المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الباز الأشهب الجيلاني في الرحاب البياني [الجزء الأول]



حسام الدين رامي نقشبند
20-10-2011, 15:51
الباز الأشهب الجيلاني في الرحاب البياني [الجزء الأول]
هو شيخ مشايخ الطريقة وقلب علم الحقيقة ، الباز الفار إلى الجبار من صحبة الأغيار ..
بسم الله الرحمن الرحيم : ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ )[الذاريات : 50] ..
إن أهم ما يميز تاج الأولياء الإمام " عبد القادر الجيلاني " رحمه الله تعالى، عن أقرانه من أهل الولاية، هو أنه رضي الله عنه، جدد النهج الصوفي وأعاده إلى عصره الذهبي في عصر الفتن الكلامية والباطنية، ليكون في إطاره الصحيح الموافق للقرآن والسنة وآثار السلف الصالح في القرون الثلاثة الأولى خير القرون، وفق خبر سيد المرسلين عليه أتم الصلاة و أفضل التسليم ..
عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، قال عمران : فما أدري : "قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد قوله مرتين أو ثلاثا" ، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن )، رواه الشيخان البخاري [6438] ، ومسلم [2535] في الصحيح، والترمذي في السنن برقم : 2302، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" برقم :2302 وفي "صحيح النسائي" برقم : 3818، وحكمه : [متفق عليه] ..

وكان يقول رضي الله عنه للدعاة في عصره : ( إن في الإسلام كنوز ينبغي أن تستغل، وطاقات روحية ينبغي أن تستثمر، وضياعها ضياع لعناصر هامة في الدعوة، وقصور في كمال الإسلام، ونقص في تصوره وشموله،ألا هي التزكية والتربية، و العناية بصفاء الروح ونقائها، ومعرفة دقائق التوحيد، وعلم الإخلاص ، وحقيقة اليقين )، ورد في "سلسلة أعلام المسلمين" دار القلم [ج45/ص: 22]..
لقد أوجز رضي الله عنه، مضمون الدعوة إلى الله في ثلاثين كلمة فقط فهكذا يكون العالم الرباني ..
لقد أعاد رضي الله عنه، للتصوف روحه وصفاءه وأزال الشبهة عنه، وجاهر بحقائقه وسبق بذلك أسلافه وأقرانه عدا الرفاعي الكبير رضي الله عنه، وأدرج ذلك بسعة بيانه وقوة حجته، بما تقبله العقول، ولو لا ذلك لم اجتمع في مجلسه أو درسه في فلاة بغداد،أكثر من سبعين ألف مريد ومتعلم ومستمع ومحب في آن واحد ..
وقد صنف رضي الله عنه الصوفية إلى اثنا عشر طائفة واحدة في الجنة، وهم من كانت أقوالهم وأفعالهم توافق الشريعة والطريقة والباقي أهل بدعة و هم وفق تصنيفه رضي الله عنه: ( الحلوية، والحالية، والأوليائية، والثمراخية، والحبية، والحورية، والإباحية، والمتكاسلة، والحدية [المتجاهلة]، والوافية، والهامية ..
1. الحلوية: .. يقولون النظر إلى الوجه الجميل من النساء والأمرد حلال، وفيه صفة الحق ... وهذا كفر محض ..
2. الحالية: .. يقولون الرقص وضرب اليد حلال، ويقولون للشيخ حالة لا يعبر عنها الشرع، وهذه بدعة ..
3. الأوليائية: .. يقولون إذا وصل العبد إلى مرتبة الأولياء سقطت عنه تكاليف الشرع ؟؟!، وهذا باطل لا يقبله الشرع ..
4. الثمراخية: .. يقولون الصحبة قديمة، و بها يسقط الأمر والنهي ..
5. الحبية: .. يقولون إذا وصل العبد درجة المحبة عند الله تعالى، تسقط عنه التكاليف ؟؟! ..
6. الحورية: .. كالحالية، لكنهم يدعون وطئ الحور في حالاتهم ..
7. الإباحية: يتركون الأمر بالمعروف، ويحلون الحرام ويبيحون النساء ..
8. المتكاسلة: يتركون الكسب بدعوى ترك الدنيا فيتسولون ..
9. المتجاهلة [الحدية]: يظهرون الفسق، ويدعون الإيمان في بواطنهم، وهو أعلى درجات النفاق ..
10. الوقفية: .. يقولون لا يعرف الله غير الله فقط، فيتركون طلب المعرفة فسبقوا بإثمهم إثم المرجئة الجهمية ..
