المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على مقالة العادة عند الأشاعرة



بلال النجار
17-12-2004, 00:31
بسم الله الرحمن الرّحيم
السادة الأفاضل،

كثيراً ما سمعت انتقادات على قول الأشاعرة بأنّ التلازم بين الأسباب والمسببات في العالم هو تلازم عاديّ، وكلّما أتأمّل في كلام المنتقد أجده غير فاهم لمبدأ العادة كما يشرحه الأشاعرة، وهذه المشكلة في تصوره لكلامهم هي منشأ غلطه في الأحكام، وغلطه عليهم. وأنا أجزم أن كثيراً من العقلاء الذين قابلتهم في حياتي ممن يظهرون عداء للدين عامة أو المذهب الأشعري خاصّة، إذا ما صوّرت لهم المسائل بالطريقة الصحيحة ستجدهم موافقين لنا أو لنقل إن الهوة الكبيرة التي يرونها بيننا وبينهم ستتضاءل فيقتربوا منا أكثر. وفي أقل التقادير فإن أقل ما أحصله حين أتكلم مع المخالف أن أنتزع منه احتراماً وتقديراً للدين وللمذهب الأشعريّ خاصة، واعترافاً بأن مقالات علمائه ليست كلاماً سخيفاً يمكن نقضه أو حتى نقده ببادي النظر. وكن يا أخي واثقاً أنه يبعد جداً بل يكاد يستحيل عادة أن يطبق العلماء، أو يرى جمهورهم رأياً ويكون هذا الرأي ضعيفاً واهناً، بادي الوهن، ومن تجرأ على وصف قول الجمهور بذلك فإنه يغامر أيما مغامرة، ولا أظنّ أحداً يجرؤ على مثل ذلك إلا أن يكون ناقص العقل، أو غير عارف بعلومهم.

وعلى أي حال، وللحديث شجون، فقد قرأت هذه المقالة، ووجدت كاتبها يقول:
(العادة تعني أنه لا شيء يؤثر في شيء ولا علة تؤثر في معلولها فالنار مثلاً ليس لها أثر في الإحراق، وما يراه الناس من إحراق إنما هو عادة وإلف فقط وليس ناشئًا عن علة في النار والله الخالق له باطراد كلما التقت النار مع ما تحرقه دون أن يكون للنار أثر يُذكر وهكذا لا حقيقة لطبائع الأشياء. وحكموا على أنها فارغة من القوى ومن ثم التأثير في غيرها أو التأثير بقدرة الله-سبحانه- باعتبارها وسائط وهذا معناه أيضًا إنكار لعلاقة الأسباب بمسبباتها وأن التلاقي بينهما ما هو إلا عادة فليس هناك أي علاقة ترابطية إلا ما يشاهده الإنسان بعينه والمشاهدة ليست حجة. بمعنى: أن اطراد الموجودات وتسلسلها ليس قائمًا على الترابط (العلّيِّ) بل إن العادة وجريانها هما السبيل في إحساسنا بالتعاقب بين ما يقال أنه سبب وما يقال أنه مسبب، وإن وجود أحدهما في الذهن يلزمه –بالتداعي – وجود الآخر دون أن يكون هناك في الواقع رابطة علّية حقيقة)

