المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شذرات البيان



أنفال سعد سليمان
11-10-2011, 14:54
بسم الله الرحمن الرحيم

[نحمدك اللهم و نستهديك و نستغفرك ، و نتوكل عليك و لا نكفرك ، و نخلع من يكفرك ، و صلى الله و سلم على نبينا محمد الداعي إلى الهدى و الرشاد ....] (مقدمة محمود شاكر)


أما بعد

فهذا شيء كنت قد كتبته قبل سنتين ، موجود في النسخة القديمة للمنتدى ، و أخرجته منها لأني سأزيد عليها مثالا آخر اليوم ، بعد أن مسحت منه كل علامات التعجب المزعجة :/ و كل ما لا داعي له الآن .

و ها هو :

كنت لا زلتُ مولعةً بالبيان الذي أودعه الله في الإنسان ، منهومةً بصياغة الكلام ، كلفةً بتحليل المباني ، و سبر غور المعاني ، و قبل كل هذه الأضرب من الحب ، سبقها حبِّي للغة منذ طفولتي ، و اقتناء الألفاظ ، و توزيعها على المعاني ، كلٌّ يأخذ قسمتَه من الألفاظ ، فلا الألفاظ صرفتني عن المعاني ، و لا المعاني شغلتني عن الألفاظ . ثم تركَّب على هذا الحب -خلال السنين القليلة الماضية- ما ذكرتُ من أضرب الحب ، ثم بلغ هذا الحبُّ طورًا جديدًا ، قبل نحو سنة و نصف ....... و صدق محمود شاكر إذ قال :

[... كنتُ أتذوّق البيان الإنساني الصادر عن أصحابه فيما يريد أن يقوله كل منهم ، على اختلافهم في المنازع و المشارب التي تتكوَّن منها آداب البشر و علومهم ، و بيان الإنسان عن نفسه ، لو تأملتَه ، شيء مذهل !! فكانت لذتي في الوقوف على ما يروعني من هذا البيان ، تفوق لذَّتي في الإبانة عن نفسي أنا أيضًا كما أبانوا ....]


غير أني لا أوافقه أن لذتي في الإبانة عن نفسي يفوقها ما ذكر ....

هذا من جهة ، و من جهة أخرى -أعني خلال نحو سنة و نصف- ، أضحيتُ منهومة برصْدِ دقائق حركات الفكر ، و مراقبة أسرار حركات النفس ، كلُّ ما ذكرتُ من المحبوبات ممزوجة امتزاجًا واحدًا ، صار ديدني ، و شغلي ليلي و نهاري ، و كلُّ فكري و انشغالي ، بلا توقف و لا سكون ، و لا كلل أو ملل .

......و أصبحتُ أحاول محاولات ضعيفة في تقليد منهج "التذوق" لمحمود شاكر ، كما يحاول الطفل تقليد أمه في المشي ، و هو لم يحبُ بعدُ ، فهذا حالي .....

،كنتُ كثيرًا ما أرددُ عبارات الأستاذ محمود -و الأستاذ محمود لم يجد مثل نفسه في عصره ، بشهادة حق من كثير من علماء عهده- و كانت هناك عبارةٌ تثير ضحكي كثيرًا و تبعث السرور في نفسي الشهور الماضية ، فلمَّا حضرتني قبل يوم أو يومين ، بعد هجر جزئيٍّ شهورًا لكتب محمود شاكر ، أدركتُ فيها أشياء ، و فتحت لي أبوابًا ، بتوفيق الله تعالى ، فهذا ما سأشارككم به ...




قال الأستاذ محمود شاكر :


*((... و الذي يستقيل من عمل كهذا العمل ، إذا جاءه من يكشف له عن جهله و غبائه و ادعائه ، إنما هو الرجل الذي ابتلاه الله بذَرو من الحياء ، و لويس عوض قد عوفي مما ابتلي به غيره ! فبأي عقل يستطيع إنسان أن يعقل أن لويس عوض يمكن أن يفكر في الاستقالة من وظيفة لم يكن يحلم مثله قط أن ينالها ، و لو بقي الدهرَ يمد إليها عينيه ![و العبارة باللون الأحمر هي قيد البحث ، و ما يكتنفها أدرجتُه لتوضيح العبارة]))

