المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طرق حديث "لكل حرف ظهر وبطن" وشرحه



مصطفى حمدو عليان
08-09-2011, 19:28
بسم الله الرحمن الرحيم



تصحيحُ حديثِ ( الظهر و البطن )
و شرحُهُ









مصطفى حمدو عليان






بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطاهرين،وصحابته الطيبين، وبعد :
فهذه رسالة كتبتها بعد أن رأيت الشيخ الفاضل الدكتور فضل عباس رحمه الله تعالى قد حكم بالوضع على حديث: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطن، ولكل حرف حد ولكل حد مطلع ) في كتابه " التفسير والمفسرون" بردودٍ ضعيفة ، ظانَّاً أن هذا الحديث يُثبت وجود التأويل الباطني للقرآن . وليس الأمر كما ظن بل إن هذا الحديث لا يتعلق الا بكيفية قراءة القرآن، وتمييز مخارج الأحرف السبعة. وليس لأهل التأويل الباطني حجّة قائمة في حديث الظهر والبطن كما سنرى.ولم أجد من فسره هذا التفسير.
وجعلت هذا البحث في مطلبين:
* المطلب الأول : جمع طرق الحديث، وبيان أخطاء الشيخ في الحكم على بعض طرقه، مع بيان قيمة مرسلات الحسن .
* المطلب الثاني : شرح الحديث ومعرفة معاني الأحرف السبعة، والظهر والبطن، والحد والمطلع. كما بينتها في بحث سابق بشرح لم أُسبق إليه، وإثبات أنّ اللفظ الصحيح للحديث هو " لكل حرف منها ظهر وبطن " وليس "لكل آية منها ظهر وبطن " .
ولذلك فإني أُثبتُ الحديث ولكني لا أقول بالتأويل الباطني لكونه لا يوافق أساليب العرب في خطابهم ، ولا يوافق سياق النص. والحديث ما هو إلا في بيان كيفية قراءة الأحرف السبعة التي يبدل بعضها بآخر ولا يختلف المعنى بذلك وهو مشهور عند العرب. قال ابنُ فارس في فقه اللغة: "من سُنَن العرب إبدالُ الحروف، وإقامةُ بعضها مقام بعض" وقال أبو الطيب: ليس المراد بالإبدال أنّ العرب تتَعَمَّد تعويض حرف من حرف، وإنما هي لغاتٌ مختلفة لمعانٍ متفقةٍ؛ تتقارَبُ اللفظتان في لُغتين لمعنى واحد، حتى لا يختلفا إلا في حرفٍ واحد". المزهر (1/144)

وأسأل الله ان يوفقني الى الصواب والرشاد.




المطلب الاول : طرق الحديث:
* الروايات التي ذكرها د.فضل عباس في كتابه:
قال الشيخ د. فضل عباس صفحة (239) : (ولا بد أن نعرض لهذا القول من عدة نواح : سرد الروايات أولاً، ومناقشة سند الحديث ثانياً، وفي الخطوة الثالثة نناقش متن هذا الحديث، لكي نكون على بينة من الأمر فنتبعها ولا نتبع أهواء الذين لا يعلمون. وإليكم روايات هذا الحديث:
1- أخرج الفريابي: حدّثنا سفيان عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع).
2- وأخرج الديلمي من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً: القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاج العباد.
3-وأخرج الطبراني وأبويعلى والبزار وغيرهم عن ابن مسعود موقوفاً: إن هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حد، ولكل حد مطلع).
أقول: هكذا نقل الشيخ الفاضل هذه الروايات وهولم يرجع إليها وإنما نقلها حرفياً من الإتقان ص (448).
أما رواية الفريابي فقد قال عنهاالشيخ فضل :" إنّ رواية الفريابي فضلاً على أنها مرسلة فإن المصدر الذي ذكرت فيه ليس من المصادر التي يطمئن اليها أهل الحديث ". أقول:ليس هذا الكلام كلامَ متخصصٍ بالحديث، أما قوله بأنها مرسلة فإن المرسل يُؤخذ به إذا جاء ما يقويه من مسند أو مرسل وهو حجة عند أكثر الأئمة قال أبو داود في رسالته:" وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي رحمه فتكلم في ذلك"( ). والشافعي لم يرده مطلقاً وإنما اشترط له شروطاً فقد قال النووي في مقدمة شرحه على مسلم:" ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وذلك بأن يروى أيضاً مسنداً أو مرسلاً من جهة أخرى، أو يعمل به الصحابة أو أكثر أهل العلم".ص30 .وأما مرسل الحسن فقد قال علي بن المديني :" مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها". وقال يحيى بن معين :"مرسلات الحسن ليس بها بأس " ، وقال البيهقي :" وليس الحسن وابن سيرين بدون كثير من التابعين، واذا كان بعضهم أقوى مرسلاً منهما أو من احدهما "( ). وقد روى هذا المرسل عن الحسن أكثر من واحد وسنتوسع في ذلك لاحقاً.
أما تضعيفه لتفسير الفريابي فمردود لأنّ الفريابي وهو محمد بن يوسف إمام حافظ روى عنه الستة وهو شيخ البخاري( )، وتفسيره كباقي التفاسير فيه الضعيف وفيه ما هو على شرط الشيخين ، قال السيوطي في الاتقان :" ومن جيد الطرق عن ابن عباس : طريق قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه. وهذه طريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيراً ما يخرج منها الفريابي والحاكم في مستدركه" ( ).
وأما رواية الديلمي فهي خارجة عن موضوع الدراسة – لأنها لا تتحدث عن الأحرف السبعة- ولا أظنها تصح ، إلا أنه قد صحَّ أن القرآن يحاج عن المؤمنين. ( )
أما رواية الطبراني وأبي يعلى والبزار فهي مرفوعة ولست موقوفة كما سيأتي بيانه.
ثم اقتصر الشيخ على دراسة رواية ابن حبان وترك ما هو أصح منها كرواية الطبري والطبراني والطحاوي وبعض مرسلات الحسن فقال:" أما الرواية الثالثة فهي موقوفة على الرغم من أنها وردت في كتب ليس كل ما جاء فيها صحيحاً، فلنقتصر بحثنا إذاً على الرواية الرابعة والأخيرة أعني رواية ابن حبان". ثم ذكر رواية ابن حبان .
وكلامه هذا عليه عدة أمور:
1- إن هذه الكتب التي لم يدرسها فيها ماهو على شرط الشيخين، وهي رواية مرفوعة، وليست باسناد واحد حتى يتركها جملة .
2- لا يخلو كتاب في الحديث من وجود بعض الضعف فيه حتى الصحيحين، وإذا رُدَّت الروايات بهذه العلة ما سلم حديث واحد.
3- إن رواية ابن حبان لاتصلح للاحتجاج بها ولكن للاستشهاد. وتضعيف ابن أبي أويس لاينفع فليس مدار الحديث عليه أصلاً، لأنه قد تعددت طرقه. ولا يكفي للحكم على الحديث بالوضع دراسة رواية واحدة وترك ماهو أصح منها. مع عدم وجود من حكم عليه بذلك من السابقين. إلا أن ما دفع الشيخ الفاضل إلى ذلك هو غيرته على الشريعة من التحريف والتلاعب. ونحن معه في هذه الغيرة.
ولقد جمعت طرق الحديث جميعها وقمت بشرحه شرحاً ليس فيه حجة للباطنية والحمد لله.

أخرج الطبري في مقدمة تفسيره ص (22) ، قال :
(حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة، عن واصل بن حيان،عمن ذكره، عن أبي الاحوص ، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطن،ولكل حرف حد،ولكل حدٍ مطلع".
وقال : حدثنا ابن حميد قال: حدثنا مهران، قال: حدثنا سفيان عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله).
إن أكثر من درس الإسناد الأول ضعَّفَه لجهالة الراوي بين واصل بن حيان وأبي الأحوص، قال أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري: ( الحديث ( 10 , 11 ) هو حديث واحد بإسنادين ضعيفين، أمّا أحدهما فلا نقطاعه بجهالة راويه....) فهو لم يضعف هذا الإسناد إلا لهذه العلة ، وتابعه على ذلك شعيب الأرناؤوط في ( الإحسان في تقريب صحيح ابن حيان). وليس الأمر كما ظنّوا فإن هذا الراوي قد تم التصريح به في بعض روايات الحديث، كما عند:
1- الطبراني في الأوسط (1/236) رقم ( 773) قال: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: نا الفيض بن وثيق الثقفي قال : نا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن واصل بن حيان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو كنت متّخذاً خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله ، وأنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل حرف منها ظهر وبطن "
وفي الكبير (8/435) قال:حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَيْضُ بن وَثِيقٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ وَاصِلِ بن حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:" لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ.
وَأُنْزِلَ القرآن عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ ".
2- وكذلك صرّح الحافظ ابن عبد البّر باسمه في التمهيد ( 6/18 ) : باب ما جاء في القرآن، قال: وروى جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن واصل بن حيان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أٌنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع )"
3-كذلك صرّح باسمه البغوي في معالم التنزيل (1/69) حيث قال : أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن واصل بن حيان عن ابن أبي هذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حدّ مطلع ويروى لكل حرف حدّ ولكل حدّ مطلع ".
4- وكذلك عند السلمي في تفسيره (1/21) قال:أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي الدقاق قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أخبرنا جرير عن واصل بن حبان عن ابن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف لكل آية منه ظهر وبطن ولكل حد مطلع"
5- وكذلك صرح باسمه أبو يعلى في المسند (10/410) عن مغيرة ، عن واصل بن حيان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : « لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا ، ولكن صاحبكم خليل الله ، وإن القرآن نزل على سبعة أحرف ، لكل آية منها ظهر وبطن ، ولكل حد مطلع »
6- وكذلك الطحاوي في مشكل الآثار (7/121) قال: حدثنا فهد بن سليمان قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ح وحدثنا يحيى بن عثمان قال : حدثنا موسى بن هارون البردي قال : حدثنا جرير وهو ابن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن واصل بن حيان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل آية منها ظهر وبطن ، ولكل حد مطلع » - وهذا إسناد صحيح - .
قلت: فقد تم التصريح باسم هذا الراوي فزالت عنه الجهالة ، فالواسطة بين واصل بن حيان وأبي الأحوص هو : عبد الله بن أبي الهذيل ، فلعل أحد الرواة - وقد يكون ابن حميد- نسي اسمه عند الطبري .
- وعبد الله بن أبي الهذيل هو أبو المغيرة الكوفي وهو ثقة، روى عن: ابن مسعود وعلي وعمر وأُبيّ وعمار وأبي هريرة وغيرهم.
روى له البخاري في القراءة خلف الامام وفي الادب، ومسلم والترمذي والنسائي. ( )