11. الهامية: تركوا العلم، ونهوا عن التدريس، وتابعوا الحكماء، واستبدلوا القرآن بالأشعار ..
وهؤلاء جميعا ادعوا بالافتراء أنهم أهل السنة والجماعة ؟؟ ! ..
وهذا محض افتراء باطل، فأهل السنة والجماعة من كان على أثر الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فقد كانوا أهل الجذبة بقوة صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم انتشرت تلك الجواذب بعد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين، إلى مشايخ الطريقة، ثم تشعبت إلى سلاسل كثيرة، حتى ضعفت وانقطعت عن كثير منهم، فبقي منهم أهل الرسوم، وتشعب منهم أهل البدعة )، ورد في "سر الأسرار" للجيلاني [ص: 140و141] ..
وكان يقول رضي الله عنه : ( كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة، طر إلى الحق بجناح القرآن والسنة ) ..
وقد كان رضي الله عنه ممن يدعون للصدق ويصدقوه بالعمل، فتوافقت رغبته مع إرادة الله فتاب على يده بعون الله، أكثر من مائة ألف فار، ورد إلى الإسلام بنصرة الله، آلاف اليهود و النصارى ..
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [33] لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ) [الزمر : 34] ..
فكان جهبذ عصره عملا بالأثر القدسي : ( من رد إلي فارا كتبته عندي جهبذا، ومن كان عندي جهبذا فلن أعذبه أبدا ) (1) ..
وكان رضي الله عنه ممن اختصه الله بقضاء حوائج الناس وجبر عثراتهم لينطبق عليه الأثر القدسي القائل : ( إن لي عبادا اختصصتهم بقضاء حوائج الناس، حببتهم بالخير وحببت الخير بهم، أولئك الآمنون من عذابي )(1) ..
وسمي الشيخ الجيلاني رحمه الله تعالى، بالباز الأشهب لبعد نظره بالحق، وحدة بصيرته، وتحلقه بدرجات القرب بجناحي الشريعة والحقيقة ..
والأشهب هو اللون الرمادي وهو نتاج الجمع بين اللونين الأبيض والأسود، أي الجمع بين علم الظاهر والباطن، والرغبة والرجاء، والمعرفة والولاية، وهو الذي استوى عنده الزهد بالدارين لاستواء وجهته لله دون سواه ..
وصدق من قال: ( قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون، وأجنحة تطير بغير ريش إلى ملكوت رب العالمين ) ..
يروى أن بعض مريديه تكلموا أن الشيخ الجيلاني لا يقاربه الذباب، فعندما وصله الأمر إلى مسمعه قال : ( وإلى ماذا يأتي الذباب ؟!!، لا دبس الدنيا ولا عسل الآخرة ) ..
نعم هو الباز الأشهب تاج الأولياء الذي تخلق بخلق الله عز وجل، وتأدب بأدب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
أذن من كبار عارفي عصره الربانيون وهو الإمام الغوث الهمداني، وجارى بالعلم والفهم الغوث الصمداني عبد الخالق الغجدواني، وكان منارة وضياء كقرينه إمام الأولياء الرفاعي الكبير أحمد المحامد و الصفات ..
يقول رضي الله عنه : ( قدم رجل من همدان يقال له "يوسف الهمداني" رحمه الله تعالى [من سلالة السادة النقشبندية ومن الأبدال، انتهت له تربية المريدين في خراسان توفي عام 535 هـ ودفن في مرو]، وكان يقال له القطب [الغوث]، ونزل في رباط فنزلت إليه فلم أره، فقيل لي : هو في السرداب [يعقد الخلوة النقشبندية]، فنزلت إليه، فلما رآني قام وأجلسني، ثم ذكر لي جميع أحوالي، وحل لي ما أشكل علي، ثم قال لي : { تكلم على الناس }، فقلت يا سيدي أنا أعجمي، فكيف أتكلم على فصحاء بغداد، فقال لي : { أنت حفظت الفقه وأصوله والخلاف والنحو واللغة وتفسير القرآن، و لا يصلح لك أن تتكلم ؟!، اصعد على الكرسي وتكلم، فإني أرى فيك عذقا [العذق عنقود البلح]، سيصير نخلة } )، ورد في "سير أعلام النبلاء" للذهبي [ج20/ص: 439و440] ..
