المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إلى أهل العلم: أصعب مثال محرج في التحسين والتقبيح



إسماعيل حمودة
03-08-2003, 12:28
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وصحيه ومن والاه

إخواني الكرام
السلام عليكم ورحمة الله

وبعد،
فأخوكم طالب للحق (إن شاء الله تعالى)
لا يجد في نفسه أي ضيق من مناقشة أهل القناعات في عقائدهم وقناعاتهم في طريق البحث عن الحق. ويرحب بالفكر المنفتح الحر الملتزم (الذي يلزم المرء فيه نفسه بالصدق مع النفس ومع الآخرين). وقد تعرفت على منتداكم الكريم الذي بعث في الأمل في التعرف على علماء طلبة حق حقانيين صادقين مدافعين عن الحق يشفون الغليل.
عندي استفسارات واستشكالات مختلفة سأطرحها في هذا المنتدى وأتمنى أن يفيدني فيها العالمون. واسلموا والسلام..

الاستفسار الأول: التحسين والتقبيح العقليان
جمعتني بعض حوارات الإنترنت (معظمها في شبكة هجر) مع بعض أهل العلم من الشيعة الإمامية وكان هناك اتهام من الإمامية للأشاعرة بأنهم جبرية وامتد الحوار وطال وأصاب طرفا من مسألة التحسين والتقبيح.
وأنا سأورد في الفقرة التالية أقوى حجج القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وكيف رددت عليها. أود أن أعلمكم أني لست تام السعادة بما كتبت (لأن فيها اعترافا ضمنيا بعدم إمكانية البرهنة والوصول إلى اليقين بالعقل) وأتوق إلى طمأنة الذين ذاقوا هواجسي أو إلى برهان من عنده البرهان!!

الحوار كان (قبل أقل من عامين) في شبكة هجر مع عالمين شيعيين هما "علي نعمان الصدر" وآخر يتسمى باسم Active X وساعدني فيه صديقي هشام. سأنقل لكم هنا الفقرة المهمة التي تحتوي على خلاصة ردودهما السابقة وجوابي عليها. ومرحبا بتعليقاتكم المفيدة.




الضرس القاطع


إخواني الكرام
سيدي الأستاذ الصدر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كنت وعدت هشاما أن أترك الرد له في هذه المسألة: مسألة الكذب. ولكن هشاما، أعانه الله على مصابه، منشغل بعض الوقت. والسيد الصدر، أضحك الله ضرسه، كان رد على كلامي بضرس قاطع. فرأيت أن أرد على رده. ولا أزال أرى أن هذه المسألة خلاصة أدلة الإمامية على ضرورة التحسين والتقبيح العقليين. فأدلتهم من نوع البرهان غير المباشر بان يذكر لك أمثلة محرجة تستقبحها النفس تنتهي إلى نسبة "الكذب" و"الظلم" و"العبث" (بناء على تعريف غير متفق عليه لهذه الظواهر) لله تعالى في فكر من يجيز لله تعالى فعل الممكن مطلقا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سأذكر بما كتبت عن دعوى جواز الكذب على الله تعالى وبرد السيد الصدر عليها:
<<
قال المدافع عن القول بالتحسين والتقبيح العقليين:
((
إذن قل لي كيف تجيب المشرك المرتد الكافر حين يقول لك : إذن أنت تقول بأن الإسلام نفسه باطل لأنك تجيز أن تكون كل عهود الله ومواثيقه قابلة للنقض من قبله!!
فإذا قال لكم الله ( حاشاه – هذه مني لا ممن يقول ذلك ) كذبت عليكم و أنا أريد الكفر ومن يؤمن بي أدخله جهنم وبئس المهاد ، وكل اعتراض لكم غير مقبول ، ويقول لك الكافر أنا عرفت من عدم ثبات الأكوان عدم ثبات كلامه الذي يمكن فيه الكذب ؛ فلهذا آمن بي وأترك الإسلام!.
ماذا سيكون جوابك ؟!..

هل سيكون كما يقول الأشاعرة بأن الله أخبر بلزوم الجنة للمؤمن ولزوم النار للكافر ويجب التصديق؛ فسيقول لك الكافر هذا صحيح إذا لم تكن تؤمن بإمكانية كذب الله ، وأما مع إمكانية كذبه وعدم لزوم الصدق عليه
فكل ما قال ويقول إنما هو تمثيلية عليكم .. لبغضه لكم.))

أشكر السيد Active X على طرحه لهذه الشبهة. واعلم يا أخي ان هذه الشبهة هي خلاصة أدلة التحسين والتقبيح العقليين وهي أصعب ما يعكر على القول الأشعري برفضهما ولا يجوز الهروب من هذا السؤال. وأعترف أن هذه النقطة بالذات كانت أكبر شبهة في تفكيري تقف دون تصديقي الكامل برفض التحسين والتقبيح العقلييين ولم أجد جوابا ترتاح نفسي له فيها إلا قبل زمن غير طويل. ولعل جوابي لا يكون شافيا للبعض وأنا أرجو الإخوة الأشاعرة بالذات تنبيهي وتوجيهي إلى الوجوه المختلفة التي قد أكون أغفلتها. وأرجو أن يعلم أني طالب حقيقة لا أدعي العصمة في ما أقول وإنما الأمر محاولة أنا مقتنع بها قد تحتاج إلى
التصويب.

الآن أتوجه إلى الشبهة وأذكر بمثال البرمجة. <(إخواني القراء هنا لم يتابعوا هذا الحوار ولا يعرفون المقصود بمثال البرمجة. هو مثال مفيد جدا يمثل برنامجا خياليا في الكمبيوتر يحتوي البرنامج على كائنات تعرف لها تفاعلات وقوانين وإحساسات وزمان ومكان ووعي (كل شيء يمكن برمجته ما عدا الوعي) ثم يكون هناك شيء من التأمل في عالم الكائنات والمقارنة مع عالمنا الحفيفي واستخلاص النتائج >) ليست هناك أية صلة مباشرة بين الكائنات في البرنامج وبين المبرمج. كيف يكون هناك صلة والكائنات لا تدرك شيئا إلا بما برمج لها من حواس؟ وهذه الحواس لا تدرك المبرمج. إذن الصلة لا تكون مباشرة ويمكن دائما نسبة أي فعل يدرك للكائنات. ونسبتها للمبرمج من قبيل البرمجة. فإذا جاء كائن في البرنامج إلى كائنات وقال لها: أنا أنقل لكم رسالة من المبرمج. فهو الصادق أو الكاذب. ولا نقول المبرمج كاذب. ولعل هذا الكائن الرسول لم يتعمد الكذب ولكن في هذه الحالة يتوجه التكذيب إلى كائن آخر هو أجهزة الإدراك لديه أو عقله. المهم أن الكائنات في عالمها يمكنها دائما نسبة الأفعال التي تدركها إلى كائنات في عالمهاكذلك.
طبعا هناك احتمال آخر وهو أن يكون المبرمج شاء كشف شيء من مراده وعلمه للكائن الرسول فيكون كلام الكائن الرسول صحيحا قطعا. وإذا آمنت الكائنات بهذا الاحتمال نسبت ما أخبرها به الكائن الرسول إلى المبرمج.
أنبه يا أخي إلى حقيقة أن إلزامنا بحياة التكليف لا تكون فقط بناء على مبادئ عقلية لا يتصور في العقل خلافها مثل استحالة الجمع بين النقيضين ومبادئ الرياضيات وأن الجزء أصغر من الكل. هناك ضرورة للاعتماد على اعتقادات مزروعة في فطرة المكلف وهذه الاعتقادات يتصور في العقل خلافها وقد اهتديت في تفكيري حتى الآن إلى 3 اعتقادات فطرية لازمة للمكلف هي:
1- الإيمان بالحواس
2- الشعور بالزمن (= ملاحظة السببية الزمنية)
3- الاعتقاد بوجود معنى للحياة (وجلب المصلحة سيؤدي إلى تحسين البحث عن هذا المعنى)

هذا يعني أننا إذا اعتمدنا على هذه الاعتقادات وآمنا بأنا مكلفون وعشنا
بناء على هذا التكليف الذي آمنا به ثم اكتشفنا في الحياة الآخرة أن الأمر لم يكن كذلك فالأمر خلاصته أن حواسنا هي التي كذبت علينا وفطرتنا هذه هي التي كذبت علينا وأن الحياة ليست حياة تكليف. ولن يكون اعتراضنا على الله تعالى إذا أدخلنا النار إلا كاعتراض الحجارة عليه تعالى إذا ألقيت في نار جهنم. أو كاعتراض الأرض التي يعصى الله فيها على الله تعالى لتفضيله عليها الأرض التي تتشرف بأجساد الأنبياء. لا
اعتراض والله فعال لما يريد.
ولكنا إذا كنا نؤمن بالحواس ونشعر بالزمن ونؤمن بمعنى للحياة (وهذا أيضا ما يؤمن به هذا الكافر الذي يناقشني) فليس لنا إلا أن نؤمن بأننا نعيش حياة تكليف وأن الرسل كشف الله لهم علما حقيقيا قطعيا فنصدقهم ونتعبد الله باتباعهم.

انتهت فكرتي والحمد لله أولا وآخرا>>

أجاب السيد الصدر الإجابة التالية التي تدل على أنه لم يقرأ ما قلت بدقة:
((
(موضوع نفي الكذب ومثالك البرمجي: فقد قرأته فوجدتك تقول بأن الكائن المبرمج مسبقا هو من ينقل ما برمج به من قول، وهو لا يكذب في نقله عن المبرمج لعدم قدرته على التغيير.
وهذا يحتوي على أمورٍ:

فأولاً سؤال الأخ ActiveX هو عن مشكلة عدم رفضكم لإمكانية كذب الله وجوابك هو عن عدم إمكانية كذب الكائن المبرمج. وهذا عدم وحدة موضوع. فالكلام عن كذب الله والجواب عن صدق الرسول.

وثانيا
أنت قد تركت الباب مفتوحا لإمكانية كذب الله. و أغلقتَ الإمكانية على الكائن الذي يخبر عن الله. وهذا يقتضي الجبرية من جهة ومن جهة ثانية تركت الباب مفتوحا لكل فعل لكل كائن بالصحة والصواب الصدق، فلو قال كائن عن الله بأنه يريد الكفر فقوله صحيح لصحة برمجته ولو قال مرة ثانية أن الله يريد الإيمان فهو صحيح لأنه مبرمج على ذلك ولا يملك لذلك تغييرا.

فأين جوابك إذن؟؟؟.

والسؤال الوجيه هو لو أن الكائنات كلها عملت ما قالته الكائنات المبرمجة المخبرة عن الله.... وحين الحساب يقول لهم الله جميعا: إن عملكم خطأ. ولن أقبل منكم حجة. حتى لو أنني قلت ذلك فأنا لست بصادق أبدا فيما أقول وأنا حر أكذب أم اصدق. فما جوابكم عن هذا بالتحديد؟

فهل عالج مثالك البرمجي هذا الموضوع؟

أبدا ليس له علاقة بذلك.
))
إجابتي عليه:
<<
. لم أحسن التعبير أو لم تحسن القراءة فالموضوع عندي هو عن جواز الكذب في حق الله تعالى لا عن صدق الرسول. وحاول يا سيدي أن تعطي ما نكتب فرصة ولو صغيرة فكلامنا لم يكن على هذا القدر من الغباء. باختصار:
ما معنى يكذب؟ يخبر خبرا مخالفا للواقع
كيف يكون الإخبار؟ وكيف يكون التأكد من الواقع؟ بالحواس
لماذا إذن نقول بكذب المخبر الذي ليست لنا به صلة مباشرة ولا نقول بكذب حواسنا؟ هذا الأمر ممكن دائما!!
أخبرني المخبر أن هذه التفاحة خضراء ثم قال لم تكن يوما خضراء. لعله
كاذب ولكن أليس هناك احتمال أن أكون قد سمعته خطأ في إحدى المرتين أو في كلتيهما؟
المهم أننا نستطيع دائما أن ننفي القبيح <(الكذب)> عن الله تعالى
ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ Active X فسنعرف أن حواسنا كذبت علينا عندما صدقت المعجزة وصدقت "الرسل" وأن فطرتنا كذبت علينا عندما اعتقدت أن الحياة لها معنى. وسنعرف أن الحياة لم تكن للتكليف وأنه لا اعتراض إذن على أن يفعل الله بنا ما يريد.
ويجب أن لا ينسى أن وقوع هذا الخلف المتصور في هذه الشبهة بين "الواقع" و "الخبر" من باب المستحيل العرضي إذا كانت مشيئة الله اقتضت التكليف .>>

رده:
((سريع وعاجل جدا جدا ...

هل هذا من الإسلام ؟


( ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ Active X فسنعرف أن حواسنا كذبت علينا عندما صدقت المعجزة وصدقت "الرسل" وأن فطرتنا كذبت علينا عندما اعتقدت أن الحياة لها معنى. وسنعرف أن الحياة لم تكن للتكليف وأنه لا اعتراض إذن على أن يفعل الله بنا ما يريد .)

إذن ما قيمة ما نقول؟؟؟ ))
ثم يقول:
((
وقد كان في أجوبتكم الأخيرة من الخروج عما تريدان إثباته من أشياء عجيبة، مثل تجويز الكذب على الله وعدم التكليف وبالتالي أن نكون قد عشنا كذبة كبيرة اسمها الدين والإسلام والحياة وأن الله لم يكلفنا بشيء (حاشاه سبحانه وتعالى). وهذا ما استغربتُه في تعقيبي السابق و هو خلاف الإسلام قطعا (قولا واحدا وبضرس قاطع).
))


الجواب:
لا نقول لا بالكذب ولا بالعبث
المشكلة في تعريفاتك أنت للكذب وللعبث
نوضح الأمر ثانية
الله له أن يفعل ما يشاء في خلقه وليس له في أفعاله غرض لأن الغرض ينافي الكمال للأسباب التالية:
. أنت تعلم يا أخي العزيز أن الغرض يختلف عن الحكمة. الحكمة تنسيق داخلي والغرض أمر خارجي هو في حقيقته طلب لشيء مفقود. والقول بالغرض بالنسبة لأفعال الله تعالى ينتج عنه مصائب في العقيدة. فهو ترسيخ للقبل والبعد (للزمن في حق الله تعالى) ويؤدي إلى القول بأن الله تعالى يريد أن يبلغ شيئا لم يكن بالغه ويؤدي إلى القول بسلسلة
غير منتهية من الأغراض (لأن الغرض مخلوق وخلقه كان لغرض )
وهذا يؤدي إلى القول بقدم الغرض وسلب الاختيار عن رب العالمين في خلقه لأي شيء ممكن!!

هناك احتمال أن يكون الله قد شاء حياة تكليف لبعض خلقه
وهناك احتمال أن يكون الله لم يشأ حياة التكليف

إذا كان الاحتمال الأول صحيحا فيكون الخلف يوم القيامة من قبيل
المستحيل العرضي لأنه يخالف مشيئة الله
إذا كان الاحتمال الثاني صحيحا فإن الخلف لا ينسب إلى كذب الله والعياذ بالله وإنما إلى كذب حواسنا وفطرتنا. وصدق الحواس والفطرة ليس أمرا مضمونا إذا لم يكن هناك تكليف.
وهذا الاحتمال لا ينسب العبث لله تعالى لأنه لا يسأل عما يفعل وليس لأفعاله غرض والأمر لا يختلف عن أي فعل لا غرض فيه.

ما هو الاحتمال الصحيح؟
نحن نؤمن أن الاحتمال الأول هو الصحيح.
(أذكر يا أخي أن تعبيري في صحة الاحتمال كان باستخدام "لو" التي هي حرف امتناع لامتناع: ولو حصل هذا الذي افترضه الأخ) نحن نؤمن أن الله تعالى قذف في قلوبنا نورا كشف فيه عن مشيئته لحياة التكليف.
هل عندنا برهان على ذلك؟
لماذا لا نعترف بالحق؟ ليس هناك برهان.
لا نستطيع البرهنة ولكننا نتعلق بإيماننا بهذا النور الإلهي. نتعلق بإيماننا بالحواس وبالفطرة.
(إقرأ "المنقذ من الضلال" لفخر الأشاعرة الإمام الغزالي قدس سره.... كتاب عظيم عن رحلة البحث عن الحق في حياة إنسان عظيم)
هل يملك المخالف أن يتعلق بالاحتمال الثاني؟ باحتمال حياة بدون تكليف؟
لا يستطيع ذلك. هو يعلم أن الاحتمال الأول قائم وأنه لا يمكن أن يوجد له برهان كامل لأنه يستطيع دائما أن يشكك بالحواس وبالفطرة. ولكنه لا يشكك في الحواس في غير هذه المسألة. إذن لماذا يكذب حواسه الآن؟ إذا تعلق بالاحتمال الثاني وثبت خلافه فهو المسؤول عن اختياره الغبي.


مرحبا بتعليقاتكم
واسلموا والسلام

بلال النجار
05-08-2003, 10:01
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ إسماعيل المحترم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وبعد فهذه كلمات أعلقها على ما جاء في موضوعك حول ما سميته أقوى شبهة في التحسين والتقبيح. على أني قد لا أتمكن من بحث كل ما أريده في هذه العجالة، لأني مشغول جداً الآن، وما أتمناه هو أن نتواصل في بحث المسائل التي تطرحها، بشكل منظم وعبارات واضحة، حتى يسهل علي وعليك الأخذ والرد، ونركز أذهاننا في المقصود بالذات من البحث. حتى إذا انتهينا من مسألة انتقلنا إلى أخرى، وإن شاء الله لن أمل من النظر فيما تكتبه حتى تملّ أنت.

ولقد وددت لو أنك رتبت الكلام ووضحته أكثر لنفهم خلفية الموضوع، وقضايا المتباحثين قبل أن تطلب آراءنا في ذلك. وعلى أي حال ما فهمته من جملة المكتوب أن هنالك شخصاً اسمه Active X، سأل سؤالاً أو افترض افتراضاً ما، وأنت لم توضحه تماماً، ولكن يبدو أن محور سؤاله هو: ماذا لو جاز في العقل أن الله تعالى يكذب علينا؟

وبحسب ما فهمت، وأرجو أن تصححني إذا أسأت الفهم، أنك تنفي تغرض الإله في أفعاله، وتنفي أن يكون الإله سبحانه قد كذب علينا فيما أخبرنا به، ولكنك في نفس الوقت تجيز الكذب عليه في العقل. وبناء على ذلك، وقعت في مشكلة تصوير وجوب صدقه تعالى وصدق الرسل، وأن ما أخبرت به الرسل فهو لا محالة واقع، مع تسليمك بإمكان الكذب عليه تعالى.
وانبنت ردود الصدر عليك، على أساس أنك تجيز عقلاً الكذب على الله تعالى. وكلامه من وجهة نظري في الغالب لا بأس به في الرد عليك، إذا كنت تجيز ذلك فعلاً.

والأمر الذي استغربته هو أن أحداً لم يتناول أن الكذب يقع في الأخبار، وهذا يبحث في مسائل الكلام، لا في مسائل أفعاله تعالى، والكلام صفة لله تعالى وليس فعلاً من أفعاله كما تعلم. ولا أدري كيف انتقل الكلام في مسألة الحسن والقبح إلى أنه هل يجوز الكذب على الله أو لا. فإن كلام الله سبحانه وتعالى عندنا هو صفته القديمة القائمة بذاته العلية، وذاته وصفاته العلية لا يقبح منها شيء بلا خلاف لما أنها كمالات لا يعتريها النقص، والكلام صفة تتعلق بكل ما تعلق به العلم من المتعلقات تعلق البيان عنها، وليس فعلاً من أفعاله ليقال بعد ذلك إنه هل يتصور فيه الحسن والقبح أو لا؟ وحتى إذا كان الخصم يقول بأن الكلام فعل لله وليس صفة، فلا نلتزم بذلك، لأنه لا يستطيع إلزامنا على مذهبه، بل على مذهبنا كما هو معلوم. وإذا أصر على ذلك فإننا ننقل البحث إلى صفة الكلام، ونقيم له البرهان على أن الكلام صفة الله تعالى، ونهدم أدلته على أنه فعل من أفعاله. فإذا التزم أن الكلام صفته القديمة فلا يمكنه أن يجيز أن يبين الله تعالى على خلاف الواقع، وهو المعني بالكذب. فإن الصدق ما طابقه الواقع. والله يبين كلامه الشريف على وفق علمه القديم الذي لا يتصور فيه التناقض ولا مخالفة الواقع، ولا يتصور في العقل أن يكون بيانه على خلاف الواقع، وإلا لانقلب علمه جهلاً، لأنه سبحانه مخبر على وفق علمه القديم. وهذا القدر واضح.
أما الظلم، فسواء أكان وضع الشيء في غير موضعه أو التصرف في ملك الغير أو مجاوزة حدود الشارع بحسب ما فسرت به بعض الآيات، فكل ذلك لا يصح نسبته إلى الله تعالى الخالق لكل شيء، والمالك لكل شيء، والمدبر والمتصرف في كل شيء تصرفاً تاماً مطلقاً دون قيد أو شرط. فكيف يتصور في حقه الظلم. وأما العبث فعرفوه بما يخلو عن الفائدة، أو الذي ليس فيه غرض شرعي، أو أنه فعل كل لعب لا لذة فيه، والسفه الذي هو أقبح من العبث إذ هو فعل ما لا فائدة فيه ولا يخلو عن مضرة، فكل ذلك كيف يصح أن يتصور في حق الإله. فهو سبحانه لا يجوز عليه التغرض في أفعاله، لأن كل فعل عندنا فإنه لا يقع إلا إذا تعلقت إرادة الله تعالى وقدرته به، فلو جاز أن تتعلق إرادة الله تعالى بغرض لكان ذات الباري تعالى ناقصاً، يستكملها بالأغراض، وذلك على الله محال، كيف وهو الغني عن كل ما سواه. فإذا حاول إلزامك بأنه إذا لم يكن هنالك غرض وراء أفعاله تعالى كان فعله عبثاً، لأن العبث فعل ما لا غرض ولا فائدة فيه، فقل له بأن تعلق الإرادة بالمراد لذات الإرادة لا لغرض، وإرادة الله تعالى منزهة عن الأغراض، وهي تتعلق بإيجاد الأشياء وإعدامها في الوقت المخصوص على الهيئة المخصوصة لذاتها لغيرها. وقل له إذا كنت تلزمني بالعبث إذا قلت إن الله تعالى لا غرض له في أفعاله، فهذا الإلزام لا يلزمني، لأني أحكم على فعل الله بأنه لا لغرض فيه، وأنت تسمي ذلك عبثاً. بمعنى آخر إذا كان أ هو ب، وب هو ج، ثم قلت أنا إن أ هو ب، فلا يجوز أن تحتج لبيان فساد قولي بقولك إن (أ هي ج)، لأن هذا عين المدعى. وقد أشرت في كلامك على أنهم خالفوك في تعريف الكذب والعبث والظلم، فقل لهم إذا كنتم تقصدون بهذه الأشياء كذا وكذا فجوابي عنها هو ما ذكرت لكم، وإن كنتم تقصدون به غير ذلك فبينوه لكي نستطيع الحكم عليه بالإثبات والنفي. فأنت تحكم على الأشياء بناء على تصورك أنت لها، لا بناء على تصوره هو لها، فإذا أراد منك حكماً استناداً إلى تصوره هو فلبين لك ما يريد ليتسنى لك الحكم عليه.
أما سؤاله كيف تجيب المشرك... إلخ، فمبني على تجويز الكذب على الله تعالى، والكذب على الله تعالى لا نجيزه نحن، لأنه على الله تعالى محال، فبطل السؤال.
وأما جوابك عليه بقولك: (إن هذه الشبهة هي خلاصة أدلة التحسين والتقبيح العقليين وهي أصعب ما يعكر على القول الأشعري....)
فهذا غير صحيح والمسألة عندنا أوضح بكثير، وأقوى بكثير مما تظن، وأتمنى أن أناقش صاحبك الصدر فيها، فإن القائل بالحسن والقبح العقليين بمعنى ترتب المدح أو الذم حالاً والثواب أو العقاب مآلاً وأن ذلك معلوم بالعقل فقوله متهافت جداً. وقد بحثت الموضوع باختصار حين رددت في ذلك على رجل متشيع في كتاب (التصريح) المنشور في موقع الرازي:
www.al-razi.net
فارجع إليه إن أردت، وإذا بقي لك استفسار فأرجو أن تكتب لي. واعلم أن هذه الشبهة لا ترد على الأشعرية أبداً. ولا يجدر بك أبداً أن تتصدى للكلام مع المخالفين من حيث إنك تمثل رأي الأشعرية قبل أن تفهم حقيقة كلامهم. وأرجو أن تتنبه لذلك في المستقبل.

قولك له: (وأعترف أن هذه النقطة بالذات كانت أكبر شبهة في تفكيري تقف دون تصديقي الكامل برفض التحسين والتقبيح العقلييين ولم أجد جوابا ترتاح نفسي...)
أقول لو سألت من يعرف في علم الكلام لارتاحت نفسك، ولضحكت كثيراً على بساطة المسألة صدقني.

أما مثال المبرمج والبرمجة والمبرمجات... فإنك لم تكن بحاجة إليه أبداً، لأنك يجب عليك أن تعرف أن الكذب مستحيل على الله لا جائز عليه سبحانه، فلم تكن بحاجة لتصويره له، ولا الاحتجاج على إمكانه مع جواز بقاء التكليف.
أما قولك (أنبه يا أخي إلى حقيقة أن إلزامنا بحياة التكليف لا تكون فقط بناء على مبادئ عقلية لا يتصور في العقل خلافها مثل استحالة الجمع بين النقيضين ومبادئ الرياضيات وأن الجزء أصغر من الكل، هناك ضرورة للاعتماد على اعتقادات مزروعة في فطرة المكلف وهذه الاعتقادات يتصور في العقل خلافها)
فهذا كلام في غاية الفساد، ولا يجوز أبداً أن يصدر عمن ينتسب لأهل السنة، ولا تغضب مني إن قسوت قليلاً، ولكن يبدو لي أنك تفتقر إلى مقدمات في هذا الفن، وأنك تعتمد على تفكيرك الخاص قبل الاطلاع على أقوال أهل السنة. وعلى أي حال، أريدك أن تضعها حلقة في أذنك أن الدين يستحيل أن يتعارض مع العقل، لأن الشرع ثبت بالعقل، فلا يمكن أن يناقضه، لأنه لو حصل ذلك تنزلاً فإن الشرع يكون عندها باطلاً. ثم بربك قل لي ما الذي جعلنا نحكم على فساد عقائد المسيحية، واليهودية، والمادية وغيرهم إلا لأنها متناقضة مع العقل، ولو أنها كانت من عند الله سبحانه كما نزلت على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لاستحال تناقضها. ألم تقرأ قول الله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً). واعلم أن كل اعتقاد نعتقده فإن له مستنداً من الشرع، وأنه يمكن إقامة الدليل العقلي عليه، وإلا لماذا أفنى المتكلمون مقلهم في الاستدلال على عقائدنا. والإيمان يستند إلى الدليل لا إلى الفطرة.
أما قولك: (وقد اهتديت في تفكيري حتى الآن إلى ثلاثة اعتقادات فطرية لازمة للمكلف هي: الإيمان بالحواس، الشعور بالزمن (ملاحظة السببية الزمنية)، الاعتقاد بوجود معنى للحياة (وجلب المصلحة سيؤدي إلى تحسين البحث عن هذا المعنى)
أتمنى أن تكتب لي بالضبط ما تعنيه وتقرره بشكل واضح، وتضعه في منتدى المنطق، وسأناقشك فيه بتوسع، فقد كونت فكرة عما تريد، ولكني أريد أن أتبينه بالضبط. وأتمنى عليك أن تقرأ في شرح العقايد النسفية المنشور في موقع الرازي الذي ذكرته سابقاً، عند قول النسفي: (حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق خلافاً للسفسطائية، وأسباب العلم للخلق ثلاثة: الخبر الصادق وهو خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، والحواس السليمة والعقل) لتأخذ فكرة عامة عن نظرية المعرفة عند أهل السنة.
أما كلامك بعده بأننا إذا آمنا وصدقنا الرسول ثم اكتشفنا أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك.... فأقول هذه مصيبة، كارثة، وليست الكارثة في أن ذلك ممكن أن يحصل، لأنه يستحيل أن تكون الأمور في يوم القيامة على خلاف ما أخبر به الله تعالى ورسوله، ولكن الكارثة يا أخي إسماعيل أن نعتقد بذلك، فإن هذا لا يسمى إيماناً يا صاحبي. وأنا أستغرب اطلاعك على عقيدة الإمام السنوسي وقولك هذا الكلام، فإن عقيدته المسماة بأم البراهين هي ما نظم تفكيري وأبان لي طريق الإيمان.
وأما جواب السيد الصدر فهو أيضاً مبني على تجويز الكذب على الله، وقد أجبنا عن ذلك.

قولك: (ويجب أن لا ينسى أن وقوع هذا الخلف المتصور في هذه الشبهة بين "الواقع" و "الخبر" من باب المستحيل العرضي إذا كانت مشيئة الله اقتضت التكليف(
هذه أرجو أن تراجعها وتقررها لي بشكل أفضل، كي أجيبك عنها، ففيها خبط. لأنه أولاً يستحيل أن يقع الخلف بين الواقع وخبر الله تعالى. وثانياً: أين الاستلزام بين كون مشيئة الله تعالى اقتضت التكليف وبين وقوع الخلف بين الخبر والواقع؟

أما بالنسبة لباقي كلامك فهو محير فعلاً حيث أضربت عن بعض ما أثبته في أول كلامك، وأنا في ضيق حقيقي من الوقت الآن، وكما قلت لك كنت أود لو أنك رتبت موضوعك أكثر؛ ومهما يكن من أمر، فها قد فتحنا باب الحوار، ولعلنا نتوصل في نقاشنا إلى الفائدة المرجوة منه إن شاء الله تعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إسماعيل حمودة
06-08-2003, 03:56
الأخ الكريم بلال النجار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أشكرك على ردك الكريم الذي تظهر فيه غيرة على الدين وثقة بالنفس واعتداد بما تلقاه المتأخرون عن المتقدمين. ولن أرد الآن على كثير من ملاحظاتك التي أوردتها في عجالتك لأنني سأحاول هنا وضع الشبهة بشكل واضح وبسيط وأنا أعتقد أن التفاعل مع الشبهة سيدعوك لقراءة ما كتبت آنفا في ضوء آخر تماما. (بالمناسبة: فقط ما كتب بالأحمر في المشاركة السابقة هو من كلام الخصم!! الأزرق كلامي)
أما إذا أثبت أنت أن الشبهة محلولة بالرجوع إلى صفة "الكلام" أو بأية وسيلة مقنعة أخرى فأنا سأسمح لك أن تكون قاسيا معي كما يحلو لك ولن يكون لك مني إلا كل الامتنان والعرفان والتقدير العظيم!!
سأصوغ الشبهة في حوار بين معتزلي وأشعري:

المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
الأشعري: نعم... الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال وجوبا عقليا... قدرة الله تعالى تتعلق بكل الممكنات.... ولكن إرادة الله تعالى هي التي تخصص بعض هذه الممكنات فتصير واجبة الحدوث. ووجوبها ليس عقليا وإنما هو وجوب عرضي.
المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة.
الأشعري: الأمران جائزان عقلا ولكنهما مستحيلان عرضا لأن مشيئة الله تعالى تعلقت بأن تكون هذه الدنيا حياة تكليف وأن تكون الجنة للمؤمن والنار للكافر.
المعتزلي: وكيف عرفت أنت المخلوق المهين ما هي مشيئة الله تعالى؟
الأشعري: لقد أخبرنا نحن المكلفين بذلك بما لا يدع مكانا للشك. وخبره صدق يستحيل أن يكون كذبا لأن الخبر من الكلام وكلام الله النفسي صفة قديمة قائمة بذاته....
المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
الأشعري: أتانا رجل يزعم أنه رسول من الله عز وجل وقال لنا قولا سمعناه بآذاننا. وتحدانا بالمعجزات تدليلا على عصمته وصدقه.
المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال... وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى...
الأشعري: ماذا تعني؟
المعتزلي: هل من الجائزعقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
الأشعري: طبعا هذا ممكن
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
الأشعري: طبعا هذا ممكن
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
الأشعري: هذا ممكن عقلا.
المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
الأشعري: نعم...هذه الأفعال كلها ممكنة عقلا... أنا لا أستطيع أن أمنع أيا منها بناء على تقبيح عقلي.
المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف ؟؟؟؟


الأخ بلال والإخوة جميعا مدعوون لحل هذه الشبهة

واسلموا جميعا والسلام

بلال النجار
06-08-2003, 12:44
الأخ إسماعيل المحترم،
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

قولك: (ردك الذي تظهر فيه ... اعتداد بما تلقاه المتأخرون عن المتقدمين).
أقول: فقط أريد أن أنبه على أن هذا الاعتاد لم يأت هكذا من فراغ، ولا من انبهار بأسماء كبيرة، ولا عن تقليد وتسليم دون تمحيص في المسائل والدلائل، ولقد والله تقلبت على نيران الشك مدة لا أستقيم على حال، تراني أورد على نفسي الشبهات وأظل أتأملها، وأعود لأقرأ ما كتب العلماء، ثم أفكر وأفكر حتى أني كنت أحلم في مسائل علم الكلام، وأضع رأسي على وسادتي، والكلام في رأسي بركان لا يهدأ، والمسائل تتردد وأحلها فتظهر غيرها، حتى استقرت نفسي على ما هي عليه الآن، على المذهب الأشعري، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وجزى الله عني وعمن أفاد مني شيخي الفاضل العلامة سعيد فودة، نضر الله وجهه، وغفر له ولوالديه آمين، وأفاض بالخير حيث حل وارتحل.
أما عن الحوار الذي أوردته، فاسمح لي أن أضع نفسي مكان هذا الأشعري الذي يجيب على المعتزلي، بمعنى أني أورد أسئلة المعتزلي، وأجيب أنا عنها، والله تعالى الموفق للسداد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقبل ذلك أود أن أوضح أن القسوة التي اعتذرتها منك سببها فهمي من كلامك أنك كنت تناظر الخصم بوصفك أشعرياً، وإلا فيمكن لكائن من كان أن يقول ما يريد مستقلاً بنفسه.

المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
الأشعري: نعم. لا يجب عليه عقلاً فعل شيء. لأن الفعل بمعنى المفعول من حيث هو كذلك جائز في العقل أن يُفعل، لأنه لا معنى لكونه ممكناً إلا ذلك. وكل ما كان كذلك، كان إيجاده من الله تعالى إما مستحيل أو واجب أو جائز. ليس الأول بالاتفاق. والثاني لا يثبت إلا بنفي الاختيار عنه سبحانه، وهذا باطل عندنا. وهو قولكم في بعض الأفعال دون بعض فما المخصص؟ لأنا نفهم من الممكنات استواء تعلق الإرادة والقدرة بها، فلا بد من مخصص ليصدق مدعاكم. فنسألكم: هذا المخصص إما من ذاته تعالى أو غير ذاته؟ والثاني باطل بالاتفاق لأن الحادث لا يخصص القديم. والأول مثله باطل لأن المخصص هو صفات التأثير وهي لا تتعلق بالواجب بل بالممكن. فيبقى الثالث وهو عين المدعى.
(وفي الحقيقة عندي الكثير من الأدلة على انتفاء وجوب فعل الممكنات على الله تعالى، والكلام فيها يطول، وأود كما قلت لك لو تقرأ ما كتبته في ذلك في كتاب التصريح الذي أخبرتك عنه. ثم إني أريد أن أتعرف على أقوالك أكثر، لأني لا أريد أن أستطرد في إثبات أمر قد يكون ثبوته مسلماً عندك، أو إبطال أمر يكون بطلانه كذلك).

المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة
الأشعري: أنا أقول إن ذلك جائز على الله تعالى عقلاً، على معنى أنه يدخل من شاء الجنة فضلاً منه، ويدخل من شاء النار عدلاً. لأن إدخال بعض الناس الجنة وبعضهم النار أو كلهم الجنة أو كلهم النار، كل ذلك من الأفعال الممكنة في العقل، بمعنى أنه يتصور في العقل وجودها وعدمها، وحدوث أي منها لا يقع بالاستقلال أي لذاتها، لأن ذلك ترجح بلا مرجح، وهو في العقل محال. بل لا بد لكل فعل يقع في الوجود من مرجح لا من ذاته بل من غيره، والمرجح في ذلك هو عين إرادة الله جل وعلا. ولأن هذه الأمور لما ثبت إمكانها استحال أن يجب على الله تعالى فعلها، لأنه لا يجب عليه شيء، بل يجوز عليه سبحانه فعل كل ممكن أو تركه. هذا هو المعني بكون ذلك جائزاً في العقل. ولكنا نقطع بأن من آمن وائتمر وانتهى مستسلماً لله أدخله الله الجنة، لأنه أخبر بذلك وخبره الصدق، ووعد بذلك ووعده الحق. ومثله في الكافر ومن خلط عملاً صالحاً وآخر خبيثاً كل حسابه عند الله، وله من الجزاء ما يستحق، كما أخبر بذلك ربنا عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. فوجب أن تقع هذه الأمور على وفق ما أخبر لا لذاتها بل لغيرها، وغيرها هذا هو قدرته تعالى على إنجاز وعده على وفق ما أراد وكما أخبر وهو العليم الخبير.
المعتزلي: وكيف عرفت أنت المخلوق المهين ما هي مشيئة الله تعالى؟
الأشعري: عرفت مشيئة الله تعالى فيما ذكرته، من طريق الخبر المتواتر عن الرسول المؤيد بالمعجزة. وهذا سبب كاف للعلم عندي.
المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
الأشعري: الجواب على هذا السؤال هو عين الجواب على السابق. إلا أن لي بعض التدقيقات. فإن ما علمته وهو الذي ذكرته لك علمته بعقلي من طريق الحس لا بالحس نفسه. وفرق كبير بين الأمرين كما لا يخفى. أما متى أخبرني الله بمشيئته فهو لم يخبرني مباشرة بل من طريق الخبر المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أذكر بالضبط متى حصل عندي القطع بذلك إلا أن انضمام الخبر إلى الخبر بلّغني إلى ما أنا عليه الآن من اليقين بما قلته لك. وأما كيف فكما ذكرناه.

المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال... وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى...
الأشعري: الكلام النفسي قائم بذات الله تعالى وهو صفته القديمة، وقد أوحى ربنا جل وعز إلى الرسول قرآناً عربياً غير ذي عوج يعبر عن بعض متعلقات كلامه النفسي الأشرف الأعلى. ومما جاء في الكتاب ما ذكرناه لك بالمعنى. قولك: (هذه أفعال)؟ أي شيء هو الفعل؟ إن كان إرسال الرسول الكريم ومن قبل ذلك خلقه و إنزال القرآن عليه، وتكليفنا بالشرع وحسابنا وإثابتنا ومعاقبتنا، فمسلم. وإن كان القرآن الكريم، فإن كنت تعني هذه الحروف والأصوات والصحف والرسوم فمسلم، وإن كنت تعني كلام الله تعالى الذي هو صفته، فغير مسلم. بل نقول هو صفته على ما هو مقرر ومدلل عليه عندنا. قولك (وهي ممكنة وليست واجبة على الله تعالى) نعم هي كذلك، وأين الإشكال فيه. بينه لنا لكي نجيبكم.
المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
الأشعري: نعم هذا جائز في العقل.

المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
الأشعري: أما أولاً: فهنالك فرق بين أن يبدو ما يظهر على يديه خارقاً، وبين كونه خارقاً في نفس الأمر. لأن ما قد يبدو لخليل بائع الخضار مع احترامنا الشديد لشخصه، غير ما قد يبدو لأرباب العقول. والسبب في ذلك أن الوهم يلابس العقل في مأخذه، والباطل يشاكل الحق في مباحثه. وأما ثانياً: فإن مثل هذه الأمور الخوارق إذا نظر إلى ذاتها من حيث هي، فإنها في نفسها أمور ممكنة لذاتها، فيجوز على الله فعلها. وأما إذا نظر إليها من حيث هي معجزة لنبي كريم أظهرها الله تعالى على يديه بحيث تتنزل منزلة قوله تعالى صدق عبدي فيما يبلغ عني، فيمتنع عند ذلك عقلاً أن تظهر على يد غير الأنبياء. ولا نسلم إمكان ظهور الخوارق مقرونة بدعوى الرسالة والتحدي على غير أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وإن بدا للبعض أن ذلك وقع، فإننا نقدح في خرقه للعادة، أو نقدح إن ثبت كونها خرقاً للعادة في دعواه التبليغ عن الله عز وجل. والتباس الأمر عندك هو في جهة النظر إلى ذلك الأمر الخارق، فأنت تنظر إليه من حيث هو أمر ممكن مطلقاً دون قيد أو شرط، ولكن المعجزة أخص من ذلك، فتنبه.

المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
الأشعري: الكلام على المعجزة ينطبق إلى حد كبير على هذا المثال. ولكن دعنا نناقش الأمر، الله تعالى خلق الحواس الخمس (أعني السليمة) للإنسان شرطاً لتعقله، وقيد السلامة واضح. فإذا أجمع الناس أن ما سمعوه من فمه الشريف هو (أ) فإن ما سمعوه هو (أ). لا يقال قال (ب) ولكنهم سمعوا (أ)، لأنا نقول: السؤال عما سمعوه لا عما قاله، ولأن الأصل أن ما اجتمعوا على أنهم سمعوه فهو عين ما قاله، وادعاء خلافه مع جوازه في العقل خلاف الظاهر والعادة والمتواتر من سيرة العقلاء، لا عن دليل. ولا ينكر إفادة الحواس للعلم بأن ما أحسته فقد أحسته على الوجه الذي من شأن الحاسة أن تفيده للحساس إلا سفسطائي. وعقلاء المعتزلة أشرف من أن ننعتهم بالسفسطة.
ولو سلم جدلاً كون ما سمعه الناس من الرسول الأعظم هو غير ما قاله، ولا يسلم. فالتكليف منوط بما سمع لا بما قيل. ولا يخفى ما في القول بأن التكليف مغاير لما قاله الرسول من التناقض. والمجوز لذلك يلزمه الكثير من اللوازم الباطلة والاحتمالات البعيدة. ولنتأمل الأمر أكثر، هل يقول هذا القائل بأن كل ما سمعه الناس هو خلاف ما قاله الرسول أم أن بعضه موافق وبعضه مخالف. الأول باطل لأنه قال أنا النبي لا كذب والمدعى أنه صادق، وسامع خلاف ذلك، مخالف فيه، والمخالف فيه كافر، فلم يجلس إليه ويأخذ عنه وهو ليس نبياً. وإن كان في البعض دون البعض، فما الضابط لذلك؟ إما أن يكون لسان النبي، أو أذن السامع؟ لا جائز أن يكون الأول لأن المدعى أن كلام الرسول كلامه وإنما المشكلة في سمعنا. وعلى الثاني أنك تجوز أن تعمل أذنك بشكل منضبط وصحيح حيناً، وأن لا تعمل بشكل صحيح حيناً آخر، وهذا هو عين القول بعدم سلامتها، وعدم الاحتجاج بها طريقاً للمعرفة، لأن طرق المعرفة لا بد وأن تكون منضبطة دائماً. ثم لو وقع ما تقول لاستحال أن لا يلاحظ الناس ذلك، ولو لاحظ الناس عدم انضباط السمع دليلاً على أن ما سمعناه فقد سمعناه، لما جعلوه من أسباب العلم.
ثم إن الرسول أخبر بأن خالق العالم تعالى قديم، فلو جاز أن يكون الناس قد سمعوا خلاف ذلك، فهم قد سمعوا أن الله حادث، لأنه لا ثالث بين الحدوث والقدم، وهذا باطل بالعقل، فلو سمع الناس خلاف ما يقول الرسول في أصول الدين خاصة، للزم إفحام الأنبياء وتناقضهم، لأن كثيراً من العقائد ثابتة بالبرهان. فلما لم نر برهانا قام على خلاف ما ادعاه النبي علمنا صدقه، في أصول الدين، وما توصلنا إليه بالدلائل العقلية هو عين ما نقرأه في القرآن ونقلته الأخبار المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم، فثبت أنه لو كان أخبر خلاف ما أثبتاه بالبرهان، فإن كلامه يجب أن يكون كاذباً لمخالفته البرهان، وعليه فلا يكون صادقاً كما هو المدعى. هذا خلف. فيكون ما سمعناه هو عين ما قاله، وهو عين ما قام عليه البرهان.
وههنا وجه آخر، إن كثيراً ممن سمعوا استفهموا، فإذا استفهم واحد من السامعين من الرسول عن أمر معين، فهل تقول إن الرسول يسمع كلامه كما قاله أم لا كما قاله؟ إذا كان الثاني فقد أثبت عطباً واضطراباً في سمعه الشريف، المستلزم لجوابه على الناس على خلاف ما سألوا المستلزم لظهور بلهه وعدم فطنته بما يكفي لينفر منه الناس ويكذبوه، وبما هو خلاف المتواتر من ذكائه وحدة ذهنه وحسن بيانه. وإذا كان الأول فإذا استفهم مشرك عن أن الله هل هو واحد أم متعدد؟ فماذا عساه أن يسمع إذا أجابه الرسول بأن الله تعالى واحد لا شريك له؟ فبان أنه لا يستقيم تبليغ للرسالة ولا صدق رسول مع القول بما قلت.
ثم هل تقول بأن الناس كلهم إذا قال النبي (أ) فإنهم سيسمعون نفس (ب) أم أن كل واحد منهم يسمع على خلاف الآخر، أم أن بعضهم يسمع (أ) وبعضهم يسمع (ب) وآخرون (ج)... وهكذا. ألا ترى أن هذه الأقوال جميعها في غاية الركاكة، لأنه يلزم منها تناقضات كثيرة. ولو جاز ما قلت والله ما أجمع المسلون على مسألة. ولظهر في الدين تناقضات واختلافات لا حصر لها، لأنها لن تكون عين ما أنزل الله تعالى. فتأمل أكثر في مثالك. وما زال هنالك الكثير من الكلام ليقال في هذا الباب.

المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
الأشعري: أجبنا عن هذا السؤال بما فيه الكفاية.

المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف؟؟؟؟
الأشعري: نحن منعنا ما جوزته فلا يلزمنا ما تقول، وأما نسبة الظلم والعبث والكذب عليه فقد أجبناك عنها في رسالتنا السابقة. كما أجبنا عن استحالة أننا نعيش كذبة اسمها الدين. لأن الدين موجود فعلاً، ومعتنقه ومتأمله بإنصاف يرى فيه غاية الحسن والكمال، ويقتنع به عقله، ويطمئن له قلبه، وترتاح وتكمل به نفسه. والعالم به يحيل كونه موضوعاً من عند غير الله تعالى لأنه لا يعتريه الخلل ولا التنافر والتناقض، ويراه مساوقاً لطبيعته وحقيقته الإنسية، سائقاً لهو نحو الخير بالذات في الدنيا والآخرة. وهذه الأوصاف لا يمكن أن تتحقق فيما سميته كذبة.
والحمد لله رب العالمين.

(ملحوظة: الأخ إسماعيل، أنا مسافر لبضعة أيام، قد أعود الإثنين أو الثلاثاء المقبل، فإذا أردت أن ترد على كلامي، وأردت مني جواباً، فإنه يصعب أن يأتيك جوابي قبل يوم الأربعاء القادم، ولعل بعض الإخوة والمشايخ في المنتدى يواصلون الحوار في هذه المسألة وغيرها من المسائل. والسلام عليكم ورحمة الله).

إسماعيل حمودة
12-08-2003, 11:13
بسم الله الرحمن الرحيم
إخواني الكرام
الأخ الكريم بلال النجار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخي بلال..
أشكرك على ما كتبت. وما كتبته لا يكتبه إلا رجل مسلم غيور على اطلاع أنعم الله عليه بالرغبة في التأمل والتفكر.
ولكن اسمح لي أن أبدأ بتقرير ما لاحظته في رديك السابقين.
أخي الكريم... كنت سأسمح لك بأن تكون قاسيا معي كما يحلو لك لو كانت بضاعتي التي تمنيت أن أجدها في هذا الملتقى عندك. ولكني أستطيع أن أقول اليوم: "لعلها ستكون عند بلال الغد... ولكنها بيقين ليست عند بلال اليوم"
لماذا؟
لأني لاحظت التالي:1- استخففت بمسألة هي من أدق المسائل الفكرية واعتقدت أنها من السهل الواضح. قلت " وأما جوابك عليه بقولك: (إن هذه الشبهة هي خلاصة أدلة التحسين والتقبيح العقليين وهي أصعب ما يعكر على القول الأشعري....)
فهذا غير صحيح والمسألة عندنا أوضح بكثير، وأقوى بكثير مما تظن، وأتمنى أن أناقش صاحبك الصدر فيها،"
2- اعتقدت أن المسألة يجاب عليها في باب الصفات (صفة الكلام النفسي) لا في باب الأفعال ثم رأيت نفسك في جوابك الأخير لا تلتفت إلى الصفات أبدا وقد أيقنت أنها لا تفيد في رد الشبهة.
3- الخلط البين بين المطلوب برهنته وبين مقدمات البرهان فهناك في كلامك ما لا يخفى عليك من دور ومصادرة على المطلوب. المطلوب البرهنة على أن الله تعالى شاء لنا حياة التكليف والبرهنة عندك تعتمد على صدق الحواس وصدق دلالات الخوارق وعصمة الأنبياء التي لا يسلم بها إلا بناء على أننا نعرف أن الله شاء لنا حياة التكليف!!!!
4- الهروب من ضبط المسألة بشكل أكاديمي دقيق وتقطيعها إلى مسائل مختلفة غير مترابطة يجاب عليها بإجابات كلاسيكية (مفيدة) لا تنطبق على المثال المطروق. لعلك كتبت ما كتبت لإفادة القارئ وتجنيبه "الفتنة". أنا لا أرى هذا الأسلوب علميا. تستطيع أن تكتب بوضوح استدراكا على الموضوع تقول فيه مثلا: "استكمالا للفائدة نوضح للقراء حجية المعجزة وعصمة الأنبياء إذا سلمنا بحياة التكليف"
5- يجب على طالب الحق التفاعل الصادق مع المسألة المطروحة وصياغتها بأقوى شكل يراه الخصم. بل لعلك يجب عليك أن تتفنن في إيجاد حجج لخصمك لم يحلم بها بعد. وصياغتي أنا هي الصياغة القوية للإشكال. وتقطيعك أنت لهذه الصياغة تهرب من إلزاماتها. وتسرعك في الإجابة يدعوني للاعتقاد بأنك لم تتفاعل بعد مع هذه المسائل التفاعل المؤرق ولهذا تسيء فهم المحاور أحيانا وتتعجل بالحكم عليه "من فوق"!!
6- الإعجاب بالقدماء والتبرك بحفظ متونهم وشروحها قد يفيد. بل هو لا بد مفيد جدا من ناحية البركة ومن الناحية السيكولوجية التي تشعر المرء بأنه ينتمي لمدرسة فكرية متميزة ممتدة في التاريخ والجغرافيا. وهي مفيدة أيضا من الناحية العلمية إذا كان التعامل معها تعاملا نقديا على أساس أنهم رجال وأننا رجال. ولكن اعلم يا أخي أن المتيسر لنا أكثر بكثير من المتيسر لهم. وأننا يمكننا أن نفهم بعض مسائلهم أفضل مما فهموه هم بكثير وأن نصححهم في كثير. وأن ننصر أفكار هذا على ذاك منهم. أنا قليل الاطلاع على المتون وقد حاول أحد الشيوخ في الماضي أن يحفظنا متن السلم في المنطق وأنا متأكد أن معظم طلاب الرياضيات والكمبيوتر أكثر فهما للمنطق من هذا الشيخ (إذا تجاوزنا مسألة المصطلحات). وحضرت يوما درسا في النسفية وكان في كلام صاحب المتن أو الشارح التفتازاني (لست متأكدا) برهنة على بعض المقولات باستخدام برهان الطوفان والتطبيق. إنه كلام من لا يعرف معنى الـ "ما لا نهاية" في الرياضيات فيجمعها ويطرحها من طرفي المعادلة كما يحلو له. وأما السنوسية الكبرى فأذكر أن صاحبها لم يكن طويل الباع في البصريات عندما كان يناقش مسألة الرؤية. ولعلك إذا ركزت في كلام معظم علماء الكلام عند الأشاعرة والماتريدية وكل علماء الكلام عند المعتزلة والزيدية والإثناعشرية في مسائل القدم والبقاء لوجدتهم يتكلمون عن زمان مطلق، الأحداث مرتبة فيه بشكل مطلق بالنسبة للجميع (وحتى بالنسبة لرب العالمين). هم وإن أكدوا أن الله خالق الزمن فهم في مسائلهم يجرون الزمن على رب العالمين بشكل أو بآخر. هؤلاء لم يسمعوا في حياتهم قط بـ "النظرية النسبية" وانتفاء الزمن المطلق. لم يسمعوا قط بأن نظرية الكم الحديثة تشكك بالسببية بالشكل الذي نعهده. أما أنا وأنت فيجدر بنا الانطلاق في دنيا العلم بكل إنصاف وتجرد وموضوعية مبتعدين عن الحماس الأعمى لطائفة معينة ولهوية ذاتية ومبتعدين عن رفع سيف التكفير والتضليل لكل من خالف ما اعتدنا عليه. أنا لا يهمني إذا قال لي فلان أو علان: لست أشعريا ولا حق لك بالتكلم بالنيابة عنهم. شخصيتي الفكرية يجب أن تكون مستقلة لا يعرّفها إلا ما صارت إليه في رحلة البحث عن الحق. وليس المطلوب أن أمسخها لأحوز على هوية "أشعري". ورحم الله الإمام الفخر الرازي كان كثيرا ما يقول: "قالت الأشاعرة كذا وعندي كذا". وسواء رضي الرازي بكونه أشعريا أم لم يرض فمنظومته الفكرية المستقلة تنتمي إلى المدرسة الأشعرية.
(مرة ثانية يا أخ بلال أستميحك العذر لما كتبت من ملاحظات ... أنا إنسان أكاديمي أشجع على التفكير الأكاديمي الحر وأعتقد أن عندي من حكمة كهولة ما فوق ال 35 ما ليس عند بعض الشباب المتحمس. ولهذا سمحت لنفسي بإطلاق هذه الرسالة للقراء جميعا وإن بدا أن فوهة المدفع موجهة إليك. ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه وعرف قدر الرجال.)
أرجو أن لا تفهم يا أخي أني قد تحسست لأية عبارة صدرت منك. وأنا سعيد بتفاعلك الجاد المخلص وأرحب بكل تعليقاتك. في المشاركة التالية سأورد بعض المواضع التي انتقدتها في جوابك للمعتزلي وفي المشاركة التي تليها سأورد ما كنت سأجيب أنا به على المعتزلي.

غفر الله لنا جميعا وجعل عملنا خالصا لوجهه

واسلم لأخيك والسلام

إسماعيل حمودة
12-08-2003, 12:07
المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
الأشعري: نعم. لا يجب عليه عقلاً فعل شيء. (لأن الفعل بمعنى المفعول من حيث هو كذلك جائز في العقل أن يُفعل، لأنه لا معنى لكونه ممكناً إلا ذلك. وكل ما كان كذلك، كان إيجاده من الله تعالى إما مستحيل أو واجب أو جائز. ليس الأول بالاتفاق. والثاني لا يثبت إلا بنفي الاختيار عنه سبحانه، وهذا باطل عندنا. وهو قولكم في بعض الأفعال دون بعض فما المخصص؟ لأنا نفهم من الممكنات استواء تعلق الإرادة والقدرة بها، فلا بد من مخصص ليصدق مدعاكم. فنسألكم: هذا المخصص إما من ذاته تعالى أو غير ذاته؟ والثاني باطل بالاتفاق لأن الحادث لا يخصص القديم. والأول مثله باطل لأن المخصص هو صفات التأثير وهي لا تتعلق بالواجب بل بالممكن. فيبقى الثالث وهو عين المدعى. )((كلام منطقي مفيد جدا))
المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة

الأشعري: أنا أقول إن ذلك جائز على الله تعالى عقلاً، ]((هذا الجواب يكفيني))[/COLOR] (على معنى أنه يدخل من شاء الجنة فضلاً منه، ويدخل من شاء النار عدلاً. لأن إدخال بعض الناس الجنة وبعضهم النار أو كلهم الجنة أو كلهم النار، كل ذلك من الأفعال الممكنة في العقل، بمعنى أنه يتصور في العقل وجودها وعدمها، وحدوث أي منها لا يقع بالاستقلال أي لذاتها، لأن ذلك ترجح بلا مرجح، وهو في العقل محال. بل لا بد لكل فعل يقع في الوجود من مرجح لا من ذاته بل من غيره، والمرجح في ذلك هو عين إرادة الله جل وعلا. ولأن هذه الأمور لما ثبت إمكانها استحال أن يجب على الله تعالى فعلها، لأنه لا يجب عليه شيء، بل يجوز عليه سبحانه فعل كل ممكن أو تركه. هذا هو المعني بكون ذلك جائزاً في العقل) . ولكنا نقطع بأن من آمن وائتمر وانتهى مستسلماً لله أدخله الله الجنة، لأنه أخبر بذلك وخبره الصدق، ووعد بذلك ووعده الحق ((كيف عرفت هذا؟؟ أهو علم يقيني منك أم ظني؟؟)). ومثله في الكافر ومن خلط عملاً صالحاً وآخر خبيثاً كل حسابه عند الله، وله من الجزاء ما يستحق، كما أخبر بذلك ربنا عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. فوجب أن تقع هذه الأمور على وفق ما أخبر لا لذاتها بل لغيرها، وغيرها هذا هو قدرته تعالى على إنجاز وعده على وفق ما أراد وكما أخبر وهو العليم الخبير.
المعتزلي: وكيف عرفت أنت المخلوق المهين ما هي مشيئة الله تعالى؟
الأشعري: عرفت مشيئة الله تعالى فيما ذكرته، من طريق الخبر المتواتر.((الخبر المتواتر يا سيدي حساب احتمالات ويجوز عقلا أن يغلب الله تعالى الاحتمال الضئيل على الاحتمال الكبير جدا جدا ... مثال: يجوز عقلا أن يخلق الله تعالى جنيا ويأمره بالتشكل على هيئة ألف إنسان مختلف ويروي نفس الكذبة بنفس التفاصيل!!! كلامنا هو على الجائز عقلا وليس على المعتاد)) عن الرسول ((وأنت تعني ولا ريب الرسول المعصوم والكلام على البرهنة على عصمته لا يتيسر لك بدون مقدمات تسلم بها تتلخص بعلمك بأن الله تعالى شاء لك حياة التكليف)) المؤيد بالمعجزة ((والكلام على المعجزة مشابه هو في النهاية قياس على العادة وتغليب للاحتمال الكبير على الصغير)). وهذا سبب كاف للعلم عندي ((عندك أنت.. ولكننا نتحدث عن برهنة قاطعة لكل شك عند كل إنسان عاقل... تحدثنا عن أمور ممكنة عقلا تقول أنت عنها إنها مستحيلة ... هل هذا هو برهانك؟ لو أنك بدأت بمقدمة تسلم أنت بها بدون برهان خلاصتها أن الله تعالى شاء حياة التكليف حيث يمتحن الإنسان وتقام عليه الحجة بناء على ما يصدقه هذا الإنسان دائما لاستطعت أن تبرهن على أن إقامة الحجة توجب عصمة الرسول وتمنع تلبس الجن الموصوف وتمنع الخوارق المؤيدة للدجالين في دعاويهم الممكنة عقلا (ولكن لا تمنعها في دعاويهم المستحيلة – مثال: خوارق تؤيد دعوى النبوة ممنوعة أما الخوارق التي تؤيد دعوى الألوهية فهي ليس ممنوعة) وتمنع خداع الحواس خداعا ينافي إقامة الحجة.... ولكن هذه المقدمة هي ما تريد أنت البرهنة عليه بناء على مقدمة أخرى هي: يفيد العلم عندي؟؟؟!!!))
المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
الأشعري: الجواب على هذا السؤال هو عين الجواب على السابق. إلا أن لي بعض التدقيقات. فإن ما علمته وهو الذي ذكرته لك علمته بعقلي من طريق الحس لا بالحس نفسه. وفرق كبير بين الأمرين كما لا يخفى. أما متى أخبرني الله بمشيئته فهو لم يخبرني مباشرة بل من طريق الخبر المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أذكر بالضبط متى حصل عندي القطع بذلك إلا أن انضمام الخبر إلى الخبر بلّغني إلى ما أنا عليه الآن من اليقين بما قلته لك. وأما كيف فكما ذكرناه.
المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال...وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى... ((ما يريد المعتزلي قوله هو:حسبت أنك تريد الاستفادة من صفة الكلام النفسي للبرهنة على استحالة تجمع هذه الأفعال الممكنة عقلا في ظاهرة يعتبرها غيركم كذبا!!! كان أحد الإخوة يحاول في نقاشه معي في الماضي البرهنة على استحالة "الخلف" يوم القيامة الموصوف هنا باستخدام الكلام النفسي ثم أيقن بفساد هذا الاستدلال ولم يعد للكلام النفسي عنده أي معنى إضافي زائد عن صفة العلم ويفيد في فهم الألوهية. والسمع والكلام والبصر كلها صفات لا يرى حاجة للقول بها إلا للدليل السمعي))
الأشعري: الكلام النفسي قائم بذات الله تعالى وهو صفته القديمة، وقد أوحى ربنا جل وعز إلى الرسول قرآناً عربياً غير ذي عوج يعبر عن بعض متعلقات كلامه النفسي الأشرف الأعلى. ومما جاء في الكتاب ما ذكرناه لك بالمعنى. قولك: (هذه أفعال)؟ أي شيء هو الفعل؟ إن كان إرسال الرسول الكريم ومن قبل ذلك خلقه و إنزال القرآن عليه، وتكليفنا بالشرع وحسابنا وإثابتنا ومعاقبتنا، فمسلم. وإن كان القرآن الكريم، فإن كنت تعني هذه الحروف والأصوات والصحف والرسوم فمسلم، وإن كنت تعني كلام الله تعالى الذي هو صفته، فغير مسلم. بل نقول هو صفته على ما هو مقرر ومدلل عليه عندنا ((سؤال عالماشي: هل تعتقد يا أخ بلال أن الإمام أحمد كان يخالف المعتزلة في محنة خلق القرآن لإيمانه بالكلام النفسي؟)). قولك (وهي ممكنة وليست واجبة على الله تعالى) نعم هي كذلك، وأين الإشكال فيه. بينه لنا لكي نجيبكم. ((لا إشكال ولكن تذكر اعتمادك على الكلام النفسي في مداخلتك الأولى لرد الشبهة!!!))
المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
الأشعري: نعم هذا جائز في العقل.
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
الأشعري: أما أولاً: فهنالك فرق بين أن يبدو ما يظهر على يديه خارقاً، وبين كونه خارقاً في نفس الأمر. لأن ما قد يبدو لخليل بائع الخضار مع احترامنا الشديد لشخصه، غير ما قد يبدو لأرباب العقول. والسبب في ذلك أن الوهم يلابس العقل في مأخذه، والباطل يشاكل الحق في مباحثه. وأما ثانياً: فإن مثل هذه الأمور الخوارق إذا نظر إلى ذاتها من حيث هي، فإنها في نفسها أمور ممكنة لذاتها، فيجوز على الله فعلها. وأما إذا نظر إليها من حيث هي معجزة لنبي كريم أظهرها الله تعالى على يديه بحيث تتنزل منزلة قوله تعالى صدق عبدي فيما يبلغ عني، فيمتنع عند ذلك عقلاً أن تظهر على يد غير الأنبياء. ((نحن نرى بحواسنا خارقة... كيف علمت أنها تتنزل منزلة قوله تعالة صدق عبدي؟ هذه مصادرة على المطلوب!!)) ولا نسلم إمكان ظهور الخوارق مقرونة بدعوى الرسالة والتحدي على غير أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ((لا نسلم... أنت حر وهذا اعتقادك غير أنه ليس برهانا)). وإن بدا للبعض أن ذلك وقع، فإننا نقدح في خرقه للعادة، أو نقدح إن ثبت كونها خرقاً للعادة في دعواه التبليغ عن الله عز وجل. والتباس الأمر عندك هو في جهة النظر إلى ذلك الأمر الخارق، فأنت تنظر إليه من حيث هو أمر ممكن مطلقاً دون قيد أو شرط، ولكن المعجزة أخص من ذلك، فتنبه.
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
الأشعري: الكلام على المعجزة ينطبق إلى حد كبير على هذا المثال. ولكن دعنا نناقش الأمر، الله تعالى خلق الحواس الخمس (أعني السليمة) للإنسان شرطاً لتعقله، وقيد السلامة واضح ((ما الذي أوجب عندك كون الإنسان عاقلا بهذا المعنى؟ أليس هو إيمانك المسبق بأن الله تعالى شاء تكليف إنسان عاقل بإقامة الحجة عليه؟؟؟)). فإذا أجمع الناس أن ما سمعوه من فمه الشريف هو (أ) فإن ما سمعوه هو (أ). لا يقال قال (ب) ولكنهم سمعوا (أ)، لأنا نقول: السؤال عما سمعوه لا عما قاله، ولأن الأصل أن ما اجتمعوا على أنهم سمعوه فهو عين ما قاله، وادعاء خلافه مع جوازه في العقل خلاف الظاهر والعادة والمتواتر من سيرة العقلاء، لا عن دليل. ولا ينكر إفادة الحواس للعلم بأن ما أحسته فقد أحسته على الوجه الذي من شأن الحاسة أن تفيده للحساس إلا سفسطائي. وعقلاء المعتزلة أشرف من أن ننعتهم بالسفسطة. ((هذا جواب عاطفي وليس علميا... وأنت تعترف أنه ليس عندك دليل على خطأ السفسطائي... المسألة ليست مسألة برهنة فلا برهان... ولكن المسألة مسألة صدق مع النفس... هذا السفسطائي يؤمن بحواسه إذا لكمته في وجهه أو أخذت منه محفظة فلوسه... ولكنه يدعي أنه لا يؤمن بحواسه إذا كانت الحديث عن دين الله وتكليفه!!! أما ذاك السفسطائي الصادق مع نفسه في عدم تصديقه لحواسه فهو غير مكلف ولا يمكن إقامة الحجة عليه لأنه مجنون!!!))ولو سلم جدلاً كون ما سمعه الناس من الرسول الأعظم هو غير ما قاله، ولا يسلم. فالتكليف منوط بما سمع لا بما قيل ((نحن نريد أن نبرهن وجود التكليف...وأنت تتكلم عن صفات هذا التكليف... ما هذا القفز؟)). ولا يخفى ما في القول بأن التكليف مغاير لما قاله الرسول من التناقض. والمجوز لذلك يلزمه الكثير من اللوازم الباطلة والاحتمالات البعيدة. ولنتأمل الأمر أكثر، هل يقول هذا القائل بأن كل ما سمعه الناس هو خلاف ما قاله الرسول أم أن بعضه موافق وبعضه مخالف. الأول باطل لأنه قال أنا النبي لا كذب والمدعى أنه صادق، وسامع خلاف ذلك، مخالف فيه، والمخالف فيه كافر، فلم يجلس إليه ويأخذ عنه وهو ليس نبياً. وإن كان في البعض دون البعض، فما الضابط لذلك؟ إما أن يكون لسان النبي، أو أذن السامع؟ لا جائز أن يكون الأول لأن المدعى أن كلام الرسول كلامه وإنما المشكلة في سمعنا. وعلى الثاني أنك تجوز أن تعمل أذنك بشكل منضبط وصحيح حيناً، وأن لا تعمل بشكل صحيح حيناً آخر، وهذا هو عين القول بعدم سلامتها، وعدم الاحتجاج بها طريقاً للمعرفة، لأن طرق المعرفة لا بد وأن تكون منضبطة دائماً. ثم لو وقع ما تقول لاستحال أن لا يلاحظ الناس ذلك، ولو لاحظ الناس عدم انضباط السمع دليلاً على أن ما سمعناه فقد سمعناه، لما جعلوه من أسباب العلم. ثم إن الرسول أخبر بأن خالق العالم تعالى قديم، فلو جاز أن يكون الناس قد سمعوا خلاف ذلك، فهم قد سمعوا أن الله حادث، لأنه لا ثالث بين الحدوث والقدم، وهذا باطل بالعقل، فلو سمع الناس خلاف ما يقول الرسول في أصول الدين خاصة، للزم إفحام الأنبياء وتناقضهم، لأن كثيراً من العقائد ثابتة بالبرهان. فلما لم نر برهانا قام على خلاف ما ادعاه النبي علمنا صدقه، في أصول الدين، وما توصلنا إليه بالدلائل العقلية هو عين ما نقرأه في القرآن ونقلته الأخبار المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم، فثبت أنه لو كان أخبر خلاف ما أثبتاه بالبرهان، فإن كلامه يجب أن يكون كاذباً لمخالفته البرهان، وعليه فلا يكون صادقاً كما هو المدعى. هذا خلف. فيكون ما سمعناه هو عين ما قاله، وهو عين ما قام عليه البرهان. وههنا وجه آخر، إن كثيراً ممن سمعوا استفهموا، فإذا استفهم واحد من السامعين من الرسول عن أمر معين، فهل تقول إن الرسول يسمع كلامه كما قاله أم لا كما قاله؟ إذا كان الثاني فقد أثبت عطباً واضطراباً في سمعه الشريف، المستلزم لجوابه على الناس على خلاف ما سألوا المستلزم لظهور بلهه وعدم فطنته بما يكفي لينفر منه الناس ويكذبوه، وبما هو خلاف المتواتر من ذكائه وحدة ذهنه وحسن بيانه. وإذا كان الأول فإذا استفهم مشرك عن أن الله هل هو واحد أم متعدد؟ فماذا عساه أن يسمع إذا أجابه الرسول بأن الله تعالى واحد لا شريك له؟ فبان أنه لا يستقيم تبليغ للرسالة ولا صدق رسول مع القول بما قلت. ثم هل تقول بأن الناس كلهم إذا قال النبي (أ) فإنهم سيسمعون نفس (ب) أم أن كل واحد منهم يسمع على خلاف الآخر، أم أن بعضهم يسمع (أ) وبعضهم يسمع (ب) وآخرون (ج)... وهكذا. ألا ترى أن هذه الأقوال جميعها في غاية الركاكة، لأنه يلزم منها تناقضات كثيرة. ولو جاز ما قلت والله ما أجمع المسلون على مسألة. ولظهر في الدين تناقضات واختلافات لا حصر لها، لأنها لن تكون عين ما أنزل الله تعالى. فتأمل أكثر في مثالك. وما زال هنالك الكثير من الكلام ليقال في هذا الباب. ((يمكن أن ينتقد المرء الكثير مما كتب هنا ولا أجد ضرورة لهذا بعد أن فهم جوهر الإشكال))
المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
الأشعري: أجبنا عن هذا السؤال بما فيه الكفاية.
المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف؟؟؟؟
الأشعري: نحن منعنا ما جوزته فلا يلزمنا ما تقول ((أنت لم تمنع شيئا...هذه الأمور كلها جائزة عقلا ومن الجائز عقلا أن يجعلك الله تعالى تقتنع اقتناعا خاطئا بأن مشيئته تعلقت بمنع هذا الجائز عقلا))، وأما نسبة الظلم والعبث والكذب عليه فقد أجبناك عنها في رسالتنا السابقة. كما أجبنا عن استحالة أننا نعيش كذبة اسمها الدين. لأن الدين موجود فعلاً، ومعتنقه ومتأمله بإنصاف يرى فيه غاية الحسن والكمال، ويقتنع به عقله، ويطمئن له قلبه، وترتاح وتكمل به نفسه. والعالم به يحيل كونه موضوعاً من عند غير الله تعالى لأنه لا يعتريه الخلل ولا التنافر والتناقض، ويراه مساوقاً لطبيعته وحقيقته الإنسية، سائقاً لهو نحو الخير بالذات في الدنيا والآخرة. وهذه الأوصاف لا يمكن أن تتحقق فيما سميته كذبة. والحمد لله رب العالمين. ((بارك الله فيك))