وإسناد الطبري الأول وإسناد الطبراني في الأوسط وإسناد الطحاوي هي أصّح الأسانيد لهذا الحديث، ولفظ الطبري أصح الألفاظ كما سيأتي، ولقد بينَّا العلة التي ضُعِّف لأجلها حديث الطبري. أما رواته :
1. أبو الأحوص : هو عوف بن مالك الاشجعي وهو ثقة، روى عن : ابن مسعود وعلي – وقيل إنه شهد معه قتال الخوارج بالنهروان - وأبي مسعود وأبي هريرة .
روى له البخاري في الادب ومسلم والاربعة. وثقه يحيى بن معين وابن سعد وابن حبان و النسائي. ( )
ولقد تابعه في روايته عن ابن مسعود شقيق بن سلمة وهو تابعي كبير أعلم الناس بحديث ابن مسعود( ) وقد رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (1/33) قال:
حدثنا أبو القاسم نذير بن جناح القاضي، حدثنا إسحاق بن محمد بن مروان، حدثنا أبي، حدثنا عباس بن عبيد الله، حدثنا غالب بن عثمان الهمداني أبو مالك، عن عبيدة، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، قال: " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا له ظهر وبطن ". وردت في هذه الرواية زيادة" وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن ". وأظنها من زيادة بعض الرواة. وهذا إسناد ضعيف.
2. عبد الله ابن أبي الهذيل ، تابعي ثقة .
3. واصل بن حيان : روى عن: ابن أبي الهذيل وابراهيم النخعي ومجاهد و زر بن حبيش وأبي وائل وشريح القاضي . روى له الجماعة. وثقه يحيى وابو داود والنسائي وأبو حاتم وابن حيان. ( )
4. مغيرة ابن مقسم الضبي : وهو ثقة متقن فقيه، إلا أنه كان يرسل الحديث عن ابراهيم النخعي.( )

5. جرير بن عبد الحميد : وهو ثقة.( )
6. محمد بن حميد الرازي : لا بأس به ، كتب عنه أحمد ويحيى ( )،وفيه ضعف إلا أنه قد تابعه عن جرير بن عبد الحميد جماعة هم:
1- الفيض بن وثيق الثقفي عند الطبراني في الأوسط ( 1/236 )
2-وموسى بن هارون البردي: وهو ثقة صدوق( )،ويحيى بن عبد الحميد الحماني: لا بأس به( )، وقد رواه الطحاوي كما مر.
3- وإسحاق ابن إبراهيم وهو ابن راهويه الحافظ الامام: عند البغوي في التفسير وقد مر. وعند السلمي في تفسيره (1/21) .
وبذلك يثبت أصل الحديث وأنّه ليس بموضوع بل يرتقي الى درجة الصحة بمجموع طرقه وشواهده . وكل الطرق التي سأذكرها الآن ستكون شواهد ومتابعات لإسناد الطبري الأول .

مصطفى حمدو عليان
08-09-2011, 19:32
*الطريق الثاني للطبري ، قال ( 1/23 ) :
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، قال: حدثنا سفيان عن ابراهيم الهجري، عن أبي الاحوص عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم – مثله .
ضُعِّف هذا الطريق بسبب : ابراهيم الهجري، وهو ابراهيم بن مسلم الكوفي، أبو اسحاق، قال عنه أبو حاتم: لين الحديث ليس بالقوي، وقال ابن عينية: كان يسوق الحديث سياقة جيدة على ما فيه. وقال المزي: وهو ممن يُكتب حديثه ( ).
- لذلك فهو لين الحديث ، ويستشهد به اذا توبع ولا يحتج به اذا انفرد. وقد تابعه عبد الله بن أبي الهذيل كما رواه الطبراني والبغوي والطحاوي والطبري وابن عبد البر، وقد مرّ.
- وقد ضعف احمد شاكر اسناد الطبري كذلك بسبب مهران فقال : هو ابن أبي عمر العطار الرازي وهو ثقة، ولكن في روايته عن الثوري اضطراب ). وهوكثير الرواية عنه.
- قلت : ولكن قد تابعه الحسين بن حفص عند الخطيب البغدادي في الجمع والتفريق (1/379 ) من طريق الطبراني: ثنا عبد الله بن احمد، حدثنا أبو جعفر عمرو بن علي، حدثنا الحسين بن حفص حدثنا سفيان عن ابراهيم الهجري عن أبي الاحوص به .
- والحسين بن حفص : صدوق كان قاضياً فقيهاً( ).
- وعمرو بن علي الفلاس: ثقة حافظ. ( )
- وقد رواه عن ابراهيم الهجري سفيان الثوري الامام ، ولم ينفرد سفيان عن ابراهيم الهجري بل تابعه محمد بن عجلان، أخرجه البزار وأبو يعلى وابن حبان والطحاوي:
1- قال البزار في البحر الزخار (6/10) وهو في المطالب العالية (8/120 ) رقم ( 3494 ) : حدثنا محمد بن اسماعيل البخاري، ثنا ايوب بن سليمان بن بلال، حدثنا ابن أبي اويس – يعني ابا بكر- عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي اسحاق عن أبي الاحوص عن عبد الله قال : إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن ).
وقال الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد البزار (2/128) رقم (1553) : هذا اسناد حسن .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/239): (رواه البزار وأبو يعلى في الكبير وفي رواية عنده لكل حرف منها بطن وظهر، والطبراني في الأوسط باختصار آخره ورجال أحدهما ثقات. ورواية البزار عن محمد بن عجلان عن أبي إسحق قال في آخرها لم يرو محمد بن عجلان عن إبراهيم الهجري غير هذا الحديث، قلت ومحمد بن عجلان إنما روى عن أبي إسحق السبيعي فإن كان هو أبو إسحق السبيعي فرجال البزار أيضاً ثقات). قلت: السبيعي من الأعلام المكثرين كالزهري في الكثرة كما قال الذهبي فلو كان هو لرواه عنه غير ابن عجلان .
*رجال الحديث:
- محمد بن عجلان: وهو ناسك فقيه وثقه أحمد ويحيى.( )
- سليمان بن بلال: ثقة روى له الستة.( )
- و أبو بكر هو عبدالحميد بن أبي أويس المدني وقد وثقه ابن حبان و يحيى بن معين وغيرهما. وقال الدارقطني: أبو بكر عبدالحميد حجة( ).وقد رواه عنه أخوه إسماعيل كما سيأتي، وأيوب.
- أيوب بن سليمان بن بلال: ثقة روى له( البخاري- أبو داود- الترمذي- النسائي).( )