وهذه الحادثة لها روايات عدة ومنها ما رواه العلامة "ابن حجر الهيتمي" رحمه الله تعالى، في {الفتاوى الحديثة}، وفق ما رواه إمام الشافعية في عصره "أبو سعيد عبد الله بن أبي عصرون" رحمه الله تعالى، ومن بين ما روى هذا الإمام أنه قصد الغوث الصمداني "أبو يعقوب يوسف الهمداني" رحمه الله تعالى، برفقته ابن السقا والشيخ الجيلاني عندما كان في ريعان شبابه، فبيت كل منهم نية وقصد، فابن السقا أراد أن يعجزه بالسؤال، وابن أبي عصرون أراد أن يختبر مدى علمه، أما الشيخ عبد القادر رضي الله عنه فقال : ( معاذ الله أن أسأله شيئا، أنا بين يديه أنتظر بركة رؤيته ) ..
فلما دخلوا عليه أعطى كل منهم وسؤله وقال للباز الجيلاني بعد أن أدناه وأكرمه : { يا عبد القادر لقد أرضيت الله ورسوله بحسن أدبك، كأني أراك ببغداد، وقد صعدت الكرسي متكلما على الملأ وقلت : ( قدمي هذه على رقبة كل ولي ) [أي ما قدمته من الخير والعلم كان على عاتق كل ولي من أولياء الله]، وكأني أرى الأولياء في وقتك وقد حنوا رقابهم إجلالا لك }ا هـ
قال ابن أبي عصرون : ( فأما الشيخ عبد القادر قد ظهرت أمارات قربه من الله، وأجمع عليه الخاص والعام، وقال : قدمي .... الخ، وأقرت الأولياء في وقته له بذلك )، ورد في "الحدائق الوردية" للخاني [ص: 342و343]، وفي "المواهب السرمدية" للعلامة الزملكاني [ص: 86و87] ..
كان بلقائه مع الغوث الهمداني الذي أذنه بالإرشاد تحول نوعي في حياة الباز الأشهب قدس سره ..
وظهر إبداعه وتميزه ..
فقد قسم رضي الله عنه ، أتباع نهج التصوف إلى ثلاثة أقسام هي :
• عباد الصوفية : وهم المقلدون المتبعون المحبون من باب حسن الظن بالمرشد يربطهم به رابطة المحبة والطاعة ..
• متعلمي الصوفية : وهم المتصوفة الذين تلقوا منه بالقسط مدارك الإيمان و مدارج التقوى وحظوا بحسن تبعيتهم وامتثالهم لأوامره رضي الله عنه ، بالحق إلى كمال الإيمان وحق التقوى وهو اليقين ..
• علماء الصوفية : وهم الصوفية الذين تدرجوا وترقوا بفضل الصحبة وارتباط قلبوهم مع قلب ذو المقام الرفيع وريث الجد الأكبر سيد الدعاة صلى الله عليه وآله وسلم ، ففازوا بفضل العروج والعرفان بطور مقام الإحسان ..
فبهذا الشكل تمكن رضي الله من تعميم نهج التصوف وتعميم الانتفاع منه ..
ولأن علم التصوف علم أذواق لأحوال الجنان فقد حرضه في قلوب العباد المقلدين المطيعين له والمحبين بتهيئهم والربط على قلوبهم بإذن الله، وجعلهم يرتادوا في ركاب الجهاد في سبيل الله لينالوا من التصوف جانب من جوانب هذه الأذواق ولو أحوال دون مقامات فيعشوا مسلمين ويموتوا شهداء للحق مؤمنين يبعثون يوم القيامة دمهم بلون الزعفران وريحهم كريح المسك كما ورد بالأثر ..
عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من جرح في سبيل الله جاء يوم القيامة ريحه كريح المسك، ولونه لون الزعفران، عليه طابع الشهداء، ومن سأل الله الشهادة مخلصا أعطاه الله أجر شهيد وإن مات على فراشه )، ورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي برقم : 11144، رواه ابو داود [2541]، في سننه بمضمون اللفظ، وصحح لفظ رواية أبو داود الألباني في" صحيح أبي داود"، ورواه ابن حبان [3191] في صحيحة، واستشهد به الإمام أحمد في فهرس مسنده، وحسن الألباني هذا اللفظ في "السلسلة الصحيحة" [2556]، وقال في "صحيح الترغيب" [1324]: حسن صحيح ..
لقد كان للإمام "أبو محمد عبد القادر الجيلاني" رحمه الله تعالى، ثم للإمام "أبو المحاسن الحسين قضيب البان" رحمه الله تعالى، دور رائدا ومفصليا في صنع جيش الناصر لدين الله السلطان "صلاح الدين يوسف الأيوبي" رحمه الله تعالى، وصنع نصر حطين ضد لغزو الصليبي، وفتح ثالث المقدسين ..
وكان دافعه للتعميم في تصوف الدين، التزكية والتأدب وبرودة اليقين، تماشيا مع خطى جده الأكبر سيد المرسلين الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وآله وسلم، الذي كان يقول : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )، رواه البيهقي في "سننه الكبرى" [21379]، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" [ج9/ص: 18]: رجاله رجال الصحيح، وقال الحاكم النيسابوري في "المستدرك" [4221]: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الزرقاني في "المقاصد الحسنة"، حكمه :[صحيح] ..
و الذي يقول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم : ( من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار )، ورد في "الإحياء" للغزالي في كتاب العلم وله شاهده المرفوع المثبت برواية ابن عبد البر، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : ( ما أنزل الله شيئا أقل من اليقين ولا قسم شيئا بين الناس أقل من الحلم ) ..
واصطبغ رضي الله عنه من جده بصبغة الرحمة بالأمة والسعي على منع انجرافها في الضلالات والبدع التي كانت سائدة في هذا العصر، ولخطورة الإنكار التام أو الإعراض عن علم التصوف على سوء الخاتمة ..
يقول الإمام "أبو الحسن الشاذلي " رحمه الله تعالى : ( من لم يكن له نصيب من هذا العلم [التصوف], أخشى عليه سوء الخاتمة, وأدنى النصيب منه التصديق به والتسليم لأهله ) ..
بين رضي الله عنه علم السلوك بأسلوب سهل هين وعزب شيق بليغ يجذب اللباب ويستهوي المستمع المهاب، فكان يقول في الإيمان مثلا : ( الإيمان قول باللسان، ومعرفة في الجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، ويقوى بالعلم، ويضعف بالجهل، و بالتوفيق يقع )، ورد في "الغنية" للجيلاني [ج1/ص: 62] ..
فالإيمان في ميزان عقيدة الإمام الجيلاني رحمه الله تعالى، ينقص ويزيد ويقوى ويضعف ؟؟ !! ..
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم )،صححه الألباني في"صحيح الجامع" [1590]، وحسنه السيوطي في "الجامع الصغير" [1957]، والهيثمي في " مجمع الزوائد" [ج1/ص: 57]، وقال الألباني في "السلسلة الصحيحة" [1585] : رجاله رجال مسلم غير عبد الرحمن بن ميسرة وهو حسن الحديث، وقال الحاكم النيسابوري في "المستدرك" [5]: هذا حديث لم يخرج في الصحيحين، ورجاله مصريون ثقات، واحتج به مسلم في الصحيح ..
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( جددوا إيمانكم )، قيل: يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( أكثروا من قول لا إله إلا الله )، رواه الإمام أحمد في "مسنده" [8493]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [3581]، وحسنه كل من أحمد شاكر والهيثمي وابن الغزي والمنذري والدمياطي وقال الحاكم النيسابوري في "المستدرك" [7657] : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ..
وفي موضع آخر يقول في درجات الإيمان وأطواره رضي الله عنه : ( تترقى درجة العبد من الإسلام إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإيقان، ومن الإيقان إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى العلم، ومن العلم إلى المحبة، ومن المحبة إلى المحبوبية، ومن طلبه إلى مطلوبيته، فحينئذ إذا غفل أوقظ، وإذا نسي ذكر، وإذا نام نبه، فلا يزال أبدا مستيقظا صافيا لأنه قد صفت آنية قلبه يرى من ظاهرها باطنها، ورث اليقظة من نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكان يرى من وراءه كما يرى من أمامه، كل أحد يقظته على قدر حاله، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا يصل أحد إلى يقظته، و لا يقدر أن يشاركه أحد في خصائصه، غير أن الأبدال [الخلفاء] والأولياء من أمته يردون على بقايا طعامه وشرابه [آثاره وقرآنه]، يعطون قطرة من بحار مقاماته، وذرة من جبال كراماته لأنهم وراءه، المتمسكون بدينه الناصرون له الدالون عليه الناشرون لعلم دينه )، ورد في "الفتح الرباني" للجيلاني [م45/ص: 184] ..
عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( رحمة الله على خلفائي، قيل ومن خلفاؤك يا رسول الله ؟، قال الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس )، ورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي برقم : 29209 ..
ويؤكد ذلك الأثر القدسي : ( عبدي أطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا خيرا وأحب إليك من كل شيء ) (1) ..