إسماعيل حمودة
12-08-2003, 12:35
المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
إسماعيل: نعم... الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال وجوبا عقليا... قدرة الله تعالى تتعلق بكل الممكنات.... ولكن إرادة الله تعالى هي التي تخصص بعض هذه الممكنات فتصير واجبة الحدوث. ووجوبها ليس عقليا وإنما هو وجوب عرضي.
المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة.
إسماعيل: الأمران جائزان عقلا ولكنهما مستحيلان عرضا لأن مشيئة الله تعالى تعلقت بأن تكون هذه الدنيا حياة تكليف وأن تكون الجنة للمؤمن والنار للكافر.
المعتزلي: وكيف عرفت أنت المخلوق المهين ما هي مشيئة الله تعالى؟
إسماعيل: لقد أخبرنا نحن المكلفين بذلك بما لا يدع مكانا للشك.
المعتزلي: متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
إسماعيل: أتانا رجل يزعم أنه رسول من الله عز وجل وقال لنا قولا سمعناه بآذاننا. وتحدانا بالمعجزات تدليلا على عصمته وصدقه.
المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة كلها صحيحة ما عدا أمرا واحدا غيبيا ممكنا عقلا لكنه غير صحيح؟
إسماعيل: طبعا هذا ممكن
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
إسماعيل: طبعا هذا ممكن
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
إسماعيل: هذا ممكن عقلا.
المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
إسماعيل: نعم...هذه الأفعال كلها ممكنة عقلا... أنا لا أستطيع أن أمنع أيا منها بناء على تقبيح عقلي.
المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف ؟؟؟؟


إسماعيل: لكي أكون صادقا معك أقول لك: ليس عندي برهان عقلي على عدم حصول ما تقول. ينحصر الرد في التالي: ليس كل ممكن عقلا حاصلا؟ إذا تعلقت مشيئة الله تعالى بعدم حصوله كان مستحيلا (عرضا لا عقلا).
المعتزلي: وكيف علمت يقينا بمشيئة الله؟؟؟ هل كان اعتمادك محصورا بمقدمات لا يتصور في العقل خلافها؟؟
إسماعيل: لا... أنا أعتمد على مقدمات يجوز في العقل خلافها (ليست من قبيل "الجزء أصغر من الكل") وجدت "العقلاء" مطبقين على التسليم بها في كل أعمالهم.. منها مثلا الإيمان بالحواس والإيمان بالسببية الزمانية (اعتماد اللاحق على السابق)... مثل هذه المقدمات (بالإضافة إلى مقدمة يصعب علي تحريرها وصياغتها بشكل شاف حتى الآن وهي يقيننا بأن الحياة لها معنى) هي التي تدعوني لفهم معنى المعجزات وتصديق الرسل.
المعتزلي: ولكنك تؤمن أن مقدماتك هذه لا برهان قطعيا لك عليها وأنه يجوز في العقل خلافها؟
إسماعيل: نعم!!
المعتزلي: وأنه يجوز عقلا أن يكون الله تعالى ركب فيك هذه المقدمات بحيث تخدعك فتظن أن الله شاء التكليف بخلاف حقيقة الحال.
إسماعيل: نعم. ولكني أؤمن بهذه المقدمات إيمانا قطعيا. وليس لي برهان... إنما الأمر "نور يقذفه الله تعالى في القلب"
المعتزلي: ... عدنا إلى الإمام الغزالي...
إسماعيل: رضي الله عنه وقدس سره!!
المعتزلي: هل تعرف أن الخلاف بيننا دقيق قد يكون لفظيا؟
إسماعيل: لا أعتقد أنه لفظي.
المعتزلي: عد إلى مقدماتك التي تعتمد عليها. أليست أهم مقدمة تعتمد عليها هي تلك التي صغتها على أنها اعتقاد بأن للحياة معنى؟
إسماعيل: لا أزال في طور تحرير هذه النقطة. أنا أؤمن أن الإنسان المكلف لا تقام عليه الحجة بدون الإيمان بأن للحياة معنى. بدون هذا الإيمان لن يؤمن بحواسه ولن يلتفت للسببية ولن يعمم القوانين العادية ويهمل الاحتمالات الضئيلة ولن تكون له نظرية معرفة أصلا ولن يكون هناك ما يدعوه للتأمل والنظر والتفكر في كلام الأنبياء بل ولا للاستماع لهم أصلا.
المعتزلي: أنت ترى أن الأصل هو الإيمان بمعنى للحياة وأن الفرع هو ملاحظة التنسيق والإبداع في العالم. بينما يرى الكثيرون أن الأصل هو ملاحظة التنسيق والإبداع في العالم وأن الإيمان بمعنى للحياة ينتج عن هذه الملاحظة؟
إسماعيل: نعم هو كذلك... أو على الأقل هناك قدر أولي من الإيمان بمغزى للحياة مزروع في الفطرة والنفس تؤدي إلى ملاحظة التنسيق والإبداع في الكون وتؤدي بعد ذلك إلى تعزيز هذا الإيمان بمعنى للحياة.
المعتزلي: وما الذي يدعوك لنفي العكس؟
إسماعيل: للاختصار أرد عليك كما يلي: أنا لا أتصور أن يدرك أي حاسوب ذكي متقن لكل القواعد المنطقية والعقلية التي نعرفها ومزود بآلات إدراك تجعله على علم بكل ما نعلمه نحن عن العالم.. لا أتصور أن يدرك هذا الحاسوب معنى للحياة ولا جمالا ولا خيرا ولا شرا إلا بعد أن نبرمج له معنى الجمال والخير وأن للحياة معنى وأن نحسن له البحث عنه..
المعتزلي: ألا يمكن أن نعبر عن "معنى الحياة" الذي تراه بالإيمان بأن الحياة لم توجد عبثا؟
إسماعيل: نعم... يمكن ذلك إذا التزمت بهذا المعنى للعبث
المعتزلي: إذن أنت تؤمن بمبدأ هو قبح أن يكون الله تعالى خلق الحياة عبثا؟
إسماعيل: أنا أؤمن أن الله لم يخلق الحياة عبثا... العبث عندي (بالمعنى السابق) لا يكون. وهذا لأني أصدق فطرة ركبها الله تعالى فيّ تمنعه.
المعتزلي: ولماذا لا تقول: "العبث عندي لا يكون لأني أصدق فطرة ركّبها الله تعالى فيّ تستقبحه"؟
إسماعيل: لم أعرّف القبيح بعد. ولكنك إذا أردت تعريف بعض أنواع القبيح بأنه ما تمنعه فطرة ركبها الله تعالى في المكلفين لما رأيت خلافك.
المعتزلي: والمكلفون عقلاء... إذن أنت تؤمن بقبيح تمنعه فطرة ركبها الله تعالى في العقلاء. إذن أنت تؤمن بالقبح العقلي!!! أليس كذلك؟ هل خلافنا لفظي إذن؟
إسماعيل: التحسين والتقبيح العقليان بمعنى قراءة رسالة إلهية مركبة في فطرتنا هي غير ما تقولون من تحسين وتقبيح ذاتيين. المعنى الأول (الذي أعتقد أن بعض علماء الماتريدية قالوا به) يسلم بأن الفعل ممكن لذاته وأنه يتصور في العقل خلافه وأن المشيئة الإلهية تعلقت بحدوثه (أو بعدم حدوثه).
أما أنتم المعتزلة فتعتقدون أن مرجح حصول الفعل أو عدم حصوله ليس المشيئة الإلهية... وإنما الفعل نفسه بذاته. وبخلاف ركاكة هذا المدعى من الناحية العلمية المنطقية فأنتم يلزمكم منه سلب الاختيار عن الله تعالى في ما يجب عليه من أفعال (حسنة) وما يستحيل عليه من أفعال (قبيحة).

بانتظار تعليقات القراء
اسلموا واسلام

سعيد فودة
14-08-2003, 11:49
الأخ إسماعيل حمودة المحترم،
يدل كلامك على مستوى جيد من الاطلاع والتفكر، ولكن
قولك:
ولكن اعلم يا أخي أن المتيسر لنا أكثر بكثير من المتيسر لهم. وأننا يمكننا أن نفهم بعض مسائلهم أفضل مما فهموه هم بكثير وأن نصححهم في كثير. وأن ننصر أفكار هذا على ذاك منهم.
أقول:
قولك المتيسر لنا، بصيغة المجموع:
إن أردت به لمجموع البشرية فلا ينفعك هنا لأنك أنت الذي تتكلم في هذه المسألة.
وإن أردت به أنت فلا أسلم أنا به لأنه يظهر من كلامك أنك غير مطلع كفاية على ما قالوه، وأخص علماء الأشاعرة، نعم يظهر من كلامك أنك قد فكرت كثيرا في هذه المسائل، ولكنك غير مطلع على كثير مما قالوه، كما سأظهره لك.
وقولك:
أنا قليل الاطلاع على المتون وقد حاول أحد الشيوخ في الماضي أن يحفظنا متن السلم في المنطق وأنا متأكد أن معظم طلاب الرياضيات والكمبيوتر أكثر فهما للمنطق من هذا الشيخ (إذا تجاوزنا مسألة المصطلحات).
أقول:
إذا كنت مطلعا على المنطق بمستوى السلم المنورق، فقط ولا أدري من هو هذا الشيخ الذي أراد تحفيظه لكم وما مدى تمكنه منه، وما مدى فهمك أنت له، فأقول لك:
أولا: إن السلم وضع للمبتدئين فقط في المنطق، لا للمنتهين ولا للمتبحرين، فهو البداية فقط ويشبه أن يكون حلا للمصطلحات فقط، لا درسل للمباحق المنطقية.
وعليه فإن الدارس للرياضيات ربما يكونون أكثر فهما لمن اقتصر على دراسة أو حفظ السلم المنورق، ولكنهم لن يكونوا بأي حال أكثر فهما للمنطق من علماء المنطق الكبار كالتفتازاني والأبهري والكاتبي وغيرهم.
ثم إن قولك أنا قليل الاطلاع على المتون يناقض قولك سابقا بأنك تعرف أكثر مما عرفه السابقون في هذه المسائل، وهذه المسائل من المشتركات بين البشر، ولا يعتمد فيها على تجارب ولا أفعال جزئية ولا يتوقف إدراكها على الاختراعات البشرية ولا على الكمبيوتر.
قولك:
وحضرت يوما درسا في النسفية وكان في كلام صاحب المتن أو الشارح التفتازاني (لست متأكدا) برهنة على بعض المقولات باستخدام برهان الطوفان والتطبيق. إنه كلام من لا يعرف معنى الـ "ما لا نهاية" في الرياضيات فيجمعها ويطرحها من طرفي المعادلة كما يحلو له.
أقول:
قولك هذا يدل دلالى قاطعة على أنك لم تتعمق بعد في فهم كلام المتقدمين، وأقول لك ليس في كلام المتقدمين في برهان التطبيق جمع وطرح للمالانهايات، بل كلامهم فيه قائم على خلاف ذلك، أصلا لو دريت حقيقته. وأما صورته الظاهرية فمبنية على المسلمات الجدلية التي أخذوها من عند الخصم. فهو إلزامي. وربما لذلك ظننت أنهم يجمعون ويطرحون في اللانهايات.
واعلم أيضا أنهم أعني المتقدمين قد صرحوا قبل أن يتكلم برتراند رسل عن أصول الراضيات أن اللانهايات لا يجوز فيها جمع ولا طره، بل صرحوا أصلا أنها ليست أعدادا، لأنها ليست كميات أصلا، لعدم جواز وجودها.
فتفكر في ذلك.
ثم ليس من اللائق إن التفتازاني أو النسفي وهو صاحب متن النسفية، يتكلمان كلام من لا يعرف معنى اللانهاية...الى آخر كلامك الدال على استهانتك بهم المبني على عدم معرفتك بهم.
وقولك:
وأما السنوسية الكبرى فأذكر أن صاحبها لم يكن طويل الباع في البصريات عندما كان يناقش مسألة الرؤية. ولعلك إذا ركزت في كلام معظم علماء الكلام عند الأشاعرة والماتريدية وكل علماء الكلام عند المعتزلة والزيدية والإثناعشرية في مسائل القدم والبقاء لوجدتهم يتكلمون عن زمان مطلق، الأحداث مرتبة فيه بشكل مطلق بالنسبة للجميع (وحتى بالنسبة لرب العالمين). هم وإن أكدوا أن الله خالق الزمن فهم في مسائلهم يجرون الزمن على رب العالمين بشكل أو بآخر. هؤلاء لم يسمعوا في حياتهم قط بـ "النظرية النسبية" وانتفاء الزمن المطلق. لم يسمعوا قط بأن نظرية الكم الحديثة تشكك بالسببية بالشكل الذي نعهده.
أقول:
هذا الكلام مجرد ادعاء، ولا يؤخذ منك بعدما اتضح لي أنك لست متعمقا في فهم كلام القوم، واعلم أيها الأخ الفاضل مرة أخرى أن جميع الاشاعرة نفوا الزمان المطلق والمكان المطلق قبل أن يأتي آينشتين ويتكلم في هذه المسائل، وأما كلامهم في حق الله تعالى واستعمالاتهم بعض الألفاظ الدالة على الزمان فهذا ما يسمى عندهم بالزمان التقديري، أي التنزلي على حسب الفرض أو تقدير الخصم أو الوهم.
ولا يستلزم ذلك كما تتوهم أنت أنهم خلطوا كلامهم عن الله تعالى بالزمان المطلق، وكأنك تتصورهم يقولون أمرا (وهو نفي الزمان المطلق) ثم ينسون ما قرروه إذا خاضوا وتعمقوا في المسائل فيبنون كلامهم على وجوده الحقيقي فيتناقضون عندك وعلى حسب فهمك. وهذا تقصير منك أنت، لا منهم، فأنت لعدم تعمقك في المتون لم تتعمق فيهم.
وأما السببية فإن الأشاعرة هم أسياد من تكلم في حقيقتها، بكلام أصيل دال على حسن فهمهم لعقيدة الإسلام، ولحقيقة كون الله تعالى فاعلا مختارا. ولا يتوفق كلامنا نحن في السببية على اختراعات معاصرة ولا على نظريات حديثة، مع فهمنا لها تماما، وبصورتها النظرية بالعادلات الرياضية التامة، بل بالأدلة الرياضية والتجريبية وأصولها الفلسفية كما صدرت من عند من فكر فيها.
ومع ذلك كله، أقول لك إن غاية كلام العلماء المعاصرين لم يتعد بعض ما ذكره علماء الأشاعرة في هذا الباب.
ولذلك أنا أدعوك لزيادة التفهم والتفكر لا مجرد الاطلاع على ما وضحه علماء الأشاعرة.
ولي كلام تفصيلي في هذا الخصوص، بل في دقائقه، لا يناسب ذكره هنا.
وقولك:
أما أنا وأنت فيجدر بنا الانطلاق في دنيا العلم بكل إنصاف وتجرد وموضوعية مبتعدين عن الحماس الأعمى لطائفة معينة ولهوية ذاتية ومبتعدين عن رفع سيف التكفير والتضليل لكل من خالف ما اعتدنا عليه. أنا لا يهمني إذا قال لي فلان أو علان: لست أشعريا ولا حق لك بالتكلم بالنيابة عنهم. شخصيتي الفكرية يجب أن تكون مستقلة لا يعرّفها إلا ما صارت إليه في رحلة البحث عن الحق. وليس المطلوب أن أمسخها لأحوز على هوية "أشعري". ورحم الله الإمام الفخر الرازي كان كثيرا ما يقول: "قالت الأشاعرة كذا وعندي كذا". وسواء رضي الرازي بكونه أشعريا أم لم يرض فمنظومته الفكرية المستقلة تنتمي إلى المدرسة الأشعرية.
أقول:
هذا هو الانطباع الذي حصل في نفسي عندما قرأت لك أول ما قرأت لك.
فقد اتضحت عندي هويتك، وعرفت أنك على فضلك باحث على حسب ما تعتقد أنت، لا تلتزم بمذهب تمام الالتزام، وربما يعود سبب هذا عندي إلى عدم تعمقك في هذه المذاهب. وعدم التعمق لا يستلزم عدم القدرة، فظاهر أن عندك من القدرة ما يؤهلك لذلك، ولكن ربما يعود إلى استصغارك المبني على عدم الاطلاع.
وهذا كله -أي ما ذكرته- لا أريد أن تفهم منه سوءا لك. بل هو مجرد تنبيه على ما فهمته أنا من حالك. ولكن الالتزام بمذهب لا يستلزم مسخ الهوية الفكرية ولا سحق الاستقلال، بل يؤكده، ولا يستطيع الالتزام بمذهب إلا صاحب قدم راسخة في العلوم العقلية أصلا.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

بلال النجار
14-08-2003, 14:53
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ إسماعيل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قد كنت في عجلة من أمري، والآن فرغت، وسأتابع معك الحوار إن شاء الله حتى تملّ، وأرجو أن نترك المجاملات قليلاً، وسأسمح لك وأسمح لكائن من كان أن يقسو علي في النقاش بحق، ولا داعي لأن تكرر الاعتذار، فأنا لا ألتفت إلى ذلك.
قولك: (... لو كانت بضاعتي التي تمنيت أن أجدها في هذا الملتقى عندك. ولكني أستطيع أن أقول اليوم: "لعلها ستكون عند بلال الغد... ولكنها بيقين ليست عند بلال اليوم)
أقول: أريد حقاً معرفة هذه البضاعة، فأنا بارع في التجارة، وخير من سام البضائع وثمّنها، فلا تعجل علي، واسمح لنفسك باكتشافي وإنصافي، أيها الأخ العزيز، وبالمناسبة عائلة حمودة مشهورة في الأردن، وأنا أتمنى أن تكون من أهل عمان، وإذا كنت كذلك فأعلمني لعلنا نلتقي ونتحاور وجهاً لوجه، فإن الكلام يطول أحياناً، والكلام مشافهة أفضل عند الإغراق في التفاصيل.

قولك: (استخففت بمسألة هي من أدق المسائل الفكرية واعتقدت أنها من السهل الواضح. قلت.....)
أقول: القضية ليست قضية استخفاف، القضية أني لا أوافق على أن مسألة الحسن والقبح فيها من الشبه ما يعكر صفو المذهب الأشعري، واعتبرت هذه دعوى لا عن دليل. لأني من وجهة نظري كأشعري أجد القول بالحسن والقبح العقليين على المعنى الذي ذكرته أنا وهو أن القبيح هو ما يستلزم الذم حالاً والعقاب مآلاً، والحسن ما يستلزم الذم حالاً والثواب من الله تعالى مآلاً، أقول أجد القول بأن ذلك إنما يعرف بالعقل، باطلاً جملة وتفصيلاً. وأريدك أن تعلم أن إجاباتي كانت على سبيل التناظر السريع مع رجل معتزلي، لا معك أنت، بوصفك -كما فهمت أولاً- أشعرياً يناظر شيعياً ويطلب العون، وقد اعتمدت في كلامي على الإلزامات أكثر من تحقيق المسائل وبحثها بتفصيل. وعلى أي حال، سأرى وجوه اعتراضك على إجاباتي وأناقشها في محله. ولكني الآن أريد فعلاً أن أعرف موقفك في مسألة الحسن والقبح، أهما عندك شرعيين أم عقليين؟ وما معنى الحسن والقبح عندك؟ وبناء عليه سأبدأ في الكلام معك أنت إسماعيل في هذه المسألة.
قولك: (اعتقدت أن المسألة يجاب عليها في باب الصفات (صفة الكلام النفسي) لا في باب الأفعال ثم رأيت نفسك في جوابك الأخير لا تلتفت إلى الصفات أبدا وقد أيقنت أنها لا تفيد في رد الشبهة)
أقول: قولي إن الشبهة يجاب عنها في باب كلامه تعالى، مبناه على أن الشبهة قائلة: (ماذا لو كان الله يكذب علينا فيما أخبرنا به). وعليه فيكون بحث الكذب والصدق في خبره تعالى من مسائل الكلام، لا من مسائل أفعاله تعالى. وذلك يبحث في باب الصفات، لأن كلام الله تعالى عندنا هو صفته القديمة القائمة به، فإذا كنت تقول إن كلام الله تعالى هو من أفعاله، لا من صفاته، انتقلنا إلى البحث في إثبات أن كلام الله تعالى صفته لا فعله. فكيف بعد ذلك تقول إن الجواب على هذه الشبهة في باب الأفعال لا في باب الصفات. ثم إنك تدعي أنني لم أتعرض للكلام في الصفات، بل تكلمت في الأفعال، لأني كما ادعيت أنت أيقنت أن الكلام في الصفات لا يفيد في رد الشبهة. فلعمري ماذا كنت أقول في أول رسالة أرسلتها لك، وكيف بنيت ردي على شبهة جواز الكذب إن لم أتكلم في ذلك. أرجو يا أخ إسماعيل أن ترجع إلى كلامي وتقرأه جيداً. أما أني تكلمت في الأفعال بعد ذلك في رسالتي الأخيرة، فلا أدري لعلك ذهلت عن أني قلت في بدايتها أني أريد أن أضع نفسي مكانك في الإجابة عن أسئلة المعتزلي، فأجبته إجابات مفيدة على قد أسئلته. وتأمل أسئلته:
المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة
المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال... وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى...
المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف؟؟؟؟
ستجد أن معظم أسئلته عن الأفعال، فكيف تريدني أن لا أتكلم فيها وهو يسألني عنها. وإن ما عملته في رسالتي السابقتين أني حاولت أن أجعل الحديث في الشبهة في باب الصفات لا في باب الأفعال، وأن أجيب الخصم على قدر سؤاله، فلا يرد علي أني أقطع الكلام ولا أحرره وأسيء فهم السائل، وأنا أطلب منك أن تريني أين أسأت فهم السائل، وأين أجبته على خلاف السؤال؟

قولك: (الخلط البين بين المطلوب برهنته وبين مقدمات البرهان فهناك في كلامك ما لا يخفى عليك من دور ومصادرة على المطلوب. المطلوب البرهنة على أن الله تعالى شاء لنا حياة التكليف والبرهنة عندك تعتمد على صدق الحواس وصدق دلالات الخوارق وعصمة الأنبياء التي لا يسلم بها إلا بناء على أننا نعرف أن الله شاء لنا حياة التكليف!!!! )
أقول: على رسلك يا إسماعيل، هذا كلام كبير، أريدك أن تريني أين صادرت على المطلوب في رسالتي الأخيرة، وأين وقع الدور في كلامي، لو تكرمت علي، انقل الجملة/ الجمل من كلامي التي صادرت فيها على المطلوب، والجملة/ الجمل التي وقعت فيها في الدور. ودعنا نناقش ذلك. ثم من قال لك إن (صدق الحواس، وصدق دلالات الخوارق، وعصمة الأنبياء) لا يسلم بها إلا بعد معرفة أن الله تعالى شاء لنا حياة التكليف. أريدك يا إسماعيل أن تبين لي وجه توقف صدق الحاسة على مشيئة الله بتكليفنا، ثم تبين لي وجه توقف (دلالة المعجزة على صدق الرسول) على مشيئة الله بتكليفنا، ثم تبين لي وجه توقف عصمة الرسول على مشيئة الله بتكليفنا. وهب أن الله تعالى أرسل الرسل بأخبار فقط ولم يطلب منا أي طلب، ولا حتى تصديق هذه الأخبار، فهل تقول: إن تصديق ما جاء به الرسول يتوقف على معرفة مشيئة الله بالتكليف؟ فههنا لا تكليف أصلاً، فهل ترى أن صدقه يتوقف على معرفة أننا مكلفون؟ ما رأيك في ذلك؟
قولك: (الهروب من ضبط المسألة بشكل أكاديمي دقيق وتقطيعها إلى مسائل مختلفة غير مترابطة يجاب عليها بإجابات كلاسيكية (مفيدة) لا تنطبق على المثال المطروق. لعلك كتبت ما كتبت لإفادة القارئ وتجنيبه "الفتنة". أنا لا أرى هذا الأسلوب علميا. تستطيع أن تكتب بوضوح استدراكا على الموضوع تقول فيه مثلا: "استكمالا للفائدة نوضح للقراء حجية المعجزة وعصمة الأنبياء إذا سلمنا بحياة التكليف)
أقول: أنا لا أهرب ولم أهرب ولن أهرب من ضبط مسألة والكلام فيها على النحو الذي ينبغي أن يتكلم فيها، وليس من سبب يدعوني لذلك أصلاً، كيف وأنا من يبحث يبحث عن مناظر ومناقش، كيف ولو أني أحب الهرب لم أتصد للكلام معك منذ البداية. ثم اعلم أنه ليس عندي ما أخشى أن أبديه، ولا أمتنع عن كتابة شيء خشية افتتان القارئ بما أكتب. ولعمري أي افتتان أخشاه، آلمذهب الأشعري ضعيف حتى أخصف عليه من الكلام ما يواري ضعفه، إذا كنت فهمت ذلك فأنت واهم يا صديقي. أما أنك لا ترى أني لا أكتب بأسلوب علمي، فأولاً: أنا لا أعرف ما تسميه أسلوباً علمياً، فهلا تكرمت علي بتوضيح مقصدك من الأسلوب العلمي لكي ألتزمه في نقاشي معك؟
وثانياً: فالأصل أن تبين لي أن قولي كذا وكذا غلط بدليل كذا وكذا. فإن وجدتني لا أقف عند الدليل، ولا أستسلم للبرهان فاعتزلني لأني عندها أحمق أو مغامر، ولست أهلاً لتتكلم معي. فأرجو أن لا تكرر هكذا كلام، قل لي إن قضيتك الفلانية ليست صحيحة بسبب كذا وكذا. ولا تترك الأمور هكذا خطباً، وطرز كلامك بالأدلة بدل أن تطرزه بعلامات التعجب، هكذا أفهم أنا ما تسميه أنت بالأسلوب العلمي.
قول: (يجب على طالب الحق التفاعل الصادق مع المسألة المطروحة وصياغتها بأقوى شكل يراه الخصم. بل لعلك يجب عليك أن تتفنن في إيجاد حجج لخصمك لم يحلم بها بعد. وصياغتي أنا هي الصياغة القوية للإشكال، وتقطيعك أنت لهذه الصياغة تهرب من إلزاماتها. وتسرعك في الإجابة يدعوني للاعتقاد بأنك لم تتفاعل بعد مع هذه المسائل التفاعل المؤرق ولهذا تسيء فهم المحاور أحيانا وتتعجل بالحكم عليه "من فوق(“
أقول: إذا أنصفت وجدتني متفاعلاً مع أسئلة المعتزلي بشكل جيد، ولا يلزمني عند الجواب على السؤال أن أزيد في الكلام عن حدوده، فتنبه لذلك. أما إذا أردت حواراً مفتوحاً سواء في مسألة الحسن والقبح، أو في الكلام النفسي، أو في أي مسألة أخرى تختارها، فأنا على استعداد للكلام معك فيها، بالدليل، وإذا قلت قولاً عارياً عن الدليل فرده علي مباشرة، وبين لي غلطي وأنا أشهد كل من في المنتدى بأنني سأقر بهذا الغلط، وأتراجع عن قولي إذا بينت لي فساده. أما أن تتهمني بأني أصيغ المسائل على نحو ضعيف، وأجيب عنها بتسرع من فوق ومن تحت، فهذا كلام لا أحبه ولا طائل من ورائه، بيّن لي وللقراء أين قصرت في فهم سؤال المعتزلي، وأين لم أجب عن سؤاله كما ينبغي، وأين غلطت وهكذا... وإلا فلا داعي لهذا الكلام من أصله.

قولك: (الإعجاب بالقدماء والتبرك بحفظ متونهم وشروحها قد يفيد. بل هو لا بد مفيد جدا من ناحية البركة ومن الناحية السيكولوجية التي تشعر المرء بأنه ينتمي لمدرسة فكرية متميزة ممتدة في التاريخ والجغرافيا. وهي مفيدة أيضا من الناحية العلمية إذا كان التعامل معها تعاملا نقديا على أساس أنهم رجال وأننا رجال. ولكن اعلم يا أخي أن المتيسر لنا أكثر بكثير من المتيسر لهم. وأننا يمكننا أن نفهم بعض مسائلهم أفضل مما فهموه هم بكثير وأن نصححهم في كثير. وأن ننصر أفكار هذا على ذاك منهم.)
أقول: لا أدري ما هو الداعي لقولك مثل هذا الكلام، كأني بنفسي أتيتك بكلام نسخته من بعض كتب العلماء، وجئتك به، وقلت لك إن الدليل على كذا هو أن فلان بن فلان قال ذلك... ثم بربك كيف عرفت أني متأثر سيكولوجياً بأولئك الأوائل رحمهم الله. على أي حال، فما أجاب به الشيخ سعيد على باقي الكلام كاف فيما يتعلق بالمتيسر للفرد والمجموع.
قولك: (أنا قليل الاطلاع على المتون وقد حاول أحد الشيوخ في الماضي أن يحفظنا متن السلم في المنطق وأنا متأكد أن معظم طلاب الرياضيات والكمبيوتر أكثر فهما للمنطق من هذا الشيخ (إذا تجاوزنا مسألة المصطلحات))
أقول: زيادة على ما قال الشيخ سعيد، إن دراستي أصلاً هي البرمجة، ثم هندسة الكهرباء وتخصصي هو تكنولوجيا الكمبيوتر والأنظمة الرقمية، وقد مر زمان كنت ألعب بمسائل التفاضل والتكامل والمعادلات التفاضلية كمن يتسلى ويمارس هواياته، ولا يصعب علي الآن أن أراجع هذه العلوم، فتعود إلي ما فقدته من مهارات، وقد حصلت من مسائل الميكانيك والكهرباء والمغناطيسية والإلكترونيات ما قد تعجب منه، واطلاعي على النظرية الذرية الحديثة، والنسبية وغيرها من النظريات الحديثة اطلاع جيد، وعلى مستوى المعادلات الرياضية والحسابات، والفهم لحقيقة الأقوال. وشيخي الشيخ سعيد فودة أصل دراسته في الهندسة الكهربائية واسأل من شئت عنه في الفيزياء، والرياضيات وعلوم البرمجة والكمبيوتر، فنحن أناس أكاديميون على حد تعبيرك يا صديقي قبل أن نتعلم علم الكلام، وتعلمنا على مقاعد الجامعات، وناقشنا الدكاترة في المسائل، وأذكر أن بعض المدرسين كانوا يتحرجون من الكلام معي، لا لشيء إلا لأن طريقة المتكلمين في بحث المسائل وتحقيقها راسخة في عقلي، فلا أقبل قولاً على عواهنه، وإن لم يكن عن اقتناع ودليل فليرد أو يعلق للبحث فيه. ولعلك تطلع على شرح الشيخ سعيد على كتاب الطوالع المسجل صوتياً في منتدى الرازي، وترى مقدار تعمقنا في مباحث الطبيعيات والأمور العامة. ومع كل ذلك لا أقول أنا ولا يقول شيخي، ولا أعرف أحداً تعمق في دراسة المنطق يقول إن طالب رياضيات أو كمبيوتر في غنى عن تعلم المنطق لأنه يعرف أكثر مما في منثور في كتبه. أما الشيخ المذكور فإذا صح ما تقول: فلا يصح في عرفنا أن يسمى شيخاً، لأنه يطلق اصطلاحاً على العلماء، ومن كانت هذه صفته فلا يستحق أن يسمى شيخاً.
قولك: (وحضرت يوما درسا في النسفية وكان في كلام صاحب المتن أو الشارح التفتازاني (لست متأكدا) برهنة على بعض المقولات باستخدام برهان الطوفان والتطبيق. إنه كلام من لا يعرف معنى الـ "ما لا نهاية" في الرياضيات فيجمعها ويطرحها من طرفي المعادلة كما يحلو له)
لم يرد في شرح النسفية أو متنها ما يسمى ببرهان الطوفان، أما برهان التطبيق، فأنا أتحداك أن تقرره لي وتجد فيه ثغرة واحدة، تقدح فيه، حتى لا يعود برهاناً صالحاً لنقض التسلسل. ولن أزيد فيما يتعلق بالمالانهاية على ما قاله الشيخ، ولكني أدعوك للقراءة في كتب كالأربعين وشرح الطوالع والمقاصد والمطالب العالية والمواقف وغيرها من أمثالها، ثم عد إلي وقل لي رأيك هل أصحاب هذه الكتب يفهمون المالانهاية أو لا، وهل يفهم هؤلاء معنى الزمان والمكان أو لا؟
فأنا أستغرب من تصريحك بأنك غير مطلع على المتون فبأولى أن لا تكون مطلعاً على المطولات من كتب الأشعرية ثم تقول: (ولعلك إذا ركزت في كلام معظم علماء الكلام عند الأشاعرة والماتريدية وكل علماء الكلام عند المعتزلة والزيدية والإثنا عشرية في مسائل القدم والبقاء لوجدتهم يتكلمون عن زمان مطلق، الأحداث مرتبة فيه بشكل مطلق بالنسبة للجميع، وحتى بالنسبة لرب العالمين، هم وإن أكدوا أن الله خالق الزمن فهم في مسائلهم يجرون الزمن على رب العالمين بشكل أو بآخر. هؤلاء لم يسمعوا في حياتهم قط بـ "النظرية النسبية" وانتفاء الزمن المطلق. لم يسمعوا قط بأن نظرية الكم الحديثة تشكك بالسببية بالشكل الذي نعهده)
هل هذا هو ما تسميه أسلوباً علمياً، أن تطلق هذه الأحكام وأنت لا تعرف ما قاله هؤلاء الناس. ووالله ما عرفت أحداً عرفهم إلا ومدحهم، وما عرفت أحداً استهان بهم إلا وهو جاهل بمقالاتهم، فخفف الوطء يا إسماعيل. وأنا هنا لا أتكلم عن غير الأشعرية، وأود من كل قلبي لو تأتيني بقول واحد من كتب أئمة المذهب وتبين تهافته، سواء باستعمال أسلوبك الأكاديمي العلمي، أو بقواعد المنطق. ولعلني شغف جداً الآن بمعرفة ما قاله صاحب السنوسية الكبرى، بما يظهر قصر باعه في البصريات عندما كان يناقش مسألة الرؤية. وحبذا لو تأتيني بنصه، لنرى أين غلط الرجل، فإما أن نسلم غلطه أو ندفع مقالتك فيه.
قولك: (أنا لا يهمني إذا قال لي فلان أو علان: لست أشعرياً ولا حق لك بالتكلم بالنيابة عنهم. شخصيتي الفكرية يجب أن تكون مستقلة لا يعرّفها إلا ما صارت إليه في رحلة البحث عن الحق. وليس المطلوب أن أمسخها لأحوز على هوية "أشعري". ورحم الله الإمام الفخر الرازي كان كثيرا ما يقول: "قالت الأشاعرة كذا وعندي كذا". وسواء رضي الرازي بكونه أشعريا أم لم يرض فمنظومته الفكرية المستقلة تنتمي إلى المدرسة الأشعرية(
أقول: الصورة التي بدوت بها يا عزيزي أو التي طلعت علينا بها هي أنك أشعري تناقش شيعياً، فلما قصرت في توضيح رأي الأشعرية، وأجبت بجواب من عند نفسك لا على أصولهم، اعترضت عليك، وقلت لا يجوز لك –أي من باب الأمانة العلمية- أن تتلبس بثوب أشعري وتناقش من حيث إنك كذلك ثم تأتي بكلام يناقض أقوالهم. هذا ما اعترضته عليك عندها، وإلا فإنني وإن كنت أحب أن تكون أشعرياً، فأنا لا أبالي أن تكون ما تكون، أنت أو غيرك، وقد قابلت في حياتي عبدة الشيطان وعبدة الطبيعة وصنوفاً من الملاحدة والكفار مما يعلمه الله تعالى، ولكن كلاً منهم كان يعلن عن نفسه بأنه كذا وكذا، ولم يدع أحد منهم أنه مسلم مثلاً ثم أخذ يقرر عقائد الإسلام على هواه. أفهمت الآن ما أقول. وحضرتك لم تقل إني من وجهة نظري أرى أن أشد ما يعكر على المذهب الأشعري هو القول بكذا وكذا، فهل من مناقش، ولكنك أتيت من باب آخر، أليس كذلك يا إسماعيل. فأنا لا أصادر عليك حقك في الاعتراض على المذهب الأشعري، أو مناقشة كائن من كان، ولكني أعترض حين تمثل مذهبي ثم تغلط في مسألة مشهورة فيه، فإذا أنا لم أعترض فقد أقررت كلامك، وهذا لا يجوز لا لك بأن تتكلم بما لا تعلم، ولا لي بأن أسكت عن غلطك.
قولك: (أنا إنسان أكاديمي أشجع على التفكير الأكاديمي الحر وأعتقد أن عندي من حكمة كهولة ما فوق ال 35 ما ليس عند بعض الشباب المتحمس. ولهذا سمحت لنفسي بإطلاق هذه الرسالة للقراء جميعا وإن بدا أن فوهة المدفع موجهة إليك. ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه وعرف قدر الرجال)
أقول: أعرف معنى أكاديمي، ولكني أجهل معنى تفكير أكاديمي، فإذا تكرمت علي بتوضيح هذا المصطلح الجديد علي. ثم لا أراك وقد بلغت الخامسة والثلاثين كهلاً لا لغة ولا شرعاً ولا عرفاً، وأنا نفسي في سن الثالثة والثلاثين، وأجدني في عنفوان شبابي، وكذا الشيخ جلال الجهاني، في مثل سني تقريباً، ولعله يقرأني الآن، ولا أعرف أنه يقول عن نفسه أنه كهل، وشيخي سعيد فودة تجاوز الخامسة والثلاثين، ولا أدري هل من التفكير الأكاديمي أو الأسلوب العلمي أن لا يناقش الكبير الصغير، أم أنك لمست في كلامي حماسة الولدان؟ إذا تقرر أن المرء بأصغريه، وأني لم أبد حماسة الحمقى، فقد سقط كلامك هذا، وإني والله أعرف قدر نفسي، وأعطي كل ذي قدر قدره. فلا تتعجل أنت في الحكم علي قبل أن تختبرني بما فيه الكفاية.
هذا ما أردت أن أضيفه على ما قاله الشيخ سعيد بشأن رسالتك الأولى، وسأتبعه إن شاء الله بكلام على باقي كلامك في أسرع ما يمكنني.
والسلام عليكم ورحمة الله.