دعونا نتأمّل هذا الكلام، والكلام الذي يليه. إنّ الفرق بين الكلام المحقّق والكلام غير المحقق قد يكون مجرّد تدقيقات صغيرة بها يستقيم الكلام.
نعم نحن نقول إنه لا مؤثّر في الوجود إلا الله تعالى.
ولكننا لا نقول: لا علّة تؤثّر في معلولها. لأنّ هذا القول يتضمن إثباتنا للعلّة والمعلول كما هما عند الفلاسفة. ونحن لا نقول بالعلّة والمعلول بمعنى الموجود المؤثر وجوباً في إيجاد شيء آخر بحيث لا يمكن تخلّف المعلول عند وجود العلّة عقلاً.
إن لنا قولنا في مقابل قول الحكماء. إننا لا ننفي وجود الأسباب والمسببات، ولا ننكر العلاقة بين هذه الأسباب والمسببات، ولو أنكر إنسان ذلك لكان مجنوناً، لأنّ ربط الأسباب بالمسببات من البداهة بحيث لا يمكن إنكاره. وكيف نقول بنظرية الكسب وننكر ربط الأسباب بالمسببات!
ولكنّ السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا عند وقوع المسبَّب عقيب السبب هو: هل كان وقوع المسبَّب نتيجة لوقوع السبب واجباً عقلاً أم جائزاً عقلاً؟

إنّ العقل السليم يحكم بجواز تخلّف المسبب عن سببه والمعلول عن علّته عقلاً. والقرآن الكريم والسنّة النبويّة يزخران بأخبار الأنبياء ومعجزاتهم، وكلّ معجزة لنبيّ فهي دليل على جواز تخلّف المعلول عن علّته والمسبب عن سببه.
وهذا منشأ قول الأشعريّ رضي الله عنه بالعادة، أي أنّ هذه الأسباب والعلل ليست إلا أسباباً وعللاً عاديّة قانونيّة. والله تعالى هو خالق كلّ شيء، وهو على كلّ شيء وكيل. والذي أجرى العالم ودبّره على وفق هذه القوانين والأنظمة، قادر على أن يجريه على وفق قوانين وأنظمة مختلفة. وهذا ما نعنيه بخرق العادة. وبجواز انخرام العادات، وهو بالضبط ما نعنيه حين نقول إن العلل والأسباب قانونيّة أو عاديّة، وهو ما نعنيه بقولنا لا يجب عقلاً وقوع المسبب عقيب السبب، بل التلازم بين المسبب والسبب تلازم عاديّ لا عقليّ. وليس هذا التلازم هيناً بالصورة التي يحاول أن يبرزها الكاتب حين يستخدم ألفاظاً كالإلف، إن العادة عند الأشعريّة قانون يوجب العلم القطعيّ. وحين نقول بالعادة، فينبغي أن يتذكر الكاتب أننا أيضاً نقول بأن انخرام العادة مستحيل عادة، جائز عقلاً. فإذا كانت العادة مفيدة للعلم للقطعيّ عندنا، فلا فرق عملياً بين مذهبنا وبين القول بالعلّة والمعلول. لأنّ كلا الفريقين ينظر إلى الأسباب والمسببات وترابطها بوصفها مفيدة للعلم. ولكن الفلسفيّ يقول بوجوب وقوع المعلول عند وقوع العلة التامة عقلاً، ونحن نقول بوجوب وقوعها عادة لا عقلاً، أي نجير انخرام العادة، ولنا في ذلك شاهد وأي شاهد، إنه معجزات الأنبياء التي أقرتها جميع الأديان. فإن لم يجز الكاتب انخرام القانون، فعليه بكل بساطة أن ينكر وقوع المعجزات! أو يفسر وقوعها على مذهبه بالعلة والمعلول.

من هذا الكلام تستطيع أن تعرف أنّ عرض مذهب الأشعريّة على هذه الشاكلة التي يقدّمها الكاتب، ليس منصفاً، وفيه استخفاف للعادة أو القانون.
وليعلم هذا الكاتب أنّ الأشاعرة يقولون بأنّ القوانين التي يدبّر الله تعالى وفقها الكون لا تنخرم إلا بإذنه وإرادته، وأننا لا نعلم بعد مضيّ زمن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن وقوع خرق للعادة إلا نزراً مما روي عن كرامات الأولياء. وما دون ذلك فالعالم بجميع ما فيه يسير وفق قوانين منضبطة لا تنخرم. فلا يستخفّ بالعادة التي يستميت العلماء الطبيعيون في الكشف عن القوانين التي تضبطها.

