المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على مقالة العادة عند الأشاعرة



بلال النجار
17-12-2004, 00:38
بسم الله الرحمن الرّحيم

الإخوة المشرفون،
يبدو أنّ ثمة خللاً ما في منتدى نقد الفلسفات المعاصرة، فقد حاولت إضافة رد على الموضوع المذكور فلم أستطع، وكذا حاولت إضافة موضوع جديد فلم يتسنّ لي ذلك. وأنا أنشر بداية الرد ههنا، لعلكم تصلحون الخطأ، ثم تنقلون هذا الموضوع إلى هناك. ودمتم


السادة الأفاضل،

كثيراً ما سمعت انتقادات على قول الأشاعرة بأنّ التلازم بين الأسباب والمسببات في العالم هو تلازم عاديّ، وكلّما أتأمّل في كلام المنتقد أجده غير فاهم لمبدأ العادة كما يشرحه الأشاعرة، وهذه المشكلة في تصوره لكلامهم هي منشأ غلطه في الأحكام، وغلطه عليهم. وأنا أجزم أن كثيراً من العقلاء الذين قابلتهم في حياتي ممن يظهرون عداء للدين عامة أو المذهب الأشعري خاصّة، إذا ما صوّرت لهم المسائل بالطريقة الصحيحة ستجدهم موافقين لنا أو لنقل إن الهوة الكبيرة التي يرونها بيننا وبينهم ستتضاءل فيقتربوا منا أكثر. وفي أقل التقادير فإن أقل ما أحصله حين أتكلم مع المخالف أن أنتزع منه احتراماً وتقديراً للدين وللمذهب الأشعريّ خاصة، واعترافاً بأن مقالات علمائه ليست كلاماً سخيفاً يمكن نقضه أو حتى نقده ببادي النظر. وكن يا أخي واثقاً أنه يبعد جداً بل يكاد يستحيل عادة أن يطبق العلماء، أو يرى جمهورهم رأياً ويكون هذا الرأي ضعيفاً واهناً، بادي الوهن، ومن تجرأ على وصف قول الجمهور بذلك فإنه يغامر أيما مغامرة، ولا أظنّ أحداً يجرؤ على مثل ذلك إلا أن يكون ناقص العقل، أو غير عارف بعلومهم.

وعلى أي حال، وللحديث شجون، فقد قرأت هذه المقالة، ووجدت كاتبها يقول:
(العادة تعني أنه لا شيء يؤثر في شيء ولا علة تؤثر في معلولها فالنار مثلاً ليس لها أثر في الإحراق، وما يراه الناس من إحراق إنما هو عادة وإلف فقط وليس ناشئًا عن علة في النار والله الخالق له باطراد كلما التقت النار مع ما تحرقه دون أن يكون للنار أثر يُذكر وهكذا لا حقيقة لطبائع الأشياء. وحكموا على أنها فارغة من القوى ومن ثم التأثير في غيرها أو التأثير بقدرة الله-سبحانه- باعتبارها وسائط وهذا معناه أيضًا إنكار لعلاقة الأسباب بمسبباتها وأن التلاقي بينهما ما هو إلا عادة فليس هناك أي علاقة ترابطية إلا ما يشاهده الإنسان بعينه والمشاهدة ليست حجة. بمعنى: أن اطراد الموجودات وتسلسلها ليس قائمًا على الترابط (العلّيِّ) بل إن العادة وجريانها هما السبيل في إحساسنا بالتعاقب بين ما يقال أنه سبب وما يقال أنه مسبب، وإن وجود أحدهما في الذهن يلزمه –بالتداعي – وجود الآخر دون أن يكون هناك في الواقع رابطة علّية حقيقة)

دعونا نتأمّل هذا الكلام، والكلام الذي يليه. إنّ الفرق بين الكلام المحقّق والكلام غير المحقق قد يكون مجرّد تدقيقات صغيرة بها يستقيم الكلام.
نعم نحن نقول إنه لا مؤثّر في الوجود إلا الله تعالى.
ولكننا لا نقول: لا علّة تؤثّر في معلولها. لأنّ هذا القول يتضمن إثباتنا للعلّة والمعلول كما هما عند الفلاسفة. ونحن لا نقول بالعلّة والمعلول بمعنى الموجود المؤثر وجوباً في إيجاد شيء آخر بحيث لا يمكن تخلّف المعلول عند وجود العلّة عقلاً.
إن لنا قولنا في مقابل قول الحكماء. إننا لا ننفي وجود الأسباب والمسببات، ولا ننكر العلاقة بين هذه الأسباب والمسببات، ولو أنكر إنسان ذلك لكان مجنوناً، لأنّ ربط الأسباب بالمسببات من البداهة بحيث لا يمكن إنكاره. وكيف نقول بنظرية الكسب وننكر ربط الأسباب بالمسببات!
ولكنّ السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا عند وقوع المسبَّب عقيب السبب هو: هل كان وقوع المسبَّب نتيجة لوقوع السبب واجباً عقلاً أم جائزاً عقلاً؟