بلال النجار
14-08-2003, 14:54
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ إسماعيل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قد كنت في عجلة من أمري، والآن فرغت، وسأتابع معك الحوار إن شاء الله حتى تملّ، وأرجو أن نترك المجاملات قليلاً، وسأسمح لك وأسمح لكائن من كان أن يقسو علي في النقاش بحق، ولا داعي لأن تكرر الاعتذار، فأنا لا ألتفت إلى ذلك.
قولك: (... لو كانت بضاعتي التي تمنيت أن أجدها في هذا الملتقى عندك. ولكني أستطيع أن أقول اليوم: "لعلها ستكون عند بلال الغد... ولكنها بيقين ليست عند بلال اليوم)
أقول: أريد حقاً معرفة هذه البضاعة، فأنا بارع في التجارة، وخير من سام البضائع وثمّنها، فلا تعجل علي، واسمح لنفسك باكتشافي وإنصافي، أيها الأخ العزيز، وبالمناسبة عائلة حمودة مشهورة في الأردن، وأنا أتمنى أن تكون من أهل عمان، وإذا كنت كذلك فأعلمني لعلنا نلتقي ونتحاور وجهاً لوجه، فإن الكلام يطول أحياناً، والكلام مشافهة أفضل عند الإغراق في التفاصيل.

قولك: (استخففت بمسألة هي من أدق المسائل الفكرية واعتقدت أنها من السهل الواضح. قلت.....)
أقول: القضية ليست قضية استخفاف، القضية أني لا أوافق على أن مسألة الحسن والقبح فيها من الشبه ما يعكر صفو المذهب الأشعري، واعتبرت هذه دعوى لا عن دليل. لأني من وجهة نظري كأشعري أجد القول بالحسن والقبح العقليين على المعنى الذي ذكرته أنا وهو أن القبيح هو ما يستلزم الذم حالاً والعقاب مآلاً، والحسن ما يستلزم الذم حالاً والثواب من الله تعالى مآلاً، أقول أجد القول بأن ذلك إنما يعرف بالعقل، باطلاً جملة وتفصيلاً. وأريدك أن تعلم أن إجاباتي كانت على سبيل التناظر السريع مع رجل معتزلي، لا معك أنت، بوصفك -كما فهمت أولاً- أشعرياً يناظر شيعياً ويطلب العون، وقد اعتمدت في كلامي على الإلزامات أكثر من تحقيق المسائل وبحثها بتفصيل. وعلى أي حال، سأرى وجوه اعتراضك على إجاباتي وأناقشها في محله. ولكني الآن أريد فعلاً أن أعرف موقفك في مسألة الحسن والقبح، أهما عندك شرعيين أم عقليين؟ وما معنى الحسن والقبح عندك؟ وبناء عليه سأبدأ في الكلام معك أنت إسماعيل في هذه المسألة.
قولك: (اعتقدت أن المسألة يجاب عليها في باب الصفات (صفة الكلام النفسي) لا في باب الأفعال ثم رأيت نفسك في جوابك الأخير لا تلتفت إلى الصفات أبدا وقد أيقنت أنها لا تفيد في رد الشبهة)
أقول: قولي إن الشبهة يجاب عنها في باب كلامه تعالى، مبناه على أن الشبهة قائلة: (ماذا لو كان الله يكذب علينا فيما أخبرنا به). وعليه فيكون بحث الكذب والصدق في خبره تعالى من مسائل الكلام، لا من مسائل أفعاله تعالى. وذلك يبحث في باب الصفات، لأن كلام الله تعالى عندنا هو صفته القديمة القائمة به، فإذا كنت تقول إن كلام الله تعالى هو من أفعاله، لا من صفاته، انتقلنا إلى البحث في إثبات أن كلام الله تعالى صفته لا فعله. فكيف بعد ذلك تقول إن الجواب على هذه الشبهة في باب الأفعال لا في باب الصفات. ثم إنك تدعي أنني لم أتعرض للكلام في الصفات، بل تكلمت في الأفعال، لأني كما ادعيت أنت أيقنت أن الكلام في الصفات لا يفيد في رد الشبهة. فلعمري ماذا كنت أقول في أول رسالة أرسلتها لك، وكيف بنيت ردي على شبهة جواز الكذب إن لم أتكلم في ذلك. أرجو يا أخ إسماعيل أن ترجع إلى كلامي وتقرأه جيداً. أما أني تكلمت في الأفعال بعد ذلك في رسالتي الأخيرة، فلا أدري لعلك ذهلت عن أني قلت في بدايتها أني أريد أن أضع نفسي مكانك في الإجابة عن أسئلة المعتزلي، فأجبته إجابات مفيدة على قد أسئلته. وتأمل أسئلته:
المعتزلي: أنت تقول بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء من الأفعال.
المعتزلي: إذن أنت تجوز أن يدخل الله تعالى المؤمن النار يوم القيامة ويدخل الكافر الجنة يوم القيامة
المعتزلي: على رسلك.... دعنا من الكلام النفسي وتفصيلات علمائك فيه. وقل لي ما علمته أنت بحواسك. متى أخبرك الله تعالى بمشيئته وكيف؟
المعتزلي: وأين الكلام النفسي في كل هذا؟؟؟ هذه كلها أفعال... وهي ممكنة عقلا وليست واجبة على الله تعالى...
المعتزلي: هل من الجائز عقلا أن يأتيك رجل يزعم أمورا مختلفة غير صحيحة؟
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يخلق الله من الخوارق ما يبدو أنه يؤيد دعوى هذا الرجل؟
المعتزلي: هل من الممكن عقلا أن يجعل الله تعالى الناس جميعا يسمعون الرسول الصادق بشكل خاطئ يؤدي إلى فهم رسالة خاطئة؟
المعتزلي: هذه كلها أفعال ممكنة عقلا في حق الله تعالى تمنعك أن تتعرف إلى علمه ومشيئته... أليس كذلك؟ وقد زعمت من قبل أن إدخال المؤمن النار وإدخال الكافر الجنة ممكنان عقلا...
المعتزلي: ولكني أنا المعتزلي أرى في هذا عبثا وظلما وكذبا... قل لي بربك: أليس تجميع هذه الممكنات التي ذكرتها يؤدي إلى أن يكون من الممكن عقلا أن نكون نحن نعيش في كذبة كبيرة اسمها الدين وأنه ليس هناك حياة تكليف؟؟؟؟
ستجد أن معظم أسئلته عن الأفعال، فكيف تريدني أن لا أتكلم فيها وهو يسألني عنها. وإن ما عملته في رسالتي السابقتين أني حاولت أن أجعل الحديث في الشبهة في باب الصفات لا في باب الأفعال، وأن أجيب الخصم على قدر سؤاله، فلا يرد علي أني أقطع الكلام ولا أحرره وأسيء فهم السائل، وأنا أطلب منك أن تريني أين أسأت فهم السائل، وأين أجبته على خلاف السؤال؟

قولك: (الخلط البين بين المطلوب برهنته وبين مقدمات البرهان فهناك في كلامك ما لا يخفى عليك من دور ومصادرة على المطلوب. المطلوب البرهنة على أن الله تعالى شاء لنا حياة التكليف والبرهنة عندك تعتمد على صدق الحواس وصدق دلالات الخوارق وعصمة الأنبياء التي لا يسلم بها إلا بناء على أننا نعرف أن الله شاء لنا حياة التكليف!!!! )
أقول: على رسلك يا إسماعيل، هذا كلام كبير، أريدك أن تريني أين صادرت على المطلوب في رسالتي الأخيرة، وأين وقع الدور في كلامي، لو تكرمت علي، انقل الجملة/ الجمل من كلامي التي صادرت فيها على المطلوب، والجملة/ الجمل التي وقعت فيها في الدور. ودعنا نناقش ذلك. ثم من قال لك إن (صدق الحواس، وصدق دلالات الخوارق، وعصمة الأنبياء) لا يسلم بها إلا بعد معرفة أن الله تعالى شاء لنا حياة التكليف. أريدك يا إسماعيل أن تبين لي وجه توقف صدق الحاسة على مشيئة الله بتكليفنا، ثم تبين لي وجه توقف (دلالة المعجزة على صدق الرسول) على مشيئة الله بتكليفنا، ثم تبين لي وجه توقف عصمة الرسول على مشيئة الله بتكليفنا. وهب أن الله تعالى أرسل الرسل بأخبار فقط ولم يطلب منا أي طلب، ولا حتى تصديق هذه الأخبار، فهل تقول: إن تصديق ما جاء به الرسول يتوقف على معرفة مشيئة الله بالتكليف؟ فههنا لا تكليف أصلاً، فهل ترى أن صدقه يتوقف على معرفة أننا مكلفون؟ ما رأيك في ذلك؟
قولك: (الهروب من ضبط المسألة بشكل أكاديمي دقيق وتقطيعها إلى مسائل مختلفة غير مترابطة يجاب عليها بإجابات كلاسيكية (مفيدة) لا تنطبق على المثال المطروق. لعلك كتبت ما كتبت لإفادة القارئ وتجنيبه "الفتنة". أنا لا أرى هذا الأسلوب علميا. تستطيع أن تكتب بوضوح استدراكا على الموضوع تقول فيه مثلا: "استكمالا للفائدة نوضح للقراء حجية المعجزة وعصمة الأنبياء إذا سلمنا بحياة التكليف)
أقول: أنا لا أهرب ولم أهرب ولن أهرب من ضبط مسألة والكلام فيها على النحو الذي ينبغي أن يتكلم فيها، وليس من سبب يدعوني لذلك أصلاً، كيف وأنا من يبحث يبحث عن مناظر ومناقش، كيف ولو أني أحب الهرب لم أتصد للكلام معك منذ البداية. ثم اعلم أنه ليس عندي ما أخشى أن أبديه، ولا أمتنع عن كتابة شيء خشية افتتان القارئ بما أكتب. ولعمري أي افتتان أخشاه، آلمذهب الأشعري ضعيف حتى أخصف عليه من الكلام ما يواري ضعفه، إذا كنت فهمت ذلك فأنت واهم يا صديقي. أما أنك لا ترى أني لا أكتب بأسلوب علمي، فأولاً: أنا لا أعرف ما تسميه أسلوباً علمياً، فهلا تكرمت علي بتوضيح مقصدك من الأسلوب العلمي لكي ألتزمه في نقاشي معك؟
وثانياً: فالأصل أن تبين لي أن قولي كذا وكذا غلط بدليل كذا وكذا. فإن وجدتني لا أقف عند الدليل، ولا أستسلم للبرهان فاعتزلني لأني عندها أحمق أو مغامر، ولست أهلاً لتتكلم معي. فأرجو أن لا تكرر هكذا كلام، قل لي إن قضيتك الفلانية ليست صحيحة بسبب كذا وكذا. ولا تترك الأمور هكذا خطباً، وطرز كلامك بالأدلة بدل أن تطرزه بعلامات التعجب، هكذا أفهم أنا ما تسميه أنت بالأسلوب العلمي.
قول: (يجب على طالب الحق التفاعل الصادق مع المسألة المطروحة وصياغتها بأقوى شكل يراه الخصم. بل لعلك يجب عليك أن تتفنن في إيجاد حجج لخصمك لم يحلم بها بعد. وصياغتي أنا هي الصياغة القوية للإشكال، وتقطيعك أنت لهذه الصياغة تهرب من إلزاماتها. وتسرعك في الإجابة يدعوني للاعتقاد بأنك لم تتفاعل بعد مع هذه المسائل التفاعل المؤرق ولهذا تسيء فهم المحاور أحيانا وتتعجل بالحكم عليه "من فوق(“
أقول: إذا أنصفت وجدتني متفاعلاً مع أسئلة المعتزلي بشكل جيد، ولا يلزمني عند الجواب على السؤال أن أزيد في الكلام عن حدوده، فتنبه لذلك. أما إذا أردت حواراً مفتوحاً سواء في مسألة الحسن والقبح، أو في الكلام النفسي، أو في أي مسألة أخرى تختارها، فأنا على استعداد للكلام معك فيها، بالدليل، وإذا قلت قولاً عارياً عن الدليل فرده علي مباشرة، وبين لي غلطي وأنا أشهد كل من في المنتدى بأنني سأقر بهذا الغلط، وأتراجع عن قولي إذا بينت لي فساده. أما أن تتهمني بأني أصيغ المسائل على نحو ضعيف، وأجيب عنها بتسرع من فوق ومن تحت، فهذا كلام لا أحبه ولا طائل من ورائه، بيّن لي وللقراء أين قصرت في فهم سؤال المعتزلي، وأين لم أجب عن سؤاله كما ينبغي، وأين غلطت وهكذا... وإلا فلا داعي لهذا الكلام من أصله.

قولك: (الإعجاب بالقدماء والتبرك بحفظ متونهم وشروحها قد يفيد. بل هو لا بد مفيد جدا من ناحية البركة ومن الناحية السيكولوجية التي تشعر المرء بأنه ينتمي لمدرسة فكرية متميزة ممتدة في التاريخ والجغرافيا. وهي مفيدة أيضا من الناحية العلمية إذا كان التعامل معها تعاملا نقديا على أساس أنهم رجال وأننا رجال. ولكن اعلم يا أخي أن المتيسر لنا أكثر بكثير من المتيسر لهم. وأننا يمكننا أن نفهم بعض مسائلهم أفضل مما فهموه هم بكثير وأن نصححهم في كثير. وأن ننصر أفكار هذا على ذاك منهم.)
أقول: لا أدري ما هو الداعي لقولك مثل هذا الكلام، كأني بنفسي أتيتك بكلام نسخته من بعض كتب العلماء، وجئتك به، وقلت لك إن الدليل على كذا هو أن فلان بن فلان قال ذلك... ثم بربك كيف عرفت أني متأثر سيكولوجياً بأولئك الأوائل رحمهم الله. على أي حال، فما أجاب به الشيخ سعيد على باقي الكلام كاف فيما يتعلق بالمتيسر للفرد والمجموع.
قولك: (أنا قليل الاطلاع على المتون وقد حاول أحد الشيوخ في الماضي أن يحفظنا متن السلم في المنطق وأنا متأكد أن معظم طلاب الرياضيات والكمبيوتر أكثر فهما للمنطق من هذا الشيخ (إذا تجاوزنا مسألة المصطلحات))
أقول: زيادة على ما قال الشيخ سعيد، إن دراستي أصلاً هي البرمجة، ثم هندسة الكهرباء وتخصصي هو تكنولوجيا الكمبيوتر والأنظمة الرقمية، وقد مر زمان كنت ألعب بمسائل التفاضل والتكامل والمعادلات التفاضلية كمن يتسلى ويمارس هواياته، ولا يصعب علي الآن أن أراجع هذه العلوم، فتعود إلي ما فقدته من مهارات، وقد حصلت من مسائل الميكانيك والكهرباء والمغناطيسية والإلكترونيات ما قد تعجب منه، واطلاعي على النظرية الذرية الحديثة، والنسبية وغيرها من النظريات الحديثة اطلاع جيد، وعلى مستوى المعادلات الرياضية والحسابات، والفهم لحقيقة الأقوال. وشيخي الشيخ سعيد فودة أصل دراسته في الهندسة الكهربائية واسأل من شئت عنه في الفيزياء، والرياضيات وعلوم البرمجة والكمبيوتر، فنحن أناس أكاديميون على حد تعبيرك يا صديقي قبل أن نتعلم علم الكلام، وتعلمنا على مقاعد الجامعات، وناقشنا الدكاترة في المسائل، وأذكر أن بعض المدرسين كانوا يتحرجون من الكلام معي، لا لشيء إلا لأن طريقة المتكلمين في بحث المسائل وتحقيقها راسخة في عقلي، فلا أقبل قولاً على عواهنه، وإن لم يكن عن اقتناع ودليل فليرد أو يعلق للبحث فيه. ولعلك تطلع على شرح الشيخ سعيد على كتاب الطوالع المسجل صوتياً في منتدى الرازي، وترى مقدار تعمقنا في مباحث الطبيعيات والأمور العامة. ومع كل ذلك لا أقول أنا ولا يقول شيخي، ولا أعرف أحداً تعمق في دراسة المنطق يقول إن طالب رياضيات أو كمبيوتر في غنى عن تعلم المنطق لأنه يعرف أكثر مما في منثور في كتبه. أما الشيخ المذكور فإذا صح ما تقول: فلا يصح في عرفنا أن يسمى شيخاً، لأنه يطلق اصطلاحاً على العلماء، ومن كانت هذه صفته فلا يستحق أن يسمى شيخاً.
قولك: (وحضرت يوما درسا في النسفية وكان في كلام صاحب المتن أو الشارح التفتازاني (لست متأكدا) برهنة على بعض المقولات باستخدام برهان الطوفان والتطبيق. إنه كلام من لا يعرف معنى الـ "ما لا نهاية" في الرياضيات فيجمعها ويطرحها من طرفي المعادلة كما يحلو له)
لم يرد في شرح النسفية أو متنها ما يسمى ببرهان الطوفان، أما برهان التطبيق، فأنا أتحداك أن تقرره لي وتجد فيه ثغرة واحدة، تقدح فيه، حتى لا يعود برهاناً صالحاً لنقض التسلسل. ولن أزيد فيما يتعلق بالمالانهاية على ما قاله الشيخ، ولكني أدعوك للقراءة في كتب كالأربعين وشرح الطوالع والمقاصد والمطالب العالية والمواقف وغيرها من أمثالها، ثم عد إلي وقل لي رأيك هل أصحاب هذه الكتب يفهمون المالانهاية أو لا، وهل يفهم هؤلاء معنى الزمان والمكان أو لا؟
فأنا أستغرب من تصريحك بأنك غير مطلع على المتون فبأولى أن لا تكون مطلعاً على المطولات من كتب الأشعرية ثم تقول: (ولعلك إذا ركزت في كلام معظم علماء الكلام عند الأشاعرة والماتريدية وكل علماء الكلام عند المعتزلة والزيدية والإثنا عشرية في مسائل القدم والبقاء لوجدتهم يتكلمون عن زمان مطلق، الأحداث مرتبة فيه بشكل مطلق بالنسبة للجميع، وحتى بالنسبة لرب العالمين، هم وإن أكدوا أن الله خالق الزمن فهم في مسائلهم يجرون الزمن على رب العالمين بشكل أو بآخر. هؤلاء لم يسمعوا في حياتهم قط بـ "النظرية النسبية" وانتفاء الزمن المطلق. لم يسمعوا قط بأن نظرية الكم الحديثة تشكك بالسببية بالشكل الذي نعهده)
هل هذا هو ما تسميه أسلوباً علمياً، أن تطلق هذه الأحكام وأنت لا تعرف ما قاله هؤلاء الناس. ووالله ما عرفت أحداً عرفهم إلا ومدحهم، وما عرفت أحداً استهان بهم إلا وهو جاهل بمقالاتهم، فخفف الوطء يا إسماعيل. وأنا هنا لا أتكلم عن غير الأشعرية، وأود من كل قلبي لو تأتيني بقول واحد من كتب أئمة المذهب وتبين تهافته، سواء باستعمال أسلوبك الأكاديمي العلمي، أو بقواعد المنطق. ولعلني شغف جداً الآن بمعرفة ما قاله صاحب السنوسية الكبرى، بما يظهر قصر باعه في البصريات عندما كان يناقش مسألة الرؤية. وحبذا لو تأتيني بنصه، لنرى أين غلط الرجل، فإما أن نسلم غلطه أو ندفع مقالتك فيه.
قولك: (أنا لا يهمني إذا قال لي فلان أو علان: لست أشعرياً ولا حق لك بالتكلم بالنيابة عنهم. شخصيتي الفكرية يجب أن تكون مستقلة لا يعرّفها إلا ما صارت إليه في رحلة البحث عن الحق. وليس المطلوب أن أمسخها لأحوز على هوية "أشعري". ورحم الله الإمام الفخر الرازي كان كثيرا ما يقول: "قالت الأشاعرة كذا وعندي كذا". وسواء رضي الرازي بكونه أشعريا أم لم يرض فمنظومته الفكرية المستقلة تنتمي إلى المدرسة الأشعرية(
أقول: الصورة التي بدوت بها يا عزيزي أو التي طلعت علينا بها هي أنك أشعري تناقش شيعياً، فلما قصرت في توضيح رأي الأشعرية، وأجبت بجواب من عند نفسك لا على أصولهم، اعترضت عليك، وقلت لا يجوز لك –أي من باب الأمانة العلمية- أن تتلبس بثوب أشعري وتناقش من حيث إنك كذلك ثم تأتي بكلام يناقض أقوالهم. هذا ما اعترضته عليك عندها، وإلا فإنني وإن كنت أحب أن تكون أشعرياً، فأنا لا أبالي أن تكون ما تكون، أنت أو غيرك، وقد قابلت في حياتي عبدة الشيطان وعبدة الطبيعة وصنوفاً من الملاحدة والكفار مما يعلمه الله تعالى، ولكن كلاً منهم كان يعلن عن نفسه بأنه كذا وكذا، ولم يدع أحد منهم أنه مسلم مثلاً ثم أخذ يقرر عقائد الإسلام على هواه. أفهمت الآن ما أقول. وحضرتك لم تقل إني من وجهة نظري أرى أن أشد ما يعكر على المذهب الأشعري هو القول بكذا وكذا، فهل من مناقش، ولكنك أتيت من باب آخر، أليس كذلك يا إسماعيل. فأنا لا أصادر عليك حقك في الاعتراض على المذهب الأشعري، أو مناقشة كائن من كان، ولكني أعترض حين تمثل مذهبي ثم تغلط في مسألة مشهورة فيه، فإذا أنا لم أعترض فقد أقررت كلامك، وهذا لا يجوز لا لك بأن تتكلم بما لا تعلم، ولا لي بأن أسكت عن غلطك.
قولك: (أنا إنسان أكاديمي أشجع على التفكير الأكاديمي الحر وأعتقد أن عندي من حكمة كهولة ما فوق ال 35 ما ليس عند بعض الشباب المتحمس. ولهذا سمحت لنفسي بإطلاق هذه الرسالة للقراء جميعا وإن بدا أن فوهة المدفع موجهة إليك. ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه وعرف قدر الرجال)
أقول: أعرف معنى أكاديمي، ولكني أجهل معنى تفكير أكاديمي، فإذا تكرمت علي بتوضيح هذا المصطلح الجديد علي. ثم لا أراك وقد بلغت الخامسة والثلاثين كهلاً لا لغة ولا شرعاً ولا عرفاً، وأنا نفسي في سن الثالثة والثلاثين، وأجدني في عنفوان شبابي، وكذا الشيخ جلال الجهاني، في مثل سني تقريباً، ولعله يقرأني الآن، ولا أعرف أنه يقول عن نفسه أنه كهل، وشيخي سعيد فودة تجاوز الخامسة والثلاثين، ولا أدري هل من التفكير الأكاديمي أو الأسلوب العلمي أن لا يناقش الكبير الصغير، أم أنك لمست في كلامي حماسة الولدان؟ إذا تقرر أن المرء بأصغريه، وأني لم أبد حماسة الحمقى، فقد سقط كلامك هذا، وإني والله أعرف قدر نفسي، وأعطي كل ذي قدر قدره. فلا تتعجل أنت في الحكم علي قبل أن تختبرني بما فيه الكفاية.
هذا ما أردت أن أضيفه على ما قاله الشيخ سعيد بشأن رسالتك الأولى، وسأتبعه إن شاء الله بكلام على باقي كلامك في أسرع ما يمكنني.
والسلام عليكم ورحمة الله.

بلال النجار
16-08-2003, 10:26
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ إسماعيل،
السلام عليكم، هذا كلام على ما علقته على إجاباتي للمعتزلي المفترض، كما وعدتك. أرجو أن يتسع لها صدرك، كما وسع صدري كل كلامك وقال هل من مزيد.
قولك على جوابي عن السؤال الأول: (كلام منطقي مفيد جدا)
أقول: هل هذا إقرار منك بالدليل على أنه لا يجب على الله فعل شيء من الأفعال، أم أنك ستأتي بما يناقضه ونواصل الكلام حتى يتبين الحق في هذه المسألة. فإذا كنت تسلم لي بأنه لا يجب على الله تعالى فعل شيء من الأفعال، فأرجو أن لا تعود فتنقض تسليمك هذا فيما يأتي من كلامك، لأني ربما أعتبر القول بأنه لا يجب على الله فعل شيء من الممكنات مسلمة بيننا فيما قد يأتي من الكلام.
قولك على جوابي عن السؤال الثاني: (هذا الجواب يكفيني)
أقول: كان لا بد أن أبين معنى أنه جائز لذاته عقلاً، مستحيل لغيره.
سؤالك على جوابي عن السؤال الثاني: (كيف عرفت هذا؟؟ أهو علم يقيني منك أم ظني؟؟)
أقول: علمي بأن الله تعالى سيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار، علم قطعي يقيني مستفاد من خبر الرسول المؤيد بالمعجزة، وهو خبر متواتر مفيد للعلم اليقيني. فالمعجزة دليل على وجوب صدقه، ثم كل ما أخبر به وثبت أنه قاله على وجه اليقين أيقناه، وإن ورد أنه قاله وثبت ذلك عندنا على جهة الظن ظنناه، وهكذا. وما ذكرته من المتواتر المستيقن وروده عنه صلى الله عليه وسلم. فلذلك أمنا به على جهة اليقين.
قولك على جوابي عن السؤال الثالث: (الخبر المتواتر يا سيدي حساب احتمالات ويجوز عقلا أن يغلب الله تعالى الاحتمال الضئيل على الاحتمال الكبير جداً جداً ... مثال: يجوز عقلاً أن يخلق الله تعالى جنياً ويأمره بالتشكل على هيئة ألف إنسان مختلف ويروي نفس الكذبة بنفس التفاصيل!!! كلامنا هو على الجائز عقلاً وليس على المعتاد)
أقول: هذا كلام في غاية الركاكة. لأن العلم العادي معتبر في هكذا حالة، فقد سلمنا الإمكان العقلي، ولكن كلامنا هو في الإمكان العادي، وهو المناسب لحياة الإنسان، المحكوم بالقوانين العادية التي أودعها الله سبحانه في الطبيعة. ثم إن هنالك فرقاً بين حساب الاحتمالات والتواتر، فإن التواتر يحصل بعدد غير محدد قليل أو كثير، والمعتبر في حصوله وصول النفس إلى اليقين، فمتى بلغت ذلك سمي الخبر متواتراً، وحكم العقل بصدقه، بصرف النظر عن العدد الحاصل به، ولو كان الأمر حساب احتمالات بالمعنى الذي ألمحت إليه بمثالك لكان العدد معتبراً فيه.
وإن للتواتر شروطاً ينبغي تحققها، فإذا تحققت استحال عادة أن يكون الواقع على خلاف المستفاد من التواتر. ولا أريد أن أستفيض في بحث التواتر الآن. وعلى أي حال، فحصول ما تقول خرق للعادة، والأصل أن الله تعالى لا يخرق العادة. وإن الأمر أشبه بأن يقال لنيوتن إن الجدول الفلاني يسير ماؤه من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإنه سيتلقى الأمر على أنه نكتة، ولن يأبه به، لا لأن الأمر غير ممكن عقلاً، بل لمخالفته العادة المعبر عنها هنا بقانون الجاذبية. فإذا ذكر له ذلك ثان وثالث وهكذا حتى قالت البلد إن في أعلى المدينة جدول ماء هذه صفته، فهات المصحف أحلف لك أن نيوتن سيسارع لرؤيته ودراسة هذه الظاهرة. فالعادة هي المعتبرة في هذا الباب لا مجرد الإمكان العقلي.
ثم قل لي هل يمكن أن يكذب عاقل وجود الصين؟ لاحظ أن الاحتمال العقلي من حيث هو احتمال عقلي صرف يبقى قائماً ولكنه احتمال ضئيل جداً يؤول إلى الصفر، والقائل بأن الصين غير موجودة يلزمه أن يحكم باتفاق أهل الجغرافيا والتاريخ وغيرهم على الكذب، وأن يكذب ملايين الناس الذين قالوا نحن زرناها ورأينا أهلها، ويكذب من التقاهم على هيئة أهلها وقالوا نحن نعيش فيها، ويكذب ويكذب ... ولكن كما قلت لو نظر إلى موضوع التواتر على أنه حساب احتمالات واستطعنا أن ندخل جميع احتمالات المتغيرات اللازمة لحسابه إلى كمبيوتر فإننا سنحصل على نسبة تمثل احتمال صدق من ينفي وجود الصين، ولكن لعمري أنت تعلم أن هذا المسكين إذا تمسك بنتيجة الكمبيوتر وقال أنا أنفي وجود الصين لوجود احتمال كذا وكذا أنها غير موجودة، إذاً لأطبق الناس جميعاً على جنونه، إن لم يضربوه بالنعال. إذاً فالعلم المستفاد من التواتر فيه زيادة على المستفاد من الاحتمال.
ومن ذلك يعلم أن المعتبر في المتواتر هو العادة وهو كاف. وأن بلوغ اليقين مع الخبر وإن احتيج فيه إلى حساب احتمالات إلا أن بلوغ القطع لا يعتمد على عدد الناقلين، بدليل حصوله بأعداد متفاوتة. فإن قيل: بل بعدد معين والمعتبر أقل ما حصل به التواتر. قلنا: فقد يقع بذلك الأقل خبر ولا يسلم تواتره إذ لم يفد القطع لافتقاره لما زاد وحصل به القطع في الأول.
وأنت إذا جوزت ذلك، وتمسكت بمجرد الاحتمال العقلي، فإن ذلك يؤدي بك إلى أن لا تثق بشيء قد حصل في الماضي، ولا أن تؤمن بوجود كثير من الأشياء في الحاضر. فقل لي بصراحة إنك تنكر إفادة التواتر للعلم اليقيني لأشرع في الكلام معك على التواتر بتفصيل أكثر. فإنني كما ترى صرت لا أدري من أين أبدأ في الكلام معك، فتارة نتكلم في الحسن والقبح، وتارة نتكلم في الكلام النفسي، وتارة نتكلم في أننا هل نحن مكلفون أو لا... إلى غير ذلك. ما أريده هو أن نحدد بحثنا في مسألة معينة، ثم إذا انتهينا منها انتقلنا إلى غيرها، لا أقول نهمل غيرها عند بحثها ولا نعتبرها أو نفكر في ضوء ملاحظتنا لها، بل أقول نؤجله قليلاً ريثما ننتهي من بحث الأولى، ثم نتناول الثانية، وهكذا لكي يتسنى لنا الوصول إلى نتيجة، وإن كان بحث مسألة ما يتوقف على بحث أخرى، بحثنا الأخرى، ثم رجعنا للأولى.
ولنعد إلى تعليقك، على جوابي، ودعنا نقلل انتشار المسائل قدر الإمكان، أنت قدحت في إفادة التواتر للعلم حين أجيبتك عن معرفتي لمشيئة الله لبعض الأمور بالتواتر، فهل أنت تنكر اليقين بأن الله تعالى قال بأنه سيدخل المؤمن الجنة والكافر النار أو لا؟ إذا كنت تنكر ذلك فهل السبب هو أنك لا تؤمن بأن التواتر يفيد العلم أو لسبب آخر؟ وإذا كنت لا تنكر ذلك فلماذا استوقفتني لتدخل بحث التواتر ههنا؟
قولك: (وأنت تعني ولا ريب الرسول المعصوم، والكلام على البرهنة على عصمته لا يتيسر لك بدون مقدمات تسلم بها، تتلخص بعلمك بأن الله تعالى شاء لك حياة التكليف)
أقول: إذا كان المعني بالعصمة استحالة الوقوع في الذنب مطلقاً، فنعم، لا بد من معرفة أن الله كلف الإنسان، لأن الذنب لا يعرف بأنه ذنب إلا بتمييز الحرام، ولا يعرف الحرام إلا بمعرفة أن الشارع نهى عنه نهي تحريم، وهذا النهي تكليف بفعل هو الكف عنه. فيجب معرفة أن الله كلف الإنسان لتصور عصمة الرسول عن جميع الذنوب. ولكن اعلم أن القدر الكافي عند ادعاء رجل بأنه رسول الله، هو معرفة وجوب صدقه لا معرفة عصمته عن جميع الذنوب، ومعرفة كونه صادقاً لا تتوقف على معرفة أن الله كلف الإنسان أو لم يكلفه. لأن معرفة الصدق والكذب من حيث هما صدق وكذب، وكذا معرفة أن المخبر صادق أو كاذب، كل ذلك لا يتوقف على معرفة أن الله تعالى نهى عن الكذب وتوعد بتعذيب فاعله أو بأعم أنه كلفه بشيء. فتأمل الفرق، فلا دور بالمرة، ولا مصادرة كما تتوهم. ثم إذا علم وجوب صدقه علم مما أخبر به وجوب عصمته من أمثال قوله تعالى: وما ينطق عن الهوى.
قولك: (والكلام على المعجزة مشابه، هو في النهاية قياس على العادة وتغليب للاحتمال الكبير على الصغير)
أقول: في البداية الرسول يدعي صدق ما يقول، وهنا يقوم احتمال صدقه وكذبه، حتى يأتي بالمعجزة التي تقوم هي نفسها دليلاً على صدقه. لا يقال: إن المعجزة رجحت صدقه مع بقاء احتمال كذبه احتمالاً مرجوحاً. لأنا نقول: إن ما حصل لنا بظهور المعجزة على يده علم بصدقه لا ظن بصدقه، لأننا نحس بحواسنا وندرك بعقولنا أن ما جاء به النبي خرق للعادة المستقرة، أي للقانون الطبيعي المطرد، ولا يمكن أن يكون خارق الطبيعة هو نفس النبي لأنه منها وتسري عليه قوانينها، فلا بد إذاً أن يكون خارق هذه العادة والطبيعة غير هذه الطبيعة، وخارجاً عن قوانينها، وذا سلطان عليها، وهذه الأوصاف منطبقة على خالق الطبيعة ومبدعها، الذي وجب عند العقل وجوده وقدمه وبقاؤه ومخالفته للحوادث وقيامه تعالى بنفسه ووحدانيته، وعلمه وقدرته وإرادته. وهذه الأوصاف والصفات كلها، كما تعلم، يمكن للعقل أن يصل إليها دون رسول ولا رسالة. فإذا نظر الإنسان في حال الرسول مخبراً بصدق نفسه ومتحدياً بالمعجزة، علم أن خالق هذا الكون وراء ذلك، وأنه أراد أن يبين له أموراً معينة من طريق هذا الرجل، وأن عليه أن يستمع له ويصدقه ليعلمها. فإننا نقول إنه يستحيل أن تقع المعجزة مقرونة بالتحدي ودعوى النبوة لغير أنبياء الله، لأن ذلك لو سلمنا وقوعه جدلاً فيلزم منه أن الله يقول لنا هذا نبي فصدقوه، بدليل خرقي لعادتي في الأشياء برهاناً على صدقه. فإذا كان هذا الرجل ليس بنبي حقاً، فكأن الله تعالى أخبرنا على خلاف الواقع، ويلزم منه جهل الله جل وعلا أو كذب الله علينا، وهو محال عقلاً كما بيناه في الرسالتين السابقتين. إذا تبين ذلك، فعلى من ينفي كلامنا، ويعتبر أن معجزة الرسول دلالة ظنية لا قطعية، أن يأتي بدليل على جواز كذب مدعي الرسالة بخرق العادة مع التحدي، لأنا لا نعلم أن ذلك قد حصل، مع إثباتنا أنه لا يحصل لاستلزامه المحال كما بينا. فعلى النافي أن يقدح في دليلنا بالنظر أو أن يثبت لنا وقوعه.
والأمر كما ترى بسيط جداً، إذا كان الأمر مجرد احتمال وقانون طبيعي وليس برهاناً عقلياً، أو أنه سحر وشعبذة، فإننا ندعو كل السحرة والعلماء والمشعوذين والمتألهين والمتنبئين ومن في الأرض جميعاً، ونقول لهم: فليخرق لنا واحد منكم قانوناً طبيعاً واحداً مدعياً أنه رسول مخبر بصدق عن الله سبحانه، ولكم علينا أن نصدقه.
قولك: (عندك أنت.. ولكننا نتحدث عن برهنة قاطعة لكل شك عند كل إنسان عاقل ... تحدثنا عن أمور ممكنة عقلاً تقول أنت عنها إنها مستحيلة ... هل هذا هو برهانك؟)
أقول: يا إسماعيل إن قولي (عندي) متعلق بقولي من طريق الخبر المتواتر، لأن بعض الناس ينفون كون التواتر مفيداً للعلم، فلذلك قلت عندي. ثم إنني عندما أتكلم بشيء فإنني أفترض عند مشيي في المقدمات المسلمة عندي أن تفيد العلم بالنتيجة لكل من يقرأها كما أفادتنيه، فإذا خالفني أحد في مقدمة ما فعليه أن يبين ذلك، ففي أي مقدمة تخالفني أنت حتى لا تقبل نتائجي؟ ثم ما هي الامور الممكنة عقلاً والتي أقول أنا عنها إنها مستحيلة عقلاً؟ أهي أن يكذب الله علينا؟ أهي أن يأتي دعيٌّ كاذب برسالة ومعجزة مقرونة بالتحدي؟ حدد بالضبط ما هي الأمور التي أحيلها أنا عقلاً وهي جائزة في نفس الأمر وسنناقش كل واحدة على حدة.
قولك: (لو أنك بدأت بمقدمة تسلم أنت بها بدون برهان خلاصتها أن الله تعالى شاء حياة التكليف حيث يمتحن الإنسان وتقام عليه الحجة بناء على ما يصدقه هذا الإنسان دائماً، لاستطعت أن تبرهن على أن إقامة الحجة توجب عصمة الرسول وتمنع تلبس الجن الموصوف، وتمنع الخوارق المؤيدة للدجالين في دعاويهم الممكنة عقلاً، ولكن لا تمنعها في دعاويهم المستحيلة)
أقول: على رسلك يا اسماعيل، ما تاخدنيش في دوكة... أولاً يجب أن تعلم أن الكلام الآن اختلف كثيراً عما بدأ عليه، كما لا يخفى على مراقب، فأنا سواء كنت أتكلم مع معتزلي أو شيعي أو أشعري فأنا أتكلم مع إنسان يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويؤمن بأن الله كلف الإنسان، إلخ من المقدمات التي يسلم بها مباحثي دون جدال وبرهان وإلا لو كنت أتكلم مع منكر لذلك ما استخدمت شيئاً من ذلك على وجه التسليم، أما الآن فأنت صرت تطلب مني دليلاً على أن الله كلف الإنسان، ودليلاً على عصمة الأنبياء، ودليلاً على امتناع تلبس جني بصور متكثرة تتوارد على الناس بخبر كاذب حتى يحصل عندهم يقين بخبر كاذب، ودليلاً على امتناع ظهور الخوارق على أيدي الدجالين.. إلخ، فإذا كنت تريد الكلام في كل ذلك، ليس عندي أي مانع ولكن دعنا نرتب الأمور ونحدد أمراً واحداً نبدأ بناقشه حتى نفرغ منه، ثم ننتقل إلى غيره كما قلت سابقاً.
وعلى أي حال، لا أرى من حاجة لفرض مسلمة تكليف الإنسان من الإله كما اقترحت علي لأسير في البرهان، لأني كما أوضحت لا أرى أن الحكم بصدق النبي متوقف على هذه المقدمة كما بينت سابقاً. وإن إقامة الحجة بنفس المعجزة، لأنها دليل على صدق المخبر، القائل بأن الله كلفنا بكذا وكذا، والقائل أنه معصوم. فلما وجب عندنا صدقه صار كل ما يقول مسلماً وصحيحاً. أما تلبس الجن الموصوف، فلا أسلم أصلاً إمكان ظهور هذا الجني المفروض في عدة أمكنة وفي زمان واحد بحيث يقطع العقل باستحالة كذب الخبر من هكذا حال، فأطلب أولاً دليلاً على إمكان تصور شيء على نحو ما ذكرت، بحيث يتحقق من حاله صورة التواتر مستوفية جميع شرائطها بحيث توجب العلم القطعي بالخبر. ثم إني لو سلمت لك جدلاً إمكان ذلك، ولا أسلمه، فالكلام فيه من باب الكلام في ظهور الخوارق على أيدي الدجاجلة، وقد بينت فساده لاستلزامه جهل الإله المنافي لوجوب علمه الثابت بالبرهان، أو كذب الإله المنافي لثبوت الكلام النفسي القديم له تعالى، كصفة ومعنى قائم بالله تعالى مغاير للعلم والإرادة. وبيان ذلك أن ظهور الجني وفعله في هذه الحالة كما وصفت بحيث يحقق صورة التواتر، يكون هو نفسه خرقاً للعادة إن سلم إمكانه عقلاً، فلو حصل فهذه بحد ذاتها معجزة توجب العلم بصدقه، ويستحيل أن يفعل الله تعالى ما يوجب العلم بصدق كاذب لأنه كما بينت يستلزم جهل الإله أو كذبه المستحيلان عليه سبحانه.
يتبع ....