ويقول الكاتب: (وغلوا حتى صادروا ما للطبائع من صفات جوهرية بها تتمايز وتتغاير كالفرق بين الخد والبصر، مع أن القول بأنها لا تفعل استقلالاً وإنما بإذن الله وهو القول الذي كان يجب أن يتوقفوا عنده دون الذهاب إلى آخر الشوط وإنكار حقائق الأشياء الأساسية مما أفسد عليهم طرقهم في إثبات التوحيد)

أقول: أنا أستغرب جداً من هذا الكلام. فمن من المسلمين أنكر الصفات الذاتيّة التي تتميّز بها الحقائق بعضها عن بعض، ومن من المسلمين أنكر أنّ للأشياء حقائق ثابتة؟! كيف والشيخ النسفي في أوّل جملة في عقيدته يقول: (حقائق الأشياء ثابتة، والعلم بها متحقق، خلافاً للسفسطائيّة)! فمن أين جاء الكاتب بهذا الكلام؟!

ثمّ بالله دعونا نر كيف أفسد علينا هذا القول -الذي لم نقله أصلاً ويتّهمنا هو به- إثبات عقائد التوحيد!!
ألا ترون أنّ كثيراً من الناس يقولون مجرّد كلام عار عن الدليل، ادعاءات فحسب تتوالى على أسماعنا، لا تجوز على من له أدنى اطلاع بعقائد الأشاعرة، يلبّس بها على الناس من قليلي المعرفة والعقول. فهل هذه طريق العقلاء والأفاضل في البحث... إنّ حقّ كثير مما يكتب وتسوّد به الصحائف أن يحرق ويلقى في الزبالة.

انظر إلى سخافة هذا الكلام التالي:

يقول الكاتب عن مبدأ العادة الذي يتبناه الأشاعرة: (هذا الاجتهاد الحاصل بسبب ردود الفعل، وكان الأولى أن يبطل الأشاعرة حجج الطبائعيين القائلين باستقلال الطبيعة في إيجاد الأشياء دون الإنسياق وراءهم وإبطال العلل والأسباب والقوى التي أودعها الله في هذه الطبائع ولا تعمل إلا بإذن الله، بمعنى عدم مجاوزة آيات القرآن الحكيم إلى آفاق بعيدة قد يثبت العلم التجريبي والمشاهدة بطلانها، وهذا ما حصل)

فهل يعتقد هذا المعتوه فعلاً أنّ الأشاعرة وكردّة فعل من نقاشاتهم مع الطبائعيين القائلين بالقوى المودعة في العالم ذهبوا إلى القول بالعادة!!
ثمّ ما الفرق بين قوله ههنا بأنّ الأسباب والقوى لا تعمل إلا بإذن الله تعالى وبين قولنا بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلا الله تعالى!!! لو كان منصفاً فاهماً لما يقول.
ونسأله: هل يقتصر تدبير الله تعالى لهذا العالم أن لا يعارض وقوع المسبب عقيب السبب، أم أنه هو سبحانه خالق السبب، وخالق المسبب عقيب السبب. أليس هذا مأخوذاً من نفس التوحيد الذي يدّعي أنا قد أفسدنا على أنفسنا أدلّته. أليس الله تعالى واحداً عنده في ذاته وصفاته وأفعاله، فما معنى كونه واحداً في أفعاله إلا أن يكون هو المدبّر والمتصرّف في كلّ جزئيّة من جزئيّات هذا العالم. فإن سلّم أنّه مدبّر هذا العالم ربّه وسيّده، فكيف يتوقّف في الاعتقاد بالعادة.
وليس أبعث على الضحك من قوله (إنّ هذا ما حصل)، يشير إلى تمادي الأشاعرة في ردّة فعلهم عند الردّ على الطبائعيين.

هذا ما تيسر من بداية لمناقشة هذه المقالة، وللحديث إن شاء الله تعالى بقية.