحمن على العرش استوى ) حق بالمعنى الذي أراد لا بالمعنى الذي نفهمه ( ونحن اقرب إليه من حبل الوريد ) حق بالمعنى الذي أراد .. والله تبارك وتعالى أعلى واعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين . عماد القضاة / الاثنين 4 رمضان 1425هـ الموافق 18 تشرين اول2004 م .