بلال النجار
16-08-2003, 10:29
قولك: (مثال: خوارق تؤيد دعوى النبوة ممنوعة أما الخوارق التي تؤيد دعوى الألوهية فهي ليس ممنوعة)
أقول: لا مشكلة في المثال، فأنا أمنع ظهور الخوارق على أيدي مدعي النبوة، وأجيز ظهورها على مدعي الألوهية، لاحتمال الالتباس في الأولى على ضعاف العقول، وظهور فسادها في الثانية للجميع، وفي بعض الأخبار أن الأعور الدجال يشق الرجل نصفين فيدعوه فيقوم حياً، ولكن كل مؤمن يعلم أن هذا الدجال إنسان، وأن الله تعالى ليس بإنسان، فلا يمكن أن يلتبس على أحد أن هذا ليس هو الإله الأقدس، فمن ماشاه وانصاع لأمره علم نفاقه وموافقته لهواه، لا تصديقه له عن دليل وقناعة.
قولك: (وتمنع خداع الحواس خداعاً ينافي إقامة الحجة ... ولكن هذه المقدمة هي ما تريد أنت البرهنة عليه بناء على مقدمة أخرى هي: يفيد العلم عندي؟؟؟)
أقول: أنا منعت قولك بإمكان أن لا تفيدنا الحواس السليمة العلم بأن ما أحسسناه فقد أدركناه على الوجه الذي من شأن الحاسة أن تدكه، وأن كل ذلك وإن جاز في العقل بالنظر إلى ذاته، فلا يجوز أن يكون قد وقع فعلاً لاستلزامه كثيراً من التناقضات كما بينت ذلك في رسالتي الثانية، فلا أريد أن أعود للكلام في ذلك مرة أخرى، وأنت لم تأت بجديد تبطل فيه ما قلته. أما قولك: (ولكن هذه المقدمة... إلخ) فأنا لم أبرهن على أن الحواس لا تخدعنا مستنداً على أن خبر التواتر مفيد للعلم عندي، كل هذا الكلام أبداً لم يحصل، واطلب من جميع القراء أن يصوتوا على ذلك، وأتحداك أن تريني كيف اعتمدت على إفادة الخبر المتواتر للعلم لأثبت أن الحواس لا تخدعنا. ولا أدري من أين جئت أنت بهذا الكلام.
قولك على جوابي عن السؤال الخامس: (ما يريد المعتزلي قوله هو: حسبت أنك تريد الاستفادة من صفة الكلام النفسي للبرهنة على استحالة تجمع هذه الأفعال الممكنة عقلاً في ظاهرة يعتبرها غيركم كذباً!!! )
أقول: لقد استفدت من صفة الكلام النفسي في محله، ولم أسمع منك بعد تعليقاً على كلامي في ذلك المحل. فلعلك لم تقرأه أو أنك تقرأ ما تريد، وتترك من كلامي ما تريد. وعلى أي حال، لم لا تقول لي بصراحة إنك تنفي الكلام النفسي، وتعتبر الكلام فعلاً لله لا صفته، حتى ننقل الكلام إلى تحقيق أن الكلام ما هو. ولا داعي لكل هذه المواربة، وعلامات التعجب السخيفة، وإذا كنت تنفي الكلام النفسي، فإن قدراً كبيراً من الإشكال سينحل إذا أثبته لك، ألا ترى ذلك صحيحاً؟ فما رأيك في إيقاف الكلام في كل شيء، والقيام بجولة هناك؟ وافق، وأعدك بأن أكون حنوناً في نقاشي.
قولك: (كان أحد الإخوة يحاول في نقاشه معي في الماضي البرهنة على استحالة "الخلف" يوم القيامة الموصوف هنا باستخدام الكلام النفسي، ثم أيقن بفساد هذا الاستدلال ولم يعد للكلام النفسي عنده أي معنى إضافي زائد عن صفة العلم ويفيد في فهم الألوهية)
أقول: ومن تراه يهتم لهذه الرواية. فلا أريتماني سبيل إفساد الاستدلال المشار إليه، ولا فساد القول بالكلام النفسي، وإن كنت رجلاً وأكاديمياً وعقلياً وعلمياً وأي-شي-تريدياً فبين لي فساد القول بالكلام النفسي. وبعدها لك مني من التسليمات ما تريد. فما رأيك بهذا العرض السخي؟
قولك: (والسمع والكلام والبصر كلها صفات لا يرى حاجة للقول بها إلا للدليل السمعي)
أقول: دعني أوافق على أن القول بهذه الصفات لم نكن لنقول به لولا ورود دليل السمع، فلا يضرني ذلك، وهذا ليس سراً فعلماء الأشعرية يقولون ذلك. بل ويقولون أكثر من ذلك، لو كنت تدري. ولكن دعني أميز بين صفة الكلام وصفتي السمع والبصر، فإنه إذا أمكن رد الأخيرين لصفة أعم هي العلم، فذلك لا يتم في الكلام، وإذا استطعت أنت أن ترد صفة الكلام إلى صفة العلم أو صفة الإرادة الإرادة، أو تثبت أنه فعل لا صفة، فهات ما تريد من أمثال رواياتك المتبجحة هذه، بل إني سأكتب الحوار الذي دار بيننا كاملاً وأثبت في ذيله اعترافاً أبلغ من اعتراف أخيك المذكور.

قولك: (سؤال عالماشي: هل تعتقد يا أخ بلال أن الإمام أحمد كان يخالف المعتزلة في محنة خلق القرآن لإيمانه بالكلام النفسي؟)
أقول: على الرغم من أن هذا السؤال لا علاقة له من قريب أو بعيد بما نحن فيه، فما لي ومال أحمد رضي الله عنه، سواء أكان يقول بالكلام النفسي أم لا. لست خبيراً بأحمد، ولا في سيرته وأقواله. ولكني أقول: الأصل أن معنى قوله: (القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق) هو أن الكلام صفته القديمة، وإلا لماذا يمنع أحمد أن يكون مخلوقاً إذا لم يكن يرى أنه صفة قديمة كالعلم والقدرة والإرادة. وهذا هو عين القول بالكلام النفسي، إذا سلمت معي أنه ليس هنالك من عاقل يقول بأن الحروف والأصوات والأوراق قديمة. هذا هو ما أتوقعه من رجل المشهور أنه عالم تقي مشى على طريقته علماء كبار شهدوا له بالعلم وصحة الاعتقاد والورع. فإذا كان لديك وجهة نظر فيما يتعلق بقول أحمد، فأخبرنا بها، ولدينا في المنتدى أكثر من متخصص في هذه الأمور ممن يمكنهم أن يناقشوا الأمر معك، أما أنا فلست الشخص المناسب لذلك.
قولك: (لا إشكال ولكن تذكر اعتمادك على الكلام النفسي في مداخلتك الأولى لرد الشبهة!!! )
أقول: سأتذكر اعتمادي على الكلامي النفسي، ما دام لا إشكال، فماذا تريد من علامات التعجب ههنا؟ يعني أين تخالفني حضرتك ما دام لا إشكال في كلامي؟ وأرجو أن تلاحظ أني حيث يرد منك التسليم بقضية من كلامي فإني قد أستخدمها كمسلمة بيننا في محل آخر، فانتبه لذلك.

قولك على جوابي عن السؤال السابع: (نحن نرى بحواسنا خارقة ... كيف علمت أنها تتنزل منزلة قوله تعالى صدق عبدي؟ هذه مصادرة على المطلوب)
أقول: أظن أنني بينت كيفية دلالة المعجزة على وجوب صدق النبي في بداية الرسالة إجمالاً، وإذا احتاج الأمر نقاشاً وتفصيلاً أكثر فيمكن أن نتكلم في ذلك حتى الصباح. ولكن هذه ليست مصادرة على المطلوب يا اسماعيل، لأن النبي كما قلت سابقاً، يدعي النبوة ويطلب أن يصدق، والمعجزة لا يقدر على عملها البشر، فإذا حدثت علم أنها من عند خالق البشر، وظهورها على يدي النبي وهو على تلك الحال من دعوى الصدق والإبلاغ عن الرب سبحانه، تشبه حال من حضر مجلس الملك فقال أيها الناس إن الملك يأمركم أن تفعلوا كذا وكذا وأنا رسول الملك إليكم، فصدقوني، وافعلوا ما تؤمرون، فمن أطاعني فقد أطاع الملك وأرضاه ونال عطاياه، ومن عصاني فقد عصاه وأسخطه ونال عقابه. فقالوا فما الدليل على صدقك؟ فقال الدليل أني أقول للملك خالف عادتك أيها الملك وافعل كذا وكذا إذا كنت صادقاً، فإذا فعل الملك ذلك تنزل فعله عند الحاضرين منزلة قوله صدق رسولي فيما يبلغكم عني. وإذا لم يفعل بان كذبه. ألا ترى أن هذا دليلاً كافياً للحاضرين لكي يصدقوه؟ هذا معنى كلامنا تتنزل المعجزة منزلة قول الله صدق عبدي فيما يبلغكم عني. والمطلوب البرهان على صدق الرسول، وفعل الله للمعجزة دليل على صدقه فيما يخبر به عن الله، فأين المصادرة. ثم إن المعجزة كما ترى يستحيل وقوعها عادة، فلا يظنن أحد أنها تحصل كل يوم، بحيث لا تستغرب ولا يندهش المرء غاية الدهشة عند معاينتها، وإلا لم تكن معجزة، ولا خلاف العادة والقوانين الطبيعية، بل لو تكرر وقوعها واطرد لكانت قانوناً وعادة، كما نقول في السحر بأنه من باب القوانين الطبيعية لا الخوارق.
فحين تحدث المعجزة يقطع العقلاء بأنها من خالق الكون لا من فعل البشر، كما سجد السحرة مستستلمين لما عرفوا من الحق مع أنهم كانوا يخيلون للناس أن حبالهم وعصيهم أفاعي ولكن ما رأوه هو أفعى حقيقية وليس في وسعهم ولا في وسع البشر مضارعة ذلك الفعل، واعترف البلغاء بأن هذا القرآن ليس مثل ما عرفوا من الكلام مع أنه منظوم من نفس الحروف والألفاظ العربية التي كانوا يستخدمونها فلا هو شعر ولا هو نثر ولا قول كاهن ولا قول ساحر ولا يشبه شيئاً من كلام هؤلاء جميعاً ولا غيرهم من البشر، فلا بد أن يكون عند خالق البشر، إلى غير ذلك.
أما قولك (نحن نرى بحواسنا أموراً خارقة)
فأقول: أنت لا ترى أموراً خارقة أنت ترى ما تراه فقط، وعقلك يحكم إذا كانت هذه خلاف العادة أو ليست كذلك، فإذا أريت جاهلاً شيئاً غريباً فقد يذهله الأمر، وقد تستطيع لضعف عقله أن توهمه بأنه أمر خارق للقوانين الطبيعية والعادة، هذا ما قصدته حين قلت (هنالك فرق بين ما يبدو خارقاً وبين ما هو خارق في نفس الأمر).
قولك: (لا نسلم... أنت حر وهذا اعتقادك غير أنه ليس برهاناً)
أقول: حين أقول لا نسلم يا اسماعيل ليس معناه أنني لا أسلم عبطاً وعناداً أو مكابرة أو لهوى في نفسي، أو أي شيء مما توهمته، بحيث تجيبني بقولك (أنت حر ...إلخ) حين أقول لا أسلم، فإن معنى عدم تسليمي هو ظهور خلاف ما لم أسلمه عندي، وضعف حجتك على إثباته، فلو أتيتني بدليل معتبر على إمكان ظهور الخوارق على أيدي أدعياء النبوة لما أمكنني أن أقول لا أسلم ذلك. هل فهمت ما أعني؟
قولك على جوابي عن السؤال الثامن: (ما الذي أوجب عندك كون الإنسان عاقلاً بهذا المعنى؟ أليس هو إيمانك المسبق بأن الله تعالى شاء تكليف إنسان عاقل بإقامة الحجة عليه؟؟؟)
أقول: هذا كلام غريب، فلا أجد تلازماًً بين معرفتي بأن الحس شرط العقل وبين إيماني بأن الله شاء تكليف إنسان عاقل بإقامة الحجة عليه. فأنا أعرف أناساً يقولون الحس شرط العقل، ولا يؤمنون لا بالله ولا برسالاته فما رأيك في ذلك، كيف بربك عرفوا أن الحس شرط العقل أو أن أنهم عقلاء على أي معنى تريد دون تسليمهم المسبق بأن الله شاء تكليف إنسان عاقل؟
قولك: (هذا جواب عاطفي وليس علمياً ... )
أقول: قولي (إذا أجمع الناس على أن ما سمعوه هو (أ)، فإن ما سمعوه هو (أ). لا يقال قال (ب) لكنهم سمعوا (أ)، لأنا نقول: السؤال عما سمعوه، ولأن الأصل أن ما اجتمعوا على أنهم سمعوه فهو عين ما قاله، وادعاء خلافه -مع جوازه في العقل- خلاف الظاهر والعادة والمتواتر من سيرة العقلاء، لا عن دليل.) هذا القدر من كلامي ليس عاطفياً لو تمعنته يا صاح، ربما لو اكتفيت بنفي كونه برهاناً لقبلت ذلك، ولكن له وجهاً قوياً، إذ استندت فيه إلى العادة المطردة والظاهر والقريب والمعلوم من سيرة العقلاء، وعدم وجود دليل على ثبوت قول المخالف، وكل ذلك معتبر في البحث والنظر، مما يجعل قول الخصم احتمالاً بعيداً جداً إذا سلم إمكانه عقلاً. أما قولي: (والمنكر إفادة الحواس للعلم... سفسطائي) فنعم سمه أنت ما شئت، ولكن هذا معروف تماماً عند المتكلمين والفلاسفة والعلماء أن منكر إفادة الحواس للعلم مكابر معاند، وكذا القائل بتناقض العقل عنديّ أو لا أدريّ، وكل ذلك من صنوف السوفسطائية، وليست القضية قضية شتيمة وسباب، ولكني إذا قال لي مناظري أن الحواس لا تفيد العلم فأنا أعرف كيف أتعامل معه وكيف أجيبه وألزمه، وكذا إذا أنكر العلم بالعقل فلكل أسلوب، فهل تنكر أنت شيئاً من ذلك أم ماذا، لا أدري بماذا أزعجك كلامي عن السفسطانية. واعلم أنهم عندي من أشد الناس حمقاً، وتناقضاً من حيث يدرون أو لا يدرون.
قولك: (يمكن أن ينتقد المرء الكثير مما كتب هنا ولا أجد ضرورة لهذا بعد أن فهم جوهر الإشكال(
أقول: حبذا لو فعلت. فحتى هذه اللحظة أنا أتحسس إشكالات كثيرة، ولكني لا أعرف بالضبط مصدر وجعك، وقد أعرف وأخفي عنك أنني أعرف، لأنني أريدك أن تصرح به علناً، ما دمت أكاديمياً حراً ترى ما تريد، أو تريد ما ترى، ولا يهمك إذا كان الدليل معك أن تخالف كائناً من كان.
قولك: (أنت لم تمنع شيئاً...هذه الأمور كلها جائزة عقلاً ومن الجائز عقلاً أن يجعلك الله تعالى تقتنع اقتناعاً خاطئاً بأن مشيئته تعلقت بمنع هذا الجائز عقلاً)
أقول: أرجو أن تتنبه إلى أن معنى قولي ممنوع، أنني أطلب دليلاً على قولك. فأنت لم تأت بدليل، بل كل ما قلته أنه يمكن عقلاً أن يكون كذا، حسناً وأنا أيضاً قلت يمكن عقلاً أن يكون خلاف ما قلت، بل العقلاء معي، وقولك بعيد وخلاف الظاهر والعادة، فأقول لك: أنا أمنع قولك، لأنه لا فضل لقولك على قولي، فائت بدليل على حصوله لا على مجرد إمكانه. هذا معنى قولي ممنوع.
قولك: (بارك الله فيك)
أقول: وهدانا أجمعين والحمد لله رب العالمين.
واعلم أخي إسماعيل أننا لم نبدأ بعد كلاماً بالأدلة، وكل ذلك كان مناوشات ومحاولة للتعرف على أسلوب تفكير بعضنا، وبعض آرائنا، ولذلك فأنا وإن كنت سأتمم التعليق على باقي ما كتبت إن شاء الله، إلا أنني أتمنى عليك أن تصفي ذهنك وتقف على المسائل التي تخالفني فيها واحدة واحدة، فقد بدا لي أنك تخالف في الكلام النفسي، والحسن والقبح، وغير ذلك، وأرجو أن ندعنا من هذه المجادلات التي لا يسمن أكثرها ولا يغني من جوع، ولا يملأ الرؤوس بحيث يمخمخ الواحد في ترتيب الأدلة، وكلها إجابات على الماشي على حد تعبيرك، فأدعوك لأن تبدأ الحديث في مسألة معينة بالأدلة. والله الموفق.
والسلام عليكم ورحمة الله

تنبيه: ما ذكرته في رسالتي السابقة من أنه ليس في النسفية ولا شرحها برهان طوفان عنيت به لفظ برهان الطوفان، لا نفس البرهان لأن البعض يسميه بهذا الاسم. لذا اقتضى التنويه.

إسماعيل حمودة
18-08-2003, 03:32
الأستاذ الفاضل سعيد فودة

السلام عليكم ورحمة الله

وبعد فأنا لم أدرك بعد ما أحفظك في تعليقي السابق. لعلي بالغت في تصوير أن المتيسر لنا أكثر من المتيسر للقدماء. بعد الاعتراف بفضل القدماء وتقدمهم في العلم ولطافة استنتاجاتهم وحسن عباراتهم فإننا نرى لاحقيهم يجمعون إلى علم القدماء كثيرا من الأفكار المستحدثة والتأملات في الشبه المستجدة.. ولا أعتقد أنك تنكر أنك تجد الباقلاني مثلا أكثر عمقا من الأشعري وتجد إمام الحرمين أكثر عمقا من الباقلاني وتجد الغزالي أكثر عمقا من إمام الحرمين ولعلك تجد الفخر الرازي في بعض الأمور أكثر عمقا منهم جميعا. فإن اللاحق أخذ من السابق وزاد وحسن وضبط وصقل أفكاره ما تيسر له مما لم يتيسر للقدماء.( تيسر للفخرالرازي مثلا من كتابات فلاسفة الإسلام ما لم يتيسر لسابقيه).

فإذا كنت تتفق معي في هذا فلا أظنك تعتقد أن العلم توقف عند من كانوا أقل عمقا من هؤلاء النوابغ واكتفوا بوضع المتون وشروحها ووضع الحواشي على الشروح. أنا لا أستصغر هؤلاء البتة. بل إن أحد أعظم الكتب التي قرأتها ونورتني كان السنوسية الكبرى للإمام السنوسي رحمه الله تعالى

ألا ترى معي أن بعض المشهورين من الأشاعرة في الماضي كانوا بعيدين عن الموضوعية وأسرى العصبية عندما كانوا يحددون ثلاثا وسبعين فرقة إسلامية يضعون منها 72 في النار ولا يخطر ببال الواحد منهم أن يتمثل الفخ الفكري الذي سقط فيه خصمه الفكري (المعتزلي مثلا) ويحاول أن يضع نفسه في موضع خصمه ويتفهم طريقة تفكيره وحسن أو سوء نواياه في هذا؟ (هؤلاء عنده "مجوس الأمة القدريون"). ألم تلاحظ اهتمامهم بمسائل غير مهمة مثل مسألة خلق القرآن ومسألة الرؤية وتفصيلات في التفضيل بين الصحابة والانتصار لشخصية الإمام أحمد وربطهم التسنن بهذه المسائل؟

المتيسر لنا أكثر من المتيسر لهم.
1- كل كتبهم متيسرة لنا
2- كثير من كتب خصومهم متيسرة لنا
3- الإنترنت متيسر لنا حيث يمكنك أن تناقش خصوم الأشاعرة الفكريين في المنتديات
4- كتب الفلسفة الغربية والشرقية متيسرة لنا.
5- والجامعات تعرض بشكل أكاديمي مواقع المدارس الفكرية المختلفة في تاريخ الفكر الإنساني
6- وهناك التطور العلمي الحديث الذي جلب معه شبها فكرية كثيرة نقاشاتها تصقل الأفكار
7- وهناك تطورات علم الرياضيات والمنطق الرياضي
8- وهناك الاختراعات الحديثة التي نشطت قدرة الخيال العلمي
9- وهناك قصص الخيال العلمي وأفلام السينما .... الخ
10- وهناك الكمبيوتر
تصور فكرة أن تستطيع أنت أن تبني عالما كاملا فيه كائنات أنت تعرّفها وأنت تعرّف الزمان والمكان لها. وأنت تعرّف القوانين التي تحكم هذا العالم كما تشاء أنت. أنت الآن تستطيع هذا باستخدام الكمبيوتر. وهذا يساعدك كثيرا على استيعاب مفاهيم مثل الزمان والمكان والقوانين والسببية. بل أنت لا تحتاج لبرمجة مثل هذا العالم ولك أن تكتفي بإجراء تجارب تخيلية في هذا العالم الخيالي والقيام بالتأملات اللازمة.
تصور أنك تستطيع أن تناقش القائلين بالتطور وتسألهم: إذن من الممكن عقلا أن تتطور هذه الكائنات التي أعرّفها في برنامج الكمبيوتر الخيالي الذي أضعه إذا اخترت قوانين ذكية تسمح بذلك. ولعلها تطور وعيا و"حياة" كما تعتقدون. ما رأيكم؟ هل يمكن أن نصنع حياة واعية في برنامج كمبيوتر؟ ما المانع؟
يمكنك أن تطرح أسئلة أخرى لم تطرح بشكل واف سابقا: هل من الجائز عقلا أن يتأخر السبب زمانيا عن النتيجة؟؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فهل يشاء الله تعالى أن يحصل مثل هذا في عالم التكليف؟؟ يمكنك أن تستفيد من برامج الخيال العلمي وتطرح أسئلة لم تكن مطروحة. يكفي أن تتفكر في بعض نشاطاتنا الاجتماعية الحديثة وتلاحظ تشابها بينها وبين نمط تفكير بعض المدارس الفكرية. تفكر في عمل المخرج السينمائي وفي عمل المخرج المسرحي وفي طريقة التفكير الأشعرية والاعتزالية. هناك مجال رائع لمقارنة مفيدة جدا أنعم الله تعالى علي بملاحظتها.

ثم إن القدماء غير معصومين. والأمثلة التي ذكرتها من الحافظة أرجو أن تكون صحيحة. (ليست عندي الآن الكتب التي تؤكد زعمي وأرجو أن تحيلوني على نسخات إلكترونية لها إن توفرت)
أما برهان الطوفان والتطبيق فأذكر أنه وضع للبرهنة على استحالة أن يكون الزمن لا أول له (حضرته في درس قبل 10 سنوات تقريبا). كيف تكون البرهنة؟ عن طريق البرهان غير المباشر. نفترض صحة أن الزمن لا أول له ونقارن بين فترتين زمنيتين: الفترة الأولى هو الزمن الذي سبق هذه اللحظة التي نعيشها والثاني هو الزمن الذي سبق طوفان سيدنا نوح عليه السلام. نقارن بين الزمنين في الطول: كيف؟ بالتطبيق... ماذا يعني هذا؟ نأخذ 10 سنوات من الزمن الأول ونطبقها على 10 سنوات من الزمن الثاني. أي أننا نعود إلى الوراء في الزمن لمسافة 10 سنوات في كلا الحالين. بسبب التطبيق نجد أن طول الزمنين حتى الآن 10. ثم نعود إلى الوراء في الزمن أكثر(نفس المسافة الزمنية في كلا الحالين) ونكرر هذه الخطوة مرارا وتكرارا. بتطبيقنا لهذه المسافات الزمنية في كلا الحالين (الزمنين) لن نصل قط إلى أن أحد الزمنين أكبر من الثاني. ولكننا نعلم يقينا أن الزمن الأول أكبر من الزمن الثاني بمقدار المسافة الزمنية التي تفصل بين الطوفان وبين يومنا هذا. النتيجة: لا يمكن أن يكون الزمن لا أول له.
وأنا أقول: إذا كان البرهان كما صورته أنا هنا فهو برهان سخيف لشخص لا يفهم ما لا نهاية له

وأما ما قرأته في السنوسية الكبرى (بتحقيق دكتور من جامعة قطر) فأنا لا أذكره اليوم تماما. ولعله كان دعوى السنوسي بأن شعاع الضوء يخرج من العين فيصيب الجسم المرئي.

هذا ما أردت بيانه بشأن التعامل مع نصوص القدماء. يجب التعامل معها تعاملا نقديا متفتحا يستفيد من البعد التاريخي الذي يسقط كثيرا من اعتبارات ردات الفعل وطبيعة خصوم المؤلف القديم التي قد تكون تحكمت بالمؤلف وأثرت على موضوعيته ويضع النص في سياقه ونسقه التاريخي الصحيح ويحاول أن يستخرج من هذه النصوص ما تعالج به مسائلنا الفكرية بالشكل الذي تطرح علينا به اليوم.

أما الأمر الذي لم أجد له ضابطا في كلامك يا أستاذ سعيد فهو مسألة الالتزام بالمذهب الأشعري. ما معنى الالتزام هنا؟ هل هو الالتزام بطلب تنزيه الله تعالى وتعظيمه؟ أم هو الالتزام بمنهج فكري في استخراج المعلومات؟ أم هو الالتزام بمتن معين من متون الأشاعرة لا يجوز الخروج عنه.
أنا متأكد أنك لا ترى الأشاعرة كلهم الواحد منهم نسخة كربون عن الآخر. إذن كيف يكون الالتزام؟
عندما شنع السنوسي على الفخرالرازي من كان الملتزم ومن خرج عن مذهب الأشاعرة؟
عندما شنع الكوثري على مصطفى صبري من كان الملتزم ومن خرج عن مذهب الأشاعرة؟
وما لنا نستخدم مقاييس مطاطة أحيانا فنبحث عن حلول توفيقية نجعل فيها من الماتريدي أشعريا ومن الفاضل من الحنابلة أشعريا ثم تكون أحكامنا قاسية على من يقول بخلاف ما نعهد في أشياء صغيرة (مثل العبد الفقير) فنحكم بأنه ليس ملتزما بالأشعرية؟
أين الضابط؟

قلت، حفظك الله، ((فقد اتضحت عندي هويتك، وعرفت أنك على فضلك باحث على حسب ما تعتقد أنت، لا تلتزم بمذهب تمام الالتزام، وربما يعود سبب هذا عندي إلى عدم تعمقك في هذه المذاهب))
الذي أعرفه هو أن الباحث عن الحق يبحث على حسب ما استقر عنده من حق لا على حسب ما استقر عند غيره. ولن يلتزم هذا الباحث عن الحق بمذهب تمام الالتزام إلا إذا استقر عنده تمام الاستقرار أن هذا المذهب حق.
عندي سؤال هنا: ماذا تقصد بالمذهب؟ هل المذهب الماتريدي والمذهب الأشعري عندك مذهب واحد؟

واسلم لأخيك والسلام

ملاحظة: قلت، حفظك الله، إن عندك كلاما دقيقا في الزمان والسببية. وقد كنت كتبت قبل عام تقريبا شيئا في هذا المجال باقتضاب وبلغة حديثة وبمثال جميل. وأنا أحب أن أطلع أهل المنتدى هنا عليه لأن المتأمل في هذا المثال قد يصل إلى نتائج تخالف ما يعهد في نقطتين: هل يجوز وجود حوادث لا أول لها في عالمنا؟ هل يجوز أن تسبق النتيجة السبب في عالمنا؟ تفكر يا سيدي في هذين السؤالين وإذا استعجلت جوابي قبل أن أضعه في المنتدى فعليك بهذا الرابط:
http://forum.hajr.org/showthread.php?s=&threadid=402687803

إسماعيل حمودة
18-08-2003, 03:42
أخي الكريم بلال النجار
السلام عليكم ورحمة الله

طلبا للاختصار نكتب الإشكال ثانية:
"هل من الجائز عقلا أن يجعلك الله تعالى تقتنع اقتناعاً خاطئاً بأنك مكلف؟"

" هل من الجائز عقلا أن يخلق الله تعالى أفعالا تجعلك تعتقد اعتقادا خاطئا بأن مشيئته تعلقت بشيء ما "
المعتزلة يقولون: هذا مستحيل لأنه قبيح
أنا أقول: هذا فعل. وكل فعل ممكن في نفسه لا تخصصه إلا المشيئة الإلهية فتوجبه أو تمنعه. والقول بأننا نعلم بأن المشيئة الإلهية تمننع هذا الشيء هو مصادرة على المطلوب. إذن جوابي هو: نعم، هو جائز عقلا ولكنه لا يحصل كما أؤمن وليس عندي برهان.
أنت تقول: هذا لا يكون. وعندك البرهان: ........(ما هو؟ أعتقد أنك ستقول ببرهان يعتمد على الكلام النفسي كما فهمت منك على الهاتف)

أخي الكريم: إذا كان الأمر كذلك فعندي أسئلة:
1- هل تفكرت في هذه المسألة قبل حوارنا هذا أم هي من ثمرات هذا الحوار؟
2- إذا كان الجواب نعم فهل قرأت هذه المسألة في مكان ما؟
3- ألست تحتاج الآن إلى صفة الكلام لبيان معاني جديدة واجبة للألوهية غير متضمنة في العلم والإرادة؟ ألا يعني هذا أن دليل صفة الكلام النفسي لا يجوز أن يكون سمعيا فقط وإنما يجب أن يكون عقليا ؟
4- هلا وضحت إذن ماذا تعني بالكلام النفسي ودليل وجوده العقلي وصلاح هذه الصفة لحل الإشكال
5- الواضح في مدعاك أن صفة الكلام عندك تخصص الأفعال الجائزة فتجعل بعضها واجبة وبعضها مستحيلة. هذا لا نعلمه نحن إلا في صفة الإرادة. فهل قال أحد من الأشاعرة ما تقول؟ وهل هناك صفة ثالثة بخلاف المشيئة والكلام تخصص الأفعال كذلك؟

في الختام أذكر بقناعتي بأن ما أوردته من استدلالات بالمعجزة أو بصدق الرسول لا يكون إلا بعد ثبوت التكليف. قلت: (()
أقول: أظن أنني بينت كيفية دلالة المعجزة على وجوب صدق النبي في بداية الرسالة إجمالاً، وإذا احتاج الأمر نقاشاً وتفصيلاً أكثر فيمكن أن نتكلم في ذلك حتى الصباح. ولكن هذه ليست مصادرة على المطلوب يا اسماعيل، لأن النبي كما قلت سابقاً، يدعي النبوة ويطلب أن يصدق، والمعجزة لا يقدر على عملها البشر، فإذا حدثت علم أنها من عند خالق البشر، وظهورها على يدي النبي وهو على تلك الحال من دعوى الصدق والإبلاغ عن الرب سبحانه، تشبه حال من حضر مجلس الملك فقال أيها الناس إن الملك يأمركم أن تفعلوا كذا وكذا وأنا رسول الملك إليكم، فصدقوني، وافعلوا ما تؤمرون، فمن أطاعني فقد أطاع الملك وأرضاه ونال عطاياه، ومن عصاني فقد عصاه وأسخطه ونال عقابه. فقالوا فما الدليل على صدقك؟ فقال الدليل أني أقول للملك خالف عادتك أيها الملك وافعل كذا وكذا إذا كنت صادقاً، فإذا فعل الملك ذلك تنزل فعله عند الحاضرين منزلة قوله صدق رسولي فيما يبلغكم عني. وإذا لم يفعل بان كذبه. ألا ترى أن هذا دليلاً كافياً للحاضرين لكي يصدقوه؟))
تعليق: ما الذي يمنع أن يتسلى الملك لا لغرض فيغير عادته موافقا للكذاب؟؟

واسلم والسلام

سعيد فودة
19-08-2003, 12:27
الأخ الفاضل إسماعيل،
أنا لم أنزعج إلا لأنك مع عدم كونك مستحضرا لما تتكلم عنه تماما أقصد ما قاله العلماء إلا أنك تطلق أحكامك جزافا، هذا فقط ما أثارني، وما كنت أتوقع منك ذلك.
وأقول لك لغاية هذه اللحظة فأنت ما زلت تتبع هذا الأسلوب حسب ما أراه في كتابتك الأخيرة. فأنت لم تراجع ما قاله السنوسي في شرح كبراه بعد، وما تبين بعد في أي جانب من الجوانب تبين لك أن من تكلم على التسلسل لم يكن فاهما لمفهوم المالانهاية. ولم يظهر لي بعد اطلاعك الكبير على ما أنجزه علماؤنا الأفاضل في هذا المقام، فأنت ما زلت تدور في فلك السنوسية والسلم المنورق،
وأما أقوالك عن العلماء وأن المتأخر يستفيد عموما من المتقدم، ويزيد عليه، فهذا إن صدق عليهم فلم يجب أن يصدق عليك وأنت لم تطلع على ما قالوه بشكل كاف.
ونحن لا نسلم التفاوت المطلق على الصورة التي بينتها أنت بينهم في هذه المواضيع، لأن هذه المواضيع والمسائل أمور مشتركة بين جنس البشر، ولا تعتمد المعرفة فيها على التراكم الكمي في جميع جهاتها، كالرياضيات والفيزياء والعلوم التجريبية.
وأنا أدعوك لمراجعة ما قاله السنوسي في شرح الكبرى لتعرف أنه لم يقل بالشعاع الصادر بل خالف من قال به.
وأما الخلط الذي ادعيته في كتب الأشعرية، فأنا لا أنزههم ولكن الأمر ليس على الصورة التي تدعيها أنت، وكذلك ما قالوه في الفرق الإسلامية الأخرى، فما قاله عبد القاهر من التكفير لغير الأشاعرة لم يسلمه له غيره كالإمام الرازي مثلا، ولذلك نحن لا نعمم ما قال البعض على الجميع كما تفعل أنت بصورة أو أخرى. ولا أحد من العلماء بمعصوم.
وأما اعتماد الأشاعرة على الإمام أحمد، فلا نسلمه بل هم غاية ما يفعلونه أنهم ينفون عنه تهمة التجسيم، التي يلصقها به بعض أتباعه، أما أن يكونوا قد اعتمدوا أقواله كمصدر يستمدون منه المذهب فهذا غير صحيح، على الإطلاق.
ومن أين رأيت في كتب الأشاعرة أنهم يستشهدون بما قاله الإمام أحمد في علم التوحيد، على جلالة قدره في علم الحديث؟؟
وحتى لو استشهد به بعضهم، فهل اعتمد على أقواله كبراؤهم ومحققوهم؟!
أرجو منك فقط عندما تتكلم في هذه المواضيع ألا تتسرع ولا تعمم في غير موضع التعميم.
وأما قولك
ألم تلاحظ اهتمامهم بمسائل غير مهمة مثل مسألة خلق القرآن ومسألة الرؤية وتفصيلات في التفضيل بين الصحابة

فأقول:
إن أي مسألة في علم التوحيد ولها ارتباط بالله تعالى وأصول الدين، لا يقال عليها إنها غير مهمة، هكذا كما تقوله أنت، بل يقال لها إنها مسألة من فروع علم التوحيد أو من أصوله، وأما الأهمية وعدمها، فهي أمر إضافي لوصفها ولوقتها التاريخي.
ومن أين عرفت أن هذه المسائل غير مهمة، وما معنى عدم أهميتها؟؟
ألم تعرف أنه لولا تكلم العلماء في مثل هذه المسائل، ووضعهم لها في موضعها اللائق بها، لتكلم فيها الجهلة وقلبوا أمور الدين جملة، فجعلوا الفروع أصولا والمنكر واجبا، كما فعل بعضهم في كون كلام الله أصواتا وحروفا جعل هذا أصلا في الدين، وبعضهم جعل كون الله تعالى في جهة أصلا... وهكذا
فأنا أقول أسألك بناء على ماذا تقول إن هذه المسألة ليست مهمه وهذه المسألة مهمة؟؟؟؟!!