إنّ العقل السليم يحكم بجواز تخلّف المسبب عن سببه والمعلول عن علّته عقلاً. والقرآن الكريم والسنّة النبويّة يزخران بأخبار الأنبياء ومعجزاتهم، وكلّ معجزة لنبيّ فهي دليل على جواز تخلّف المعلول عن علّته والمسبب عن سببه.
وهذا منشأ قول الأشعريّ رضي الله عنه بالعادة، أي أنّ هذه الأسباب والعلل ليست إلا أسباباً وعللاً عاديّة قانونيّة. والله تعالى هو خالق كلّ شيء، وهو على كلّ شيء وكيل. والذي أجرى العالم ودبّره على وفق هذه القوانين والأنظمة، قادر على أن يجريه على وفق قوانين وأنظمة مختلفة. وهذا ما نعنيه بخرق العادة. وبجواز انخرام العادات، وهو بالضبط ما نعنيه حين نقول إن العلل والأسباب قانونيّة أو عاديّة، وهو ما نعنيه بقولنا لا يجب عقلاً وقوع المسبب عقيب السبب، بل التلازم بين المسبب والسبب تلازم عاديّ لا عقليّ. وليس هذا التلازم هيناً بالصورة التي يحاول أن يبرزها الكاتب حين يستخدم ألفاظاً كالإلف، إن العادة عند الأشعريّة قانون يوجب العلم القطعيّ. وحين نقول بالعادة، فينبغي أن يتذكر الكاتب أننا أيضاً نقول بأن انخرام العادة مستحيل عادة، جائز عقلاً. فإذا كانت العادة مفيدة للعلم للقطعيّ عندنا، فلا فرق عملياً بين مذهبنا وبين القول بالعلّة والمعلول. لأنّ كلا الفريقين ينظر إلى الأسباب والمسببات وترابطها بوصفها مفيدة للعلم. ولكن الفلسفيّ يقول بوجوب وقوع المعلول عند وقوع العلة التامة عقلاً، ونحن نقول بوجوب وقوعها عادة لا عقلاً، أي نجير انخرام العادة، ولنا في ذلك شاهد وأي شاهد، إنه معجزات الأنبياء التي أقرتها جميع الأديان. فإن لم يجز الكاتب انخرام القانون، فعليه بكل بساطة أن ينكر وقوع المعجزات! أو يفسر وقوعها على مذهبه بالعلة والمعلول.

من هذا الكلام تستطيع أن تعرف أنّ عرض مذهب الأشعريّة على هذه الشاكلة التي يقدّمها الكاتب، ليس منصفاً، وفيه استخفاف للعادة أو القانون.
وليعلم هذا الكاتب أنّ الأشاعرة يقولون بأنّ القوانين التي يدبّر الله تعالى وفقها الكون لا تنخرم إلا بإذنه وإرادته، وأننا لا نعلم بعد مضيّ زمن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن وقوع خرق للعادة إلا نزراً مما روي عن كرامات الأولياء. وما دون ذلك فالعالم بجميع ما فيه يسير وفق قوانين منضبطة لا تنخرم. فلا يستخفّ بالعادة التي يستميت العلماء الطبيعيون في الكشف عن القوانين التي تضبطها.

ويقول الكاتب: (وغلوا حتى صادروا ما للطبائع من صفات جوهرية بها تتمايز وتتغاير كالفرق بين الخد والبصر، مع أن القول بأنها لا تفعل استقلالاً وإنما بإذن الله وهو القول الذي كان يجب أن يتوقفوا عنده دون الذهاب إلى آخر الشوط وإنكار حقائق الأشياء الأساسية مما أفسد عليهم طرقهم في إثبات التوحيد)

أقول: أنا أستغرب جداً من هذا الكلام. فمن من المسلمين أنكر الصفات الذاتيّة التي تتميّز بها الحقائق بعضها عن بعض، ومن من المسلمين أنكر أنّ للأشياء حقائق ثابتة؟! كيف والشيخ النسفي في أوّل جملة في عقيدته يقول: (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقق، خلافاً للسفسطائيّة)! فمن أين جاء الكاتب بهذا الكلام؟!

ثمّ بالله دعونا نر كيف أفسد علينا هذا القول -الذي لم نقله أصلاً ويتّهمنا هو به- إثبات عقائد التوحيد!!
ألا ترون أنّ كثيراً من الناس يقولون مجرّد كلام عار عن الدليل، ادعاءات فحسب تتوالى على أسماعنا، لا تجوز على من له أدنى اطلاع بعقائد الأشاعرة، يلبّس بها على الناس من قليلي المعرفة والعقول. فهل هذه طريق العقلاء والأفاضل في البحث... إنّ حقّ كثير مما يكتب وتسوّد به الصحائف أن يحرق ويلقى في الزبالة.

انظر إلى سخافة هذا الكلام التالي:

يقول الكاتب عن مبدأ العادة الذي يتبناه الأشاعرة: (هذا الاجتهاد الحاصل بسبب ردود الفعل، وكان الأولى أن يبطل الأشاعرة حجج الطبائعيين القائلين باستقلال الطبيعة في إيجاد الأشياء دون الإنسياق وراءهم وإبطال العلل والأسباب والقوى التي أودعها الله في هذه الطبائع ولا تعمل إلا بإذن الله، بمعنى عدم مجاوزة آيات القرآن الحكيم إلى آفاق بعيدة قد يثبت العلم التجريبي والمشاهدة بطلانها، وهذا ما حصل)

فهل يعتقد هذا المعتوه فعلاً أنّ الأشاعرة وكردّة فعل من نقاشاتهم مع الطبائعيين القائلين بالقوى المودعة في العالم ذهبوا إلى القول بالعادة!!
ثمّ ما الفرق بين قوله ههنا بأنّ الأسباب والقوى لا تعمل إلا بإذن الله تعالى وبين قولنا بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلا الله تعالى!!! لو كان منصفاً فاهماً لما يقول.
ونسأله: هل يقتصر تدبير الله تعالى لهذا العالم أن لا يعارض وقوع المسبب عقيب السبب، أم أنه هو سبحانه خالق السبب، وخالق المسبب عقيب السبب. أليس هذا مأخوذاً من نفس التوحيد الذي يدّعي أنا قد أفسدنا على أنفسنا أدلّته. أليس الله تعالى واحداً عنده في ذاته وصفاته وأفعاله، فما معنى كونه واحداً في أفعاله إلا أن يكون هو المدبّر والمتصرّف في كلّ جزئيّة من جزئيّات هذا العالم. فإن سلّم أنّه مدبّر هذا العالم ربّه وسيّده، فكيف يتوقّف في الاعتقاد بالعادة.
وليس أبعث على الضحك من قوله (إنّ هذا ما حصل)، يشير إلى تمادي الأشاعرة في ردّة فعلهم عند الردّ على الطبائعيين.

هذا ما تيسر من بداية لمناقشة هذه المقالة، وللحديث إن شاء الله تعالى بقية.

