المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تكليف العامة الاجتهاد يبطل المعايش ويوجب خراب الدنيا في طلب أهليته/ابن قدامة



مصطفى حمدو عليان
08-10-2011, 21:02
قال الطوفي في شرح كلام الموفق ابن قدامة صاحب الروضة في أصول الفقه الحنبلي:
قوله:" ويجوز التقليد في الفروع إجماعاً "، أي: بالإجماع،" خلافاً لبعض القدرية "من المعتزلة.
" لنا "على جواز التقليد فيه وجهان:
أحدهما:" الإجماع " من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - وغيرهم -
سوى هذا المخالف - «على عدم تكليف العامة ذلك» - يعني الاجتهاد في الفروع - فإن الصحابة ومن بعدهم لم ينكروا على عامي اتبع مفتياً فيما أفتاه سواء ذكر له الدليل، أو لم يذكره.
الوجه الثاني: أن «المخطئ فيها» ، أي: في الفروع «مثاب» ، لحديث عمرو بن العاص في الحاكم يخطئ فله أجر. وحينئذ لا محذور في تقليد العامي فيها، لأنه في تقليده كالمجتهد في اجتهاده، والمجتهد إذا أخطأ فيها لا محذور عليه، فكذلك المقلد، والجامع بينهما أن كل واحد منهما امتثل حكم الشرع بحسب طاقته وأهليته؛ هذا بالتقليد، وهذا بالاجتهاد.
قوله: «قالوا» ، أي: احتج الخصم على منع جواز التقليد للعامي، بأن «الواجب» فيها «العلم أو ما أمكن من الظن» إذ تعذر العلم. «والحاصل» من الظن بالاجتهاد أكثر من الحاصل منه بالتقليد، فيكون ذلك الظن الأكثر واجباً، لأنه أقرب إلى الواجب الأصلي وهو العلم، والأقرب إلى الواجب الأصلي واجب، وإذا وجب الظن الأكثر وجب الاجتهاد الذي هو طريق إليه، بناء على أن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، وإنما قلنا: إن الواجب الأصلي هو العلم لقوله - عز وجل - : {ولا تقف ما ليس لك به علم }[ الإسراء: 36 ]، {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون }[ الأعراف: 33 ]. وإنما قلنا: إن العلم إذا تعذر، وجب ما أمكن من الظن لقوله - عليه السلام - : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» وقياساً على من لم يجد إلا بعض صاع من فطرتهيلزمه إخراجه، ومن لم يجد إلا ما يكفي بعض طهارته، لزمه استعماله ثم يتيمم، ومن لم يجد في بلده مصرفاً للزكاة أخرجها إلى أقرب البلاد إليه، ونظائر ذلك كثيرة، وباقي مقدمات الدليل ظاهرة.
قوله: «قلنا» ، أي: في جواب ما ذكروه أنه «فاسد الاعتبار لمخالفته النص والإجماع» ، والإشارة بالنص إلى قوله - عز وجل - : {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }[ الأنبياء: 7 ]، وقوله - عليه السلام - في قصة ذي الشجة المشهورة: «ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال» وقوله - عليه السلام - في حديث ذهاب العلم: «رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» مفهومه من أفتى بعلم يكون هاديًا، ومن كان هادياً، جاز اتباعه، والإشارة بالإجماع إلى إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - كما ذكر أول المسألة.
قوله: «ثم تكليفهم» ، أي: تكليف العامة «الاجتهاد يبطل المعايش، ويوجب خراب الدنيا في طلب أهليته» ، أي أهلية الاجتهاد، أي صيرورة العامة أهلاً له لما يحتاج إليه من الفراغ والنظر، ومجالسة العلماء، وممارسة أنواع من العلوم، «ولعل أكثرهم» - أي: أكثر العامة - لو تجرد لطلب أهلية الاجتهاد «لا يدركها» ، إذ قد وجد كثير ممن تجرد لتحصيل العلم فمات بعد طور المدة فيه على عاميته، إذ المجتهدون لعزة منصب الاجتهاد كالملوك فيالأعصار لا يوجد منهم إلا الواحد بعد الواحد، فكانت «تتعطل الأحكام بالكلية» لو كلف العامة الاجتهاد، لأنهم مادة العلماء، فإذا تشاغلوا بطلب الاجتهاد، انقطعت مادة العلماء وغيرهم، وتعطلت الأحكام، إذ العامي لا يقوم منه مجتهد، وينقطع بتشاغله بالعم مادة طلبه العلم، فيشتغلون بضروراتهم عن طلبه، فيخلو الوقت عمن يسترشد في أحكام الشرع.""
شرح الروضة للطوفي 3-653