أنا لن أرد الآن على جميع كلامك الذي أوردته أنت ولكن سأجيب عليه لاحقا نقطة نقطة لضيق وقتي.

والسلام عليكم

سعيد فودة
19-08-2003, 14:13
القسم الثاني: من التعليق على ما كتبته أيها الفاضل:
لقد قلتَ:
المتيسر لنا أكثر من المتيسر لهم.
1- كل كتبهم متيسرة لنا
2- كثير من كتب خصومهم متيسرة لنا
3- الإنترنت متيسر لنا حيث يمكنك أن تناقش خصوم الأشاعرة الفكريين في المنتديات
4- كتب الفلسفة الغربية والشرقية متيسرة لنا.
5- والجامعات تعرض بشكل أكاديمي مواقع المدارس الفكرية المختلفة في تاريخ الفكر الإنساني
6- وهناك التطور العلمي الحديث الذي جلب معه شبها فكرية كثيرة نقاشاتها تصقل الأفكار
7- وهناك تطورات علم الرياضيات والمنطق الرياضي
8- وهناك الاختراعات الحديثة التي نشطت قدرة الخيال العلمي
9- وهناك قصص الخيال العلمي وأفلام السينما .... الخ
10- وهناك الكمبيوتر

أقول:
أنا أصلا أتكلم معك أنت لا مع مجموع الناس الموجودين في هذا العالم، ولعلك لم تعلم مرادي عندما قلت لك في تعليقي الأول
"قولك المتيسر لنا، بصيغة المجموع:
إن أردت به لمجموع البشرية فلا ينفعك هنا لأنك أنت الذي تتكلم في هذه المسألة.
وإن أردت به أنت فلا أسلم أنا به لأنه يظهر من كلامك أنك غير مطلع كفاية على ما قالوه، وأخص علماء الأشاعرة، نعم يظهر من كلامك أنك قد فكرت كثيرا في هذه المسائل، ولكنك غير مطلع على كثير مما قالوه، كما سأظهره لك. "
وقد ظهر لي حتى الآن صدق كلامي السابق لا كلامك.
فادعاؤك أن كل كتب الأشاعرة متوفرة لنا، فهذا غير صحيح لا لي ولا لك ولا لنا أي أهل هذا المنتدى.
وتعميمك عبارة عن مغالطة أخرى منك ومجرد تسرع آخر.

هل تعول كثيرا على أن من تصادفهم على الإنترنت يمثلون فعلا خصوم الأشاعرة، أن أن من يناقشهم على أنه أشعري أنه فعلا أشعري، كيف وحالتنا على خلاف ذلك أصلا.

سعيد فودة
19-08-2003, 14:24
القسم الثاني: من التعليق على ما كتبته أيها الفاضل:
لقد قلتَ:
المتيسر لنا أكثر من المتيسر لهم.
1- كل كتبهم متيسرة لنا
2- كثير من كتب خصومهم متيسرة لنا
3- الإنترنت متيسر لنا حيث يمكنك أن تناقش خصوم الأشاعرة الفكريين في المنتديات
4- كتب الفلسفة الغربية والشرقية متيسرة لنا.
5- والجامعات تعرض بشكل أكاديمي مواقع المدارس الفكرية المختلفة في تاريخ الفكر الإنساني
6- وهناك التطور العلمي الحديث الذي جلب معه شبها فكرية كثيرة نقاشاتها تصقل الأفكار
7- وهناك تطورات علم الرياضيات والمنطق الرياضي
8- وهناك الاختراعات الحديثة التي نشطت قدرة الخيال العلمي
9- وهناك قصص الخيال العلمي وأفلام السينما .... الخ
10- وهناك الكمبيوتر

أقول:
أنا أصلا أتكلم معك أنت لا مع مجموع الناس الموجودين في هذا العالم، ولعلك لم تتبين مرادي عندما قلتُ لك في تعليقي الأول
"قولك المتيسر لنا، بصيغة المجموع:
إن أردت به لمجموع البشرية فلا ينفعك هنا لأنك أنت الذي تتكلم في هذه المسألة.
وإن أردت به أنت فلا أسلم أنا به لأنه يظهر من كلامك أنك غير مطلع كفاية على ما قالوه، وأخص علماء الأشاعرة، نعم يظهر من كلامك أنك قد فكرت كثيرا في هذه المسائل، ولكنك غير مطلع على كثير مما قالوه، كما سأظهره لك. "
وقد ظهر لي حتى الآن صدق كلامي السابق لا كلامك.
فادعاؤك أن كل كتب الأشاعرة متوفرة لنا، فهذا غير صحيح لا لي ولا لك ولا لنا أي أهل هذا المنتدى.
وتعميمك عبارة عن مغالطة أخرى منك ومجرد تسرع آخر.

وهل تعول كثيرا على أن من تصادفهم على الإنترنت يمثلون فعلا خصوم الأشاعرة، أن أن من يناقشهم على أنه أشعري أنه فعلا أشعري، كيف وحالتنا على خلاف ذلك أصلا.
وأما قولك" كتب الفلسفة الغربية والشرقية متيسرة لنا."
فهذا فيه ما سبق.
وأما قولك" والجامعات تعرض بشكل أكاديمي مواقع المدارس الفكرية المختلفة في تاريخ الفكر الإنساني "
فأقول إن كنت تعتمد فعلا على الجامعات وأراك تعتمد ذلك كثيرا، فهذه مصيبة أو أنك لا تعرف مصائب الجامعات، ومن قال لك أن فكرا عربيا تطور من خلال إحدى الجامعات العربية والإسلامية الموجودة حاليا؟ وهذا بخلاف الجامعات الغربية حيث إن كثيرا من الأفكار والفلسفات الغربية تطورت من خلال الجامعات.
فقولك هذا لا يفيدك، ويدل على ضعف اطلاعك على ما تشتمل عليه الجامعات.
وأما كلامك عن التطورات العلمية في مختلف الميادين حتى في السينما، فنحن على اطلاع على كثير من ذلك، وما ذكرته أنت حتى الآن لا يفيد كثيرا في معالجة المسائل وحلها حلا جديدا كما تدعي.
على أننا لا نلقي على ما ذكرتَه أملا كبيرا، لأن هذا لا يؤثر على جوهر المسائل التي يدور عليها الكلام.
ولعلك لو لاحظت التطور الفكري في هذه المسائل العقائدية منذ القدم حتى الآن لعرفت حقيقة ما أقول من أنها لا تعتمد في أكثرها على المخترعات العلمية أصالة أي في أصولها الكلية، بل نعتقد أن أكثر العلوم المعاصرة والتظورات في المذاهب العلمية والنظريات، لو اعتمد المذاهب الكلامية والنظريات التي فيه، لدفعته هذه كثيرا إلى الأمام.

معظم كلامك حتى الآن خطابي لا قيمة فعلية له.

وسوف أكمل الكلام على ما أودعتَه في رسالتك الأخيرة تباعا.
والله الموفق.

بلال النجار
20-08-2003, 13:04
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله

وبعد، فهذه مناقشات وإجابات لما سألت عنه.
فسؤالك: (هل من الجائز عقلا أن يجعلك الله تعالى تقتنع اقتناعاً خاطئاً بأنك مكلف؟)
أقول فيه: المفهوم من السؤال أنه عن الإمكانية العقلية لاقتناع غير المكلف بأنه مكلف. لأن هذا الأمر إما أنه ممكن أو محال، لاتفاقنا على أنه ليس بواجب. وأخرجت من فهمي للسؤال قولك أن يجعلك الله، لأن الأمر إن صح إمكانه فالله قادر عليه، وإن صح وقوعه فلا خالق له إلا رب العالمين. وما العبد إلا كاسباً أو مضطراً، وعلى القولين فما من قناعة إلا والله خالقها.
وأود لو تلاحظ أن الحقيقة في نفس الأمر بحسب فرضك هو أن المسؤول غير مكلف، والقناعة أو الاعتقاد الحاصل في نفسه هو أنه مكلف. وعليه فلا أشك أنك توافقني على أن هذا الاعتقاد الذي في نفسه هو على خلاف الواقع بدليل تقييدك له بالخاطئ. فيلزم على ذلك أنه في تلك الحالة غير عالم بحقيقة حاله من عدم التكليف. بل هو إما واهم بتلك القناعة أو ظانّ في أحسن أحواله، ضرورة أنه العلم لا يمكن أن يقع على خلاف الواقع. بخلاف القناعة والاعتقاد. ودليله الشاهد.
إذا تقرر ذلك فينبغي أن يلاحظ السائل والمجيب أن المعني بالقناعة هنا ليس هو المعني بالمعرفة والعلم، وإلا كان معنى السؤال: هل يمكن أن يعلم المسؤول بعلم يخالف الواقع. والتناقض فيه ظاهر. لأن العلم لا يكون إلا مطابقاً للواقع، فكأنا قلنا: هل يمكن أن تكون قضية القناعة مطابقة للواقع، وغير مطابقة له في آن. فيكون الجواب بالنفي على الاستحالة، لأن المتناقضتين لا تصدقان معاً، ولا تكذبان معاً. فعلم أن السؤال قطعاً عن إمكان حصول القناعة على خلاف الواقع، لا عن إمكان العلم على خلاف الواقع. وفرق كبير بين الأمرين. وعليه فكل قناعة على خلاف الواقع فهي غير مبنية على علم، بل على ظن وما دونه. فتنبه.
ثم إن سلمت أن الإنسان غير خالق لأفعاله، وانفعالاته، وكيفيات نفسه، علمت أن كل قناعة فإن الله خالقها، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، وسواء قلت إنه كاسب أو مضطر. وبناء على ما مضى من التوضيح، أقول: نعم يجوز أن يخلق الله في نفس الإنسان اقتناعاً بقضايا مخالفة للواقع. ومنكر هذا مكابر. لأنه في الشهد واقع وكثير.
ولكن ههنا بحث لطيف ومفيد، فقد قلنا إن الإنسان في قناعته تلك إما أنه كان مختاراً حراً كاسباً، أو أنه كان مضطراً. وعلى كل إما أن يكون قد حصل تلك القناعة بالبداهة أو النظر. وطريق البداهة لا يسلم لاختلاف العقلاء في معرفة هل هم مكلفون أو لا. فيبقى طريق النظر. فأقول: إذا كان السائل يسأل عن تأدي المسؤول لقناعته بمقدمات كل واحدة منها قطعية، وكانت مرتبة في صورة منتجة. أي أن ذلك الإنسان حصل برهاناً تاماً على أنه مكلف في حين أنه غير مكلف، فهذا مستحيل الحصول، ولا يمكن أن يجوزه عاقل. لأن البرهان العقلي مفيد للعلم، فالكلام فيه كالكلام في العلم كما مضى.
فيبقى أن تكون تلك القناعة قد حصلت له بالكسب لا عن برهان وهذه القناعة لا اعتداد بها ولا إشكال فيها. أو بالاضطرار دون سبب عادي، بحيث وجد نفسه مقتنعاً بتلك القناعة إثر خلق الله لها في قلبه دون استخدام منه لأي طريق عادي من طرق المعرفة، وهذا صريح في الجبر، كقوله تعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) فإن الآية كما تحتمل أن يهيء لهم من الأسباب العادية وطرق الهداية ما يجعلهم مهتدين، فهي تحتمل أيضاً الصورة التي ذكرناها من حملهم على الهدى قسراً وجبراً دون اختيار وإرادة منهم. ولكنا نعلم من الشاهد أن بعض الناس مؤمنون بالتكليف وبعضهم ليسوا كذلك. فعلمنا أن الله لم يشأ ذلك. فسقط أن يكون الله تعالى قد حمل الناس جميعاً على الإيمان بذلك أو أنه حملهم جميعاً على إنكار ذلك. فبقي من الاحتمالات عند اعتبار الاضطرار أن يكون قد حمل بعضهم على الإيمان وبعضهم على الإنكار. أو أن بعض الناس كسبوا إيمانهم، وبعضهم كسب إنكاره وهو القسم الذي لا إشكال فيه، وبعضهم مجبور على إيمانه، وبعضهم مجبور على إنكاره. ولكن السؤال المهم هنا هو هل بإمكان الإنسان المجبور على قناعة ما، أن يتوصل بما خلقه الله تعالى من وسائل المعرفة إلى صحة أو خطأ قناعته أم لا؟ أي أن يعرف فيما إذا كان مكلفاً أم لا. ويتفرع على هذا السؤال أسئلة أخرى، مثل هل يمكن أن يكون الإنسان الذي حصل برهاناً على صحة أو خطأ قناعته راغباً في تبديل هذه القناعة على وفق الدليل ولكنه غير قادر على ذلك. أما أنا فأقول بالإمكان معرفة البرهان على ثبوت أو نفي التكليف، وأنه يمكن لكل إنسان أن يبدل قناعاته لبواعث من الأدلة أو الأهواء، ولا تلازم بين الدليل والقناعة، وكل إنسان يعرف ذلك من نفسه، ومنكره في الشاهد مكابر. وأقول أيضاً بأن معرفة أننا مكلفون حصلت لنا من خبر الرسول، وليس قبل ذلك. لأن مستند التكليف الأوامر والنواهي، ولا حكم قبل الشرع والبعثة. ولأن من شروط التكليف بلوغ الدعوة، ولا بلوغ للدعوة قبلها. ولأنا لم نكن نعرف أن البلوغ شرط في التكليف إلا من الخبر، فما أدرانا قبل البعثة أن الصبي المميز الذي لم يناهز الحلم ليس مكلفاً مع أن بوسعه القيام بالتكاليف الشرعية. فأقول نحن لم نعرف أن الله كلفنا بشيء إلا بعد أن أرسل لنا رسولاً أخبرنا بذلك. فتوقيف معرفة (أن هذا رسول من عند الله صادق فيما يقول) على معرفة (أن الله كلفنا بتكاليف معينة أو حتى أنه كلفنا مطلقاً) ادعاء غريب منك، وهو دور لا محالة.
لا أقول إن معرفة (أنه يجوز أن يكلفنا الله تعالى قبل البعثة) هو الادعاء الغريب الذي يلزم عنه الدور، بل هذا لو لم يصح في العقول لم يأبه أحد بالرسل. وهذا الإمكان يجب قطعاً تسليمه قبل التصديق بأن الله كلفنا. ولكن الغريب هو القول بتوقف معرفة صدق الرسول على معرفة أن الله كلفنا. وفرق كبير بين معرفتنا لجواز أن يكلفنا الله تعالى، وبين معرفتنا بأن الله كلفنا بالفعل. وحين أتأمل قضية أن الله كلفنا مع قضية صدق الرسول فيما يقول لا أجد تلازماً بين القضيتين. فلا أجد أن معرفة صدق الرسول سواء بالمعجزة أو بغيرها من الأدلة متوقفة على معرفة أن الله كلفنا بالفعل أو أنه يجوز أن يكلفنا. وقد تكلمت في هذا الموضوع في رسائلي السابقة، ومنعت هذه الملازمة، أي أنني طالبتك بالدليل عليها، لأنك لا شك إذا كان لك اطلاع على المنطق فإنك ستسلم لي أن هذه الملازمة غير بينة. وما دامت غير بينة فلا بد أن تقيم لي الدليل بياناً لها. ولا يقبل منك أن تقول إنني أقول بهذه الملازمة ولا دليل عندي على هذا الادعاء.
وتلخيص الجواب عن سؤالك هو أن السؤال بالفرض مبني على أن الله تعالى لم يكلف الإنسان، لأن السائل وصف الاقتناع بالخاطئ. وهذه مقدمة غير مسلمة للسائل. والصيغة المقبولة والأعم للسؤال هي أنه هل يجوز أن يجعل الله الإنسان مقتنعاً بصحة أمر خاطئ؟ والجواب نعم. ومنكره مكابر، ودليله الشاهد. وما قناعة السلفية على أن الله تعالى ذا حد وفي جهة وأنه جالس على العرش إلا أمثلة على قناعة خاطئة مخالفة للواقع المكشوف عنه بالدليل العقلي. والله تعالى خالق هذه القناعة وجاعلها في نفوسهم بتلك الكيفية، سواء قلت بالكسب أو قلت بالجبر، كما لا يخفى. وأن كل قناعة خاطئة فلا يمكن أن تكون منبنية على علم.
قولك: (هل من الجائز عقلا أن يخلق الله تعالى أفعالاً تجعلك تعتقد اعتقاداً خاطئا بأن مشيئته تعلقت بشيء ما)
أقول: أنا أجيب بنعم على ما هو أعم من سؤالك. وهو (هل يجوز عقلاً أن يخلق الله تعالى أفعالاً تجعلك تعتقد اعتقاداً خاطئاً) فأقول نعم.
ولكني أنبه على أن المراد من السؤال، هو أنه إذا جاز ذلك، فلم لا يقال إن الله تعالى خلق المعجزة وجعلك تعتقد بصدق الرسول، وهذا الفعل في نفس الأمر غير دال على صدقه. وقد يراد من السؤال أنه لم لا يجوز أن يكون الله قد أجرى المعجزة على يد كذاب وأوهم الناس بصدقه. فهذا فعل لله وأنتم تجوزون أن يخلق الله فعلاً يحصل للناس اعتقادات باطلة.
فأقول: اعلم أن إجابتي بنعم هي التزام بالإجابة على السؤال على ما هو المفهوم من السؤال، وكذلك كل إجابة أجيبها عن سؤال يطرحه على أي واحد. وأنت قد تعني أشياء أخرى تقصدها من وراء سؤالك ولكن سؤالك إذا لم يطلبها صراحة فلا أكون ملزماً بالإجابة عنها. وهذا ما دعاك سابقاً إلى القول بأنني أقطع الكلام أو أنني لا أتفاعل مع أسئلتك التفاعل المطلوب، مع أن هذا لا يلزمني. ولكني بدءاً من الرسالة السابقة اتبعت أسلوباً آخر في الكتابة كما ترى يعتمد على التحليل والاستدلال وذكر بعض من التفاصيل.
وعلى أي حال، فلا يلزم من جوابي عن سؤالك بنعم، أن كل فعل يفعله الله تعالى فمن شأنه أن يؤدي إلى اعتقاد خاطئ لدى شاهده أو مبلَّغه بالتواتر. كما لا يخفى. بل إن بعض الأفعال يمكن أن نتصور أن تقع على صورة لا يمكن معها ورود احتمال الخطأ في فهم دلالتها. وبالتالي فإن الاعتقاد المبني على المدلول أي المفهوم من هذا الفعل الدال، لا يمكن أن يكون اعتقاداً خاطئاً. وإنما يكون الاعتقاد خاطئاً في هكذا حالة إذا لم يستند هذا الاعتقاد إلى هذا الفعل بوصفه دالاً دلالة مستيقنة عليه أي على الاعتقاد. ولو كان كل فعل يقع في العالم يدل على احتمالات كثيرة، واعتبر في ذلك محض الجواز العقلي دون القانوني العادي، لما استقام في الأذهان ولا انضبط لا شرع ولا علم طبيعي مطلقاً. ومثال ذلك من الفيزياء التي تختص أنت بها أن رذرفورد لما قذف رقاقة الذهب بجسيمات بيتا وخرجت معظم الأشعة من الجانب الآخر مستقيمة. لزم عنده أن معظم حجم الذرات المكونة لتلك الرقاقة فراغ. فهل هذا اللزوم لزوم عادي أم عقلي محض. إنه لا شك لزوم عادي. لأن العقل يحتمل أنه: لم تكون جسيمات بيتا استقرت في الرقاقة وخرجت من الرقاقة جسيمات بيتا جديدة. أو لم لا تكون جسيمات بيتا حين وصلت رقاقة الذهب وحين بلغت الرقاقة دخل جز منها الرقاقة والتف الجزء الأكبر حولها عشر مرات مثلاً ثم خرج مستقيماً بالقرب من طرفها الثاني بحيث يبدو كأنه خارجاً منها. ولو أردت أن أضع احتمالات عقلية جائزة من حيث هي جائزة في العقل دون العادة لوضعت على هذه التجربة وحدها آلاف الاحتمالات. ولكن العلم الذي تدعي أنك تتمسك به لا يبني استنتاجاته أبداً على مجرد الاحتمالات العقلية، بل يعتبر العادة قطعاً لأنه يسلم مسبقاً بنتيجة فلسفية ليس أصلاً من اختصاص العلم إثباتها، وهي أن للعالم حقايق، منضبطة بقوانين، فيستيمت العلماء في الكشف عن هذه القوانين، وبناء التطبيقات على أساسها، ولو لم يثق العلماء بالعادة القانونية لما اخترع أي منهم اختراعاً واحداً. وهذا من الفروق الدقيقة بين العلم من جهة والكلام والفلسفة من جهة أخرى كما أراك تجهله. وكذا الفرق بين محض الإمكان العقلي والعادة الذي لا أراك حققته بما يكفي.
وإني أقول: إن المعجزة تقع بحيث يفيد النظر فيها العلم القطعي بصدق الرسول. وبذلك تكون دالة دلالة عادية قاطعة على صدقه. وهذا ما سأبرهن لك عليه كما وعدتك باستخدام صفة الكلام النفسي إذا أردت وبطرق أخرى أيضاً إذا طالبتني بالمزيد. ولا تتعجل في الحكم على ما أدعي قبل أن تقرأه فإنك لم تقرأ شيئاً مما لدي بعد. وسأثبت لك أنه لا مصادرة على المطلوب مطلقاً كما تدعي أنت.
المهم أنه إذا وجب عندنا عادة صدق الرسول، فيكون كل ما يأتي به فهو صدق وحق، وهذا هو عين البرهان عندي على أن الله تعالى كلفنا. فإني أقول: الرسول وجب صدقه. والرسول قال أنتم مكلفون. فوجب صدق أننا مكلفون. فهذا البرهان تام إذا برهنت على مقدمتيه. أما الأولى فسآتي بها عما قليل. وأما الثانية فثابتة بالتواتر.
واعلم أني أقول: إن كل ما ثبت عن الرسول أنه قاله فيجب أن يكون صحيحاً مطابقاً للواقع، لوجوب صدق الرسول. سواء استطعنا البرهنة على ما قاله من طريق آخر أو لا. مع قولي بأن كل ما أثبته الشرع فيمكن الاستدلال على ثبوته، وكل ما أبطله الشرع فيمكن الاستدلال على فساده. وهذا مما اشتغل به المتكلمون. وما دام يمكن معرفة الحق بالاستدلال ارتفع الإشكال عن احتمال ابتلاء الله أناساً بالكثير من الشبه، فإن تلك الشبه سواء أدت بهم إلى اعتقاد خاطئ أم لا، فبالإمكان دائماً التوصل إلى الحق فيها إما بالنظر المباشر ممن عرضت له تلك الشبهة إذا كان أهلاً للنظر فيها أو بسؤال القادرين على النظر، ولهذا شرع السؤال فقال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وقال: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
وعودة إلى السؤال: فإذا كان السؤال دائراً على أن الله تعالى حين خلق المعجزة اضطر الناس الشاهدين عليها جميعاً إلى الإيمان بصدق الرسول، لأنه ليس في المعجزة دلالة على صدق ما يقوله الرسول، أفلا يحق لي أن أسأل النافي على ماذا تقول أنت أن المعجزة دلت إذا لم يكن فيها دلالة على صدقه. فحين دعا موسى ربه أني إن كنت صادقاً فيما أقول فظلل بني إسرائيل بجبل يكون فوق رؤوسهم. فكان كما دعا. ثم إنهم كلما آمنوا به وصدقوه ارتفع الجبل عنهم نحو السماء، وكلما عاندوه وماحكوه وهموا بتكذيبه اقترب الجبل من رؤوسهم حتى كأنه سيسقط على رؤوسهم فيخافون ويرتجعون فيرتفع الجبل عنهم، فهل يقول العقل والعلم والأكاديميا أن الله تعالى يفعل هذا الأمر على هذه الصورة مقارنة لدعوى الصدق هكذا اتفاقاً، وأنه ليس في هذا الفعل دلالة على صدق موسى عليه السلام؟ أنا فعلاً أسأل النفاة إذا لم يكن في هذا دلالة على صدقه فعلى ماذا تدل؟ أم أنها لا تدل على شيء؟ وأنا لا أريد أن أستبق الأمور فسأتكلم كما وعدت في كيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول بتفصيل عند الإجابة على سؤالك الأخير.
وأختم مناقشة سؤالك الثاني بالتنبيه على أن مشيئة الله تعالى قديمة قدم ذاته العلي، لأنها صفة من صفاته، وأنا لا نملك الكشف عن تلك المشيئة إلا بعد تحقق متعلقها بالفعل، أو عن طريق الخبر الصادق فيما لم نطلع عليه مما كان أو سيكون. ومن باب الأخير ما ادعيناه من علمنا القطعي بثواب المحسن وعقاب المسيء، وأنه يستحيل أن يقع عكس ذلك.
ولقد ادعى المعتزلي أن كلام الله فعل. وباركت قوله بصورة أو بأخرى، وادعيت أنت فوق ما ادعاه أن العقل يجيز أن يكذب الله علينا. لأن الكلام عندك فعل ممكن في نفسه، وقلت في نفس الوقت بأنه لا يجب على الله فعل شيء ولا يستحيل عليه فعل شيء من الأفعال، فيجوز عليه فعل الكذب. فلزم على قولك من أن الله إذا قال لنا: (سيصلى ناراً ذات لهب) أنه لا ثقة لنا بهذا الخبر. فقد يقع في يوم القيامة خلافه فيدخل الله أبا لهب الفردوس الأعلى، لأنه لم لا يكون الله قد فعل هذا الفعل الذي هو إخباره في القرآن أنه سيصليه في النار ليجعلنا نعتقد اعتقاداً خاطئاً بذلك. وأنا أسألك على ما اخترته: هذا الفعل الذي هو قول الله (سيصلى ناراً ذات لهب) إذا اطلعنا عليه فهل يجعلنا نعتقد اعتقاداً خاطئاً أم اعتقاداً صحيحاً بالمفهوم منه؟ أم أنا لا يمكننا معرفة ذلك؟ وعلى الكل، فهل المفهوم منه كذلك في الحقيقة ونفس الأمر أم أننا نفهم منه ذلك لأن الله يفهمنا ذلك وهو الحقيقة غير دال على ما فهمنا منه. أم هذه أيضاً مما لا نقدر على الإجابة عليه. أنا لا أريد إجابات على هذه الأسئلة، ولكني أذكرها للقراء على سبيل تأملها.
وعلى أي حال، فحاصل الجواب عن السؤال هو ما ذكرته أولاً، مع عدم تسليمي بأن خلق الله للمعجزة مقارنة لادعاء النبوة والصدق والتحدي هي من باب أفعال الله تعالى التي يمكن أن تفيد لذاتها مدلولاً ينبني عليه اعتقاد فاسد هو صدق الرسول عند العقلاء.
هذا جواب سؤاليك الأولين، وستأتيك الإجابة عن الباقي على التوالي كلما فرغت من طباعة قدر يحسن الوقوف عليه بالحجم المسموح به في المشاركة والواحد، وأرجو أن لا تجيبني بشيء قبل أن أتم الجواب عن جميع أسئلتك.
يتبع......