جمال حسني الشرباتي
17-12-2004, 02:27
أسجل إعجابي الشديد جدا بدقة وصواب كلامك يا بلال


==============
قال بلال


نعم نحن نقول إنه لا مؤثّر في الوجود إلا الله تعالى.
ولكننا لا نقول: لا علّة تؤثّر في معلولها. لأنّ هذا القول يتضمن إثباتنا للعلّة والمعلول كما هما عند الفلاسفة. ونحن لا نقول بالعلّة والمعلول بمعنى الموجود المؤثر وجوباً في إيجاد شيء آخر بحيث لا يمكن تخلّف المعلول عند وجود العلّة عقلاً.
إن لنا قولنا في مقابل قول الحكماء. إننا لا ننفي وجود الأسباب والمسببات، ولا ننكر العلاقة بين هذه الأسباب والمسببات، ولو أنكر إنسان ذلك لكان مجنوناً، لأنّ ربط الأسباب بالمسببات من البداهة بحيث لا يمكن إنكاره. وكيف نقول بنظرية الكسب وننكر ربط الأسباب بالمسببات!
ولكنّ السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا عند وقوع المسبَّب عقيب السبب هو: هل كان وقوع المسبَّب نتيجة لوقوع السبب واجباً عقلاً أم جائزاً عقلاً؟

إنّ العقل السليم يحكم بجواز تخلّف المسبب عن سببه والمعلول عن علّته عقلاً. والقرآن الكريم والسنّة النبويّة يزخران بأخبار الأنبياء ومعجزاتهم، وكلّ معجزة لنبيّ فهي دليل على جواز تخلّف المعلول عن علّته والمسبب عن سببه.
وهذا منشأ قول الأشعريّ رضي الله عنه بالعادة، أي أنّ هذه الأسباب والعلل ليست إلا أسباباً وعللاً عاديّة قانونيّة. والله تعالى هو خالق كلّ شيء، وهو على كلّ شيء وكيل. والذي أجرى العالم ودبّره على وفق هذه القوانين والأنظمة، قادر على أن يجريه على وفق قوانين وأنظمة مختلفة. وهذا ما نعنيه بخرق العادة. وبجواز انخرام العادات، وهو بالضبط ما نعنيه حين نقول إن العلل والأسباب قانونيّة أو عاديّة، وهو ما نعنيه بقولنا لا يجب عقلاً وقوع المسبب عقيب السبب، بل التلازم بين المسبب والسبب تلازم عاديّ لا عقليّ. وليس هذا التلازم هيناً بالصورة التي يحاول أن يبرزها الكاتب حين يستخدم ألفاظاً كالإلف، إن العادة عند الأشعريّة قانون يوجب العلم القطعيّ. وحين نقول بالعادة، فينبغي أن يتذكر الكاتب أننا أيضاً نقول بأن انخرام العادة مستحيل عادة، جائز عقلاً. فإذا كانت العادة مفيدة للعلم للقطعيّ عندنا، فلا فرق عملياً بين مذهبنا وبين القول بالعلّة والمعلول. لأنّ كلا الفريقين ينظر إلى الأسباب والمسببات وترابطها بوصفها مفيدة للعلم. ولكن الفلسفيّ يقول بوجوب وقوع المعلول عند وقوع العلة التامة عقلاً، ونحن نقول بوجوب وقوعها عادة لا عقلاً، أي نجير انخرام العادة، ولنا في ذلك شاهد وأي شاهد، إنه معجزات الأنبياء التي أقرتها جميع الأديان. فإن لم يجز الكاتب انخرام القانون، فعليه بكل بساطة أن ينكر وقوع المعجزات! أو يفسر وقوعها على مذهبه بالعلة والمعلول.

من هذا الكلام تستطيع أن تعرف أنّ عرض مذهب الأشعريّة على هذه الشاكلة التي يقدّمها الكاتب، ليس منصفاً، وفيه استخفاف للعادة أو القانون.
وليعلم هذا الكاتب أنّ الأشاعرة يقولون بأنّ القوانين التي يدبّر الله تعالى وفقها الكون لا تنخرم إلا بإذنه وإرادته، وأننا لا نعلم بعد مضيّ زمن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن وقوع خرق للعادة إلا نزراً مما روي عن كرامات الأولياء. وما دون ذلك فالعالم بجميع ما فيه يسير وفق قوانين منضبطة لا تنخرم. فلا يستخفّ بالعادة التي يستميت العلماء الطبيعيون في الكشف عن القوانين التي تضبطها.

ويقول الكاتب: (وغلوا حتى صادروا ما للطبائع من صفات جوهرية بها تتمايز وتتغاير كالفرق بين الخد والبصر، مع أن القول بأنها لا تفعل استقلالاً وإنما بإذن الله وهو القول الذي كان يجب أن يتوقفوا عنده دون الذهاب إلى آخر الشوط وإنكار حقائق الأشياء الأساسية مما أفسد عليهم طرقهم في إثبات التوحيد)

أقول: أنا أستغرب جداً من هذا الكلام. فمن من المسلمين أنكر الصفات الذاتيّة التي تتميّز بها الحقائق بعضها عن بعض، ومن من المسلمين أنكر أنّ للأشياء حقائق ثابتة؟! كيف والشيخ النسفي في أوّل جملة في عقيدته يقول: (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقق، خلافاً للسفسطائيّة)! فمن أين جاء الكاتب بهذا الكلام؟!

ثمّ بالله دعونا نر كيف أفسد علينا هذا القول -الذي لم نقله أصلاً ويتّهمنا هو به- إثبات عقائد التوحيد!!
ألا ترون أنّ كثيراً من الناس يقولون مجرّد كلام عار عن الدليل، ادعاءات فحسب تتوالى على أسماعنا، لا تجوز على من له أدنى اطلاع بعقائد الأشاعرة، يلبّس بها على الناس من قليلي المعرفة والعقول. فهل هذه طريق العقلاء والأفاضل في البحث... إنّ حقّ كثير مما يكتب وتسوّد به الصحائف أن يحرق ويلقى في الزبالة.