و هذا الكلام من الأستاذ محمود شاكر جاء ردًّا على واحد من المدافعين عن لويس عوض -المستشار الثقافي لصحيفة الأهرام - (كانت مناسبة كتابة «أباطيل و أسمار» الرد على هذا الرجل ) ، حين أشفق على لويس عوض من "الحملات الاستعدائية" من قِبل الأستاذ محمود (و كان الأستاذ محمود قد رد على لويس عوض و كشف عن أباطيله في العديد من المقالات قبل مجيء هذا المدافِع) ، أشفق عليه أن ينجرح قلبُه من "نقد" الأستاذ محمود "اللاذع" ، فيحمله ذلك على الاستقالة من الاستشارية ، "فطمأنه" بهذه العبارة . لوول

كنتُ أضحك من هذه العبارة عجبًا من الأسلوب المستعمل فيها الذي أراه غير متداول و لا مبتذل ، فالمذكور في كتب البلاغة المختصرة هما أسلوبان يشبهان هذا ، أو هو يتركب منهما : تأكيد المدح بما يشبه الذم ، و يضربون له مثالًا بقوله :

و لا عيب فيهم غير أن سيوفهم .......... بهن فلولٌ من قراع الكتائب

و قول النبي صلى الله عليه و سلم : {أنا أفصح العرب ، بيد أني من قريش}

و الثاني تأكيد الذم بما يشبه المدح ، و منه قوله :

هو الكلب إلا أن فيه ملالة .......... و سوء مراعاة و ما ذاك في الكلب

و قوله :

لئيم الطباع سوى أنه .......... جبان يهون عليه الهوان

يُلاحَظ في المثالين الأولين أن "الغرض" من الكلام المديح ، و لكن جاء بقالب الذم ، ليترك في النفس "انقباضًا" لأول وهلة ، و الذي سرعان ما يتحول إلى "انبساط" من المعنى بعد تمام الكلام ، فهذا التحولُ المفاجئ ُمن معنى إلى معنى ، و من الانقباض إلى الانبساط ، و الاستغرابُ و التعجبُ من الأسلوب ، ليترك النفس مغتبطة من هذا التعبير . و مثلُ ذلك يُقال في المثالين الأخيرين مع مراعاة الفارق بينهما .

و أما عبارتنا قيد البحث ، فهي أرفع مما مضى و أروع ، و أغرب و أعجب ، و أعقد و أشد ، "فالغرض" منها الذم طبعًا ، و لكنه لم يأتِ بقالبِ المدح و حسب ، بل التوت نفسُ الكاتب و التوى فكره و بيانُه التواءً ، فصَبَغَ قالب المديح بصِبغة الذم ! و هو قوله :

[إنما هو الرجل الذي ابتلاه الله بذرو من الحياء]

فجعل خلق الحياء -و الذي هو من محمودات الأخلاق- شينًا و بلاء يبتلي الله به الإنسان ! و عد لويس عوض من المعافين من هذا الابتلاء ! في قوله :

و لويس عوض قد عوفي مما ابتُلي به غيرُه !

!!! ذم في بطن مدح في بطن ذم ! إن هذه الغرابة في التعبير -مع انضمامها إلى عوامل أخرى- لدليل على شدة صدق الكاتب في كلامه ، و على قوة و عنف مشاعره حين صياغة عبارته . هذا من جهة ، و من جهة أخرى فهي تذر نفس القارئ بين انبساط و انقباض مضاف إلى استغراب من الأسلوب بحيث يغتبط منها اغتباطًا ، و يقع له مثل ما يقع لي حين كنتُ أستحضرها !

هذه إشارات و شذرات .. و لم يستوِ الزرع على سوقه بعد ..... و إن يوم حصاده لآتٍ إن شاء الله !

و بهذا أكون قد أتممتُ ما ابتدأتُ به قبل ستة شهور من خاطرة «شذزات البيان» بتوفيق الله تعالى ، و الحمد لله رب العالمين .

أنفال سعد سليمان
11-10-2011, 16:08
أما العبارة الثاني التي تشابه العبارة الأولى لمحمود شاكر ، فهي عبارة قالها لي أحد الأفاضل ، قال :




شفتي
اتهمتني بالذكاء
طلعت براءة

كأني أذكر أني سمعتها من قبل أو شبيهة بها ، و لكن لا أذكر أين ، المهم أن هذه المرة ذكرتني بعبارة الأستاذ محمود شاكر .

و صياغة هذه العبارة -إذا كان من صاغها لم يسرقها من غيره بل ابتكرها- ينبئ عن ذكاء في التعبير ، و خفة ظل أيضا ، كما هي صياغة عبارة محمود شاكر .

و نفس ما قلت في عبارة محمود شاكر يقال هنا ، ف"العبارة" المؤلفة من جملتين -إن صح التعبير !- الغرض منها الذم ، و لكنه صاغها بصياغة لعله يشك فيها القارئ -أول وهلة- أمادح هو أم ذام ؟! إذ كيف يصح أن يكون الاتصاف بالذكاء شينًا بحيث يعتبر تهمة ؟ و لماذا ظهر القائل بمظهر السعيد حين علم أنه بريء من تهمة الذكاء ؟! و لكنه ما إن يفهمها يضحك / يبتهج ، و يدرك حينها أن القائل لم يقل ذلك إلا "ليستعرض" (هل استعمال الكلمة في هدا المقام كويتي ؟ لا أدري ، قصدت كما يستعرض "المجسم" عضلاته ، فالقائل يستعرض خفة دمه) خفة ظله .

و يظهر -كما قلت سابقا- ذكاءه في التعبير ، إذ جعل تلقي القارئ الجملة على مراحل : ١/ -وهي مرحلة خاطفة- عدم استيعاب المعنى / الغرض ٢/ استيعابها ، و الابتهاج / الضحك ، و التأثير بالقارئ بنحو هذا هو فن بذاته .



أتمنى أن أكون قد وفقت في الإبانة عما في نفسي ، و إن كان لم يعجبني .

أنفال سعد سليمان
07-01-2012, 15:40
حسنا .... ما سأسطره الآن ربما لا يعني الكثير جدا من طلبة العلم ، فقط المهتمون منهم باللغة و تحليل الكلام ، مع كوني أرى غيرهم من طلبة العلم لا يعدمون الفايدة لو أنهم تأملوا في خلق الله ... و البيان !

و بعد هذا التنبيه مخافة أن يضيع وقت طالب العلم أقول :


إن في العقل لمختبرا أديره ، كما يدير الأطباء والصيادلة مختبراتهم لفحص الكائنات الحية و الأدوية و تحليلها ، و لكني بمختبري لا أفحص و أحلل هذا أو ذاك ، بل أختبر و أحلل الكلمات و الجمل !
و لقد ذكرت هذه الهواية لي لدكتوري الpharmacologist في الجامعة في خلال كلام طويل فقال لا تخبري أحدا بذلك أن يسخروا و يضحكوا أو يستغربوا منك ! و لكن ! هكذا خلقني الله تعالى ، و أرجو أن أستعمل هذه الهواية في خدمة العلم .

و بعض هذا التحليل فقط يبقى في ذهني ، و القليل منه يثيرني أكثر فأقيد تحليله في هذا المنتدى .

و آخر جملة أثارتني هي جملة قلتها أنا في رابط "تدارس الخريدة" بعد أن قال لي الأخ سعيد : "الأخت الفاضلة الفقيهة"

و هذه هي الجملة


لوول فقيهة ! أنا أعلم أنك لا تقصد بها السخرية و العياذ بالله !

سأحاول تحليل هذه الجملة ، طبعا هذه العبارة هي عبارتي فلذلك أنا أعلم بحقيقة نفسي ، و كيف أصيغ عبارتي بحيث أوصل ما أريد للقارئ .

و يعلم من شدا من العلوم شيئا يسيرا أن هناك "كلاما" "مفهومآ" و آخر "منطوقا" .

و طبعا المنطوق هنا هي العبارة أعلاه ، و هناك كلام وراء هذه العبارة أخفيته متعمدة .

و بيان ذلك : أني ابتهجتُ حينما قال لي الأخ الفاضل هذه الكلمة ، لا أني أتصف بها حقا أو قريب من ذلك أو بعيد !! لوول ! و لكني اعتبرتها من قبيل التشجيع . و لكن ، من جهة آخرى ، لا أريد أن أكون "هبلة" ! فأركن إلى هذه الكلمة التي أطلقها الأخ سعيد من أول وهلة بحيث أصدق أني أستأهلها ، فالعقل يطالبني بالتثبت قبل . و من جهة ثالثة ، لا أريد من الناس أن يظنوا بي الكبر أو العجب بالنفس ، و من جهة رابعة ، أردتُ أن أبرىء الأخ سعيد من الاتصاف بالسخرية من أقرانه لأنه لا يليق بطالب علم فاضل مثله . فمزج العقل الإنساني هذه الأمور الأربع فخرجت هذه الجملة مراعيةً ملاحظةً هذه الحيثيات ، مخفية بعض الاعتبارات ، مظهرة واحدة فقط .

و هكذا العقل الإنسان بعبقريته التي وهبه الله تعالى إذ قال {علمه البيان} ، يصوغ العبارات بعد مراعاة الكثير من الأمور ... فسبحانك اللهم !

اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ... و لكن هكذا قدر الله تعالى لي ، لم أفلح -للآن- في التعلم عن طريق قراءة الكتب ، و أما الكتابة فهي كل شيء ...