بلال النجار
21-08-2003, 15:20
الحمد لله، وبعد
فقولك: (المعتزلة يقولون: هذا مستحيل لأنه قبيح)
أقول: لست معنياً بقول المعتزلة الآن. أنا أتكلم معك أنت. فإذا قلت لي إن جواب المعتزلة صحيح بينت لك تهافت هذا القول، وأنه كلام إقناعي واهٍ جداً لو تأملته، لأن قولهم هذا مبني على الحسن والقبح العقليين. وأنه يجب على الله فعل الحسن، ويستحيل عليه فعل القبيح، المبني على أن للأشياء حسناً وقبحاً ذاتيين. مع أن كل إنسان عاقل لو تأمل دقيقة وترك المراء لعرف أن حسن الأشياء وقبحها أمران إضافيان يقاسان بالنسبة إلى أمر آخر، لا أنهما صفتان للأشياء. ولعمري كيف يثبت المعتزلي حسن صوم رمضان وقبح صوم شوال إذا لم يستند في ذلك إلى تحسين الشارع وتقبيحه.
وأود أن ألفت النظر إلى تحقيق طرف من قول الأشعرية في مسألة الحسن والقبح لعل بعض الناس لا يتنبهون إليه، وهو أننا نميز بين ثلاثة إطلاقات للحسن والقبح، الأول أنه يمكن أن يراد بالحسن ما يكون صفة كمال، وبالقبيح ما يكون صفة نقص، والثاني أنه قد يراد بالحسن ما يلائم الطبع وبالقبيح ما ينافره. والثالث: أن يراد بالحسن ما يتعلق به في العاجل المدح وفي الآجل الثواب، والقبيح ما يتعلق به في العاجل الذم وفي الآجل العقاب. فأما الأولان فلا نخالف في كونهما عقليين بمعنى أنهما يمكن أن يدركا بالعقل. فتنبه.
وأما المعتزلة فإذا كانوا يمنعون مثلاً أن يكذب الله تعالى لأن ذلك قبيح على معنى أنه يستلزم النقص والافتقار وهو مستحيل على الله تعالى، قبلت ذلك منهم وبصمت بالعشرة. ولكن بشرط واحد هو أن يسلموا لي أن الصدق والكذب وصفان للكلام الذي هو صفة للمتكلم، وليس فعلاً له، لأن الصفة إذا قامت بالموصوف فإنها إما أن توجب له نقصاً أو توجب له كمالاً، وأما إذا نظروا إلى الكلام على أنه فعل، وأنه في ذاته قبيح، لذلك لا يفعله الله تعالى. فلا نقب منهم هذا المعنى أبداً لقبح الكذب، مع موافقتنا اللفظية لهم بأن الله تعالى يستحيل عليه الكذب. وبالله كيف يستلزم الكذب النقص في ذاته تعالى إذا كان فعلاً، ومعلوم أن فعله لا يقوم به. وهذا هو الفرق بين قولنا نحن إن الكذب مستحيل على الله تعالى لكونه يوجب أن يكون ذات الإله المقدس ناقصاً، وبين قولهم بأن الله لا يكذب لأن هذا فعل قبيح. فهم نظروا إلى أن الكذب قبيح في ذاته، وما دام كذلك والله عالم بذلك قطعاً فهو لا يفعل ما يعلم أنه قبيح. فلعمري أليس هذا تخصيصاً للإرادة بالعلم يلزمهم كما حاولت إلزامي بأن الكلام يخصص الإرادة وهو لا يلزمني كما سأبينه لك في محله، ثم لعمري كيف عرفوا بأن الكذب قبيح في ذاته ومن الكذب ما هو نافع وضار. والعقلاء مجمعون على أن من الكذب ما هو نافع كالذي يمشى به في الإصلاح بين الناس وقد أجازه الشرع. والكذب في الحالين له حقيقة واحدة، والحقايق المتساوية لها لوازم متساوية قطعاً، فكيف حكموا على الكذب النافع بالحسن وعلى الكذب الضار بالقبح، والنفع والضر المذكوران لم ينظر فيهما إلى الكذب باعتبارهما وصفين ذاتيين له أوجبا قبحه أو حسنه، بل هما أمران خارجان عن حقيقة الكذب يفهمان من حال من يلقى عليهم ذلك الكذب. وإن من فهم قول المعتزلة بالحسن والقبح العقليين والتزمه، فإنه يلزمه الكثير من اللوازم الظاهرة البطلان، وإذا أردت أن نفتح في ذلك حواراً في موضوع منفصل فلا مانع عندي أبداً.
وأما الثالث فنحن لا نقول إنه من المستحيل أن يكشف العقل عن ما هو حسن أو قبيح بهذا المعنى، ولكننا نقول إن العقل لا يوجب ذلك، ولا اعتبار في هذا الأمر إلا لكلمة الشارع. لأن الثواب والعقاب هما مما يترتب على موافقة أو مخالفة الأحكام الشرعية، ولا حكم قبل الشرع، والحاكمية لله تعالى وحده لأنه رب العالمين. فالمعتبر في التحسين والتقبيح بهذا المعنى هو قول الشارع. فالله تعالى أوجب علينا أشياء وندبنا إلى أشياء وأباح لنا أشياء وكره لنا أشياء وحرم علينا أشياء. وبعض ما أباحه لنا وحسنه كان قد حرمه وقبحه على غيرنا من الأمم، والعكس صحيح. فكيف يفسر المعتزلي ذلك بناء على الحسن والقبح الذاتيين للأشياء؟ وشحم البقر والغنم هو هو لم يختلف، فلم حرمه الله تعالى على اليهود واستقبحه لهم وأحله لنا واستحسنه. الجواب على هذا لا يمكن أن يصح إلا على مذهب الأشعرية وهو أن الله تعالى لا يسأل عما يفعل، وما حسنه فهو حسن، وقبحه فهو قبيح، كل ذلك بإرادته، ولو أراد غير ذلك لنا لوقع. ولا نمنع أن يستطيع العقل التوصل إلى حكمة الله البالغة من وراء بعض هذه الأمور، ولكننا لا نقول إن العقل هو الذي يوجب أن يكون هذا الفعل قبيحاً وذاك حسناً على المعنى الثالث، كما ذكرنا. وهذا غيض من فيض في مسألة الحسن والقبح. والاستدلال على فساد قول المعتزلة فيه يكون باستدلالات أخرى، لا أقول بوجوه أخرى للدليل الواحد، بل بأدلة أخرى، وهو منثورة في كتب الأشاعرة إذا أردت الاطلاع عليها.
قولك: (أنا أقول: هذا فعل. وكل فعل ممكن في نفسه لا تخصصه إلا المشيئة الإلهية فتوجبه أو تمنعه)
أقول: هذا الكلام لا غبار عليه، إذا وافقتني على التنبيهات والتقييدات التي قيدت بها المراد من السؤالين.
قولك: (والقول بأننا نعلم بأن المشيئة الإلهية تمنع هذا الشيء هو مصادرة على المطلوب)
أقول: بصرف النظر عن كيفية وقوع المصادرة من قول أحدهم إن هذا الفعل لن يقع لأن الله تعالى لم يشأ له أن يقع، فإن هذه المصادرة إن سلمت فلا تلزمني لأني أجبت على السؤالين بنعم. ولكني أسأل: إذا كان علمنا بالمشيئة لا يمكن أن يقع لنا إلا بالخبر أو بوقوع الحادث في الوجود. فهل يمنع العقل أن يقع الفعل على صورة تكشف عن إرادة الله أمراً معيناً آخر غير الذي وقع فعرفنا من وقوعه إرادة الله لوقوعه؟ وهل يمنع العقل أن نفهم من وقوع ذلك الفعل على صورة معينة شيئاً يريده منا الفاعل؟ وهل يمنع العقل أن يقع الفعل على صورة تدلنا على صحة قضية تتعلق بمن وقع له الفعل؟ ثم هل يمنع العقل أن يقع الفعل على صورة تدلنا على معنى قائم بالفاعل، ثم إذا نظر العقل في هذا المعنى علم أن هذا المعنى القائم بذاته لا يمكن إلا أن يكون قديماً، لأن هذا الفاعل قديم لا تقوم به الحوادث؟
هذه أسئلة أريدك أن تجيب عليها. وإن نفيت أياً فبين لم نفيت.
وأخيراً أنبه على أن مطلوب السائل من سؤاليه إذا كان هو معرفة إمكانية وقوع فعل ما من الله مستقبلاً. وسلم جواز ذلك الفعل بمعنى المفعول في نفسه، ونحن نعلم أن كل فعل جائز في نفسه لا يمكن أن يقع إلا إذا تعلقت إرادة الله تعالى وقدرته بوقوعه، ولم يكن لدينا معرفة سابقة من خبر صادق أن الله تعالى لم يشأ خلق ذلك الفعل، فإن الجواب بأن الله تعالى لا يمكن أن يقع منه ذلك الفعل أبداً لأنه لم يشأ ذلك، جواب تحكم لا عن دليل. لأن معرفة أنه سيقع أوْ لا متوقفة على معرفة وجود مانع قديم هو مشيئة الله تعالى، وذلك لا يعرف إلا بالخبر الصادق، فإذا فقد الخبر امتنع معرفة أن هذا لن يحدث أبداً، وعليه يكون القول بأن هذا الفعل لن يقع تحكم. وأريد من باب الاستفسار والاطلاع على معرفتك بالمنطق أن ترتب لي استدلال المجيب بالنفي بحيث لزم عندك أنه صادر على المطلوب.
قول: (هو جائز عقلاً ولكنه لا يحصل -كما أؤمن- وليس عندي برهان)
أقول: جوابك معناه أن هذا الأمر جائز الوجود في نفسه، مستحيل الوجود لغيره. فعليك أن تبين ما هو غيره هذا الذي أحال وجوده. فإن سلم لك الخصم تلك الإحالة، وإلا فعليك أن تقيم الدليل على إحالة ذلك الغير لوقوعه. ولا يقبل منك أن تقول هذا ما أومن به وليس عندي برهان. لأن الإيمان إما أن يقع عن دليل أو لا عن دليل، والأول لم يقع لك كما أشرت إليه. والثاني قد يقع تقليداً لإنسان آخر سواء وافق الهوى أو لا، وقد يقع عن محض هوى النفس لا عن تقليد أحد. ولا يشترط في الإيمان الذي عن دليل أن يكون الدليل فيه برهاناً (وهذا لا يعني مطلقاً أننا أقمنا أصول ديننا على المظان لا على البراهين، ولكني أتكلم عن الإيمان عموماً بوصفه كيفية للنفس قد تحدث للمؤمن دون أدلة، كما هي حالك في هذه المسألة). ولكن المهم أنه لا بد من مرجح لاختيارك هذا الإيمان دون غيره من المحتملات، فعليك أن تبين لم ترجح عندك هذا القول على ذاك.
ولو كنت مكانك لما قلت هذا الكلام الذي لا قيمة له، ولقلت مثلاً أنا أتوقف في هذه المسألة، فلا أزيد على جوازه المسؤول عنه شيئاً. لأني مثلاً نظرت فإذا بالأدلة على احتمال الأمرين متساوية، ولا ترجح لأدلة أحد القولين على الآخر.. إلخ من كلام معقول يقبله مباحثك. فإنك نصبت نفسك في موقع الناظر الباحث، فعليك أن تقرن القول بالدليل.
قولك: (أنت تقول: هذا لا يكون. وعندك البرهان: ..... (ما هو؟ أعتقد أنك ستقول ببرهان يعتمد على الكلام النفسي كما فهمت منك على الهاتف)
أقول: أنا قلت ما كتبت وما قرأت أنت وغيرك في هذا المنتدى، ولكن يبدو أنك لم تفهم كلامي بدقة، ولعلي أجبت عن السؤالين السابقين بكلام مفيد جداً في رسالتي السابقة، وبينت بالضبط ما الذي أجيزه وما الذي لا أجيزه. وسأكمل الإجابة عن أسئلتك جميعها إن شاء الله تعالى، بحيث تتبين بما لا يدع مجالاً للبس حقيقة قولي في كل ما سألت عنه. أما سؤالك عن البرهان، فإن كنت تقصد برهاناً على استحالة أن يكون الله تعالى قد أظهر المعجزة على يد الكذاب تصديقاً له، مع أن هذا فعل جائز عندك فسيأتيك الكلام في تفصيله عند الإجابة عن سؤالك الأخير زيادة على ما كتبته لك حتى الآن وما سأكتبه حتى أبلغ ذلك الموضع، كما وعدتك، وسأستخدم الكلام النفسي فلا تقلق.

سؤالك: (هل تفكرت في هذه المسألة قبل حوارنا هذا أم هي من ثمرات هذا الحوار؟ وإذا كان الجواب نعم فهل قرأت هذه المسألة في مكان ما؟)
أجيب: مع أن هذا لا يعنيك ولا علاقة له ببحثنا، ولا أعرف على التحديد الغاية من سؤاله. والسبب في إجابتي أني أريد أو أوضح بعض الأمور لك وللقراء. فأقول: قد قابلت أناساً كثيرين في حياتي، ورأيت وبخاصة ممن هم من أبناء جيلي ممن درسوا العلوم البحتة والتطبيقية في الجامعات أنهم ينظرون بعين الاستصغار للتراث الفكري للمسلمين، وما ذلك إلا لعدم اطلاعهم الكافي على هذا التراث. وهم مفتونون بالنظريات الغربية الحديثة في شتى العلوم. ولما يستخدم الواحد منهم نظرية ما –وكثيراً ما أكتشف من حديثي معه أن لا يفهم تلك النظرية بشكل صحيح- ليخرج عليها بحسب فهمه تفسيراً لخبر ديني، أو يرد قولاً لأحد القدماء –وأيضاً كثيراً ما تجد أنه لا يفهم معنى ذلك الخبر من جهة الوضع اللغوي وأنه هل يحتمل ذلك المعنى الذي يريد أن يلبسه له أو لا- أقول تراه إذا فعل ذلك حسب أنه وحيد دهره، وأنه جاء بالمعجز المبهر، وبنهاية التحقيق، ومنتهى القول، وفصل الخطاب، ويرى فضله على كل السابقين والمعاصرين بأنه لم يتنبه لهذا الأمر غيره. مع أن ذلك يكون مكتوباً في الكتب ومقرراً ومعلوماً بالضرورة عند العلماء، وقد حصل ذلك معي شخصياً عند بداية طلبي للكلام، وتكرر معي حتى لم يعد يدهشني، وقد وقع لبعض أصحابي، فلما أطلعتهم على معرفة القدماء بذلك اندهشوا غاية الدهشة. والسبب في ذلك كما أشار الشيخ سعيد في كلامه مع إسماعيل أن هذه الأمور غير مرتبطة بالاكتشافات الحديثة، بل هي مما يمكن للعقل أن يتوصل إليه بالنظر.
لا أقول إنه لا يمكن أن يأتي واحد بشيء جديد فهذا سخف. ولكني أقول كثيراً ما يتوهم الناس أنهم توصلوا إلى أشياء لم ينتبه إليها أحد من قبلهم وهي في الحقيقة معلومة ومتقررة ومشهورة منذ زمن بعيد.
وإن الطريقة العقلية التي اعتمد عليها علماؤنا القدماء طريقة محكمة في غاية الدقة، وما التجربة التي يتبجح العالم اليوم إلا فرعها حين لا يقدر العقل عن ترجيح واحد من المحتملات لتوقف ذلك الترجيح على معرفة العادة والطبيعة اللازمة عن الحقيقة في نفس الأمر، فيلجأ للبرهنة على ثبوت واحد من المحتملات العقلية بالتجربة، التي لا يمكن أن ينتج عنها أمراً يحيله العقل عادة، ولكن ناتجها بالضرورة هو أحد المحتملات العقلية التي يتوقف العقل في معرفتها على أمر آخر فيصار إلى التجربة لتكشف عن المقدمة التي تنقص العقل ليصل إلى النتيجة.
وعلى أي حال، فأريد أن أقول لك إنني فكرت قبل أن أعرفك وأقرأ كلامك في هذه المسألة، لا لأني العبقري الفذ، ولكن كل من يقرأ استدلالات العلماء على جواز إرسال الرسل وجواز التكليف وصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكيفية دلالة المعجزة على صدقه وغير ذلك من المسائل فإنه سيفكر في هذه المسألة لأنه ببساطة سيجد ما سألت عنه موجوداً في كتبهم ومبحوثاً في أحسن ترتيب وسيجد الجواب عنها. ولقد قرأت كتاب الأربعين للإمام الرازي، وحضرت عن الشيخ سعيد قسماً جيداً من شرحه له، قبل أن أعرفك، وقد ذكر الرازي في مسألة إثبات النبوة أهم الشبه المتعلقة بالتكليف، والبعثة، والتواتر، وخرق العادات، وعبثية التكليف، وذكر أهم الاعتراضات على دلالة المعجزة على وجوب صدق الرسول. وزاد على الشبه من عنده على سبيل التبرع –كما قال- شبهاً، وذكر أمثال هذه الأسئلة التي سألتها وأصعب منها. وأجاب عنها. وعقد في المطالب العالية أربعة عشر فصلاً في شبه الطوائف المنكرة للنبوة ودلالة المعجزة وذكر في الفصل الثامن والتاسع والعاشر شبهك هذه وسؤالك الأخير بالنص، وجميع ما أشرت إليه من أسئلة فقد نثره الرازي رحمه الله في هذه الفصول، ورتبها وقواها على أتم وجه، ولو اطلعت عليها لهالتك صدقني، ثم عقد فصلاً من أربع صفحات بين فيه ثلاثة أصول تلزم للنقض على هذه الشبه، في إشارات ذكية للإجابة عنها دون تفصيل، كما هو المعهود من طريقته. وسيف الدين الآمدي في أبكار الأفكار وضع أربعين شبهة على أدلة إثبات النبوة، أقلها في مستوى صعوبة أسئلتك، وذكر في ثناياها جميع أسئلتك. وأجاب عنها جميعاً بما يرفع الإشكال. وغيرهم كثير. فما تتكلم فيه شبه مشهورة عند علماء الأشاعرة، لأنها مجرد احتمالات عقلية ترد على الدليل، ولذلك فقد فكروا فيها وأجابوا عنها، لأن الدليل لا يتم إلا بمنع الاحتمالات الواردة عليه. ولهذا لزمهم أن يبطلوا تلك الاحتمالات، فلزمهم التفكر في تلك الشبهات.
وأحسبك ذكياً بما يكفي لتلاحظ أنني لا أجيب على قدر السؤال بالقدر الذي يكتفي به المناظر من المناظر، ذلك لئلا تقول إني لا أرغب في التفاعل معك ومع أسئلتك بحسب طلبك. وأحيطك علماً بأني لم أقل كل شيء خطر ببالي ولا وقع تحت يدي، ولا اعتمدت حتى الآن على الإجابات التي أودعها المتكلمون في كتبهم بحرفيتها لئلا تقول هذا ينسخ من الكتب ويأتيني فأين فهمه لها، وفي كل كلمة قلتها فاعلم أني بحسب علمي وفهمي للمذهب الأشعري فإني لم أخرج عن أصوله، بل ألتزم في إجابتك كأشعري. وأنا ألزم نفسي بمواصلة البحث ما دمت أردد النفس، فقد قلت لك سابقاً إنني كنت مشغولاً وقد فرغت لك.
هذا ما أردته في هذه الرسالة، وفي القسم القادم من الإجابة سأبحث الكلام النفسي إن شاء الله وما سألت بخصوصه، وإن بقي مجال أتممت الحديث في موضوع دلالة المعجزات على صدق الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والحمد لله رب العالمين.

سعيد فودة
23-08-2003, 13:12
الأخ إسماعيل المحترم،

أعلق هنا بشكل مختصر على بقية كلامك السابق
أولا: توضيحك لبرهان التطبيق وإبطال التسلسل، فيه فكر وتصوير ساذج، كما كنت ستعلم لو راجعت معلوماتك!
ثانيا: السنوسي لم يقل بما نسبته أنت إليه في السنوسية الكبرى. فراجعها، لو سمحت. فيكون اتهامك له باطلا وبلا دليل.
ثالثا: الضوابط للمذهب الأشعري، بل لأي مذهب آخر، لا يمكن أن يدركها إلا واحد تعمق قليلا في محاولة فهم ما قاله أصحاب المذهب، وهذا ما لا أراه فيك حتى الآن، بل أنت تعتمد على مجرد فكرك، أنت! ولكل مسألة ضابط فيها.
رابعا: أما الخلاف بين العلماء كما هو في اعتراض السنوسي على الرازي، وكما في خلاف السعد والشريف في بعض المسائل، وغيرهم، فهذا ناتج لكون هؤلاء علماء، ولا يستلزم ذلك خروج واحد منهم عن المذهب بالكلية، إلا بعد تحقيق وجه خروجه، واعلم أن اعتراض السنوسي على الرازي، غير موجه، كما تتخيل أنت، وبناء على ذلك فلا يستلزم خروج أحدهما عن المذهب. وأما الشيخ مصطفى صبري والكوثري فهو الخلاف القديم بين الأشاعرة والماتريدية في مسألة الأفعال، ومن قال من العلماء أنه لا يوجد خلاف بينهم؟!
خامسا: وماذا يعني لو خالف واحد من هؤلاء الإمام الأشعري، أليس العالم يجب عليه القول بما يترجح عنده، ولكن على كل الأقوال، فإنه إذا خالف الأشعري، يعرف أين خالفه ولم خالفه، ويعترف أنه خالفه، ولذلك ينسب إليه خلافه، فهذا هو البحث الحقيقي المجرد لطلب الحق. وأما من يخالف ولا يعرف لم خالف ولا يقول أنه يخالف، أو يراوغ في إعلان خلافه تحت ستار البحث؟ ! فهذا تصرف مقدوح عندي. بل الواجب على الباحث التصريح بما يعتقد بوضوح، وإن خالف.
سادسا: إنا وإن كنا نقول فلان خالف المذهب، فإن عمدتنا في مناقضته، ليس مجرد كونه خالف المذهب، بل هي مخالفته للأدلة التي يستند إليها المذهب. ولذلك نحاكمه إليها. وهذا هو التفكير الحقيقي والالتزام الحقيقي بالمذهب.
ولا تظن أن الالتزام بالمذهب يجيء عندنا بالتشهي والتمني، ولا لأننا نحب فلانا أو نكره فلانا، لا والله، بل كل ما قلنا فإنما نقوله للدليل الذي يعجز كثير من المدعين عن نيله أو إدراك وجهه.
والسلام عليكم

بلال النجار
23-08-2003, 16:36
بسم الله الرحمن الرحيم،
الأخ إسماعيل،
سؤالك: (ألست تحتاج الآن إلى صفة الكلام لبيان معاني جديدة واجبة للألوهية غير متضمنة في العلم والإرادة؟)
أقول: الكلام معنى مغاير قطعاً للعلم والإرادة. أما أنني أحتاجه أو لا أحتاجه فذلك يعتمد على موضع ذلك الاحتياج، فإن إثبات الكلام النفسي لله تعالى حل وفسر كثيراً من الأمور التي يصعب فهمها دون ملاحظة أن الله تعالى متكلم بالمعنى الذي يقصده الأشاعرة. وسيأتي تفصيل لذلك في هذه الرسالة.
قولك: (ألا يعني هذا أن دليل صفة الكلام النفسي لا يجوز أن يكون سمعيا فقط، وإنما يجب أن يكون عقليا؟)
أقول: القضية ليست أنه يجوز أو لا يجوز، فلو صرح الشرع في الخبر بأن كلام الله تعالى صفته، وأنه كلام نفسي بالمعنى الذي يقول به الأشاعرة لما وقع الخلاف بيننا وبين نفاته. ولكن الذي حصل أن القدر الذي صرح به الشرع، أوجب وقوع الإجماع على أن الله تعالى متكلم. ثم اختلف في معناه. فقالت المعتزلة خالق للكلام، وقالت الكرامية محدث للكلام في ذاته، وقالت الأشعرية الكلام صفة المتكلم كما هو المفهوم من الاشتقاق اللغوي، وهو معنى مغاير للعلم الذي هو صفة انكشاف، وللإرادة والقدرة وهما صفتا تخصيص، لأن الكلام صفة بيان، وما يبين عنه لا يشترط فيه أن يكون مراداً أو غير مراد، أو مقدوراً أو غير مقدور، ولكن الإبانة لا تعقل إلا عن معان، فلو لم تطابق الواقع لوقع الكلام عن جهل يستلزم نقص الإله. فلما ثبتت الإبانة قطعاً لمغايرتها للعلم والإرادة والقدرة عقلاً، قطعنا أنها تتعلق بكل ما تعلق به العلم من المتعلقات، وأن ما يفيده هذا البيان والكلام لا بد وأن يكون علماً، إذا كانت دلالته على المفهوم منه سواء بالمطابقة أو التضمن أو باللزوم دلالة قطعية. وهذا ما نقوله في وعد الله للمؤمنين بالجنة أو بأنه يستخلفهم في الأرض إلى غير ذلك مما وقع في القرآن الكريم مما يدل على المفهوم منه دلالة قاطعة، ولما دل الكلام دلالة قاطعة على هذه الأمور، علمنا أنها لا شك واقعة، وأنه لا يمكن أن تقع على خلاف ما أخبر به الله ورسوله، لأن ذلك يستلزم نقص الإله، وهو محال. فوجب أن يقع كل ما أخبر به على الوجه الذي أخبر. وأن هذا الكلام لكونه صفة فلا يتصور فيه الكذب، كما بينته في الرسالة السابقة.
والمعنى الذي أدور عليه هو أن الأشعرية لما زادوا على القدر المجمع عليه بين الفرق الإسلامية وهو (أن الله متكلم) وزيادتهم هذه هي أن الكلام صفة وأنه مغاير للعلم والاعتقاد والقدرة والإرادة. طالبهم الخصوم بدليل عقلي على ذلك. وهذا حقهم. لأنهم لم يجدوا دليلاً بيناً من الشرع على قولهم. فأقاموا الأدلة العقلية على قضاياهم هذه، لأن ما جاء به الشرع ظاهر في ذلك وليس نصاً فيه، فصرف معنى الآيات والأحاديث الواردة في ذلك إلى هذا المعنى الذي يقصده الأشعرية دون ما دونه من المعاني يحتاج إلى دليل. وهو ما سنبينه حالاً إن شاء الله. فالقضية ليست كما تقول أنت أنه لا يجوز أن يكون الدليل على الكلام النفسي أو حتى أي معتقد مطلقاً شرعياً فقط، بل يجب أن يكون عقلياً. بل ذلك جائز فيما لم يكن ثبوت الشرع متوقفاً عليه، كوجود الجنة والنار والملائكة مثلاً فهذا من المعلوم من الدين بالضرورة إلا أن دليله مستفاد من الشرع لا من العقل. وهو كاف للعلم بوجود هؤلاء جميعاً إذا قام الدليل على وجوب صدق الخبر. والعلم بأن الله سميع بصير لا يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته، فيكتفى بإثباته له بدليل الشرع. وكذا كونه متكلماً فلا يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته، ولكن لما زدنا على هذا القدر المجمع عليه لا تشهياً بل لأن النظر أدى بنا إلى القول به، احتجنا للاستدلال على هذا القدر الزائد من طريق العقل وبيانه للمخالف.
وأود أن أنبه على أنك ربما توهمت بأني أقول (إننا لا نعرف بأن الله متكلم إلا من الشرع، وأنني أقصد بكونه تعالى متكلماً أنه متصف بصفة الكلام، وأستدل على كون الرسول صادقاً بأن الله متكلم، فهذا دور، لأن إثبات الكلام يتوقف على ثبوت الشرع، وثبوت الشرع يتوقف على صدق الرسول، فإذا أوقفنا صدق الرسول على إثبات الكلام لله وهو لا يعلم إلا من الشرع، فقد أوقفنا ثبوت الشرع على أمر يثبت بالشرع، فهذا دور).
ولكن الأمر ليس كذلك، فإني أقول إن صدق الرسول فرع وجوب صدق الله واستحالة تصور الكذب عليه، فلو أجزنا الكذب على الله تعالى ارتفعت الثقة بكلام الأنبياء فوراً ولم يثبت شرع مطلقاً. ومعرفة وجوب صدق الله تعالى واستحالة الكذب عليه لا تتوقف على مجيء الشرع بأن الله يجب له الصدق ويستحيل عليه الكذب. بل إن ذلك يعرف بالعقل. ويعرف بالعقل أيضاً من المعجزة أن الله تعالى يصدق ما يخبر به هذا الرسول عنه، فيلزم عند الناظر من هاتين المقدمتين أن الرسول صادق فيما يخبر. كما سأبينه في موضعه. فليس هناك دور يبطل إثبات النبوة بالمرة.
قولك: (هلا وضحت إذن ماذا تعني بالكلام النفسي ودليل وجوده العقلي وصلاح هذه الصفة لحل الإشكال)
أقول: إنا نلاحظ في الشاهد أن كل من يلفظ لفظاً مستعملاً فإنه يعبر به عن معنى يختلج نفسه. وحقيقة ذلك المعنى الذي قام في النفس تختلف عن حقيقة اللفظ. لأن المعنى يبقى هو هو وتختلف الألفاظ الدالة عليه في اللغة الواحدة واللغات المختلفة. فلو أشرت لك بأن تسقيني لفهمت طلبي، ولو قلت لك اسقني لفهمت نفس المعنى، مع أن حقيقة الإشارة تختلف عن حقيقة اللفظ، وكلاهما يختلفان عن حقيقة المعنى القائم بالنفس، مع أن كلا الأمرين دال عليه. ولأنه لا شك بأن هذه الأمور المتعددة دالة على ذلك المدلول، والدال غير المدلول قطعاً. ولأن هذا الدال لكي يدل على ذلك المدلول يحتاج فيه إلى تواضع الناس واصطلاحهم على ذلك، أما المعنى الحقيقي القائم بالنفس فلا يحتاج فيه إلى الوضع والاصطلاح ولا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والألسنة. وهنالك بحوث أخرى أكثر من ذلك لارتكاب إثبات التغاير بين الدال والمدلول. وأظن أن هذا القدر للمطلع على المنطق واضح لا نزاع فيه.
وعلى أي حال إذا ثبت هذا الفرق والتغاير والتمايز بين الدال والمدلول. فإننا نقول لا خلاف بيننا على أننا نعرف هذا الدال سواء كان لفظياً أو غير لفظي، ولكن الخلاف في مدلول ذلك الدال، ما هو. ولا خلاف أيضاً في أن المدلول منحصر في أنه إما أن يكون هو الإرادة أو العلم أو الاعتقاد أو شيئاً آخر متميزاً غير هذه جميعاً وهو ما تسميه الأشعرية الكلام النفسي.
كما أننا نلاحظ أيضاً تميزاً في الذهن بين المدلول إذا كان طلباً أو إذا كان إسناداً عقلياً. وعليه يلزمنا أن نفرق بين الكلام بوصفه طلباً من جهة وبين الإرادة والقدرة والعلم والاعتقاد من جهة أخرى، كما يلزمنا أن نفرق بين الكلام بوصفه إسناداً عقلياً أو حكماً ذهنياً وهو ما يسمى بالقضية أو الخير من جهة وبين الإرادة والقدرة والعلم والاعتقاد من جهة اخرى.
وأما الدليل على أن الطلب ليس هو الإرادة فوجوه:
أولها: أن الله تعالى أمر بإيمان من يعلم أنه لن يؤمن. ولا يمكن أن يقال إنه تعالى أمره بالإيمان بمعنى أنه أراد منه أن يؤمن، لأنه لو أراد ذلك منه لوقع. ولأن خلاف المعلوم بأنه سيقع يستحيل وقوعه. فلما تحقق الطلب مع علمنا بعدم إرادة المطلوب، علمنا بأن حقيقة الطلب مغايرة لحقيقة الإرادة. لأنه لو كانت حقيقة الطلب هي عين حقيقة الإرادة لكان كل ما يطلب متحققاً قطعاً ووجوباً. لأن الإرادة متى تعلقت بوجود أمر ما وجد ذلك الأمر وجوباً كما وافقت عليه في أكثر من موضع في كلامك.
وثانيها: أنه قد يوجد الطلب بدون الإرادة، وقد توجد الإرادة بدون الطلب. أما الثاني فظاهر لأن كل إنسان يتصوره في الشاهد، وكم نقول لبعضنا أنا أريد منك أن تفعل كذا، ولكني لا أطلب ذلك منك. وأما مثال الأول أنك إذا أمرت زيداً بأن يأمر عمرواً بفعل شيء ما، وفعل، فإن زيداً قد يكون كارهاً وغير مريد لأن يفعل عمرو ما أمره به. فههنا حصل في الشاهد الطلب ولم تحصل الإرادة. ومثاله أيضاً: أن عبداً لو شكا للقاضي أن سيده يضربه، فسأل القاضي السيد لم بطشت به، فقال السيد إنه لا يطيعني مهما أمرته، فأمر القاضي السيد أن يأمر العبد بشيء لكي ينظر أيطيعه عبده أم لا، فإن السيد سيأمر عبده بأمر وهو لا يريد منه أن يأتمر به ويفعله لكي يثبت حجته عند القاضي. فههنا وقع الطلب في الشاهد على خلاف الإرادة. فثبت منه تغايرهما.
وأما الدليل على أن الخبر ليس هو الإرادة: فلا شك أن إسنادنا القيام لزيد في قولنا زيد قائم أو قام زيد ليس هو قدرتنا على إقامة زيد ولا قدرتنا قول ذلك ولا علاقة له بالقدرة مطلقاً، وظاهر أيضاً أن قولنا ذلك ليس هو إرادتنا لقيامه ولا إرادتنا لقول ذلك ولا تعلق له بالإرادة مطلقاً، ولكن ما يمكن أن يتوهم فعلاً، هو أن هذا الإسناد الذهني هل هو نفس علمنا بقيامه أو أنه نفس اعتقادنا بذلك القيام أم أنه أمر آخر غير ذلك العلم وذلك الاعتقاد.
فنحتاج إلى البرهان على أن هذا الخبر القائم بالنفس هو معنى مغاير للعلم والاعتقاد والقدرة والإرادة ليتم كلامنا. والدليل على هذه المغايرة أني حال علمي واعتقادي بأن العالم حادث يمكنني أن أقول إن العالم قديم، لأن الذهن كما يمكنه أن يركب قضايا صادقة فيمكنه أيضاً تركيب قضايا كاذبة. والقضية الكاذبة يكون العلم بها والاعتقاد المبني عليه غير حاصل، فههنا حصل الحكم الذهني ولم يحصل العلم والاعتقاد المنبني عليه، فعرفنا قطعاً التغاير بين الحكم الذهني وبين العلم والاعتقاد المنبني عليه.
ومن مجموع ما مضى نعلم أن الطلب الذهني المدلول عليه بالألفاظ وغيرها مغاير للإرادة التي قد تتوهم أنها عينه، وأن الخبر الذهني مغاير للعلم والاعتقاد اللذين قد يتوهم أنهما عينه.
(واعلم أن ما ذكرته هنا تلخيص حسن لما هو مذكور ومقرر في كتب الأشعرية، وأن أئمة المذهب استفاضوا في بحث ذلك في كتبهم المطولة وأغنوا بحوثهم بمناقشات كثيرة، فارجع إلى ذلك لو أحببت)
وتحرير الخلاف بيننا وبين المعتزلة في مسألة الكلام: أنهم قالوا إن الله تعالى إذا أراد أمراً أو لم يرده خلق أصواتاً في جسم ما، تدل هذه الأصوات بوصفها أفعالاً له على أنه تعالى أراد ذلك الشيء أو كرهه. أو أنه حاكم بثبوت أمر ما أو حاكم بانتفائه.
أما نحن فإننا نقول: إن المعنى الذي يقوله المعتزلة نحن لا ننكره، بل نقول إن الله تعالى يمكن أن يخلق ما يدل على مراداته ويدل على ثبوت أمور يريد منا أن نعلم ثبوتها ويدل على أمور يريد منا أن نعلم انتفاءها. بل إنا ننظر إلى العالم بكل ما فيه على أنه أفعال الله تعالى الدالة على وجوب وجوده وعظمة ذاته وكمال صفاته وعلى كثير من الأحكام سواء تعلقت به سبحانه أو تعلقت بالعالم. ونرى في عقولنا أداة لفهم هذه المعاني والمدلولات بشرط الحس كما بينته سابقاً.
ومع ذلك فإننا نثبت معنى آخر وراء ما قالت به المعتزلة، وهم ينكرونه. وهو أنا نقول إنه ثبت أن الكلام الحقيقي هو ذلك المعنى القائم بالنفس المغاير للقدرة والإرادة والعلم والاعتقاد في الشاهد. وندعي بأن الله سبحانه موصوف بهذا المعنى، وكل ما اتصف به الله تعالى وجب أن يكون قديماً وواحداً لا يتكثر مع كونه معبراً عن مدلولات كثيرة طلبية وخبرية.
وما ينكره المعتزلة والكرامية علينا هو إثبات معنى آخر وراء الإرادة والعلم والاعتقاد. وإذا سلموه تنـزلاً فإنهم ينكرون أن يكون الله تعالى موصوفاً به، وإذا سلموه تنـزلاً فإنهم ينكرون كونه قديماً، وإذا سلموه تنـزلاً فإنهم ينكرون كونه واحداً.
ولا يستقيم لنا الدليل إلا بإثبات تلك الخصائص التي ذكرناها نخن للكلام النفسي رداً على أسئلتهم علينا. أما إثبات التغاير بين الكلام والعلم والاعتقاد والقدرة والإرادة فقد بيناه. فيبقى أن نثبت أن الله تعالى موصوف به فنقول:
ثبت بالتواتر من خبر الرسل أن الله تعالى أمر ونهى وأخبر كما جاء في الكتب السماوية ذات اللغات المختلفة. وهذه الألفاظ والعبارات الواردة في تلك الكتب دلتنا على مدلولات معينة، وهذه المدلولات إما أن تكون هي نفس العلم أو القدرة أو الإرادة أو الاعتقاد أو تكون شيئاً آخر. لا جائز أن تكون دالة على أي من هذه لثبوت التغاير بين حقيقة تلك المدلولات وبين حقيقة كل منها في العقل. فثبت أنه تعالى موصوف بمعنى حقيقي هو مدلول قوله تعالى افعل وهو مغاير لإرادته، وموصوف بمعنى حقيقي هو مدلول قوله سبحان الله وهو مغاير لعلمه، وهكذا. وهو المطلوب. إذ نحن نسمي هذا المعنى الكلام.
(فصل في بيان توهمات وقعت لك من قراءتك لكلامي السابق مع أنه لا يدل عليه)
وفي هذا المقام يجب أن تفهم أني لا أستدل ابتداءً على ثبوت صدق النبي (الذي هو فرع ثبوت صدق الله تعالى) بإثبات الكلام النفسي. لأني ببساطة أقول إن ما ألزمني القول بأن هنالك صفة وراء الإرادة والقدرة والعلم هي الكلام النفسي القديم هو ما أخبرنا به الرسول من أوامر الله ونواهيه وأخباره، أي أن إثبات الكلام النفسي ينبني على ثبوت كون النبي صادقاً ومبلغاً عن الله الأوامر والنواهي والأخبار. فأنا لا أقول مطلقاً بأن العلم بصدق ونبوة الرسول موقوف على العلم بكونه تعالى متكلماً. ولكن حين أتكلم مع أشعري يؤمن بأن الله تعالى متكلم بكلام نفسي، ويؤمن باستحالة الكذب على الله تعالى، ثم يسألني هذا الأشعري لماذا لا يجوز أن يكون الله تعالى قد خلق المعجزة تصديقاً لكاذب فإني يحق لي أن أجيب بأن المعجزة دالة على تصديق الله تعالى له، فصار تصديق الله تعالى لهذا الإنسان بمنزلة قوله تعالى هو صادق، لأن العبرة ليست في الدال بل في المدلول، فلا يرد علي أن الله لم يقل ذلك بمعنى أنه لم يخلق ألفاظاً تدل عليه، لأنا قد بينا أن الدال قد يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وغيرها ولكن المدلول وهو هنا القضية الذهنية الحاكمة بصدق الرسول هو معنى ثابت وحقيقي ولا علاقة له لا بالزمان ولا بالمكان، لذا فإنه يتصور قدمه وقيامه كمعنى في ذات الله تعالى مغاير للعلم والقدرة والإرادة، ويستحيل أن يكون على خلاف علمه تعالى. فأقول له بناء على ذلك ما قلته لك في أول رسالة، وهو أنك كأشعري كان لا بد أن تلتفت إلى أن ادعاء إمكان أن الله تعالى خلق المعجزة على يد كاذب يلزم منه لوازم باطلة تكفي لإحالته. لأنه يستلزم دلالته على كلام الله يكون على خلاف علمه، وهذا لا يعقل في كلامه القديم.
ولأن الشيعي أو المعتزلي الذي كنت تناقشه لا يخالفك في أن الله أرسل رسولاً، ولا أن الرسول هذا صادق، ولا أن الله متكلم، ولا أن المعجزة دالة على صدق الرسول، ولا أن الله لا يقع منه الكذب سواء كان فعلاً أو صفة، فلهذا جاز لك أن تقدم هذا الدليل، فإذا قدمته نازعوك في الكلام النفسي، فعندها ينتقل الكلام إلى تلك الصفة فتقيم عليها الدليل كما بيناه، فإذا سلموا بثبوت الكلام النفسي صفة للباري تعالى، تم دليلك عليهم بإحالة تصديق الله دجالاً بالمعجزة، لأنه يلزم منه الكذب كصفة لا يمكن تعقلها في حقه تعالى، لأن المعجزة دالة على كلامه النفسي القائل بتصديقه، ويستحيل أن يتصور الكذب في الكلام النفسي. وأنت أقمت الدنيا ولم تقعدها لما قلت لك ذلك، واتهمتني بأني لم أتفاعل مع أسئلتك ولم أفهمها، مع أنني فهمت تماماً محل الكلام والسؤال ومضايقه ومزالقه، وكان كل بحث بحثته في رسائلي يدلك على أني أعي تماماً وأتنبه إلى كل المعاني التي تريدها. ولكني اشتبه علي أمرك كما اشتبه على غيري لإحساني الظن بك في مقالتك الأولى، فقلت ربما الرجل يقول بقول الأشاعرة ولكنه حين نقل المحادثات التي وقعت بينه وبين خصومه دخل شيء من كلامهم في كلامه، فلذلك سألتك أن ترتب كلامك بحيث نعرف ونميز أقوالك من أقوال مباحثيك، فكتبت لي ملاحظة لم تدل على فطنتك، قلت فيها إن الذي بالأزرق هو كلامك... إلخ. أوتحسبني لم أنتبه إلى ذلك؟ إن ما أردته من ذلك هو التحقق من أنك هل فعلاً تقول بتلك الأقوال الفاسدة مع ادعائك بأنك على مذهب أهل السنة الأشاعرة أم لا؟ فمباحثك الصدر كان يلزمك بإلزامات باطلة بناها على تجويزك القول بإمكان تصديق الله تعالى لمدع كذاب، وأنت تصر على إمكان ذلك لكونه فعلاً ممكناً فلم تمنع من وقوعه. فقلت لك ما قلت، من أن من يفهم المذهب الأشعري ويعتقد به لا يقول بقولك هذا لأنه لا يتبادر عند من يقول بالكلام النفسي القديم جواز تصديق الله لكاذب. (انتهى الفصل)
وأعود للكلام النفسي، فبعد أن أثبتنا التغاير بين الكلام النفسي وغيره من صفات المعاني، وأثبتنا أنه صفة قائمة بالله تعالى، بقي إثبات كونه قديماً وكونه واحداً. أما كونه قديماً فلأنه لو كان حادثاً، فإنه إما أن يقوم به أو يقوم بغيره أو يقوم لا في محل. الأول باطل لكونه ليس محلاً للحوادث على الاستحالة. والثاني مثله لأنا بينا أن الكلام صفته، والصفة تقوم بالموصوف لا بغيره. فلو قامت بغيره لم يكن متصفاً بها ولكان صفة لغيره، كيف وقد أثبتنا اتصافه بها. وتنبه إلى أن المعتزلة حين قالوا إن كلام الله تعالى قائم بغيره لم يقصدوا كونه صفة بل قصدوا كونها فعلاً، وهذا هو الفرق بين تجويزنا لقولهم بأنه يقوم كلامه بغيره على مذهبهم، وبين إحالتنا لنفس المقالة على مذهبنا. فهم إنما قالوا بأن الله يخلق أصواتاً وحروفاً دالة بالوضع على مراده. ولكننا نقول إن الله تعالى قد خلق العالم بما فيه هذه الحروف والأصوات، وهذا العالم دال على وجوده ودال على علمه، ودال على إرادته، ودال على قدرته، ودال على حياته، وقدمه وبقائه ومخالفته للحوادث وعلى قيامه تعالى بنفسه، ودال على وحدانيته، فما الذي يمنع ما دام العالم يدل على جميع أوصافه وصفاته أن يدل على صفة هي كلامه أيضاً؟ إنني كما أشار لي شيخي العلامة الفهامة سعيد فودة مرة في بعض دروسه: أرى العالم كله كتاباً مفتوحاً أقرأ فيه ما يدل على كلامه سبحانه وتعالى. وهذا عين قولنا بأن المعجزة دالة على قوله تعالى: صدق عبدي فيما يبلغ عني. ومع ذلك فإننا لا نقول إن معرفة صدق الله أو معرفة صدق الرسول تنبني على إثبات الكلام النفسي لله تعالى. مع أن المثبت للكلام النفسي القديم يرى من هذه الجهة، أن الله تعالى يجب له الصدق ويستحيل عليه الكذب، فيبني على ذلك استحالة أن يصدق الله تعالى بالمعجزة دجالاً، لأن المعجزة دالة على تصديق الله له، ولا نفهم من هذا التصديق إلا معنى قائماً بذاته تعالى يغاير إرادته وعلمه وقدرته، وهو كلامه الذي يستحيل أن يكون على خلاف الواقع، كما يستحيل أن يؤدي النظر الصحيح في الدال على كلامه إلى إثبات شيء على خلاف الواقع. لأنا نقول إن النظر الصحيح في الدال على كلامه النفسي القديم إن توصلنا به إلى العلم القطعي، فلا يمكن أن يكون العلم على خلاف الواقع. وإن لم يتأد النظر بنا إلى العلم فلا عبرة به في هذا المقام، فلا يرد علينا أن فلاناً من الناس ممن لا يعرف كوعه من بوعه قد نظر في المعجزة فلم يتأد إلى القطع بأنها دالة على صدقه، بل نقول إنه لو توصل إلى العلم فلا يمكن أن ينافي الواقع، وإن توصل إلى غيره فليقل ما يريد، فلا حجة له علينا، لأنا نظرنا فأدى بنا النظر إلى العلم. ونظره لم يقد في نظرنا. لأنه إنما ما تأداه نظره إلى القطع بدلالة المعجزة على صدق الرسول إلا لأن نظره كان فاسداً.
وبقي أن قيام الكلام لا في محل مع القول بأنه صفة لله باطل.
أما كونه واحداً مع كونه أمراً ونهياً وخبراً ...إلخ، فلأن الكلام كله يرجع في الأصل إلى الخبر. وكل متعمق في هذه المباحث يعرف إمكان إعادة كل إنشاء إلى الخبر. وعليه يرتفع الإشكال إذا قلنا إن كلامه تعالى واحد لا يتنوع، ولا يتقسم. وإذا سلمت لي ما مضى فهذا الموضع هين. ولكني أركز الآن على مفاصل الخلاف والنـزاع بيننا ولا أريد أن أفصل الكلام في كل شيء.
وبكل ما مضى من الكلام حتى الآن، نكون قد حررنا موضع النزاع بيننا وبين المعتزلة في مسألة الكلام. وأثبتنا ما نازعونا فيه من كونه مغايراً لصفات المعاني، وكونه صفة، وكونه قديماً، وكونه واحداً. وأكون قد أجبتك على سؤالك على أحسن الوجوه. والحمد لله رب العالمين.
يتبع......