انظر إلى سخافة هذا الكلام التالي:

يقول الكاتب عن مبدأ العادة الذي يتبناه الأشاعرة: (هذا الاجتهاد الحاصل بسبب ردود الفعل، وكان الأولى أن يبطل الأشاعرة حجج الطبائعيين القائلين باستقلال الطبيعة في إيجاد الأشياء دون الإنسياق وراءهم وإبطال العلل والأسباب والقوى التي أودعها الله في هذه الطبائع ولا تعمل إلا بإذن الله، بمعنى عدم مجاوزة آيات القرآن الحكيم إلى آفاق بعيدة قد يثبت العلم التجريبي والمشاهدة بطلانها، وهذا ما حصل)

فهل يعتقد هذا المعتوه فعلاً أنّ الأشاعرة وكردّة فعل من نقاشاتهم مع الطبائعيين القائلين بالقوى المودعة في العالم ذهبوا إلى القول بالعادة!!
ثمّ ما الفرق بين قوله ههنا بأنّ الأسباب والقوى لا تعمل إلا بإذن الله تعالى وبين قولنا بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلا الله تعالى!!! لو كان منصفاً فاهماً لما يقول.
ونسأله: هل يقتصر تدبير الله تعالى لهذا العالم أن لا يعارض وقوع المسبب عقيب السبب، أم أنه هو سبحانه خالق السبب، وخالق المسبب عقيب السبب. أليس هذا مأخوذاً من نفس التوحيد الذي يدّعي أنا قد أفسدنا على أنفسنا أدلّته. أليس الله تعالى واحداً عنده في ذاته وصفاته وأفعاله، فما معنى كونه واحداً في أفعاله إلا أن يكون هو المدبّر والمتصرّف في كلّ جزئيّة من جزئيّات هذا العالم. فإن سلّم أنّه مدبّر هذا العالم ربّه وسيّده، فكيف يتوقّف في الاعتقاد بالعادة.
وليس أبعث على الضحك من قوله (إنّ هذا ما حصل)، يشير إلى تمادي الأشاعرة في ردّة فعلهم عند الردّ على الطبائعيين.


-------------

لم أعلم من الأخ البيطار ماذا كانت دواعيه على نقل البحث الذي تصدى له الأخ بلال؟؟؟

بلال النجار
17-12-2004, 09:02
أشكر لك جهدك يا أخ جمال،

والواقع أني أعرف محمد البيطار، وهو يريد بلا شك أن يرد أحد على هذه المقالة.
واسلم

محمد موسى البيطار
18-12-2004, 05:46
السلام عليكم

يسعدني ردكم اخي وسيدي بلال ، وانا بانتظار بقية تعليقاتكم على المقالة المذكورة .. وكنت قد راجعتها بالامس ووضعت بعض الملاحظات عليها .. لكني سانتظر بقية ردكم ثم ارسل ما تيسر لي من ملاحظات حولها .

وبارك الله فيكم

بلال النجار
18-12-2004, 20:13
وعليكم السلام ورحمة الله يا محمد،

وبعد، فلا بأس أن تتفضل بإثبات تعليقاتك حتى قبل أن أفرغ من الرد على المقالة، ونتحاور فيها، فتزيد وأزيد فنثري هذا الموضوع بحثاً. وهو المهم للغاية، لأنّ القول بالعادة على عظمته فإنه يلاقي تشويهاً كبيراً عند عرضه والرد عليه من المخالفين سواء من العلمانيين أو حتى السلفيّة الذين نسبة مشكلتنا معهم كالنسبة بين من فهم ما قيل ومن لم يفهم ذلك.

اسماء كامل شرف
09-01-2005, 15:07
السلام عليكم

انا استغرب من موقف الاخ جمال لماذا وضع كامل رد استذنا بلال في المداخلات .... كنا نود رؤية شيئ جديد من تعليقاتك.


ايضا هل نحن نضحك عل انفسنا. يعني بصراحة كلما انتقدنا احد صرنا نقترب منه اكثر!

بمعنى كأننا نتنازل شيئا فشيئا عن معتقداتنا.

فالاستاذ بلال يقول اننا لا ننكر الاسباب والمسببات ومع ذلك نحن نقول بالكسب ومع ذلك ننكر العلل ومع ذلك ننكر ان يكون في الاشياء ما يجعلها تؤثر في غيرها. يعني اننا نتماشى مع اقوال المعارضين القوية واحس ان في هذا مجاراة لهم.

لماذا لا نعترف اذن بقصور نظرية الكسب ونسلم بالاسباب والمسببات صراحة؟

المعذرة على صراحتي ولكني لم اقدر ان اكبت هذا اكثر من ذلك.

بلال النجار
10-01-2005, 11:35
بسم الله الرحمن الرحيم

أختنا أسماء،

مذهب أهل السنّة والجماعة يقرر أنّ التلازم بين الأسباب الظاهرة والمسببات هو تلازم عاديّ. فهنالك أسباب في العالم تحصل معها المسببّات، ونعلم علماً ضرورياً عند وقوع الأسباب أنّ مسببّاتها لا محالة حاصلة. ولكن لا يلزم من وجود تلازم بين السبب والمسبب أن يكون السبب هو المؤثر في وقوع المسبب.

وعليه فنحن لا نضحك على أنفسنا يا أختاه، ولا نتنازل عندما ينقدنا أحد، فإننا نقرّ بوجود التلازم بين الأسباب والمسببات في العالم لأنّ إنكار ذلك مكابرة، لكون ثبوته معلوماً بالضرورة. وانتقاد غيرنا لنا ليس له مدخليّة في الإقرار بوجود هذا التلازم أو عدمه.

فإنه ليس ثمّة تنازل عن معتقداتنا البتّة، لا دفعة ولا بالتدريج.

قولك: (فالاستاذ بلال يقول اننا لا ننكر الاسباب والمسببات ومع ذلك نحن نقول بالكسب ومع ذلك ننكر العلل ومع ذلك ننكر ان يكون في الاشياء ما يجعلها تؤثر في غيرها. يعني اننا نتماشى مع اقوال المعارضين القوية واحس ان في هذا مجاراة لهم)

أقول: الإقرار بوجود التلازم العاديّ بين الأسباب والمسببات،لا ينافي القول بالكسب، بل شرح هذا التلازم يكاد يكون بمثابة البيان لنظريّة الكسب. أمّا إنكارنا للعلل والمعلولات، فإنما ننكرها كما هي في مصطلح الفلاسفة، لأنّ إثباتهم لمبدأ العليّة ينافي إثباتنا للفاعل المختار. أما على اصطلاح أهل السنة فلا إشكال في استخدام العلة والمعلول بمعنى المتلازمين عادة لا عقلاً.

إذاً ليس ثمّة مجاراة لقول المخالف، بل هو بيان لمذهبنا، وردّ على من ادعى علينا أننا نكر الأمور الثابتة بالضرورة. وثمّة فرق كبير بين ما ادعاه كاتب المقالة وبين قولنا، فهو ادعى أننا نكر العلاقة بين الأسباب والمسببات، وهذا الكلام ليس صحيحاً على إطلاقه، فإننا ننكر علاقة التأثير والإيجاب، ونثبت علاقة التلازم العادي.


قولك: (لماذا لا نعترف اذن بقصور نظرية الكسب ونسلم بالاسباب والمسببات صراحة؟)

أقول: نحن نقول بالكسب، وهو قول ثالث غير الجبر، والتفويض، وهي نظريّة كاملة، وليست كما يتوهمه البعض تلفيقاً بين القولين الآخرين، وأمرا لا يمكن تصوّره أو شرحه. ونحن مسلّمون بوجود الأسباب والمسببات في هذا العالم، ولا ينافي إثباتها القول بالكسب. فتنبهي.


قولك: (المعذرة على صراحتي ولكني لم اقدر ان اكبت هذا اكثر من ذلك)

أقول: ليس من داع للاعتذار، ولا يراكم العاقل ما حكّ في صدّره دون البوح به والبحث له عن جواب، لأنّ ذلك مما يوهن الاعتقاد. ويبدو لي أنّ هنالك أمراً غير واضح لديك في الفرق بين الكسب والتعليل.

لقد وجدت النار ووجد سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام فيها جافاً، فلِمَ لم يحترق مع أنّ جميع الشروط متحققة وجميع الموانع من الاحتراق منتفية؟

فلو كان واجباً عقلاً أن يحترق لم يجز أن يتخلّف هذا الأمر في الواقع. ولكنّ الاحتراق ههنا جائز عقلاًَ واجب عادة فحسب، والذي حصل أنّ الله تعالى خرق العادة التي هذا القانون الطبيعي الذي يحكم هذه الحادثة، فتخلّف الاحتراق. وفي الوضع القانونيّ دون خرق الله تعالى للقوانين، فإنّ قوم إبراهيم عليه السلام حين كسبوا فعل حرقه كان ينبغي عادة وقانوناً أن يحترق، ولكن الله تعالى لم يخلق لهم الفعل مقارناً لكسبهم. فلم نر تأثيراً للأسباب في المسببات. فنحن حين ننظر في الحوادث التي تقع في العالم نلاحظ دائماً التلازم والمقارنة بين الأسباب والمسبّبات، فنتوهّم أنّ السبب هو العلّة المؤثرة في إيجاد المسبب، والواقع بحسب نظريّة الكسب أنّ المسبّب فقط ملازم مقارن للسبب، يقع المسبب معه أو عنده وليس المسبب موجبَاً عن السبب أو معلولاً له. وليس السبب هو الذي أوجد المسبب.

والخلاصة أنّ من ينكر وجود الأسباب والمسبّبات في العالم مكابر، لأنّها موجودة فعلاً. ولكنّ من يقول بالتلازم العقليّ العلّيّ بينها واهم، والمعجزات الخارقة للقوانين الطبيعيّة تكذّبه، وأما نحن فنثبت وجود الأسباب والمسببات مخلوقة جميعها لله تعالى، وننكر علاقة الإيجاب والتلازم العقليّ العلّيّ بين الأسباب والمسبّبات، ونثبت علاقة التلازم العاديّ بينها. فليس ثمّة تناقض في هذا الكلام.

ويمكن الاستدلال على أنّ التلازم بين الأسباب والمسببات عاديّ لا عقليّ، هو أننا نتصوّر أن يقع السبب أو العلّة ويتخلّف المسبب أو المعلول، وكذلك أن يقع المسبب أو المعلول دون وجود سبب أو علّة له.

ألا ترين أنّه يجوز أن توجد النار وتقع جميع شروط إحراقها وتنتفي جميع الموانع ولا تحرق النار، ثمّ ألا ترين أنه يجوز أن يخلق الله تعالى احتراق شيء دون أن تلامسه حرارة أو نار.

فإذا جاز في العقل ذلك، فقد ثبت أنّ العلاقة بين الأسباب والمسبّبات الظاهرة لنا ليست علاقة عليّة عقليّة توجب عقلاً وقوع المسبب عقيب السبب، ولكنها علاقة قانونيّة عاديّة، يجوز تخلّفها عقلاً ولا يستحيل ذلك عقلاً، ويستحيل تخلّفها عادة ولا يجوز ذلك عادة. وهذا ما نقوله دون مجاراة للمخالف ولا تنازل عن معتقد ودون حاجة لإنكار الضروريّات.

فإن بقي لديك إشكال فيسعدني أن أسمعه منك وأناقشك فيه. والله تعالى الموفّق.

محمد موسى البيطار
11-01-2005, 08:14
السلام عليكم أخي العزيز بلال النجار

الواقع اني قد حصلت فوائد جمة من خلال ردك على الاخت اسماء ، ولا تزال عندي بعد الشبه والتعليقات على الرد الاول ! فاعذرني اخي الفاضل ان تأخرت في بيانها .. فلا ازال اواجه مشاكل في الاتصال بالانترنت كما بينت لك في الرسالة الخاصة

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اسماء كامل شرف
11-01-2005, 15:02
بارك الله فيكم استاذنا الفاضل بلال وسدد خطاكم ...

بالفعل لقد كان في ردكم الهادئ المتأني الكثير من الفوائد التي بعثت الطمأنينة في نفوسنا.

اخي ... لا تزال عندي نقطة غير واضحة يعني بالنسبة للمذهب من ناحية المقصود عندما نفرق بين العادة والعقل. يعني مستحيل عقلا او جائز عقلا وكذلك التلازم العقلي ... ارجو توضيح هذه النقطة بشكل مبسط كما فعلتم هنا في ردكم الاخير بارك الله فيكم.

ويا ريت توضحو لي ايضا ولو بشكل مختصر اسس نظرية الكسب ... بهدف ان تنجلي بعض الامور من نفسي.

ابومحمد التجاني
12-01-2005, 05:26
في هذا الرابط توضيح جميل للشيخ بلال لقضية الكسب
http://www.aslein.net/showthread.php?t=626

بلال النجار
12-01-2005, 12:29
بسم الله الرحمن الرحيم

سؤالك: (لا تزال عندي نقطة غير واضحة يعني بالنسبة للمذهب من ناحية المقصود عندما نفرق بين العادة والعقل. يعني مستحيل عقلا او جائز عقلا وكذلك التلازم العقلي ... ارجو توضيح هذه النقطة بشكل مبسط كما فعلتم هنا في ردكم الاخير بارك الله فيكم)

الجواب:
الحكم في الاصطلاح هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. وهنالك أحكام شرعيّة، وأحكام عقليّة، وأحكام عاديّة، وغيرها، إلا أنّها لا تخرج عن مفهوم الحكم الذي وضحناه. فالأحكام الشرعيّة هي المعروفة كالوجوب والندب والإباحة إلخ. فإذا قلنا إنّ صلاة الظهر واجبة، فمعناه أننا أثبتنا وههنا أثبتنا أنّ مؤدي صلاة الظهر مثاب، وتاركها معاقب. وكان مصدر هذا الإثبات هو الشرع.
وأما الحكم العقليّ، فيكون مصدر الإثبات والنفي فيه هو العقل. وكما أنّ الأحكام الشرعيّة منحصرة بالقسمة، فكذلك أحكام العقل منحصرة في ثلاثة أحكام لا رابع لها بالقسمة التامّة. وكما أنّ لقسمة الحكم الشرعيّ أساس هو الثواب والعقاب، فكذلك لقسمة الحكم العقليّ أساس هو الوجود. وبيان ذلك: أنّ العقل إما أن يتصوّر وجود شيء ما أو لا يتصوّر وجوده. فإن تصوّر وجوده فإما أن لا يتصوّر عدمه أو يتصوّر عدمه.
فالذي لا يتصوّر العقل وجوده هو المستحيل عقلاً، كاجتماع الضدّين في محلّ واحد. ككون الشيء متحرّكاً وساكناً معاً. فهذا لا يتصوّر العقل ثبوته بحال من الأحوال. فالاستحالة إذاً هي عدم قبول الثبوت في العقل.
والذي يتصوّر العقل وجوده ولا يتصوّر عدمه، هو الواجب عقلاً. كالباري سبحانه وتعالى وصفاته، فإن العقل يحكم بوجوده ولا يمكنه أن يتصوّر انتفاءه. وكذلك وجود فاعل لكلّ فعل، فإن العقل لا يمكنه أن يتصوّر وجود فعل بلا فاعل. فكان الوجوب هو عدم قبول الانتفاء في العقل.
والذي يتصوّر العقل وجوده وعدمه، هو الجائز أو الممكن عقلاً. كالعالم وسائر ما فيه من حوادث، فإنّ العقل يقبل ثبوتها وانتفاءها.

والحكم العاديّ، هو إثبات أمر لأمر آخر أو نفيه عنه أيضاً، ولكن مصدر هذا الإثبات والنفي ليس الشرع ولا العقل بل هو العادة. فالحكم العادي هو المستفاد من تكرار توارد الحاسة على أمر ما. بعبارة أخرى هو الحكم المستفاد من انضباط نتائج تجربة ما. فمثلاً إننا نلاحظ أنّه كلّما سخّنا الماء النقيّ عند ضغط سطح البحر فإنه يغلي عند درجة مائة مئويّة. فإذا لاحظ العقل هذا الانضباط في النتيجة عند تكرار التجربة علم أنّ ثمّة قانوناً ثابتاً وراء هذا الثبات في النتيجة. ويمكن صياغته على شكل حكم عاديّ. مفاده أنّ الماء النقيّ عند ضغط جويّ مساو للضغط الجوي عند سطح البحر يغلي عند درجة حرارة مائة مئوي.
وغنيّ عن التذكير بأنّ هذا الحكم لم يستفد من الشرع فلا يسمى حكما ًشرعيّاً. ولم يستفد من العقل ابتداءً، لأنّ العقل المستقلّ عن هذه التجربة يجوّز أو يتصوّر أن يغلي الماء على أيّ درجة بلا ميزة لدرجة على أخرى. فهذه النتيجة التي صغناها أخيراً أمر ممكن في العقل وليس بمحال عقلاً ولا واجب عقلاً. ولكنها في نفس الوقت واجبة عادة. ومعنى ذلك أنّ العقل المستقل ودون ملاحظة التجربة يتصوّر أن يغلي الماء في نفس الظروف على درجات مئويّة أخرى غير المائة، ولكنه إذا لاحظ التجربة فإنه يحكم بالاستحالة العاديّة أن يغلي الماء في نفس الظروف على درجة غير درجة المائة مئويّة، مع بقاء حكمه الأوّل المستقلّ عن التجربة.
والمهمّ في هذا الكلام الأخير أنّ حكم العقل يبقى ثابتاً مع ثبوت حكم جديد هو الحكم العاديّ. لأنه لا تناقض بينهما.
ويتفرّع على هذا الكلام مسألة في غاية الأهميّة، وهي أنّ العقل إذا أحال شيئاً فإنه يمتنع أن يقع في الوجود فلا يمكن تحقيقه بالتجربة. وإذا أوجب شيئاً فإنه لا محالة موجود سواء استطعنا إثبات وجوده بالتجربة أو لم نستطع. وإذا أجاز أمراً فحسب وعجز عن الجزم بوجوده في الواقع أو عدمه، فههنا يكون للتجربة مجال في إثباته في الواقع أو نفيه من الواقع.
وهذه الأشياء التي نقولها ههنا في غاية الأهميّة، وهي أحكام كانت واضحة جداً عند علمائنا المتقدّمين، وهي للأسف الشديد غير واضحة عند كثير من المشتغلين بالعلوم التطبيقيّة هذه الأيام، على الرّغم من كونها في مرتبة الضروريّات العقليّة. فحين نقول إنّ التجربة معروفة عند المسلمين ومعلومة شروطها وأحكامها ومجالاتها في العلوم، وأنّ التجربة هي فرع الطريقة العقليّة، تجد من يستنكر هذا القول، ويتمادى في الغلوّ بأن يقول إنّ المنهج العلميّ الصحيح هو المنبني على ملاحظة الظواهر بالحواس، ومحاولة تصميم تجربة تكشف عن الواقع، وما لم يثبت شيء بالتجربة فإنه لا يمكن التصديق به، وأنّ ما ثبت بالتجربة هو الحق المطلق الذي لا يمكن تصوّر انتقاضه. وهذه كلّها مجرّد أوهام نشأت من شدّة الابتعاد عن المنطق النظريّ، وعن الفلسفة، والالتصاق بالحواس. وهذا في الحقيقة كلام مجمل جدّاً يمكن بسطه في بحوث مطوّلة، ولا يناسب جواباً مختصراً على سؤالك. ولكني أرجو أن يكون فيه فائدة لك وللقرّاء.

مما مضى يمكن أن نستخلص ما يلي:
أولاً: الأحكام العاديّة هي ما ثبت عن طريق ملاحظة الانضباط في نتائج التجربة عند تكرارها. وتشكّل مجموعة الأحكام العاديّة القوانين التي يسير وفقها هذا العالم بإرادة الله سبحانه وتعالى.

ثانياً: الأحكام العاديّة هي قضايا يحكم العقل بجوازها وليس باستحالتها ولا بوجوبها. ولذلك رأينا أنّ معجزات الأنبياء عليهم السلام التي هي خرق لتلك القوانين كانت تقع، ولو كانت الأحكام العاديّة أموراً واجبة عقلاً، لاستحال وقوع معجزاتهم، لأن انخراقها حينئذ يكون مستحيلاً، تماماً كاجتماع الضدّين في محلّ واحد فهو أمر مستحيل الوقوع. فكان وقوع انخراقها أعظم دليل حسيّ على أنّها ممكنة في نفسها عقلاً وليست بواجبة عقلاً.

ثالثاً: الأحكام العاديّة هي قوانين وضعها الله تعالى تنضبط وفقها الحوادث، وواضع هذه القوانين هو الله تعالى، والذي وضع هذه القوانين يتصوّر منه أن يضع قوانين أخرى غيرها ينضبط بها العالم، ولذلك لا يستحيل عقلاً أن يخرق الله تعالى هذه القوانين والعادات. بل خرقه تعالى للعادات تصديقاً للأنبياء عليهم الصلاة والسلام مما هو معلوم عندنا بالضرورة كما قلنا.

رابعاً: لا ينبغي الاستخفاف بهذه الأحكام العاديّة، واعتبارها كما يحاول كاتب المقالة التلويح به أنّها مجرّد أشياء ألفها الإنسان وليست ذات أهميّة كبيرة. فليس منّا من يقول ذلك. بل هذه الأحكام هي قوانين منضبطة مفيدة للعلم الضروريّ لكلّ من ثبتت عنده التجربة، على الرّغم من بقاء حكم العقل بجواز انخرامها.
ولكن انخرام القانون والعادة أمر مستبعد أن يحدث، فلا يعتبر في الحياة العمليّة. لأنّ الأصل أن لا يقع انخرام للعادة، ونحن نبني حياتنا العمليّة كلّها على هذه القوانين لقطعنا بأنه منضبطة غير مختلّة، فإذا انخرم قانون مستيقن ثبوته علمنا قطعاً بأنّ من خرم هذا القانون ليس سوى الله تعالى، ولا يمكن أن يكون شيء من العالم قد خرق تلك العادة. ونحن نعلم أنّ الله تعالى يدبّر هذا العالم بنظام في غاية الدقّة، ولا يخرق العادات إلاّ في حالات خاصّة جداً كمعجزة لنبيّ، أو كرامة لوليّ. وهي حالات نادرة معلوم فائدتها في محلّها، ودون ذلك فالعالم منضبط بالأحكام العاديّة فلا ترتفع الثقة عنها مطلقاً على الرّغم من جواز انخرامها عقلاً.

خامساً: إذا فهمنا أنّ هذه القوانين من وضع الخالق سبحانه وتعالى، وأنها ممكنة في نفسها عقلاً، فلا يمكننا أن نوجب عقلاً وقوع المسبب بوقوع السبب. وبتطبيق ذلك على المثال المتقدّم، فلا يمكننا أن نحكم بوجوب الغليان عقلاً إذا بلغت حرارة الماء مائة مئويّة، بل نحكم بوجوب وقوع الغليان عند تلك الدرجة عادة. وإنما قلنا إنه لا يمكننا أن نحكم بوجوب وقوع الغليان عقلاً ههنا لأنّ العقل يتصوّر وقوع الغليان وعدم وقوعه، وبالتالي يحكم على الغليان بأنه أمر ممكن في نفسه وليس أمراً واجباً ولا مستحيلاً. ولو كان واجباً لم يجز لا في العقل ولا في الواقع أن ينفكّ غليان الماء عن درجة المئة. ولكنّنا نعلم بتأمل ذلك وبالوجدان في أنفسنا أنّه يتصوّر أن تصل درجة حرارة الماء إلى المائة ولا يغلي الماء. وكذلك نعلم أنّ قدّرة الله تعالى تتعلّق بجميع الممكنات العقليّة، وهذا الأمر ممكن عقلاً فيجوز أن لا يخلق الله تعالى غليان الماء عند تلك الدرجة. وعند النظر في قصة سيدنا إبراهيم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام نعلم قطعاً بأنّ خرق القوانين أمر ممكن، وليس بواجب. وأنّ تلازم الأسباب بمسبباتها في العالم أي ارتباطها ببعضها وتعلّقها ببعضها ليس أمراً واجباً في العقل لا يقبل الانفكاك. بل هو أمر يقبل الانفكاك في العقل. وهذا معنى قولنا إنّ التلازم بين الأسباب والمسبّبات هو تلازم عاديّ وليس تلازماً عقليّاً، ولو كان تلازماً علقيّاً لم يجز أن ينفك الإحراق عن النار مطلقاً أي لاستحال ذلك الانفكاك عقلاً، ولو كان كون النار غير محرقة أمراً محالاً عقلاً لم يقع، ولكنه وقع في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام فعلمنا أنه أمر ممكن عقلاً في نفسه وليس أمراً محالاً عقلاً في نفسه.