وهو بذلك التعريف جمع بين مفهوم أصحاء المرجئة وأهل السلف للإيمان بمعنى آخر عاش حال الإيمان ونطق بما تحقق به ..
أقر باللسان وصدق بالقلب وبادر بحسن العمل ..
ومن نقاط القوة في شخص الإمام تاج الأولياء "عبد القادر الجيلاني" رحمه الله تعالى، توطيد العقيدة الصحيحة، بتقيدها بالقرآن، مع تمام الإيمان الراسخ رسوخ الجبال والاستنارة بنور التقوى الذي يفرق بها بين الحق والباطل ..
فكانت عقيدته هي إتباع دون ابتداع ، كان يقول لأتباعه : ( اتبعوا ولا تبتدعوا، وأطيعوا ولا تخالفوا، واصبروا ولا تجزعوا، وانتظروا ولا تيأسوا ) ، ورد في "الطبقات الكبرى" للشعراني [ص: 129] ..
وقال رضي الله عنه : ( عليكم بالإتباع من غير ابتداع، عليكم بمذهب السلف الصالح، أمشوا في الجادة المستقيمة، لا تشبيه ولا تعطيل، بل إتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير تكلف ولا تطبع ولا تشدد، ولا تمشدق ولا تمعقل، يسعكم ما وسع من كان قبلكم ) ، ورد في "الفتح الرباني" للجيلاني [م4/ ص: 48] ..
ولعله رضي الله عمل بحديث جده الأكبر "أبو القاسم محمد بن عبد الله" صلى الله عليه وآله سلم الذي رواه جده إمام العلماء "أبو الحسن علي بن أبي طالب" كرم الله وجهه، والذي استشهد به الإمام الحجة "أبو حامد الغزالي" رضي الله عنه ، في كتاب الإحياء نعما المتبع ..
عن علي بن طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : : ( والذي بعثني بالحق نبياً لتفترقن أمتي عن أصل دينها وجماعتها إلى اثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة مضله يدعون إلى النار، فإن كان ذلك فعليكم بكتاب الله عز وجل، فإن فيه نبأ من كان قبلكم، ونبأ ما يأتي بعدكم، وحكم ما بينكم، من خالفه من الجبابرة قصمه الله، ومن ابتغى العلم بغيره أضله الله عز وجل، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وشفاؤه النافع، وعصمة من تمسك، ونجاة من تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستقيم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلقه كثرة الترديد ) ، ورد في كتاب "الإحياء" للغزالي في { ربع العبادات الكتاب الثامن } [ج1/ص: 289] ، وخرجه الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" مرفوعا، وله شاهده بالصحيح المسند في كتب الصحاح، في كل من سنن الترمذي [2906]، وسنن الدارمي [3211] ..
فهم الإمام الجيلاني للتوحيد :
كان رضي الله عنه يقول : ( الدواء في توحيد الله عز وجل، بالقلب لا باللسان فحسب ) ، ورد في "الفتح الرباني" للجيلاني [م13/ص: 65] ..
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصا من قبله، أو نفسه )، رواه البخاري في "صحيحة" [99]و[6570]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [967]، وقال ابن كثير في " البداية و النهاية" [ج2/ص: 198] : إسناده صحيح على شرطهما ولم يخرجاه من هذا الوجه، وقال ابن خزيمة في "التوحيد" [ح699/ص: 2] : صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح ..
و في الأثر القدسي القائل : ( لا إله إلا الله حصني، من أقر لي بالتوحيد، دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي ) (1) ..
وكان يقول رضي الله عنه : ( أساس الأمر الإسلام ثم الإيمان، ثم العمل بكتاب الله عز وجل، وشريعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم الإخلاص بالعمل مع توحيد القلب عند كمال الإيمان، المؤمن يفنى في كل ما سوى الله عز وجل )، ورد في "الفتح الرباني" للجيلاني [م22/ص: 101و102] ..
وكان يقول في الدعاة الموحدين : ( الموحدون الصالحين، حجة الله على بقية خلقه )، ورد في "الفتح الرباني" للجيلاني [م13/ص: 65] ..
وكان يقول في إخلاص توحيد الله عز وجل : ( الله سبحانه وتعالى، واحد فرد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا شريك، ولا ظهير ولا وزير، ولا ند ولا مشير، ليس بجسم فيمس، ولا بجوهر فيحس، ولا عرض فيقضي، ولا ذي تركيب وتأليف، وما هيه وتحديد، ..... قاهر حاكم قادر، راحم غافر، ساتر معز ناصر، رءوف خالق فاطر، أول آخر، ظاهر باطن، فرد معبود، حي لا يموت، أزلي لا يفوت، أبدي الملكوت، سرمدي الجبروت، قيوم لا ينام، عزيز لا يضام، منيع لا يرام، له الأسماء العظمى و المواهب الجسام )، ورد في " الغنية" للجيلاني [ج1/ص: 151] ..