بلال النجار
23-08-2003, 16:38
قولك: (الواضح في مدعاك أن صفة الكلام عندك تخصص الأفعال الجائزة فتجعل بعضها واجبة وبعضها مستحيلة. هذا لا نعلمه نحن إلا في صفة الإرادة)
أقول: أبداً ليس هذا واضحاً من كلامي لو تأملته. وإذا فهمت أنت ذلك فأنا لا يلزمني ذلك ولا أقصده أبداً، فارجع للكلام وتأمله ولا تلزمني بما لا يلزمني. فأنا لا أقول الكلام صفة تخصيص. وحتى تفهم مرادي، سلم معي جدلاً أن الكلام النفسي صفة لله قديمة قائمة به تعالى، وأن القرآن دال عليها. إذا سلمت ذلك لحظة، ثم علمت أن الله تعالى أخبرنا في القرآن أن أبا لهب لن يؤمن. فهل يلزم من إخباره لنا ذلك الخبر أن كلامه هو المخصص لأبي لهب بالكفر؟ هذا غير لازم أبداً. لم لا يقال إن الله أخبر عن الغيب الذي لا يعلمه إلا هو، فأطلعنا على أنه لم يشأ إيمان أبي لهب، فمهما فعلتم ومهما فعل أبو لهب، فإنه لن يؤمن لأني لم أشأ حصول ذلك الإيمان. فالتخصيص حاصل بالإرادة لا بالكلام كما ترى. وأمثل لك بمثال آخر حصل مع كثير منا، وهو إخبار الواحد لأهل صاحبه قائلاً: بأن ابنكم لن يعود هذه الليلة إلى البيت. فإذا سألوه عن السبب، قال لهم: لأني أعلم أنه وقع له حادث مع سيارة أخرى، وهو في المستشفى للعلاج. فهل عدم عودة هذا الصاحب للبيت مسببة عن الكلام الذي قاله المخبر. الجواب بالنفي قطعاً، فكذا ههنا، فإني أقول إن إخبار الله تعالى لا يخصص، فإذا أخبرنا الله تعالى بأن أمراً ما لن يحصل فليس لكلامه مدخلية في تخصيصه. ودوران وقوع أمر أو عدم وقوعه دائماً على وفق ما أخبر، لا يستلزم تعليل الوقوع أو اللاقوع بالكلام كما لا يخفى على فاهم. بل يستلزم أن الإله مخبر عن كل ما تعلق به العلم من المتعلقات بكلامه القديم أزلاً وما زال متكلماً وسيظل كذلك أبداً، لأنه لا يتصور فيه أن يتكلم ويسكت، لأن الكلام ثبت قدمه، فاستحال عدمه. ولأن الكلام صفة قديمة فلا يمكن أن تدل على خلاف الواقع، لأن كلامه لو اعتراه ذلك لكان اتصافه تعالى به نقصاً على ما بيناه في الرسالة السابقة وزدناه بياناً في هذه. وهو على الله تعالى محال.
قولك: (فهل قال أحد من الأشاعرة ما تقول؟ وهل هناك صفة ثالثة بخلاف المشيئة والكلام تخصص الأفعال كذلك؟)
أقول: أنا لا أقول بأن الكلام يخصص الأفعال، وليس أحد من الأشعرية يقول بذلك. ثم إن المعتزلة يقولون بأن الله لا يفعل القبيح، فإذا سألتهم لماذا لا يفعل الله هذا القبيح ويفعل الحسن فقط، قالوا لأنه يعلم أنه قبيح، فهل تسمي عدم فعله القبيح لعلمه بأنه قبيح تخصيصاً للأفعال بصفة العلم. إذا قلت نعم، فأقل ما يقال فيه مع تنزل أنه يلزمني ولا أسلمه أن الإلزام مشترك. وقد تكلمت في ذلك بما فيه الكفاية حتى الآن، وبينت أنه لا يلزمني شيء من ذلك، بل الإلزام متوجه على المعتزلة لا علينا. وسؤالك على هذا النحو فيه ما لا يخفى من الاستهانة بفهمي لأقوال الأشعرية، وحسن بياني لمذهبهم. ولا داعي لمثل هذا الكلام. ولو أردت أن أتكلم بهذا الأسلوب لأسمعتك مما يؤذي ما لا تقدر على أن تتابع الكلام معي بعده، ولكني أترفع عن ذلك. وما فلتاتي بالتعريض بكلامك أحياناً إلا ردوداً على مثل هذه الطريقة في كلامك. فأرجوك يا أخ إسماعيل أن ترتفع إلى المستوى العلمي والأدبي الذي يعبر عنه كلامنا هذا، إذا كان في نيتك أن تتابع البحث معي. ولا أظن أن منصفاً يقرأ ما كتبت فيحكم علي بأني لم أخلص للبحث، فأرجو أن تثبت لي مثل هذا الالتزام في البحث والإخلاص مع الله والنفس في أثنائه. وأنا من هذه اللحظة أنتظر إجاباتك، على ما كتبت، وقد أجلت الكلام في سؤالك الأخير وهو وهو ما الذي يمنع أن يتسلى الملك لا لغرض؟ الذي أحيطك علماً بأنه مبحوث باستفاضة في كتب المتكلمين وهو عبارة عن مجرد احتمال عقلي وارد على التمثيل على الاستدلال لا على نفس الاستدلال، كما تتوهم، وكما قلت سابقاً فهم ناقشوا احتمالات كثيرة جداً بأضبط من مثل هكذا سؤال، وهو ليس بشيء، ولكني أؤجل الكلام فيه لأني أريد أن أبحث ذلك في قدر ما تتسع له مشاركة كاملة، في أثناء بياني لكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول، ولمعنى قول الأشعرية تتـنـزل المعجزة منـزلة قول الله تعالى صدق عبدي، فإنها عبارة على ما يغتر البعض من سهولتها وبساطتها من أعمق ما قرأته في حياتي، وأدقه، ونادراً ما رأيت من يردد كثيراً من كلام المشيخة ويحسن فهمه. وسآتي إن شاء الله بكلام جديد، وبحوث لطيفة، غير ما كتبته حتى الآن، وسأبين ما علقته ووعدت ببيانه في السؤال الأخير من مثل شرح عدم الاحتياج إلى إثبات الكلام الثابت بالشرع لإثبات صدق الرسول والشرع بالقدر الذي يلزم منه الدور أو المصادرة.
أما قولك : (في الختام أذكر بقناعتي بأن ما أوردته من استدلالات بالمعجزة أو بصدق الرسول لا يكون إلا بعد ثبوت التكليف)
فأقول: إنه كلام لا قيمة له بعد كل الأسئلة والمناقشات التي قدمتها على هذا الادعاء الغريب، وهو قول لا يقول به الأشعرية بحسب علمي وفهمي لمذهبهم. فإن كنت ما تزال ترى هذا الرأي فاقدح في استدلالاتي، وائتني بالدليل بياناً لهذه الملازمة كما سألتك في أثناء مناقشاتي لهذا القول. واعلم بأنا قد انتقلنا من مقام تحقيق الأقوال ونثر الشبهة والأسئلة، إلى مقام الاستدلال كل على ما يدعيه، وإبطال أدلة الآخر فيما ينازعه فيه. ولذا فلن أقبل منك أبداً من الآن فصاعداً قولاً غير مقترن بالدليل.
والسلام عليكم

بلال النجار
26-08-2003, 13:13
بسم الله الرحمن الرحيم

الأخ إسماعيل،
السلام عليكم، وبعد فهذا هو القسم الأخير من الرد على أسئلتك ومناقشتها، وذكر ما خطر على البال من التنبيهات والإشارات حولها، وأسأل الله سبحانه أن أكون قد وفيت الأسئلة حقها من الإجابة والبحث. وهذا ما بقي من وعد لم أنجزه، أشرع فيه طالباً من الله السداد والعصمة من الزلل.

أوردت سؤالك الأخير وهو: (ما الذي يمنع أن يتسلى الملك لا لغرض فيغير عادته موافقاً للكذاب؟؟(
على كلامي التالي: (أظن أنني بينت كيفية دلالة المعجزة على وجوب صدق النبي في بداية الرسالة إجمالاً، وإذا احتاج الأمر نقاشاً وتفصيلاً أكثر فيمكن أن نتكلم في ذلك حتى الصباح. ولكن هذه ليست مصادرة على المطلوب يا إسماعيل، لأن النبي كما قلت سابقاً، يدعي النبوة ويطلب أن يصدق، والمعجزة لا يقدر على عملها البشر، فإذا حدثت علم أنها من عند خالق البشر، وظهورها على يدي النبي وهو على تلك الحال من دعوى الصدق والإبلاغ عن الرب سبحانه، تشبه حال من حضر مجلس الملك فقال أيها الناس إن الملك يأمركم أن تفعلوا كذا وكذا وأنا رسول الملك إليكم، فصدقوني، وافعلوا ما تؤمرون، فمن أطاعني فقد أطاع الملك وأرضاه ونال عطاياه، ومن عصاني فقد عصاه وأسخطه ونال عقابه. فقالوا فما الدليل على صدقك؟ فقال الدليل أني أقول للملك خالف عادتك أيها الملك وافعل كذا وكذا إذا كنت صادقاً، فإذا فعل الملك ذلك تنزل فعله عند الحاضرين منزلة قوله صدق رسولي فيما يبلغكم عني. وإذا لم يفعل بان كذبه، ألا ترى أن هذا دليلاً كافياً للحاضرين لكي يصدقوه؟)
فأقول: هذا ليس هو عين استدلالنا بل ليس هذا سوى مثال للتوضيح نستطيع أن نأتي بغيره، وأن نأتي به هو على وجه نقلل فيه كثيراً من الاحتمالات العقلية التي ترد علينا، كأن يكون ما طلبه الرسول من الملك أمراً يبعد تصور أن يتلهى الملك به على سبيل المجاراة له وبخاصة عند حفه بالمزيد من القرائن. ولو أنصف السائل وتأمل في القرائن المحتفة بدعوى الأنبياء لما قال ذلك. فهو إذاً مثال للتوضيح والتقريب دون الاستدلال. ثم إن سؤالك ينطوي على شيئين متنافيين وهما فرضك أنه لا غرض للملك في فعله، وفرضك أنه يتسلى. فالتسلي قطعاً غرض، والمجاراة غرض، وكل ما يمكنك أن تفرضه سبباً يدعو الملك لتصديق الرسول مع علمه بأنه كاذب لا يخرج عن أن يكون غرضاً. وعليه فنفيك الغرض عن الملك لئلا ألزمك بأن الله تعالى متعال عن الأغراض في أفعاله لم ينفعك هنا. مع أنني لم أكن أنوي ذلك لو لم تقيد السؤال بنفي الغرض.
واعلم أن الأشعرية لا يقولون إن الله تعالى خلق المعجزة لغرض تصديق الرسول، فهذا مخالف لأصلهم في تنـزيهه تعالى عن الأغراض في أفعاله، بل يقولون خلقها لعين إرادته، بحيث تكون هي نفسها دالة على تصديق الله له.
ولا نفهم من هذا التصديق إلا معنى قديماً قائماً بذات الإله سبحانه يشهد بصدق ذلك الرجل. وهو ما نعبر عنه بقولنا: إن المعجزة تتنزل منزلة قول الله تعالى صدق عبدي فيما يبلغكم عني.
فلا نقول الغرض من خلق المعجزة التصديق لأن التصديق حاصل وقديم في كلام الله تعالى، بل نقول خلق المعجزة دالة على تصديق الله له، ونسأل أنفسنا هل تصديق الله سبحانه له فعل أم صفة. إننا نقول إن الفعل هو المعجزة الدالة على التصديق، أما التصديق نفسه فهو المدلول وهو ليس فعلاً قطعاً. كما فرقنا لك بين الدال والمدلول، في الرسالة السابقة.
ولذلك لزمنا أن نقول إن هذا المعنى لما جاز أن يقوم بالإله، ودل على قيامه الدليل الشرعي لاحقاً، أثبتنا قيامه بالإله على أنه صفة قديمة سميناها الكلام النفسي.
ولا يرد علي أن الشاهد على المعجزة لا يتبادر إلى ذهنه أن هذا التصديق ما هو وأنه لا بد أن يكون كلاماً نفسياً وقديماً. لأني لا أقول بذلك، بل أقول إن الكلام ما ثبت أول ما ثبت إلا بالشرع. والشاهد حين يعاين المعجزة تقع من الرسول على وفق الدعوى يعلم علماُ عادياً قطعياً بأن الله تعالى أراد بهذه المعجزة تصديق هذا الرسول، بصرف النظر عن التفاته إلى أنه هل هذا التصديق هو علم الله أو إرادته أو قدرته أو كلامه على ما هي الأقوال فيه، أو حتى أي شيء آخر.
ثم إن علم الشاهد بأن الإله أراد بهذا الفعل تصديقه منطبق تماماً على مذهبنا، وهو كاف لتصديق الإنسان الذي يعلم بوجود الله أن هذا الرجل صادق. بدليل تصديق الله له. سواء فهم أن هذا التصديق هو إرادته -لأنه لا يملك أن يعارض هذه الإرادة، بل لا يملك إلا أن يستسلم ويذعن لها، أو فهم من هذا التصديق علمه تعالى -لأن الله عالم بكل شيء في اعتقاد المؤمن بالله، أو فهم من هذا التصديق كلامه -لأنه يثق بما يقوله الإله، ولا يتبادر لذهن امرئ يؤمن بالله أن الإله يكذب عليه، لأنه يرى الكذب صفة خسيسة لا يمكن أن يتصف بها الإله الخالق الغني الكامل.
وكلامنا في من يؤمن بوجود الله وعلمه وإرادته وقدرته حين يرى تلك الحال، وأما غيرهم فلا يمكن أن يسلموا للرسل بأنهم رسل ما لم يقم لهم الرسل الأدلة على وجود الله وعلمه وإرادته وقدرته، لأن التصديق بدعوى الرسل ينبني على ذلك. كما لا يخفى.
والجواب جملة أن جميع الاحتمالات العقلية التي يمكنك أن تفرضها، لا تنافي إمكان وقوع العلم العادي القانوني القطعي عقيب حصول المعجزة على وفق المدعى محتفة بالقرائن الكافية لحصوله، لأن مجرد الاحتمال العقلي لا ينافي حصول العلم القطعي كما وضحته لك بأكثر من مثال في الرسائل السابقة، كتجربة رذرفورد وغيرها. فكذا ههنا.
فلا نلتفت إلى الاحتمالات المذكورة لا بالنفي ولا بالإثبات، للزوم العلم العادي بالصدق مع بقاء إمكانها. وهذا المعنى مهم جداً ومن ينكره يلزمه أن ينكر كل العلوم القانونية الموجودة الآن، وأنا شخصياً أستغرب أنك فيزيائي وتدعي العلمية والأكاديمية وغيرها، وتنكر ذلك. وكنت أتوقع حين قلت لي إنك فيزيائي أن تنفي مثلاً حدوث الخوارق، لأنها على خلاف القوانين التي تؤمن بها، والتي انبنى عليها الكمبيوتر الذي ما أكثر ما ذكرته.
فإذا فهمت مضمون الرسائل السابقة وما قلته حتى الآن، علمت أن العلم بصدق الرسول علم عادي، وهو معتبر وكاف لقيام الثقة بالعادة، للشاهد بحواسه وعقله، وللغائب بالتواتر المفيد للعلم القطعي عادة وبعقله. ولا يقوى أحد على نقض الرسالات السماوية إلا إذا نقض ما ينبني عليه الإيمان بها، وهو وجود الله تعالى، وعلمه وقدرته وإرادته، وجواز إرسال الرسل، وجواز تكليف البشر، والثقة بالعلم العادي والذي منه العلم المستفاد من الحواس والعلم المستفاد من التواتر، أو التشكيك في نفس العقل. ولا يخفى عليك أن من ينكر شيئاً من ذلك فلا يمكنه أن يأتي ببراهين على إنكاره لشيء منها دون أن يقع في الكثير من التناقض.
وتمام الكلام في جواز ظهور المعجزة على يد الكاذب بناء على التسليم بأن هذا الأمر من الجائزات العقلية، ومن المقدورات للإله سبحانه. أن هذا التجويز عقلي محض لا عادي، وعليه فلا يستقيم إلا على تقديرين اثنين:
الأول أن يقال: إن انخراق العوائد وقلبها غير مستبعد وهو في مقدور الله تعالى، وملازمة العلم بالتصديق لمن ظهرت المعجزة على وفق تحديه وإن كان معتاداً جارياً مجرى سائر العادات المفيدة للعلم القطعي مثل ملازمة العلم الضروري للمتواتر وغليان المادة حين يصبح ضغطها البخاري مساوياً للضغط الجوي وغير ذلك من العادات، فلا يمتنع خرق العادة فيه في مقدور الله تعالى، وذلك بأن توجد المعجزة مع التحدي غير مقترنة بالعلم بتصديق المتحدي. وعليه فلا يمتنع ظهور المعجزة على يد الكذاب، ولكن بشرط أن تنقلب العادة في الملازمة بين ظهور المعجزة وحصول العلم بالتصديق. وذلك لأن العادة تقضي بتصديقه ضرورة عند ظهورها على يديه، وأما مع عدم خرق هذه العادة فلا يتصور أبداً ظهورها على يد كذاب.
وهذا ما أشرت إله حين أجبتك على تجويزك أن يسمع الإنسان على خلاف ما يقال، حيث قلت لك على ما أذكر بأن المعول عليه ما يسمع لا ما يقال، لأن العادة تقضي بأن ما يسمع هو عين ما يقال، وجائز في العقل أن يسمع غيره، ولكن ذلك خلاف العادة.
وعليه فلا يجوز وقوعه إلا بتقدير خرق العادة بالفعل، وهي العادية القاضية بأن الحاسة تفيد العلم بأن ما أحسته هو عين ما من شأنها أن تحسه، وهو لازم عن حقيقته في نفس الأمر. ولو تمسكت به يومها ربما كنت ستتوصل إلى ما أقوله الآن، ومع أنه لن ينفعك التمسك به لإثبات ما زعمته كما سأبينه الآن، إلا أنه على الأقل ربما كان أنفع لك من تمسكك بمجرد الاحتمال والجواز العقلي الذي لا يقدم ولا يؤخر ولا ينتهض دليلاً نافياً لحصول العلم الضروري بصدق الرسول عند ظهور المعجزة على الوجه الذي صورناه.
والتقدير الثاني: أن يقال وإن كان إظهار المعجزة على يد الكذاب من المقدورات لله تعالى، إلا أنه لا يلزم أن يكون وقوعه جائزاً، حتى لو قدرنا خرق العادة، لأنه لا يجوز أن يقع خلاف معلوم الله سبحانه وإن كان مقدوراً. ولا فرق بين المقدور الذي علم الله تعالى أنه لن يوجد وبين المستحيل لذاته إلا في العقل كما لا يخفى عليك، فإن كلا الأمرين بات مستحيلاً، سواء كان لغيره أو لذاته. وكلام المشكك لا يتم إلا مع تقدير الوقوع، فإذا استحال الوقوع، امتنع حصول شيء مما زعم، فلم ترتفع الثقة بالرسالات.
ولعل سبب توهمك للدور حين تمسكت أنا بهذا الوجه وقررته بطرق ووجوه كثيرة في رسائلي. أنك قلت: هذا يدعي أن صدق النبي واجب لأنه معلوم الله أو لأنه موافق كلامه الذي لا يمكن أن يكون الواقع على خلافه، والطريق إلى معرفة معلومه وموافق كلامه لا يعرف إلا بثبوت صدق النبي، وصدق النبي لا يجب إلا بانخرام العادة، وانخرام العادة على وجه يكون مصدقاً لكذاب لا تعرف استحالته -لكونه غير مراد ولا معلوم الحصول لله مع كونه جائزاً عقلاً ومقدوراً له- إلا من طريق النبي، والنبي لا يؤخذ منه شيء إلا بثبوت صدقه. فتوقف معرفة صدق النبي على معرفة صدقه. فلزم الدور. وهذا فكرت لك فيه لأجد تبريراً لك لإلزامي بالدور. ولكن هذا الكلام المرتب المنمق وإن بدا للبعض شبهة قوية، إلا أنه فارغ ومتهافت من وجوه أبينها لك:
أما أولاً فلأن حصول العلم بصدق الرسول للشاهد ومن في حكمه -وإن استدل على امتناع كذبه بما ذكرته من امتناع وقوع خلاف معلوم الله تعالى وخلاف مدلول كلامه- إلا أنه لا يشترط ملاحظة الشاهد لهذا الدليل بهذا التفصيل ليحصل العلم الضروري عنده بصدقه. بل يكفيه مقدمة قاطعة تفيده استحالة أن يكذب الله عليه وأن يضلله. ولأن المشكك لم ينكر وجود الله وعلمه وإرادته وقدرته. فهو قد قال ألا يمكن أن يكون الإله أجرى المعجز على يد الكاذب تصديقاً له لا لغرض. وهذا أمر جائز في العقل فلم تمنعوه وأنتم لا تقولون بالقبح العقلي. والجواب أنك يا مشكك تقول إن الله تعالى يعلم أن هذا المدعي كاذب ومع ذلك يصدقه، فبصرف النظر عن حقيقة هذا التصديق اللازم عن المعجزة فالشاهد ومن في حكمه سينسبانه إلى الله تعالى. ومجرد نسبته إلى الله توجب حقيته واستحالة مخالفته للواقع. فيحصل العلم العادي للشاهد ومن في حكمه بصدق الرسول من باب العادة الجارية. وهذا هو القدر الذي ندعيه برهاناً كافياً على صدقه. ونحيل لأجله عادة فرض واحتمال المشكك. والعجب من هذا المشكك أنه لا ينازعنا في إحالته عادة، ولكنه ينازعنا في إحالته عقلاً، مع أن بعض أصحابنا قائلون بجوازه عقلاً على نحو ما ذكرته في أولاً بشرط انخرام الملازمة. وغاية الأمر أنه لو سلمنا لك إمكانه العقلي، فنحن لا نقول بالاستحالة العقلية فلم تنازعنا في ما لا نقول به. وإذا أردت أن ترفع الثقة عن الرسالات لأن برهانها يستند إلى العلم العادي لا العقلي، فافعل ما تشاء، ولكن عليك أن تلتزم ما لا يحصى من اللوازم الباطلة. أولها أنا لن نقبل منك في كلامك الذي سترفع به الثقة عن الرسالات أي مقدمة تستند فيها إلى ما طريق علمه العادة. ولعمري أي مأزق يقع فيه من يرتكب ذلك. وهذا بشأن أول مقدمة.
وأما الثانية وهي قول المشكك: (والطريق إلى معرفة معلومه وكلامه لا يعرف إلا بثبوت صدق النبي) فنقول إن مستندنا في البرهان ليس إلى معرفة معلومه وكلامه بل إلى معرفة تصديقه تعالى، وهذا هو ما ندعي حصوله، بأن تكون المعجزة دالة عليه، ولا خلاف بيننا وبين المشكك أن المعجزة دالة على تصديق الله له لأنه ما شكك في ذلك، وإنما شكك في صدق الرسول حال تصديق الله له مدعياً أن الدال على التصديق فعل مقدور لله فلم لا يوقعه للكاذب. والجواب أن تصديق الله للكاذب لا يسلم أنه فعل كما بينا. ثم إن هنالك فرقاً كبيراً بين استنادنا إلى معرفة (معلوم الله وكلامه)، ومعرفة (تصديق الله تعالى للنبي بصرف النظر عن حقيقة هذا التصديق). ثم أخيراً نحن لا نسلم أن الطريق إلى معرفة معلوم الله تعالى لا يعرف إلا من طريق النبي، بل نقول لم لا يجوز أن يقع فعل ما يدلنا عادة على معلوم الله تعالى بأن شيئاً آخر يستحيل عادة أن يقع، وهذا ما ندعيه بشأن صدق النبي، فنقول إن المعجزة دلتنا عادة على علم الله بأن هذا صادق، وهذا الدليل العادي أوجب علمنا العادي بما يوافق علم الله تعالى بأن هذا المدعي صادق، وأوجب علمنا العادي بأن هذا المدعي يستحيل أن يكون كاذباً. وهذا يكفي.
وأخيراً قوله: وانخرام العادة على وجه يكون مصدقاً لكذاب لا تعرف استحالته -لكونه غير مراد ولا معلوم الحصول لله مع كونه جائزاً عقلاً ومقدوراً له- إلا من طريق النبي.
هذا عين المتنازع فيه فكيف تقدمه ولا نسلمه. فإنا أحلنا انخرام العادة تصديقاً للكاذب والنزاع فيه، فكيف نسلمه. ولئن سلم تنزلاً فلا نسلمه إلا على تسليم انخرام عادة ثانية تقضي بقطع الملازمة بين العلم الضروري وظهور المعجزة الذي لو قلنا به لانسد الطريق إلى معرفة العلوم التي من هذا الباب ولبطلت الشرائع ولهمنا على وجوهنا لا ندري ولا ندري أننا لا ندري ويتسلسل.
ولئن سلم مع عدم اشتراطنا لانقلاب العادة في الملازمة فلا نسلم أن انخرام العادة على وجه يكون مصدقاً للكاذب لا تعرف استحالته إلا من طريق النبي. لأنا نلزمك بأنك كيف عرفت عدم استحالته إن كان من طريق النبي فالإلزام مشترك، وإن كان بالعقل فالعقل لا أن يتناقض فيقبل -مع بقاء الملازمة بين العلم الضروري بالصدق وظهور المعجزة- أن يكون الدليل الدال على الصدق هو عينه دليلاً دالاً على الكذب. لأن هذا محال. فتأمل. فبان لك فساد إلزامنا بالدور من القدح في أهم مقدماته. ولو اكتفينا بأول الكلام لكفانا.
وبان لك من شرح التقديرين السابقين كما رأيت أنهما لا يمكن معهما تقرير تصديق الكاذب بالمعجزة. لأن الأول مبني على تصور انعدام الملازمة بين حصول العلم بالتصديق وظهور المعجزة على الوجه الذي يفيده، وهو يؤدي إلى تناقض العقل، إلا أن يرفع الله من عقولنا هذه الملازمة. فأسال أسئلة شبيهة بالتي سألتها لك عند الكلام عن المحسوسات وأنت أهملتها كأني لم أذكرها، فأقول: هل ارتفعت الملازمة من العقول مطلقاً أي في هذا الأمر وفي كل عادة، أم في هذا الأمر وحده وبقيت العادة جارية في غيره، أم ارتفعت في هذا الأمر وحده ثم عادت بعد حصول العلم بصدق الكذاب. ولو تأملت هذه الاحتمالات لاستيقنت فساد كل واحد منها.
ولأن الثاني مبني على أنه وإن كان إظهار المعجزة على يد الكذاب من الجائزات العقلية التي عند تصورها مستقلة يحكم العقل بجوازها وكونها مقدورة لله تعالى، فلا يلزم أن يكون وقوعها جائزاً لاسحالة وقوع خلاف المعلوم لله وإن كان مقدوراً، والطريق إلى معرفة معلوم الله في هذا الأمر لا تتوقف على إخبار الرسول الكريم بذلك، ولكنها تعرف أيضاً من استحالة تصديق الله للكاذب، المسلمة عادة عن الشاهد. ومع تسليم وقوع أي من هذين التقديرين يبقى ظهور المعجزة على يد الكذاب مستحيلة.
ثم ههنا أمر ينبغي أن يتنبه إليه المشكك، وكثير من الناس الذي لا أدري كيف ينظرون إلى الرسل، وهو أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، لم يبعثوا صماً ولا بكماً ولا عمياناً ولا بلهاً، فإذا عرض لهم منكر لوجود الله أو صفاته استدلوا له عليه وأفحموه وألزموه، وإذا رأوا في مجادلهم نقصاً في مقدمات بينوها له، وهم من هم في الفطنة والذكاء مما لم أعرف أحداً على وجه الأرض ممن يخالفنا ينكره، فحتى أشد الناس عداوة للأديان يشهدون بعبقرية الأنبياء على حد تعبيرهم، فإذا كانت هذه حالهم فكيف يستبعد أن يبين الأنبياء لأقوامهم أن الله لا يمكن أن يكون صدقه بالمعجزة حال كونه كاذباً لأن الله تعالى يستحيل أن يكذب لكون تصديقه له من صفته لا من فعله ولو اتصف بها لكان ناقصاً ولا يمكن أن يتصف الله تعالى بالنقص. وكيف يستبعد أن يستدل عليهم بأعظم من ذلك على أحسن الوجوه من أوتي جوامع الكلم، وكان الله تعالى له ملهماً ومعلماً ومؤدباً ومؤيداً.
وختاماً فمن أنصف علم أن استنادي إلى أصول المذهب الأشعري بهذا القدر فقط من طاقتي، في تبيين ما ورد علينا من الشبه، وردها كان على أقل تقدير موفقاً وظاهر القوة. وللقراء من بعد ذلك أن يحكموا على كلامي وعلى كلام إسماعيل بوضعهما في ميزان العقل والقدر الذي يسلمه السائل من قضايا الشرع. ثم لهم أن يحاكموا هذه الأقوال ويبدوا آراءهم، وسأتقبلها بكل رحابة صدر. كما أدعو الأخ إسماعيل أن يقول لي رأيه في كل ما سمع. ويرد على أسئلتي واحداً واحداً كما التزمت بالإجابة عن جميع أسئلته بما تأدى إليه فكري وبقدر ما أعلم، وأنا المبتدي، ولست بحجة على المذهب الأشعري. فإن وجد أحد من الإخوة خطأ في كلامي فأرجوه أن يبينه لي، وسأكون له من الشاكرين، ورحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي. وهذا آخر الكلام في أسئلة إسماعيل، وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.

محمد ال عمر التمر
18-06-2008, 18:08
من باب الطرافة أنقل ما فهمه بعض السلفية في المسألة:

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?p=837705

بلال النجار
18-06-2008, 21:30
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد، إليك المشتكى، وأنت المستعان. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين