المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة التكاثر ]



حسام الدين رامي نقشبند
14-10-2011, 21:50
التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة التكاثر ]
بسم الله الرحمن الرحيم

{ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } [التكاثر : 1] ...
التكاثر هنا هو التنافس على جمع الشيء و الاستزادة منه ؟؟؟ !!! ...
ومثال لهو التكاثر ، مدرسة نموذجية مجهزة بكافة وسائل التعليم و الدلالات التوضيحية و المراجع و الكتب المفيدة في المنهاج الدراسي ...
لكنها مجهزة بكافة وسائل الترفيه و اللهو ، فنجد التلاميذ فيها مقسومين إلى ثلاثة أقسام :
قسم منكب على التحصيل الدراسي النموذجي وتحصيل أعلى الدرجات نتيجة وعي هذا القسم بأهمية ما بعد الدراسة وهي الشهادات الأفضل التي تضمن الحياة المهنية الأفضل ، و الأكثر نعيم وهناء بالعيش ومكانة اجتماعية مرموقة...
و القسم الثاني حافظ على مستوى دراسي جيد يضمن له النجاح دون تفوق ، فرضيا بوعيه القاصر بأنصاف الأمور ، مقابل إعطاء نفسه قسط من الرفاهية المتاحة بالمدرسة ...
أما القسم الثالث فقد أعرض عن الدراسة وأهملها وانكب على اللهو و الرفاهية دون ضوابط أو معايير فكان نصيبه الفشل ...
فالنوع الأول هم أهل العزائم أهل الدرجات العلى ، وهم السابقون كما وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز ...
والقسم الثاني هم أهل الرخص و هم أصحاب اليمين ،أما القسم الثالث فهم أصحاب المشأمة ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً [7] فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [8] وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ [9] َالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [10] أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) [الواقعة : 11] ...

وهم من ألهاهم التكاثر أو التهافت على نعيم الدنيا الخادع الغرور ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) [الحديد : 20] ...
ومما تقدم فإن معنى أو مقصد الآية هو خطاب شديد اللهجة من الله لعبادة ، أيها الناس هل ألهاكم وشغلكم التكاثر في جني الأموال و الاستزادة من متع الدنيا الفانية الغرورة ، عن ذلك الغرض الأسمى الذي خلقتم من أجله و المستقبل الأفضل لكم ، وإلى متى سوف تبقون على إعراضكم و غيكم وغفلتكم عن مصيركم الغائب المجهول المظلم ، وأنتم في حياة اللهو ...


{ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } [التكاثر : 2] ...
أي أنكم ماضون في الضلال حتى فوات الأوان وانتهاء الأجل واستنزاف الفرص ، حيث لا ينفع الندم ، و لا ما كسب من الدنيا وحطامها الزائل ...
وزرتم المقابر لها عدة أوجه منها التدرج بالموت وهو الشيخوخة أو تخطي سن الأربعين ...
فقد ورد بالأثر : ( من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتبوأ مقعده من النار ) ...
فعندما يتخطى الإنسان سن الأربعين وهو مقبل على الدنيا بكليته مفتون فيها تبدأ أعضائه بالتماوت شيء فشيء و يسيطر عليه العجز و الوهم ، ويفقد همته و حيويته ، وتبدأ معتقداته الفاسدة و حب الدنيا يترسخ ويستقر في قلبه ...
كما ورد بالأثر : ( يشيب ابن آدم و يشب فيه الحرص و الأمل ) ...
و الوجه الآخر لزيارة المقابر هو الأمراض المتوالية على الإنسان وهي بريد الموت و حقيقة ضعف الإنسان ، ولأن الجسد و أعضاءه لا يستطيعون على تلبية طموحات النفس المادية وشهواتها فيتلف حينما يتجاوب مع رغبات النفس وأطماعها فإذا ما انكب على الدنيا سيطرت عليه أمراض الموت كمرض السكر و الضغط و القلب و الكبد ...... الخ ..
أو ما يسمى بالسأم وهو مرض العضال الذي لا علاج له ...
كما ورد في الأثر : ( عليكم بهذه الحبة السوداء ففيها شفاء من كل داء إلا السأم و السأم الموت ) ...
أما من كان همه آخرته فإن نفسه تزدهر ويزدهر معها الجسد الذي ينبض بالصحة و الحياة ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [4] ُثمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [5] إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) [التين : 6] ...
فهذه الآيات تستثني المؤمنين من المعاناة من ويلات التقدم بالسن ؟؟؟ !!! ...
لأن إشراقهم بنور الإيمان انعكس على صحتهم وعافيتهم فكان خيرهم من طال عمره وحسن عمله ...


{ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } [التكاثر : 3] ...
كلمة كلا هي كلمة ردع وزجر لما خالف الواقع و المنطق السليم ...
وهي تعني في منطوياتها أي ليس الأمر كما تعتقد وتدعي أنه صواب ...
وهي في سياق الآيات ترمي إلى : أنك أيها الإنسان لم تخلق لتقبل على الدنيا وتتنافس على الإكثار من أموالها ومفاتنها الزائفة ، فما لهذا خلقت ...
وليست هذه هي الغاية التي يجب أن تكون مسعاك ، لأنك مؤهل ومجهز لما هو أسمى من ذلك بكثير ؟؟؟ !!!! ...
فإنكم بغلتكم وتماديكم في الإقبال على الدنيا سوف تعلمون مدى تفريطكم بحق الله وحق أنفسكم ولن ينفكم الندم و الحسرات ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) [الزمر : 56] ...
والعلم هو الشهود المبني على انكشاف الحق ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) [قـ : 22] ...


{ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } [التكاثر : 4] ...
وهنا يأتي تأكيد الزجر و الوعيد من حرص الله ورحمته بعباده ؟؟؟ !!! ...
فالله لا يبتغي لعباده إلا الخير و النصح للأفضل ...
ومن وجه آخر هو إشارة إلا مرحلة أعسر من مكاشفة الأعمال في البرزخ في القبر حيث كل يدرك مقامه ، وهو يوم البعث و الحساب حيث توضع النقاط وينال كل امرؤ منال سعيه ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [39] وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) [النجم : 40] ...
كما أن لزيارة المقابر وجوه أخرى منها الزيارة للمقبرة للقراءة على قريب أو عزيز فهذه الزيارة يشهد الزائر أن هذا العزيز قد أصبح أثر بعد عين ، و أنه انتهى إلى الفناء فتيقن أنه مصير حتمي ، وزادت مهابته من دوام الله وبقائه وقهره عباده بالموت وهو ما يحفز الإنسان للصحوة من غفلته وإعراضه عن الدنيا و الإقبال على ما يضمن الآخرة ...
كما ورد في الأثر : ( الناس في غفلة فإذا ما ماتوا تنهوا ) ...
و الوجه الثاني هو دوام تذكر الموت لأنه خير واعظ ...
كما كان يفعل الفاروق رضوان الله عليه حيث كان يضع في أصبع خاتم مكتوب عليه كفى بالموت واعظاً يا عمر ...
يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : ( أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت ) ، رواه الترمذي وابن ماجة و النسائي في السنن ، و ابن حبان في الصحيح ...
ويقول صلى الله عليه وسلم : ( أكثروا ذكر الموت ، فما من عبد أكثر ذكره ، إلا أحيا الله قلبه ، وهون عليه الموت ) ، رواه السيوطي في " الجامع الصغير" ...
ويقوله صلى الله عليه وآله سلم في موضع آخر : ( كفى بالموت مزهدا في الدنيا، و مرغبا في الآخرة ) ، رواه السيوطي في " الجامع الصغير" ...
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالموت واعظا وكفى باليقين غنى ) ، رواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" ...


{ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } [ التكاثر : 5] ...
أي أنكم لو واصلتم مسعاكم في تحقيق مبتغاكم الصحيح الذي فيه صلاح وفلاح النفس فسوف تدركون مقام اليقين الذي هو الإيمان كله ، ولانكشفت لكم مساوئ الدنيا وعثراتها ومنغصتها وزيفها وحطامها قبل فوات الأوان ، ولشهدتم حجم جحيمها ...
كما في الأثر : ( أترون تلك النار ، سوف تشرى في آخر الزمان بالذهب و الفضة ؟؟؟ !!! ) ...
و اليقين هو مشاهدة حقائق الأشياء على ما هي عليه ...
وعلم اليقين هو شهود القلب بما عقل من نور العلم الرباني ...
لذلك فالأمر الإلهي أن نعبد الله ويكون هدفنا اليقين ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) [الحجر : 99]

{ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ } [التكاثر : 6] ...
و الجحيم هو مركز التأجج و الحرور في النار ...
وهنا الآية تبين لنا أن اليقين يكشف للموقن حقيقة الجحيم المتوقد في ذاته الذي كان يخدره الأمل الموهوم في الدنيا وزيفها ...
كما في الأثر : ( الزاني كظمآن يشرب من ماء البحر ) ...
أي أن الإنسان كل ما استزاد من الدنيا كلما زادت معاناته وتوقد جحيم نفسه ...
كما في الأثر : ( خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً ) ...
و هنا أراد الله أن يبين لنا من خلال هاتين الآيتين الأخيرتين ، أن من فتن بالحياة الدنيا و أسره حب متاعها القليل فاستكثر منه أغشاه الله عن رؤية صورتها الحقيقية فأنشغل بظاهر الزخرف المغري وغفل عن الحقيقة المرعبة ...
ورد بالأثر : ( لا تشغلوا أنفسكم بما ضمن لكم من دنياكم ، و لكن اشغلوها بما يضمن لكم آخرتكم ) ...
وفي أثر : ( اطلبوا حوائجكم بعزة الأنفس ، فإن الأمور تجري بمقادير ) ...


{ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ } [التكاثر : 7] ...
وعين اليقين هو اليقين ذاته أي ، وهي رؤية الشيء عياناً و التفاعل الكامل معه ...
فإذا بقي الإنسان على ضلاله حتى توافيه المنية ، فإن مصيره و العياذ بالله إلى النار ، وسوف يرى ذلك ويعشه عياناً ، ويرى كيف تأججت وأضرمت النار وسوف يوقن أن صائر إليها لا محالة دون انفكاك ، تماماً كحال من حكم عليه بالإعدام وهو يصير إلى حتفه المحتوم ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً ) [الكهف : 53] ...
{ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } [التكاثر : 8] ...
هنا يتراءى لمن وقع في بودقة العذاب يقين العين ، عظم ما فاته من النعيم المقيم ويتحسر على ما فرط في جنب الله وكيف أعرض عن يد الرحمة التي شاءها له الرحمن فأعرض عنها ففوت على نفسه نعيم مقيم استبدله بجحيم مقيم ؟؟؟ !!! ...
ومن باب أخر يخبر الله من حق عليه العذاب ، أن كل ما أخذه في الدنيا من نعيم ، ما هو إلا وبال مقيم لا مفر منه يوم القيامة وفي عذاب الحريق الذي يتقد من الجحيم ؟؟؟ !!! ...
أجارنا الله تعالى من النار ومن كل ما يوصل إليها ...
تم بعون الله وتوفيقه ...

حسام الدين رامي نقشبند
14-10-2011, 21:51
بخط آخر :
التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة التكاثر ]
بسم الله الرحمن الرحيم

{ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } [التكاثر : 1] ...
التكاثر هنا هو التنافس على جمع الشيء و الاستزادة منه ؟؟؟ !!! ...
ومثال لهو التكاثر ، مدرسة نموذجية مجهزة بكافة وسائل التعليم و الدلالات التوضيحية و المراجع و الكتب المفيدة في المنهاج الدراسي ...
لكنها مجهزة بكافة وسائل الترفيه و اللهو ، فنجد التلاميذ فيها مقسومين إلى ثلاثة أقسام :
قسم منكب على التحصيل الدراسي النموذجي وتحصيل أعلى الدرجات نتيجة وعي هذا القسم بأهمية ما بعد الدراسة وهي الشهادات الأفضل التي تضمن الحياة المهنية الأفضل ، و الأكثر نعيم وهناء بالعيش ومكانة اجتماعية مرموقة...
و القسم الثاني حافظ على مستوى دراسي جيد يضمن له النجاح دون تفوق ، فرضيا بوعيه القاصر بأنصاف الأمور ، مقابل إعطاء نفسه قسط من الرفاهية المتاحة بالمدرسة ...
أما القسم الثالث فقد أعرض عن الدراسة وأهملها وانكب على اللهو و الرفاهية دون ضوابط أو معايير فكان نصيبه الفشل ...
فالنوع الأول هم أهل العزائم أهل الدرجات العلى ، وهم السابقون كما وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز ...
والقسم الثاني هم أهل الرخص و هم أصحاب اليمين ،أما القسم الثالث فهم أصحاب المشأمة ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً [7] فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [8] وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ [9] َالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [10] أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) [الواقعة : 11] ...

وهم من ألهاهم التكاثر أو التهافت على نعيم الدنيا الخادع الغرور ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) [الحديد : 20] ...
ومما تقدم فإن معنى أو مقصد الآية هو خطاب شديد اللهجة من الله لعبادة ، أيها الناس هل ألهاكم وشغلكم التكاثر في جني الأموال و الاستزادة من متع الدنيا الفانية الغرورة ، عن ذلك الغرض الأسمى الذي خلقتم من أجله و المستقبل الأفضل لكم ، وإلى متى سوف تبقون على إعراضكم و غيكم وغفلتكم عن مصيركم الغائب المجهول المظلم ، وأنتم في حياة اللهو ...


{ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } [التكاثر : 2] ...
أي أنكم ماضون في الضلال حتى فوات الأوان وانتهاء الأجل واستنزاف الفرص ، حيث لا ينفع الندم ، و لا ما كسب من الدنيا وحطامها الزائل ...
وزرتم المقابر لها عدة أوجه منها التدرج بالموت وهو الشيخوخة أو تخطي سن الأربعين ...
فقد ورد بالأثر : ( من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتبوأ مقعده من النار ) ...
فعندما يتخطى الإنسان سن الأربعين وهو مقبل على الدنيا بكليته مفتون فيها تبدأ أعضائه بالتماوت شيء فشيء و يسيطر عليه العجز و الوهم ، ويفقد همته و حيويته ، وتبدأ معتقداته الفاسدة و حب الدنيا يترسخ ويستقر في قلبه ...
كما ورد بالأثر : ( يشيب ابن آدم و يشب فيه الحرص و الأمل ) ...
و الوجه الآخر لزيارة المقابر هو الأمراض المتوالية على الإنسان وهي بريد الموت و حقيقة ضعف الإنسان ، ولأن الجسد و أعضاءه لا يستطيعون على تلبية طموحات النفس المادية وشهواتها فيتلف حينما يتجاوب مع رغبات النفس وأطماعها فإذا ما انكب على الدنيا سيطرت عليه أمراض الموت كمرض السكر و الضغط و القلب و الكبد ...... الخ ..
أو ما يسمى بالسأم وهو مرض العضال الذي لا علاج له ...
كما ورد في الأثر : ( عليكم بهذه الحبة السوداء ففيها شفاء من كل داء إلا السأم و السأم الموت ) ...
أما من كان همه آخرته فإن نفسه تزدهر ويزدهر معها الجسد الذي ينبض بالصحة و الحياة ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [4] ُثمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [5] إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) [التين : 6] ...
فهذه الآيات تستثني المؤمنين من المعاناة من ويلات التقدم بالسن ؟؟؟ !!! ...
لأن إشراقهم بنور الإيمان انعكس على صحتهم وعافيتهم فكان خيرهم من طال عمره وحسن عمله ...


{ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } [التكاثر : 3] ...
كلمة كلا هي كلمة ردع وزجر لما خالف الواقع و المنطق السليم ...
وهي تعني في منطوياتها أي ليس الأمر كما تعتقد وتدعي أنه صواب ...
وهي في سياق الآيات ترمي إلى : أنك أيها الإنسان لم تخلق لتقبل على الدنيا وتتنافس على الإكثار من أموالها ومفاتنها الزائفة ، فما لهذا خلقت ...
وليست هذه هي الغاية التي يجب أن تكون مسعاك ، لأنك مؤهل ومجهز لما هو أسمى من ذلك بكثير ؟؟؟ !!!! ...
فإنكم بغلتكم وتماديكم في الإقبال على الدنيا سوف تعلمون مدى تفريطكم بحق الله وحق أنفسكم ولن ينفكم الندم و الحسرات ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) [الزمر : 56] ...
والعلم هو الشهود المبني على انكشاف الحق ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) [قـ : 22] ...


{ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } [التكاثر : 4] ...
وهنا يأتي تأكيد الزجر و الوعيد من حرص الله ورحمته بعباده ؟؟؟ !!! ...
فالله لا يبتغي لعباده إلا الخير و النصح للأفضل ...
ومن وجه آخر هو إشارة إلا مرحلة أعسر من مكاشفة الأعمال في البرزخ في القبر حيث كل يدرك مقامه ، وهو يوم البعث و الحساب حيث توضع النقاط وينال كل امرؤ منال سعيه ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [39] وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) [النجم : 40] ...
كما أن لزيارة المقابر وجوه أخرى منها الزيارة للمقبرة للقراءة على قريب أو عزيز فهذه الزيارة يشهد الزائر أن هذا العزيز قد أصبح أثر بعد عين ، و أنه انتهى إلى الفناء فتيقن أنه مصير حتمي ، وزادت مهابته من دوام الله وبقائه وقهره عباده بالموت وهو ما يحفز الإنسان للصحوة من غفلته وإعراضه عن الدنيا و الإقبال على ما يضمن الآخرة ...
كما ورد في الأثر : ( الناس في غفلة فإذا ما ماتوا تنهوا ) ...
و الوجه الثاني هو دوام تذكر الموت لأنه خير واعظ ...
كما كان يفعل الفاروق رضوان الله عليه حيث كان يضع في أصبع خاتم مكتوب عليه كفى بالموت واعظاً يا عمر ...
يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : ( أكثروا ذكر هاذم اللذات يعني الموت ) ، رواه الترمذي وابن ماجة و النسائي في السنن ، و ابن حبان في الصحيح ...
ويقول صلى الله عليه وسلم : ( أكثروا ذكر الموت ، فما من عبد أكثر ذكره ، إلا أحيا الله قلبه ، وهون عليه الموت ) ، رواه السيوطي في " الجامع الصغير" ...
ويقوله صلى الله عليه وآله سلم في موضع آخر : ( كفى بالموت مزهدا في الدنيا، و مرغبا في الآخرة ) ، رواه السيوطي في " الجامع الصغير" ...
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالموت واعظا وكفى باليقين غنى ) ، رواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" ...


{ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } [ التكاثر : 5] ...
أي أنكم لو واصلتم مسعاكم في تحقيق مبتغاكم الصحيح الذي فيه صلاح وفلاح النفس فسوف تدركون مقام اليقين الذي هو الإيمان كله ، ولانكشفت لكم مساوئ الدنيا وعثراتها ومنغصتها وزيفها وحطامها قبل فوات الأوان ، ولشهدتم حجم جحيمها ...
كما في الأثر : ( أترون تلك النار ، سوف تشرى في آخر الزمان بالذهب و الفضة ؟؟؟ !!! ) ...
و اليقين هو مشاهدة حقائق الأشياء على ما هي عليه ...
وعلم اليقين هو شهود القلب بما عقل من نور العلم الرباني ...
لذلك فالأمر الإلهي أن نعبد الله ويكون هدفنا اليقين ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) [الحجر : 99]

{ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ } [التكاثر : 6] ...
و الجحيم هو مركز التأجج و الحرور في النار ...
وهنا الآية تبين لنا أن اليقين يكشف للموقن حقيقة الجحيم المتوقد في ذاته الذي كان يخدره الأمل الموهوم في الدنيا وزيفها ...
كما في الأثر : ( الزاني كظمآن يشرب من ماء البحر ) ...
أي أن الإنسان كل ما استزاد من الدنيا كلما زادت معاناته وتوقد جحيم نفسه ...
كما في الأثر : ( خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً ) ...
و هنا أراد الله أن يبين لنا من خلال هاتين الآيتين الأخيرتين ، أن من فتن بالحياة الدنيا و أسره حب متاعها القليل فاستكثر منه أغشاه الله عن رؤية صورتها الحقيقية فأنشغل بظاهر الزخرف المغري وغفل عن الحقيقة المرعبة ...
ورد بالأثر : ( لا تشغلوا أنفسكم بما ضمن لكم من دنياكم ، و لكن اشغلوها بما يضمن لكم آخرتكم ) ...
وفي أثر : ( اطلبوا حوائجكم بعزة الأنفس ، فإن الأمور تجري بمقادير ) ...


{ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ } [التكاثر : 7] ...
وعين اليقين هو اليقين ذاته أي ، وهي رؤية الشيء عياناً و التفاعل الكامل معه ...
فإذا بقي الإنسان على ضلاله حتى توافيه المنية ، فإن مصيره و العياذ بالله إلى النار ، وسوف يرى ذلك ويعشه عياناً ، ويرى كيف تأججت وأضرمت النار وسوف يوقن أن صائر إليها لا محالة دون انفكاك ، تماماً كحال من حكم عليه بالإعدام وهو يصير إلى حتفه المحتوم ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً ) [الكهف : 53] ...
{ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } [التكاثر : 8] ...
هنا يتراءى لمن وقع في بودقة العذاب يقين العين ، عظم ما فاته من النعيم المقيم ويتحسر على ما فرط في جنب الله وكيف أعرض عن يد الرحمة التي شاءها له الرحمن فأعرض عنها ففوت على نفسه نعيم مقيم استبدله بجحيم مقيم ؟؟؟ !!! ...
ومن باب أخر يخبر الله من حق عليه العذاب ، أن كل ما أخذه في الدنيا من نعيم ، ما هو إلا وبال مقيم لا مفر منه يوم القيامة وفي عذاب الحريق الذي يتقد من الجحيم ؟؟؟ !!! ...
أجارنا الله تعالى من النار ومن كل ما يوصل إليها ...
تم بعون الله وتوفيقه ...