سادساً: أنّه لو وجب عقلاً وقوع المسبب عند وقوع السبب، لم يجز أن يقدر الله تعالى أن يغيّر شيئاً في هذا العالم. ولذلك وجدنا أنّ الذين يؤمنون بسلسلة العلل والمعولات، يجعلون كلّ حادث في العالم معلولاً عن حادث قبله أوجده، ثمّ ذلك الحادث المعلول يكون علّة أو جزء علّة يؤثّر في وجود معلول آخر، وهكذا. ومعنى كلامهم أنّ هذا العالم يسير في طريق محتومة لا قبل لأحد أن يغيّر في مجرياتها شيئاً. لأنّ التلازم بين هذه العلل والمعلولات تلازم عقليّ لا يتصوّر العقل انفكاكها عن بعضها. ويلزم على ذلك كثير من اللوازم الباطلة في ديننا، كمثل نفي إرادة الله سبحانه وتعالى ونفي قدرته على تغيير شيء في أحداث ومجريات هذا العالم. والكلام في ذلك يطول. وفي المقابل فعند أهل السنّة هنالك القول بالكسب، والقول بنفي التعليل، وحاصله أنّه ليس لأحد أو شيء قدرة على إيجاد شيء في العالم أو إعدامه وإنما الله سبحانه وحده هو الخالق المدبّر لشؤون هذا العالم، وهذه الأسباب التي ترى في هذا العالم فليس لها أثر في إيجاد المسببات أو إعدامها، بل هي مجرّد أسباب عاديّة غير مؤثّرة في الإيجاد والإعدام، لأنّ الموجد المعدم للأسباب ومسبباتها إنما هو الله تعالى. وهذا الاقتران المشاهد بينها إنما هو اقتران عاديّ، لضبط نظام قانونيّ للعالم بما فيه جمادات وحيوانات ظاهريّاً وعمليّاً. وليس معنى قولنا بالكسب أن يكون الإنسان مسيّراً أو معفى من مسؤولياته عن شيء مما ينسب له من أفعال، وليس معناه أن ننفي كلّ علاقة وتلازم بين الأسباب والمسببات، وليس معنى ذلك أيضاً أن ترتفع ثقتنا بالقوانين التي يسير وفقها العالم، ولكنّ كلامنا هذا في الاعتقاد، والمقصود منه توحيد الله تعالى في أفعاله، بأن لا نثبت خالقاً غير الله تعالى في الوجود. ودون ذلك فإن التكليف والثواب والعقاب والقوانين الموجودة في العالم فإنها تفسّر أيضاً على أساس من قدرة المخلوقات على الكسب والفقد دون قدرتها على الإيجاد والإعدام لاختصاص الأخيرين بالله تعالى.

سؤالك: (لو توضحون لي ايضا ولو بشكل مختصر أسس نظرية الكسب ... بهدف ان تنجلي بعض الامور من نفسي)

الجواب تجدينه في الرابط الذي وضعه الأخ أبو محمّد. وكتب الشيخ سعيد المنشورة في موقع الرازي فيها توضيحات كافية للكسب. فأرجو منك الاطلاع على المقالة، وإن بقي لك سؤال فيسعدني أن أساعد في الإجابة عنه بقدر ما أستطيع. والله تعالى الموفّق.

اسماء كامل شرف
15-01-2005, 06:00
استاذي الفاضل بلال ... اشكرك على توضيحاتك القيمة .... انا بصراحة اميل الى المناقشة اكثر من القراءة خصوصا في امور العقائد ... المناقشة تسهل علينا فهم الامور.


يعني اللي فهمته انه هناك رايين

الاول يقول ان الناس مسيرين في كل شيئ

الثاني ان الناس مخيرين في كل شيئ

ثم جاء الامام الاشعري وفصل في الامر فقال ان الله هو خالق كل شيئ لكن الانسان يقدر على الفعل ولكنه لا يخلقه ولا يوجده.

لكن عندي اشكالات كثيرة منها اننا نوجد افعالنا بانفسنا ونحاسب عليها فكيف لا نقوم بها؟؟

يعني انا قادرة على الكتابة او عدم الكتابة فكيف يكون الله هو الذي صنع الكتابة؟

ايضا اليس هذا يشبه من يقول ان الرزق بيد الله ولكننا نحصله وسمعت من تقول انه اي الله هو الذي يوزعه علينا ايضا؟ هل هذا هو الكسب ايضا

ارجو التوضح على قدر عقلي والسلام

بلال النجار
15-01-2005, 11:53
الأخت أسماء،

أرجو أن تقرأي ما كتبته في الرابط الذي وضعه الأخ أبو محمد ففيه توضيح لما سألت عنه، وهنالك إجابات وضعتها على من سأل عن الرّزق في هذا المنتدى فأرجو أن تبحثي عنها وتقرئيها، ثمّ إذا بقي أمر غير واضح بينّاه بقدر الوسع إن شاء الله تعالى.