2- وأخرج ابن حبان في صحيحه (1/147) قال: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني ، قال : حدثنا إسحاق بن سويد الرملي ، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، قال : حدثني أخي ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل آية منها ظهر وبطن » وأبو إسحاق هو الهجري كما قال البزار وليس الهمداني.
رجاله:
- إسماعيل بن أبي اويس: قال عنه ابن حجر : "صدوق أخطأ فى أحاديث من حفظه" وقال:" أما الشيخان فلا أظن بهما أنهما أخرجا عنه إلا الصحيح من حديثه الذى شارك فيه الثقات ، و قد أوضحت ذلك فى مقدمة شرحي على البخاري". وقال أحمد بن حنبل : لا بأس به.( ) وقال عنه الذهبي:" الامام الحافظ الصدوق، أبو عبد الله الاصبحي المدني، أخو أبي بكر عبدالحميد بن أبي أويس قرأ القرآن وجوده على نافع، فكان آخر تلامذته وفاة. وكان عالم أهل المدينة ومحدثهم في زمانه على نقص في حفظه وإتقانه، ولولا أن الشيخين احتجا به، لزحزح حديثه عن درجة الصحيح إلى درجة الحسن. هذا الذي عندي فيه.وقال:" ولا ريب أنه صاحب أفراد ومناكير تنغمر في سعة ما روى، فإنه من أوعية العلم. وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل، وقيل له: من بالمدينة اليوم ؟ فقال: إسماعيل بن أبي أويس هو عالم كثير العلم"( ). فهو حسن الحديث،
وحديثه هذا له شواهد مسندة ومرسلة. بل قد تابعه عن أخيه أبي بكر: أيوب بن سليمان بن بلال -وهو ثقة- كما أخرجه البزار في البحر الزخار (6/10) وقد مر، والطحاوي في مشكل الآثار (7/101).
- إسحاق بن سويد الرملي وثقه النسائي وابن حجر و غيرهما.( )
- و رواه كذلك عن إسماعيل: سهل بن زنجلة الرازي عند أبي يعلى في المسند (11/161). وهو ثقة( ).
3- وقال أبو يعلى في المسند (11/161) حدثنا سهل بن زنجلة الرازي ، حدثنا ابن أبي أويس ، عن أخيه ، عن سليمان بن بلال ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل حرف منها ظهر وبطن » وسقط من سنده محمد بن عجلان وأبو إسحاق الهجري. و سهل بن زنجلة صدوق ثقة( ).
وكما ترى فإن رواية البزار وابن حبان وأبي يعلى مرفوعة وليست موقوفة كما قال الشيخ فضل عباس.
4-وأخرج الطحاوي في مشكل الآثار (7/101):حدثنا إبراهيم بن أبي داود( ) قال : حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال قال : حدثني أبو بكر بن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، عن محمد بن عجلان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل آية منها ظهر وبطن » . وهذا إسناد حسن.
مرسل الحسن:
إنَّ ردَّ الحديث مطلقاً بحجة أنه مرسلٌ غير مقبول فقد قال الطبري:" إن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل بدعة حدثت بعد المائتين"( ). بل هو حجة عند كثير من العلماء قال أبو داود في رسالته:" وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي رحمه فتكلم في ذلك"( ). والشافعي لم يرده مطلقاً وإنما اشترط له شروطاً فقد قال النووي في مقدمة شرحه على مسلم:" ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وذلك بأن يروى أيضاً مسنداً لأو مرسلاً من جهة أخرى، أو يعمل به الصحابة أو أكثر أهل العلم".ص30 . وقال الشافعي:" نقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، فإن لم ينضم لم نقبلها سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره"( ). وكان الإمام أحمد يقوي مراسيل من أدرك الصحابة( ). وقال الذهبي:" فإن المرسل إذا صح إلى تابعي كبير فهو حجة عند خلقٍ من الفقهاء".( )
- قيمة مرسلات الحسن:
اختلف العلماء في مرسلات الحسن فمنهم من قبلها ومنهم من ردّها وضعّفها مطلقاً بحجة أنّه كان يأخذ عن كل أحد، قال الامام أحمد: " مرسلات ابراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما يأخذان عن كل أحد"( ).
وقال ابن سعد :" كل ما أُسند من حديثه أو روى عمن سمع منه فهو حسن حجة، وما أرسل من الحديث فليس بحجّة"( ). وقال العراقي :"مراسيل الحسن عندهم شبه الريح"( ).
وأرى أنّ من ضعف مرسلات الحسن انما ضعّف ما تفرد الحسن بروايته، أما ما كان مسنداً أو مرسلاً من طريق آخر فإنه شاهد لما أرسله الحسن. ويدل على ذلك أنّ كبار الحفاظ النقاد قبلوا مرسلاته قال علي بن المديني :" مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها".( )
والامام أحمد كذلك قد أخذ بما رواه الثقات عن الحسن، كما قال عن المبارك بن فضالة: ما روى عن الحسن يحتج به.( )
وقال يحيى بن معين :"مرسلات الحسن ليس بها بأس"( )، وقال يحيى بن سعيد القطان:" ما قال الحسن في حديثه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا وجدنا له أصلاً إلا حديثاً أو حديثين"( )
وقال أبو زرعة :" كل شيءٍ قاله الحسن قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجدت له أصلاً ثابتاً ما خلا أربعة أحاديث"( ).
وقد ورد أنّ الحسن كان إذا سمع الحديث من أكثر من رجل قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد روى عباد بن منصور قال: سمعت الحسن يقول: " ما حدثني به رجلان قلت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.( )
وقد ورد كذلك أنّه كان اذا سمع الحديث من أربعة ألقاهم وقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.( )
وورد أنّ كل حديث قال فيه : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو عن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه وذلك في زمن الحجاج( ). قال الحافظ ابن رجب الحنبلي :" وهذا يدل على أنّ مراسيل الحسن أو أكثرها عن الصحابة".( )
وقال البيهقي :" وليس الحسن وابن سيرين بدون كثير من التابعين، واذا كان بعضهم أقوى مرسلاً منهما أو من احدهما ".( )
ولذلك فإنّ مرسلات الحسن عند كبار الحفاظ مقبولة بشكل عام إذا نقلها عنه الثقات ولم يتفرد بشيءٍ منها. أما إذا جاء ما يعضدها مرسلاً كان أو مسنداً، فإنها تصير كبقية المرسلات في الاحتجاج بها كما قال البيهقي ، ومن ضعف مراسيل الحسن إنما أجملَ الحكم دون تفصيل .
ومع ذلك فإنّ المسند مقدّم على المرسل باتفاق، قال أبو داود في رسالته :" فإذا لم يكن مسند ضد مرسل ولم يوجد مسند فالمراسيل يحتج بها وليس هو مثل المتصل في القوة"( ).
وهذا الحديث الذي معنا قد أرسله الحسن وقد رواه عنه أربعة من الرواة هم: يونس بن عبيد والمبارك بن فضالة وعلي بن زيد وهشام بن حسان. ولكنه كذلك قد جاء من طرق أخرى مسندة قوية كما سبق.
1- فقد أخرج الفريابي في تفسيره ( )، قال: حدّثنا سفيان عن يونس بن عبيد( ) عن الحسن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع).
وهذا مرسل صحيح رجاله ثقات. وقد روى سفيان الثوري هذا الحديث من طريق آخر مسند كما عند الطبري في التفسير (1/22) ولكن بلفظ ( لكل حرف منها ظهر وبطن ...) وهو الأصح .
2- وأخرج أبو عبيد في فضائل القرآن (63) عن حجاج عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن مرسلاً، بلفظ:( ما أنزل الله تعالى آية الا لها ظهر وبطن، وكل حرف حد وكل حد مطلع ). وهذا مرسل صحيح.
رجاله:-
- حجاج هو ابن المنهال: ثقة فاضل روى له الستة وهو شيخ البخاري.( )
- حماد بن سلمة: ثقة إمام.( )
- علي بن زيد بن جدعان : أحد التابعين صدوق من فقهاء البصرة وكان أعلم الناس بأمر الحسن وفيه لين، ضعفه البعض لتشَيعه.( )
3- ومن طريق أبي عبيد أخرجه البغوي في شرح السنة (122) بلفظ"( ما أنزل الله آية إلا لها ظهر وبطن، ولكل حرف حد ولكل حد مطلع).
4- وأخرجه أبو عبيد كذلك (ص42) عن حجاج عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلاً . وهذا مرسل حسن.
والمبارك بن فضالة من علماء البصرة قال عنه علي بن المديني: هو صالح وسط. وقال أحمد: ما روى عن الحسن يحتج به.( )
5-كما أخرجه ابن المبارك في الزهد (4/266) قال: نا نعيم قال : نا عبد الوهاب ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما في كتاب الله آية إلا ولها ظهر وبطن ، ولكل حد مطلع »

-رجاله:
* هشام بن حسان ثقة حافظ ثبت إلا أنه يرسل عن الحسن. وقد أخذ حديث الحسن عن حوشب.( ) فالاسناد منقطع.
* وعبد الوهاب هو ابن عبد المجيد بن الصلت الثقفي ثقة روى له الستة.( )
* ونعيم هو ابن حماد: صدوق يخطىء.( )
ثم قال ابن المبارك: سمعت غير واحد في هذا الحديث : "ما في كتاب الله آية إلا ولها ظهر وبطن يقول : لها تفسير ظاهر ، وتفسير خفي ، ولكل حد مطلع قال : يطلع عليه القوم فيستعملونه على تلك المعاني ، ثم يذهب ذلك القرن ، فيجيء قرن آخر يطلعون منها على معنى آخر ، فيذهب عليه ما كان عليه من قبلهم ، فلا يزال الناس على ذلك إلى يوم القيامة يقول : ينهى عن ذلك ، ولكن يفسره السنة".
مما يدل على أن الحديث كان مشتهراً عندهم.

6- و أخرجه عبد الرزاق في المصنف (3/358) عن هشام بن حسان عن الحسن قال : "لا تتوسدوا القرآن فوالذي نفسي بيده له أشد تفصياً من الإبل. والذي نفسي بيده ما منه آية إلا ولها ظهر وبطن ، وما فيه حرف إلا وله حد ، ولكل حد مطلع" .وهذا الإسناد منقطع.
لذلك ليس في هذه المرسلات كذاب أو متهم، بل أكثرهم أئمة ثقات وفيهم من فيه ضعف وتدليس. فهذه المرسلات يقوي بعضها الآخر وإن كان في بعضها ضعف.
فهذا المرسل كان مشهوراً عن الحسن وقد رواه العلماء كأبي عبيد وابن المبارك و الفريابي وسفيان وإسحاق.
وإن كان مرسلاً فقد جاء من طرق أخرى مسندة.
وإنّ من ضعفه من العلماء وردّه إنما كان لسد باب التأويل الباطني الذي هو كفر وزندقة، أما أنا – بفضل الله تعالى – فقد وجدت له تفسيرا ًآخر مقبولا بإذن الله . فهذا الحديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده ولا يصل بحال من الأحوال إلى درجة الوضع .

مصطفى حمدو عليان
08-09-2011, 19:34
المطلب الثاني : شرح الحديث :
تعددت أقوال الشراح والمفسرين في شرح هذا الحديث، فقد قال أبو عبيد في فضائل القرآن (72) قال: (وقال الحسن : كان أهل الجاهلية إذا حزب أحدهم الأمر قال : قد ضربت أمري ظهرا لبطن ، فما وجدت له فرجا . وقال حجاج عن الحسن تفسيرا آخر أنه قال : الظهر هو الظاهر ، والبطن هو السر ، والحد هو الحرف الذي فيه علم الخير والشر ، والمطلع الأمر والنهي . حدثنا أبو عبيد قال : هذا الكلام الأخير لا أدري أهو في حديث المبارك أو في حديث غيره).
وقال ابن جرير الطبري (1/72): (وأما قوله صلى الله عليه وسلم في القرآن: "إن لكلّ حرف منه حدًّا"، يعني لكل وجه من أوجهه السبعة حد حدّه الله جل ثناؤه، لا يجوز لأحد أن يتجاوزه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "وإن لكل حرف منها ظَهرًا وبطنًا"، فظهره: الظاهر في التلاوة، وبطنه: ما بطن من تأويله.
وقوله: "وإن لكلّ حدٍّ من ذلكُ مطَّلَعًا"، فإنه يعني أنّ لكل حدٍّ من حدود الله التي حدَّها فيه -من حلالٍ وحرامٍ، وسائر شرائعه- مقدارًا من ثواب الله وعقابه، يُعاينه في الآخرة، ويَطَّلع عليه ويلاقيه في القيامة. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لو أنّ لي ما في الأرض من صفراءَ وبيضاءَ لافتديتُ به من هَوْلِ المطَّلَع"، يعني بذلك ما يطَّلع عليه ويهجُم عليه من أمر الله بعد وفاته).
وقال الطحاوي في شرح مشكل الآثار (4/338) : "فتأملنا هذا الحديث فكان أحسن ما جاء فيه من التأويل الذي يحتمله أن يكون الظهر منها هو ما يظهر من معناها ، والبطن منها هو ما يبطن من معناها ، ودل ذلك على أن على الناس طلب باطنها ، كما عليهم طلب ظاهرها ، ليقفوا على ما في كل واحد منهما مما تعبدهم الله به ، وما فيه من حلال ومن حرام ".
وكل هذه الشروح غير صحيحة، لأن الحديث يتحدث عن الأحرف السبعة وليس له علاقة بمعاني القرآن، فإن اللفظ الأصح له هو : ( لكل حرف منها ظهر وبطن ) وعلى ذلك أكثر الطرق المسندة كرواية الطبري والطبراني والبزار وأبي يعلى وأبي نعيم . فالمقصود: لكل حرف من الأحرف السبعة ظهر وبطن. أما من رواه بلفظ ( لكل آية منها ظهر وبطن) فإنما هو من باب الرواية بالمعنى التي أخلت بمقصود الحديث، ومن رواه بلفظ (آية) رواه بما يوافق فهمه للحديث. ومع ذلك فإن هذه الرواية لا تحافظ على الوحدة الموضوعية للحديث. فإن جميع الروايات روته بلفظ (منها) أي بالضمير العائد إلى الأحرف السبعة( )، فقوله : (لكل آية منها ) لا مفهوم له، فكيف تكون لكل آية من الأحرف السبعة ظهر وبطن ؟!. فالصواب:لكل حرف من الأحرف السبعة.
وكذلك قوله: ( ولكل حرف حد) وهو لفظ أجمعت عليه جميع الروايات التي لم تختصر الحديث، فلو كان الحديث بلفظ ( آية ) لكان لا بد من ضمير آخر في قوله ( ولكل حرف حد ) لبيان المراد، ومعرفة هل الحرف يعود الى القرآن أم الى الأحرف السبعة ؟. فهذه الجملة ( ولكل حرف حد ) معطوفة على الجملة السابقة لها، والتي تحوي على ضمير، فكان لا بد أن يكون ما عُطِف عليه من جنسه وهو الحرف وليس الآية.
فلو قال: ( لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حرف حد ) لكان الحديث مفككاً ولا ترابط بين معانيه، ولكنه قال: ( لكل حرف منها ظهر وبطن ولكل حرف حد ) فدلّ على أنّ الحرف الأول عائد الى الأحرف السبعة، وأن الجملة الثانية التي ذكرت الحرفَ معطوفة على الجملة الأولى فلا داعي لتكرار الضمير .
ثم ما علاقة (الآية) في الحديث وهو يتحدث عن الأحرف السبعة ؟! لذلك فإنّ الحديث بكليته يتحدث عن كيفية القراءة كما سيأتي بيانه.
وقبل أن أشرح هذا الحديث لا بد أن نعرف معنى الأحرف السبعة، بما يوافق هذا الحديث.
إن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف حديث متواتر قد خرجه أكثر الأئمة في مصنفاتهم . وقد بينتُ في بحث سابق لي معنى الأحرف السبعة، وسأنقل هنا خلاصة ذلك البحث.
لا بدّ أنْ نعلم أنّ اختلاف العلماء في معنى الأحرف السبعة ، سببه الرئيس هو اختلافهم في معنى الحرف، والسبب الثاني هو اعتماد البعض على أحاديث ضعيفة في تفسيره، ولقد أجمع العلماء على أنّه ما بلغنا حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا فيه معنى الأحرف السبعة حتى يقطع الخلاف، لذا فإن كل آراء العلماء والفقهاء في ذلك آراء اجتهادية قد تصيب وقد تخطىء ، وأقرب الآراء منها الى الصحة هي الآراء التي تجعل الاختلاف في الأحرف السبعة إنما هو اختلافٌ في الأداء وكيفية القراءة مع عدم تبديل الألفاظ وتغييرها، وأن هذه الأحرف السبعة باقية الى يوم الدين، وهي رخصة لتيسير قراءة القرآن، وسبب ذلك اختلاف لهجات العرب .



وأنّ القراءات الصحيحة سنداً التي يتم إبدال ألفاظ بغيرها هي قراءات تفسيرية أو منسوخة بالعرضة الأخيرة( ).
المعنى اللغوي للحرف:
قال في القاموس المحيط(2/366): (الحَرْفُ من كلِّ شيءٍ طَرَفُهُ، وشَفيرُهُ وحَدُّهُ، و من الجَبَلِ أَعْلاهُ المُحَدَّدُ، كعِنَبٍ، ولا نظيرَ له سِوَى طَلٍّ وطِلَلٍ، وواحدُ حُروفِ التَّهَجِّي، والناقَةُ الضامِرَةُ، أَو المَهْزُولَةُ، أو العَظيمَةُ، ومَسيلُ الماءِ، وآرامٌ سودٌ بِبلادِ سُلَيْمٍ، و عِنْدَ النُّحاةِ ما جاءَ لمَعْنًى لَيْسَ باسْمٍ ولا فِعْلٍ، وما سِوَاهُ من الحُدودِ فاسِدٌ. ورُستاقُ حرْفٍ بالأَنْبارِ. " ومن الناسِ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ على حَرْفٍ " ، أي وجْهٍ واحِدٍ، وهو أنْ يَعْبُدَهُ على السَّرَّاءِ لا الضَّرَّاءِ، أو على شَكٍّ، أو على غَيْرِ طُمَأنينَةٍ على أمْرِهِ، أي لا يَدْخُلُ في الدينِ مُتَمَكِّناً. و " نَزَلَ القرآن على سَبْعَةِ أحْرُفٍ " سَبْعِ لُغاتٍ من لُغَاتِ العَرَبِ، ولَيْسَ مَعْنَاهُ أن يكونَ في الحَرْفِ الواحِدِ سَبْعَةُ أوْجُهٍ، وإنْ جاءَ على سَبْعَةٍ أو عَشَرَةٍ أو أكْثَرَ، ولكنِ المَعْنَى هذِهِ اللُّغَاتُ السَّبْعُ مُتَفَرِّقَةٌ في القرآن. وحَرَفَ لِعِيالِهِ يَحْرِفُ كَسَبَ،و الشيءَ عن وجْهِهِ: صَرَفَهُ، و عَيْنَهُ حَرْفَةً: كَحَلَها. وما لِي عنه مَحْرِفٌ: مَصْرِفٌ ومُتَنَحًّى. والمَحْرِفُ أيْضاً، والمُحْتَرَفُ: مَوْضِعٌ يَحْتَرِفُ فيه الإِنْسانُ، وَيَتَقَلَّبُ، ويَتَصَرَّفُ).
وجاء في تاج العروس (1/5765) :( الْحَرْفُ مِن كُلِّ شَيْءٍ : طَرَفُهُ وشَفِيرُهُ وحَدُّهُ ومِن ذلك حِرْفُ الْجَبَلِ وهو : أَعْلاَهُ الْمُحدَّدُ نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ وقال شَمِرٌ : الحَرْفُ مِن الجَبَلِ : ما نَتَأَ في جَنْبِه منه كهَيْئَةِ الدُّكَّانِ الصَّغِيرِ أَو نحوِه قال : والحَرْفُ أَيضاً في أَعْلاَهُ تَرَى له حَرْفاً دَقِيقاً مُشْفِياً على سَوَاءِ ظَهْرِهِ قال الفَرَّاءُ : حَرْفِ الجَبَلِ : حِرَفٌ كعِنَبٍ ولا نَظِيرَ له سِوَى طَلٍّ وطِلَلٍ قال : ولم يُسْمَعٍ غَيْرُهما كما في العُبَابِ قال شيخُنا : أَي : وإِن كان الحَرْفُ غيرَ مُضَاعَفٍ
الحَرْفُ : وَاحِدُ حُرُوفِ التَّهَجِّي الثَّمَانيَةِ والعِشْرين سُمِّيَ بالحَرْفِ الذي هو في الأَصْلِ الطَّرَفُ والجانبُ قال الفَرّاءُ وابنُ السِّكِّيتِ : وحُرُوفُ المُعْجَمِ كلُّهَا مُؤَنَّثَةٌ وجَوَّزُوا التَّذْكِيرَ في الأَلِفِ كما تقدَّم ذلك عن الكِسَائِيِّ واللِّحْيَانِيِّ في ( أ ل ف )
الحَرْفُ : النَّاقَةُ الضَّامِرَةُ الصُلْبَةُ شُبِّهتْ بحَرْفِ الجَبَلِ كذا في الصِّحاحِ وفي العُبَابِ تَشْبِيهاً لها بحَرْفِ السَّيْفِ زَادَ الزَّمَخْشَرِيُّ : في هُزَالِها ومَضَائِهَا في السَّيْرِ وفي اللِّسَانِ : هي النَّجِيبَةُ المَاضِيَةُ التي أَنْضَتْهَا الأَسْفَارُ شُبِّهَتْ بحَرْفِ السَّيْفِ من مَضَائِها ونَجَائِهَا ودَِقَّتِها أو هي الْمَهْزُولَةُ نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ وعن الأَصْمَعِيِّ قال : ويُقالُ : أَحْرَفْتُ نَاقَتِي : إِذا هَزَلْتَهَا قال الجَوْهَرِيُّ : وغَيْرُه يقولُ بالثّاءِ أو هي العَظِيمَةُ تَشْبِيهاً لها بحَرْفِ الجَبَلِ هذا بعَيْنِه قَوْلُ الجَوْهَرِيّ).
وأنت تلاحظ من خلال هذه النصوص أن المعنى اللغوي الأصلي للحرف قد نُقل إلى معاني أخرى مجازية أو اصطلاحية، فقد نُقِل من معناه اللغوي الى معنى اصطلاحي آخر حسب ما استجدّ على الناس في أعرافهم ومعارفهم، فصار يطلق ويراد به القراءة ، وصار الناس يقولون: حرف ابن مسعود وحرف أُبيّ. كما أنّ ( الحرف ) نُقِلَ من معناه الحقيقي الى معنى آخر مجازي كالطرف والوجه فصار اللفظ مشتركاً بين الحقيقة والمجاز، فاستشكل الناس أمره والمراد منه إلا بقرينة ترجح أحد المعنيين- الحقيقي والمجازي-.
قال القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/192) بعد أن ذكر معاني الحرف لغةً: ( وإذا ثبت هذا قلنا يصح أنّ الحرف من الأسماء المشتركة فينطلق على المذهب الأول الذي هو المعاني المختلفة، لأنّ كل معنى منها طرف وناحية من صاحبه، وينطلق أيضاً على المذهب الثاني وهو إبدال خواتيم الآي لأنّ كل مبدل طرف وناحية من الكلام ، ولكن منعنا من حمل حديثنا هذا ورود الشرع بمنع الإبدال، فلا بدّ من حمله على أحرف يجوز إبدالها، وليس إلا ما يقدر في الشريعة جواز إبداله وهو نحو: الفتح والإمالة فإن احدهما يبدل الآخر، والتفخيم والترقيق، والهمزة والتسهيل، والإدغام والإظهار، وما أشبه ذلك. والغرض منه حمل الحديث على أنّه أراد ناحيةً وطرفاً من اللغات ) .
• معنى الحرف في الأحاديث النبوية:
إنّ الأحاديث النبوية التي تتحدث عن القراءة والقرآن وجاء فيها لفظ الحرف غالباً ما يأتي فيها معنى ( الحرف ) بمعنى حرف الهجاء. وعلى ذلك جملة من الأحاديث والآثار نستأنسُ بها في تفسيرنا منها:
1. أخرج الترمذي في جامعه (2835) عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ ".
2. وأخرج مسلم في الصحيح (4/234) (1339) عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ هَذَا بَابٌ مِنْ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَقَالَ هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ فَسَلَّمَ وَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ".
3.وأخرج كذلك (4/259) (1358): عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ أَلِفًا تَجِدُهُ أَمْ يَاءً (مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ) أَوْ (مِنْ مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ).
4.وعند البخاري في كتاب الأدب: باب من دعا صاحبه فنقَّص من اسمه حرفاً. ثم أورد قول النبي (صلى الله عليه وسلم) : يا عائش، يا أنجش، يا أبا هر.
5. وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر.وروى ابن أبي حاتم في تفسيره(12149) عن عكرمة ، عن ابن عباس: (الر): « حروف الرحمن مفرقة »
6.وعن الامام علي رضي الله عنه قال: الترتيل هو بيان الحروف وحفظ الوقوف.
7.وقال ابن مسعود رضي الله عنه: وإن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يُسقطُ منه حرفاً وقد أسقط العملَ به. وأخرج الإمام مالك في الموطأ (379) عنه قال:" وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ يُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ"
8.وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: لَبَعضُ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه.
9. وروى ابن أبي شيبة (1/328) عن إبراهيم قال: كانوا يحفظون هذا التشهد تشهد عبد الله ويتبعون حروفه حرفا حرفا. وروى ابن خزيمة في صحيحه (3/146) عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، أنا عبد الله بن مسعود ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه التشهد في الصلاة قال : كنا نحفظه عن عبد الله بن مسعود كما نحفظ حروف القرآن الواو والألف.
10.وأخرج البيهقي في شعب الإيمان (5/308) باسناده عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من قرأ القرآن فأعرب في قراءته كان له بكل حرف منه عشرون حسنة ، ومن قرأ بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات » والإعراب هنا يعني تجنب اللحن والمحافظة على الحركات كما نقل البيهقي عن الحليمي في شعب الإيمان (5/313)
وعلى ذلك فإن أقرب المعاني المناسبة لكلمة ( حرف ) في حديث الأحرف السبعة هو حرف الهجاء. والله أعلم.
وهذا أمر ضروري أنْ نعرفه كي نشرح الحديث، ويدل عليه أنّ الصحابة إنما اختلفوا في كيفية أداء بعض الأحرف ولذلك جاء الشرع بالرخصة لهم، فعلمنا أنّ الأحرف السبعة تتعلق بالأداء وكيفية القراءة، أما القراءات الأخرى فهي قراءات تفسيرية أو منسوخة ، ولم يرد الخلاف فيها إلا في بعض القراءات المنسوخة عند من لم يعلم نسخها .
وهذه جملة من اختلافات الصحابة في القراءة تدلل على ما ذهبنا إليه :
1) اختلف عمر بن الخطاب مع ابن مسعود في قراءة ( حتى حين ) فقرأها ابن مسعود بلغة هذيل ( عتى حين ) بالعين. رواه أبو داود وابن عبد البر.
2) اختلاف القراء عند ابن مسعود في قراءة ( هيت لك ) بالهمز أم بغيره ؟. أخرجه الطبري وعبد الرزاق.
3) اختلف ابن عباس وعمرو بن العاص في قراءة ( عين حمئة ) هل هي بالمد والتسهيل (حامية ) أم بالفتح والهمز ( حمئة) ؟ وقد رواه الترمذي أبو داود.
4) سؤال التابعين لابن مسعود عن قراءة ( آسن ) أو ( ياسن )، هل هي بالهمز أم بالتسهيل ( ياسن ).رواه مسلم وأحمد.
5) والاختلاف في قراءة (مدّكر) هل هي بالدال أم بالذال؟ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود.
6) واستفسارهم من النبي -صلى الله عليه وسلم-لما قرأ ( يا يحيى ) بالإمالة . ذكره السيوطي في الاتقان.
7) وروى ابن عبد البر عن الإمام علي أنه قرأ بين يديه ( وطلح منضود ) فقال : إنما هو ( وطلع منضود ) بالعين. ونص ابن عبد البر على أن هذا متواتر عن الامام علي. كما سيأتي .
8) وقد قرأت أم سلمة ( إنا أنطيناك الكوثر ) بالنون. رواه الحاكم.
9) وقرأ ابن مسعود ( فشرّذ بهم ) بالذال كما سيأتي .
10)وكانوا يقرؤون بترقيق الراء وتفخيمها وترقيق اللام وتغليظها وبتسهيل الهمز .
11)ونُقِل عن الامام علي وعائشة أنهما كانا يقرآن ( ضللنا ) بالظاء ( ظللنا ).
فالخلافات التي كانت بين الصحابة كانت من هذا القبيل فهي اختلافات في كيفية قراءة بعض الحروف. وعلى ذلك شرحت حديث الأحرف السبعة .
ولا بدّ أنْ نشير إلى أنّ الصحابة كانوا يعرفون الحروف بمخارجها وأكثرهم لا يكتب ولا يعرف الرسم كما نقل ابن حجر عن قاسم بن ثابت في الفتح. مما أدى إلى دقّة تحرّيهم من سماع ونطق كل حرف في القرآن أخذوه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا أدى إلى اختلافهم في أداء بعض الحروف ، فلما رجعوا الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيَّن لهم أنّ الخلاف على هذا النحو لا يوجب جدالاً ولا مراءً ، إنما هو للتيسير على الأمة.
ومعلوم كيف يولي العرب اهتماما كبيراً بألسنتهم حتى لا يعرف عن أحد منهم اللحن ، فكيف إذا كان هذا اللحن في قراءة القرآن ؟ وكيف إذا كان سامع هذا اللحن – فيما يظنه لحناً- من كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ !.

مصطفى حمدو عليان
08-09-2011, 19:35
• شرح حديث الأحرف السبعة :
بعد هذه المقدمات يمكنني أن أقول إنّ تفسير هذا الحديث يرتكز في الأساس على المعنى اللغوي للحرف وهو حرف الهجاء، وقد تتبعت أكثر الأحاديث التي تحدثت عن القراءة والقرآن وورد فيها لفظ (حرف) فوجدتُ أنّ معناه بحسب سياقه لا يدل في الغالب إلا على حرف الهجاء . وحديث الأحرف السبعة منها .
بعد ذلك أقول : معنى حديث : ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ) وحديث ( إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف ) هو: أنّ الله عز وجل أنزل القرآن على سبعة أحرف مختلف في نطقها وأدائها، وأمرَ أن يُقرأ كل حرف منها على أكثر من وجه تيسيراً وتسهيلاً على الألسنة .
وقد أخطأ البعض حين قال : إن الأحرف هنا ليست بمعنى أحرف الهجاء، لأن القرآن أنزل على جميع أحرف الهجاء وليس على سبعة أحرف فقط .
وهذا مردود لأن قائل هذا الاعتراض لا يعرف الفرق بين ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ) و ( أنزل القرآن بسبعة أحرف ) ، وهو فرق كبير إذ إنّ الحديث ورد بحرف الجر ( على ) ، أما لو جاء بحرف الجر ( الباء ) لصار معناه: أُنزلَ القرآن وفيه سبعة أحرف فقط ، أو : إنَ لغة القرآن تتألف من سبعة أحرف ،وكلاهما باطل . وكلام المعترض متوجه فيما لو كان الحديث بالباء .
أما السبعة في هذا الحديث فهي تدل على الكثرة في الآحاد ولا يراد بها العدد المعين بين الستة والثمانية وذلك لبيان سعة رحمة الله تعالى و فضله على الأمة في قراءة كتابه الخاتم . وهو رأي القاضي عياض فيما نقله النووي في شرح مسلم ( 6/99 ) وانتصر له الشيخ د . فضل عباس في إتقان البرهان. وقد يدل عليه قول ابن مسعود لأصحابه: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى حُرُوفٍ"( ).
ولذلك فإن السبعة قد تدل على الكثرة في الآحاد ليدخل بذلك بقية اختلاف القراءات التي أساسها اختلاف اللهجات، دون ما كان الاختلاف فيه بسبب اختلاف مذاهب القراء في الأداء التجويدي، فهذا ليس من الأحرف السبعة وإنما هو من قبيل تحسين القراءة وتجميلها .
وهذا هو الموافق لروح الأحاديث في التيسير والتوسعة على الناس .



• تحديد الأحرف السبعة :
سأذكر بعض الحروف التي وقع فيها الخلاف كأمثلة تصلح لأن تكون هي الأحرف السبعة التي اختلفت بها ألسنة العرب ويقع بها التيسير في نظري :
*الحرف الأول : " الهمزة "
وعند جمهور اللغويين عدا الخليل الهمزة والألف حرف واحد ، لأن الهمزة أصل الألف . والقراءات التي في هذا الحرف هي : التحقيق والتخفيف ( التسهيل والإبدال والنقل ) وفي الألف : التفخيم ( الفتح ) والإمالة . فهذه كلها لغات فصيحة عن العرب، فالفتح لغة أهل الحجاز والإمالة لغة عامة أهل نجد.
وقد وردت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الإمالة كما في الإتقان وقال: هي لغة الأخوال من بني سعد .
وقال أبو القاسم الهذلي في كتابه الكامل " إن الإمالة والتفخيم لغات ليس احداهما أقدم من الأخرى، بل نزل القرآن بها جميعاً " إن من قال : إن الله تعالى لم ينزل القرآن بالإمالة أخطأ وأعظم الفرية على الله ، وظنّ بالصحابة خلاف ما هم عليه من الورع والتقى... وقد أجمعت الأمة من لدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الى يومنا هذا على الأخذ والقراءة والإقراء بالإمالة والتفخيم .. وما أحدٌ من القراء إلا رويت عنه إمالة قلت أو كثرت . وهي لغة هوازن وبكر بن وائل وسعد بن بكر " نقلا عن مناهل العرفان .
كما أن تحقيق الهمز هي لغة تميم وقيس وبني سعد ، وتسهيلها أو قلبها لغة أهل الحجاز.
*الحرف الثاني : " الصاد "
والقراءات المتواترة فيها هي القلب الى ( سين ) أو الإشمام بالزاي .
نحو الخلاف في قراءة ( الصراط ) و (صراط ) فقد قرأ قنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب بالسين الخالصة حيث وقعتا في القرآن وقرأ خلف عن حمزة بإشمام الصاد بالزاي حيث وقعتا وقد نقل القرطبي أن الإشمام لغة بني عذرة وبني كلب ، وقرأ الباقون بالصاد الخالصة في جميع القرآن .
كذلك الخلاف في (بصطة) و (المصيطرون) و ( بمسيطر ) .
وقد يقول البعض أنّ إبدال الصاد بالسين من مخالفة الرسم، فأقول : قال ابن الجزري:" والمخالف لصريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو نحو ذلك لا يعد مخالفاً إذا ثبتت القراءة به، ومن ثم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد أو حذفها .... من مخالفة الرسم المردودة لأن الخلاف في ذلك يغتفر ... وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها أو تقديمها أو تأخيرها ، حتى ولو كانت حرفاً واحداً من حروف المعاني، فإن حكمه في حكم الكلمة فلا يجوز مخالفة الرسم فيه، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة إتباع الرسم ومخالفته".( )

*الحرف الثالث : " الحاء "
وفيها القلب الى عين ، وهذا معروف في لغة هذيل ويسمى بالفحفحة . وقد نُقل الاختلاف في ذلك عن الصحابة في قراءة (طلح منضود) الواقعة 29 .
قال القرطبي في تفسير هذه الآية:" ( وقرأ علي بن أبي طالب رضي عنه الله: (وطلع منضود) بالعين وتلا هذه الآية (ونخل طلعها هضيم) وهو خلاف المصحف.
وفي رواية أنه قرئ بين يديه (وطلح منضود) فقال: ما شأن الطلح ؟ إنما هو (وطلع منضود) ثم قال: (لها طلع نضيد) فقيل له: أفلا نحولها ؟ فقال: لا ينبغي أن يهاج القرآن ولا يحول.
فقد اختار هذه القراءة ولم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه.
قاله القشيري.وأسنده أبو بكر الانباري قال: حدثني أبي قال حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن عباد قال: قرأت عند علي أو قرئت عند علي - شك مجالد - (وطلح منضود) فقال علي رضي الله عنه: ما بال الطلح ؟ أما تقرأ (وطلع) ثم قال: (لها طلع نضيد) فقال له: يا أمير المؤمنين أنحكها من المصحف ؟ فقال: لا، لا يهاج القرآن اليوم).
بمعنى ان قراءتها بالعين هي اختيار الامام علي وقد رُوي ذلك عنه بالتواتر كما قال ابن عبد البر في التمهيد (6/28) :"وأما وطلع منضود فقرأ به علي بن أبي طالب وجعفر بن محمد، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب من وجوه صحاح متواترة منها- وذكر هذه القصة- وقال بعدها: وهذا عندي معناه لا ينبغي أن يبدل، وهو جائزٌ مما نزل القرآن عليه، وإن كان علي يستحب غيره مما نزل القرآن عليه أيضاً).
كذلك الخلاف في قراءة (حتى حين) . قال ابن حجر( ):" وَمِنْ ثَمَّ أَنْكَرَ عُمَر عَلَى اِبْن مَسْعُود قِرَاءَته " عَتَّى حِين " أَيْ " حَتَّى حِين " وَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنَّ الْقُرْآن لَمْ يَنْزِل بِلُغَةِ هُذَيْل فَأَقْرِئْ النَّاس بِلُغَةِ قُرَيْش وَلَا تُقْرِئهُمْ بِلُغَةِ هُذَيْل . وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَجْمَع عُثْمَان النَّاس عَلَى قِرَاءَة وَاحِدَة . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدِهِ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَذَا مِنْ عُمَر عَلَى سَبِيل الِاخْتِيَار ، لَا أَنَّ الَّذِي قَرَأَ بِهِ اِبْن مَسْعُود لَا يَجُوز . قَالَ : وَإِذَا أُبِيحَتْ قِرَاءَته عَلَى سَبْعَة أَوْجُه أُنْزِلَتْ جَازَ الِاخْتِيَار فِيمَا أُنْزِلَ".
وقال القرطبي في التفسير(1/45): "وإبدال حروف الحلق بعضها من بعض مشهور عن الفصحاء، وقد قرأ به الجلة، واحتجوا بقراءة ابن مسعود: ليسجننه عتى حين، ذكرها أبو داود" .

*الحرف الرابع : " الضاد "
وفيها القلب الى ظاء ومن ذلك ( بضنين ، بظنين ) فالقراءة بالظاء هي قراءة ابن كثير والكسائي ورويس عن يعقوب . قال الزمخشري " وهو في مصحف عبد لله بالظاء وفي مصحف أُبيّ بالضاد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما"
وعُرٍفَ عن علي وعائشة لفظ الضاد ظاءً عراقية كقراءة ( ضللنا، ظللنا ) كما ذكره علي القاري في المنح الفكرية .
وقد جاء التيسير في ذلك لوجود الإشكال الكبير بينهما ، قال الأصمعي: " تتبعت لغات العرب كلها فلم أجد فيها أشكل من الفرق بين الضاد والظاء ". وحكى الفراء عن المفضل قوله " من العرب من يبدل الضاد ظاء، فيقول غظت الحرب كبني تميم ، ومنهم من يعكس فيبدل الظاء في الظهر ضهر "( ). وقال ابن الأعرابي : جائزٌ في كلام العرب أن يعاقبوا بين الضاد والظاء فلا يخطئ من يجعل هذه في موضع هذه وأنشد (..... ثلاث خصال كلها لي غائض) بالضاد. وقال: هكذا سمعته من فصحاء العرب.
وقد ذهب الدكتور صبحي في كتابه"دراسات في فقه اللغة"( ) الى أنّ الظاء حجازية والضاد تميمية . .
ولذلك رخص البعض بقراءة الضاد ظاء ومنهم ابن عادل الحنبلي في تفسيره اللباب، وذلك لوجود المشقة على كثير من الناس كالعجم ، ونقل ابن عادل أنّ السّلف ما كانوا ينبهون على الفرق بينهما لمن يشق عليه.وكذلك الامام الرازي في تفسيره :"
*الحرف الخامس :"الذال:
وفيه القلب إلى دال ، وهو مشهور عند بعض العرب فقد ورد في كتاب الإبدال عن أبي عمرو قال: " أنشدت يزيد بن مزيد عدوفاً ، فقال: صحفت يا أبا عمرو ، فقلت :لم أصحف، لغتكم عذوف ولغة غيركم عدوف".
وقال سحيم بن وثيل :
أخو خمسين مجتمع اشدي ونجدتي مداورة الشؤون
فإنه يروى ( نجدتي) بالدال والذال كما نقل القرطبي في تفسير سورة الأنعام 152 .
وقد نُقل مثل هذا الخلاف في القراءة ، نحو :
1.قراءة ابن مسعود ( فشرد بهم ) بالذال المعجمة ( فشرذ ) ، وقال القرطبي في تفسير الأنفال (57 ) :" وروى عن ابن مسعود " فشرذ " بالذال المعجمة، وهما لغتان. وقال قطرب: التشريذ (بالذال المعجمة) التنكيل.وبالدال المهملة التفريق، حكاه الثعلبي.وقال المهدوي: الذال لا وجه لها، إلا أن تكون بدلا من الدال المهملة لتقاربهما، ولا يعرف في اللغة " فشرذ ".
2.قرأ مجاهد والزهدي والسختياني : ( وما تدخرون ) بالذال ( تذخرون ) . نقله القرطبي في تفسير آل عمران 49.
3.قرأ قتادة ( فهل من مدّكر ) بالذال المعجمة ( مذّكر ) قال ابن حجر :" قراءتها بالذال المعجمة منقول عن قتادة ". وقد أخرج البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء (3093) : أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ (فهل من مدكر) مثل قراءة العامة أي بالدال. وقوله : ( مثل قراءة العامة) يدل على أنّ قراءة العامة المشهورة بالدال إلا أن البعض كان يقرؤها بالذال المعجمة كقتادة.
4.قرأ الحسن (وادكر بعد أمة) : (واذكر بعد أمة ) بالذال المعجمة ، ذكره الزمخشري في الكشاف .
*الحرف السادس :" العين "
وفيها القلب الى نون وهو ما يعرف بالإستنطاء وهي لهجة سعد بن بكر و هذيل و الأزد والأنصار . أخرج الحاكم في المستدرك وصححه برقم (3015) عن أم سلمة أنها قرأت : " إنا أنطيناك الكوثر " بالنون .
وقرأها كذلك الحسن وطلحة بن مصرف وهي لغة في العطاء كما نقل القرطبي .
ومما يدل على أن الاستنطاء كان مستعملاً في كلام النبي عليه الصلاة والسلام ما أخرجه أحمد في مسند الأنصار وأبو داود عن أبي بن كعب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: أنطاك الله ذلك كله .
وكذلك قوله في رسائله الى ملوك اليمن :" اليد العليا المنطية واليد السفلى المنطاة ".وقوله : " وأنطوا الثبجة ".

*الحرف السابع : " الراء "
وفيها الترقيق والتفخيم وفي ذلك تيسير على بعض الألسنة، قال الدمياطي في إتحاف فضلاء البشر ص 125 : ( الترقيق من الرقة ضد السمنة فهو عبارة عن انحراف ذات الحرف ونحوله ، والتفخيم من الفخامة وهي العظمة والكبر فهو عبارة عن ربو الحرف وتسمينه، فهو والتغليظ واحد إلا أن المستعمل في الراء في ضد الترقيق لفظ التفخيم وفي اللام التغليظ . وهو أعني التفخيم الأصل في الراء على ما ذهب اليه الجمهور لتمكنها في ظهر اللسان ، وقال آخرون : ليس لها أصل في تفخيم ولا ترقيق ، وإنما يعرض لها ذلك حسب حركتها أو مجاورها ، قال في النشر : والقولان محتملان، والثاني أظهر لورش من طرق المصريين ).
ويمكنني كذلك أن أضم حرف اللام الى الأحرف السبعة على اعتبار أن لفظ ( سبعة ) في هذا الحديث يدل على الكثرة في الآحاد .
فترقيق الراء وتغليظ اللام أصلان من أصول القراءة وهما من الأحرف السبعة ، قال ابن الجزري في منجد المقرئين : " وأما تخفيف الهمز ونحوه من النقل والإدغام وترقيق الراءات وتفخيم اللامات فمتواتر قطعاً ، معلوم أنه من الأحرف السبعة ومن لغات العرب الذين لا يحسنون غيره، فكيف يكون غير متواتر أو من قبيل الأداء ؟!"
فهذه هي إذن الأحرف السبعة ويدخل فيها بقية القراءات التي أساسها اختلاف اللهجات كالادغام وصلة ميم الجمع نحو ( عليهمو ) وهاء الكناية وغيرها دون ما كان الاختلاف فيه سببه اختلاف مذاهب القراء في الأداء التجويدي – كالمد والقصر مثلاً – لأن هذا ليس من الأحرف السبعة وانما من قبيل تحسين القراءة .
فالاختلاف في الأحرف السبعة ما هو إلا اختلاف في لهجات العرب الفصيحة والمشهورة التي قرأ بها الصحابة . ولا يُفهم من كلامي أني أجيز قراءة القرآن باللهجات مطلقاً فهذا باطل، ولكني أجيز ما وردت الآثار والقراءات-الصحيحة- بجوازه.
وقد تقول : إن بعض القراءات التي استشهدت بها في شرح الحديث قراءات شاذة وهذا يضعف تفسيرك ، فأقول :
1-إن القراءة الشاذة هي ما فقدت ركناً من الأركان الثلاثة، وما استشهدت به قد فقد شرط التواتر وهذا إن أسقطها عن رتبة القراءة فهو لا يسقطها عن رتبة الاستشهاد ، قال أبو عبيد القاسم في فضائل القرآن : ( فهذة الحروف و أشباة لها كثير قد صارت مفسرة للقران ، وقد كان يروى هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك ، فكيف اذا روى عن كبار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم صار في نفس القراءة ، فهو الأن الأكثر من التفسير و أقوى و أدنى ما يستنبط من علم هذه الحروف معرفة صحية التأويل على أنها من العلم الذي لا يدرك العامة فضله و أنما يعرف ذلك العلماء ). ثم لابد من معرفة ما سوى القراءات المتواترة حتى نعرف المقصود من الأحرف السبعة، فليس كل ما قُرِئَ به في العصور الأُول قد وصلنا، وهذا يُقِرُّ به كبار القراء قال ابن الجزري في النشر ( 1/33) : "فان القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشر بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول ، قل من كثر و نزر من بحر ، فان من له اطلاع على ذلك يعرف علمه علم اليقين ".
2- إن الشذوذ عند القراء يختلف عنه عند المحدثين ، فعند المحدثين الشذوذ : هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه وقد يطلق على ما كان متنه منكراً ، أما عند القراء فهو : ما فقد ركناً من أركان القراءة الثلاثة ، و بالتالي قد تكون القراءة ثابتة السند و لكنها لم تصل الى حد التواتر و هذا لا يسمى قرآناً .
3-كما أن ما عليه المحققون من العلماء أن شروط قبول القراءة هي الصحة و موافقة الرسم و العربية ، كما ذكر الزرقاني في مناهل العرفان و انتصر له ، وليس التواتر كما هو مشهور.
4-ان كثيراً من العلماء احتجوا بتفسيرهم للأحرف السبعة بقراءات شاذة و ضعيفة و منكرة و لم ينكروا على بعضهم ، فهذا شيخ القراء يقول في النشر (26) :"ولا زلت استشكل هذا الحديث و أفكر فيه و أمعن النظر في نيف و ثلاثين سنة، و ذلك أني تتبعت القراءات صححيها و شاذها و ضعيفها ومنكرها، فإذا هو يرجع إلى اختلافها إلى سبعة أوجه...).