ومما تقدم في سرده التوحيدي نجده على نهج إمام التجديد و التوحيد، الإمام " ابو الحسن الأشعري" رحمه الله تعالى، من أهل التفويض شأنه شأن أصحاء الحنابلة ..

حسام الدين رامي نقشبند
20-10-2011, 15:53
الإمام الجيلاني وموقفه من الصفات الخبرية:
يقول صاحب طبقات الحنابلة : ( إن الشيخ عبد القادر كان متمسكا في مسائل الصفات والقدر ونحوهما بالسنة مبالغا في الرد على من خالفها )، ورد في "طبقات الحنابلة" لابن رجب برقم 134 ..
وكان رضي الله عنه يقول : ( لا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تجسيم )، ورد في "سلسلة أعلام المسلمين" دار القلم [ج45/ص: 183] ..
أي أنه كان ينفي المثلية لله وفق الآية المحكمة الكريمة، وينفي القول بتعطيل هذه الصفات أي نفيها كصفات خبرية حقيقية خاصة بالله بما يليق به سبحانه وفق علمه بها ..
أي يؤخذ بها تصديقا على ظاهرها وتفويض حقيقتها الله ومنها صفة اليد والعين والأصابع والقدم والساق إلى غير ذلك ..
أي أن الجيلاني لم يكن حنبلي مجسم كما يروج البعض بل كان من أصحاء الحنابلة أي أشعري المعتقد مفوض ..
لكنه رحمه الله تمييز بقدرته على الجمع التحصيلي الإيجابي بين معتقد السلف في القرن الأول الهجرة والخلف الأصحاء من السادة الأشاعرة ..
وتجلى ذلك في موقفه من صفة الاستواء حيث كان يقول رحمه الله : ( ينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، لا على معنى القعود أو المماسة، كما قال المجسمة والكرامية، ولا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشعرية، ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، لأن الشرع لم يرد بذلك ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين، من السلف الصالح وأصحاب الحديث ذلك، بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق ..
وقد روي عن أم مسلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في قوله تعالى : {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه : 5]، قالت : الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به واجب، والجحود به كفر، وقد أسنده مسلم بن حجاج عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال أحمد بن حنبل قبل موته بقريب : "أخبار الصفات تمر كما جاءت بلا تشبيه ولا تعطيل" )، ورد في "الغنية" للجيلاني [ج1/ص: 155] ..
وقوله رضي الله عنه فيما سبق : ( وأنه استواء الذات على العرش )، أي بصفات ذاته وليس بكنه الذات العلية، إنما اختزل ذلك لأنه مسلم به عنده ..
وأشار رضي الله من شدة ورعه إلى إطلاق حقيقة ومعنى الاستواء، دون تقيده بوصف أو حد لمعنى، وهو قمة التنزيه التفويضي ..
الإمام الجيلاني وإيمانه بالقضاء والقدر:
كانت عقيدته الإيمانية في هذا المجال هو القبول بالنتائج على محمل الرضا بعد الأخذ بالأسباب من سعي جاد وبذل جهد فيما يرضي الله ..
وقد كان رضي الله عنه يقول : ( لا بد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء، أمر يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به )، ورد في "فتوح الغيب" للجيلاني المقالة الأولى ..
كان رضي الله ممن يفوضون الأمر كله لله، ويجدون بالقضاء والقدر خيرا مطلقا للعبد بعد استنفاذ الأسباب، وكان موقن بأن منعكس ذلك بالأفعال الإلهية مصدره الرحمة والعدل ممن هو مصدرها الأكمل الذي بيده الخير وهو على كل شيء قدير ..
وكان رضي الله عنه يقول : ( ينبغي الإيمان بخير القدر وشره، وحلو القضاء ومره، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه بالحذر، وأن ما أخطأه من الأسباب لم يكن ليصبه بالطلب، قال تعالى : { وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }[يونس : 107] )، ورد في "الغنية" للجيلاني [ج1/ص: 65] ..
وللشيخ الجيلاني موقف يروى عنه في صدقه مع الرضا بالقضاء والقدر حيث كان يلقي أحد دروسه في هذا المجال، في المدرسة الناظمية في بغداد، وبينما هو كذلك سقط من سقف القاعة أفعى عظيمة كانت ملتفة على أحد سوق السقف الخشبية التي يحمل عليها ألوح السقف، فاحدث سقوطها هلع كبير وتدافع الناس في هياج عظيم خوفا منها، فما كان من هذا الثعبان الضخم إلا أن انسل ببطء وروية دون أن يؤذي أحد، والعجب العجاب أن هذا الحدث منذ أوله حتى انتهائه لم يحرك بالباز الأشهب ساكن وكأن شيء لم يكن ..
وعندما سئل عن سبب رباطة جأشه قال : ( وما هي إلا دويبة قد ساقها إلي الله بالقضاء والقدر ) ..
فقد كان إيمانه بالقضاء والقدر أنه خير مطلق راسخ وأن الله لا يسوق من غيبه للعبد إلا الخير لما فيه صالحه بالآخرة ..
عن اللجلاج بن حكيم السلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إِذَا سَبَقَتْ لِلْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ ، أَوْ فِي مَالِهِ ، أَوْ فِي وَلَدِهِ ، ثُمَّ صَبَّرَهُ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ )، رواه أبو داود في "سننه" [2689و3090]، والإمام أحمد في "مسنده" [21749]، و البيهقي في "الشعب" [9203]، وأبو نعيم في "الحلية" [5465]، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" [669]، وحكمه : [صحيح] ..

وفي الأثر القدسي : ( وعزتي وجلالي لا أخرجا عبدا من الدنيا أحب أن أرحمه حتى أوفيه كل سيئة كان عملها سقما في جسده، أو تقتيرا في رزقه، أو مصيبة في ماله وولده، حتى أوفيه مثاقيل الذر، فإن بقيا له سيئة كان عملها شددت عليه سكرات الموت حتى يخرج منها كما ولدته أمه ) (1) ..
فالله يقدر للمرء ما ظاهره شر لما فيه من خير عميم ويقضي بما ظاهره ضر وفي طياته النفع العظيم، وكما ورد في الأثر : ( لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع ) ..
وفي الأثر القدسي أيضاً : ( إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر , فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه, و إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه )(1) ..

عقيدته بالتوكل :
كان يؤمن بالأثر القائل : ( التسبب سنتي والتوكل حالتي ) ..
لذلك كان يقول : ( عليك بالكسب والتعلق بالسبب إلى أن يقوى إيمانك، ثم انتقل من السبب إلى المسبب، الأنبياء عليهم السلام، اكتسبوا واقترضوا وتعلقوا بالأسباب في أول أمرهم، وفي الآخر توكلوا، جمعوا بين الكسب والتوكل بداية ونهاية، شريعة وحقيقة )، ورد في "الفتح الرباني" للجيلاني [م28/ص: 126] ..
وهنا يشير رضي الله عنه إلى ضرورة الأخذ بالأسباب وعدم الاعتماد على الأسباب ..
لذلك كان رضي الله عنه يحس مريده على الاجتهاد في الدين وترك الكسل و السعي إلى حلال الكسب وكان يقول ذلك في مجالس الفتوح الربانية (2) ..
الورع عند الجيلاني :
كان الورع هي السمة الفضلى عنده رضي الله عنه، فقد كان رحمه الله تعالى متعلقا بأهداب الورع، كان متورع عن الجاه والمكانة وعن مقاربة أصحاب السلطة متورعا عن عطايا أخيارهم اتقاء الشبهة ..
عن النعمان بن بشير رضي الله عن قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى،ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، إلا وهي القلب )، رواه مسلم [4070و1599] في الصحيح، وأبو داود [3329] والترمذي [1205] والنسائي [4465و6040] في السنن، والإمام أحمد [17907] في المسند، و البيهقي [5740] في الشعب، وصححه الألباني في "صحيح النسائي" [5726]، وفي "صحيح أبي داود" [3329]، وفي "صحيح الترمذي" [1205]، وحكمه : [متفق عليه] ..
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبين ذلك أمور متشابهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك )، رواه النسائي في سنن "المجتبى" [5412]، و "الكبرى" [5945]، والدارمي في سننه [169]، والبيهقي في سننه الكبرى [20924]، وحكمه : [صحيح] ..
وعن عطية السعدي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به، حذرا مما به بأس )، رواه الترمذي [2451] وابن ماجه [4215] في السنن، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [9942]، وحكمه : [صحيح] ..
ويقول الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه : ( كنا نترك سبعين بابا من المباح مخافة أن نقع في الجناح ) ..
وكان الفاروق الأشهب عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول : ( كنا نترك تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام ) ..
وكما ورد في آثار بعض أجلاء الصحابة رضوان الله عليهم : ( كنا نترك أكثر ثلثي الحلال خشية الوقوع في الحرام ) ..
فالورع في مفهومه رضي الله عنه هو : ( اجتناب الشبهات خوفا من الوقوع في المحرمات ) ..
وقد قسم رضي الله عنه الورع إلى ثلاثة درجات وصنفه في قسمين حيث قال : ( والورع على ثلاثة درجات :
(1) ورع العوام : وهو ورع عن الحرام والشبهة ..
(2) ورع الخواص : وهو ورع عن كل ما للنفس والهوى فيه شهوة ..
(3) ورع خواص الخواص : وهو ورع عن كل ما لهم به إرادة ..
والورع ورعان :
• ظاهر وهو أن لا يتحرك إلا بالله تعالى ..
• باطن وهو أن لا يدخل على قلبك سوى الله تعالى ..
ومن لم ينظر في دقائق الورع لم يحصل له نفائس العطاء)، ورد في "الغنية" للجيلاني [ج1/ص: 130]، في "قلائد الجواهر" للتادفي [ص: 64] ..
ويقول رضي الله عنه : ( لا يتم الورع إلا أن يرى عشر أشياء فريضة على نفسه :
(1) حفظ اللسان من الغيبة .
(2) الاجتناب عن سوء الظن .
(3) الاجتناب عن السخرية من الناس .
(4) غض البصر عن المحارم .
(5) صدق اللسان .
(6) أن يعرف منة الله تعالى عليه لكي لا يعب بنفسه.
(7) أن ينفق ماله في الحق ولا ينفقه في الباطل .
(8) أن لا يطلب لنفسه العلو والكبر .
(9) المحافظة على الصلوات الخمسة في مواقيتها.
(10) الاستقامة على السنة و الجماعة )، ورد في "الغنية" للجيلاني [ج2/ص: 134] ..
لقد كان الباز الجيلاني رحمه الله تعالى، من أهل عزائم الورع حيث كان يقول : ( عليكم بالعزيمة والإعراض عن الرخصة، من لزم الرخصة وترك العزيمة خيف عليه من هلاك دينه، العزيمة للرجال لأنها الأشق والأمر، والرخصة للصبيان والنسوان لأنها الأسهل )، ورد في "الفتح الرباني" للجيلاني [م61/ص: 272و273] ..
نهاية الجزء الأول ..


-------------------------
(1) الأحاديث لقدسية أحاديث مكاشفة ذوقية، حسنها جملة أهل البصيرة والاجتهاد الصحيح، وضعفها ووضعها أهل الإسناد والإجهاد، وينكر منها عند جمهور الأئمة، ما خلف قاعدة الفقهاء الأصحاء:( كل حديث يخالف الأصول، وينافي المعقول، فهو رد ) ..
وميزانها قوله صلى الله عليه وآله وسلم، أبو هريرة رضي الله عنه ،أن سول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه ، فصدقوا به قلته أو لم أقله ، فإني أقول ما تعرفونه ولا تنكرونه ، وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه ، فكذبوا به ، فإني لا أقول ما تنكرونه ، وأقول ما تعرفونه )، ورد في "كنز العمال" للمتقي الهندي برقم :29211، وقال الوادعي ظاهره الصحة، وقال ابن مفلح إسناده جيد ، إضافة لصحة معناه ودلالته وثبات متنه في القرآن، وله شاهد في الصحيح المسند ..
وفي رواية في "كنز العمال" برقم : 2910 أبي هريرة أيضا : { إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أو لم أحدث به }، وحكمه : حسن معروف، لأنه وافق بروايته رواية الثقة [الأثر أعلاه] والأوثق منه التام [الأثر أسفله] ..
وشاهده في الصحيح هو :
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أريد حفظه ، فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ، فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ بأصبعه إلى فيه ، فقال : ( اكتب فو الذي نفسي بيده ، ما يخرج منه إلا حق )، رواه أبو داود مرفوعا صحيحا في "سننه" برقم: 3646، والشيخ شاكر في "مسند أحمد" بإسناد صحيح [ج11/ص: 56]، و الوادعي في "الصحيح المسند" ، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [1196]، وفي "صحيح أبي داود" [3646] ، وخلاصة حكمه : [متفق عليه] ..
(2) انظر في كتاب "الفتح الرباني" للجيلاني المجلس 46 و المجلس 52 ..