شرح حديث الظهر والبطن :
بعد أن شرحتُ حديث الأحرف السبعة ، وجمعت طرق حديث (أُنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن ، ولكل حرف حد ولكل حد مطلع ) وأثبتُّ أن اللفظ الصحيح لهذا الحديث هو ( لكل حرف منها ظهر وبطن ) يمكنني الآن أنْ أشرح هذا الحديث .
ألفاظ الحديث :
*الحد : جاء في مختار الصحاح الحد : الحاجز بين الشيئين( ) . من حدّ الشيء أي فصله وميزه .
*مطلع : مخرج ، ومنه قوله تعالى :" سلام هي حتى مطلع الفجر".
*الحرف: هو حرف الهجاء وقد شرحناه سابقاً.
*السبعة: تدل على الكثرة في الآحاد . فالأحرف السبعة تتعلق بكيفية القراءة فقط ، كالهمزة والصاد والحاء والعين والضاد والراء واللام ونحوها .
*الظهر والبطن : وجهان لقراءة الحرف ، وجه ظاهر مشهور في القراءة ووجه باطن غير مشهور وسيأتي بيانه .


- الشرح :
قوله " لكل حرف منها ظهر وبطن " أي : لكل حرف من الأحرف السبعة وجهان في القراءة ، فالهمزة تلفظ بالتسهيل والتحقيق ، والألف بالفتح والإمالة، والصاد بالسين والصاد ، والحاء بالعين والحاء ، والراء بالترقيق والتفخيم ، واللام بالترقيق والتغليظ ، والذال بالدال والذال .
وقوله " لكل حرف حد ولكل حد مطلع " أي : لكل حرف من الأحرف السبعة حد يفصله ويميزه عن غيره . ولا يقصد بالحد هنا حدود الله التي هي الأوامر والنواهي ، لأن الحد لا يقع بحرف ولا يدل كل حرف - ولا كل كلمة - في القرآن على حد من حدود الله .
ولكن الحد هو الفاصل الذي يفصل الحرف ويميزه عما يشترك معه في المطلع وهو المخرج .
فحرف الألف من الأحرف السبعة المختارة وله وجهان في القراءة الفتحة والإمالة ، فالفتح له حد يميزه ويفصله عن الإمالة ، إلا أنّ مطلعه ( مخرجهما ) واحد. وكأنه يقول لهم : ليس الخلاف في الأحرف السبع اختلاف كبير طالما أن كلا الوجهين من مخرج واحد ولا يؤدي إلى تغيير المعنى.
و قد يكون معنى قوله ( لكل حد مطلع ) أي لكل فاصل بين وجهي القراءة مخرج خاص .
وترقيق الراء وتفخيمها لهما مخرج واحد ومع ذلك يوجد فاصل يميزهما عن بعضهما. كذلك الصاد والسين وغيرها من الأحرف السبعة.
فالحديث قيل في معرض تعليم التلاوة الصحيحة حتى لا يتم الخلط بين المخارج، و راوي الحديث وهو ابن مسعود يشهد بذلك ، فهو أحد الأربعة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنهم وعلى يديه تخرج مئات القراء في الكوفة .
ولكن ما سبب استعارة هذه الألفاظ ( ظهر وبطن ) للتعبير بهما عن وجهي القراءة للحرف ؟ يمكنني أن أفسر ذلك كما يلي :
1-إما لأن قراءة الحرف على وجهه الأصلي هو الأشهر والأظهر بين الناس فكُّنِيَ عنه بالظاهر (ظهر) ، والحرف على وجهه الآخر أقل شهرة وظهوراً فكُّنِيَ عنه بالباطن .كالألف مثلاً مشهور بين الناس بالفتح أما وجهه الآخر- الإمالة- أقل شهرةً وظهوراً. والصاد كذلك ( وهو من السبعة ) مشهور بين الناس وظاهر بلفظه سيناً أو صاداً ولكن إشمامه أقل شهرة وظهوراً . فقد يكون الحرف ظاهراً ومشهوراً بأحد وجهيه عند قبيلة ما ، والوجه الآخر له مستبطن غير ظاهر فيهم. فمن اشتهر عنده الوجه الظاهر المعروف فلا ينكر على غيره ممن اشتهر عنده الوجه الباطن -غير المشهور- وقرأ به.
2-وإما لأن الحرف على وجهه الأشهر ظاهر في اللسان ولا يحتاج إلى مشقة لإظهاره . وعلى وجهه الآخر مستبطن في اللسان يصعب إخراجه كالإمالة وإشمام الصاد وتغليظ اللام . -والقراء يكثرون من القول بظهر اللسان وباطنه- . فتفخيم الألف عند بعض الألسن أيسر وأظهر من إمالتها. وكذلك ترقيق الراء وتفخيمها وغيرها.

فيكون معنى الحديث في مجمله :
إن كل حرف من الأحرف السبعة له وجهان في القراءة ( ظاهر مشهور وباطن غير مشهور ) متحدان ومشتركان في المطلع ( المخرج ) ومتمايزان عن بعضهما بحد يفصلهما.


وبذلك نكون قد شرحنا هذا الحديث المشكل و الحمد لله رب العالمين .

مصطفى حمدو عليان
08-09-2011, 19:37
الحواشي ونعتذر لسوء الترتيب:
( ) فتح المغيث 139.
( ) انظر: تدريب الراوي (1/204) ، شرح علل الترمذي لابن رجب (227).
( ) انظر: تهذيب التهذيب ( 9 / 537 )
( ) صفحة ( 590 ).
( ) وقد استدل برواية الديلمي بعض العلماء في الفضائل كالسفاريني الحنبلي في شرح منظومة الآداب.
( ) انظر : تهذيب الكمال (3629) وتهذيب التهذيب(6/62). وتذهيب الكمال (5/334).
( ) انظر : تهذيب الكمال ( 4548) ، تهذيب التهذيب (8 / 169 ) .
( ) تهذيب التهذيب (4 / 363)
( ) انظر : تهذيب الكمال ( 6663 ) تهذيب التهذيب (11 / 103) .
( ) انظر: تهذيب التهذيب (10 / 270).
( ) تهذيب التهذيب (2 / 76)
( ) التهذيب ( 23/ 437)، تهذيب التهذيب (8 / 336)
( ) تهذيب التهذيب (10/ 376)
( ) تهذيب التهذيب (11 / 248)
( ) تهذيب التهذيب (1 / 165)، تهذيب الكمال (248).
( ) تهذيب التهذيب (2 / 338)
( ) تهذيب التهذيب (8 / 81).
( ) تهذيب التهذيب (9 / 342)
( ) تهذيب التهذيب (4 / 176)
( ) انظر: ميزان الاعتدال (2/ 538)، تهذيب التهذيب (6/ 107).
( ) تهذيب التهذيب (1 / 404).
( ) تهذيب التهذيب (1 / 311).
( ) انظر: سير أعلام النبلاء (10/391-394).
( ) تهذيب التهذيب (1 / 214)
( ) تهذيب التهذيب (4 / 252).
( ) تهذيب التهذيب (4 / 252).
( ) وهو إبراهيم بن أبي داود البرلسي الامام الحافظ المتقن، كان من أوعية العلم. انظر: سير أعلام النبلاء (12/612).
( ) شرح علل الترمذي 232 .
( ) فتح المغيث 139.
( ) تدريب الراوي (1/198).
( ) شرح علل الترمذي لابن رجب 239.
( ) الموقظة 29.
( ) الكفاية ص 386 ، تدريب الراوي (1/204)
( ) تدريب الراوي(1/204)
( ) فتح المغيث (2/18)
( ) تدريب الراوي(1/204) ، شرح علل الترمذي(227)
( ) تهذيب التهذيب (10 / 31 ) .
( ) التاريخ والعلل 117.
( ) تدريب الراوي (1/204)
( ) تدريب الراوي(1/204). شرح علل الترمذي 226 .
( ) شرح علل الترمذي 227.
( ) المرجع السابق .
( ) تدريب الراوي (1/204) ، شرح علل الترمذي 228.
( ) شرح علل الترمذي 228.
( ) شرح علل الترمذي 237.
( ) شرح علل الترمذي232.
( ) نقلاً من الإتقان 448.
( ) قال عنه الذهبي : أحد أئمة البصرة ، من العلماء العاملين الأثبات.
( ) انظر: تهذيب التهذيب 2 / 207 .
( ) تهذيب التهذيب (3 / 13)
( ) انظر: تهذيب التهذيب 7 / 324 . وتهذيب الكمال (4070)
( ) تهذيب التهذيب (10 / 31)، تهذيب الكمال (5766).
( ) تهذيب التهذيب (11 / 36)
( ) تهذيب التهذيب (6 / 450)
( ) تهذيب التهذيب(10 / 462)

( ) باستثناء رواية السلمي في مقدمة تفسيره : (لكل آية منه) وهي غلط.
( ) ومن المناسب أن أقول هنا: إن أحد الأسباب التي أدّت الى سوء فهم حديث الأحرف السبعة هو التمسك بأحاديث ضعيفة ، وعدم الفهم الصحيح لبعض الآثار ، ومن ذلك :
ما أخرجه أبو داود (11/16) والطبراني في الكبير (8599) وابن أبي شيبة في المصنف (7/167) عن ابن مسعود قال : " إني سمعت القراء فسمعتهم متقاربين، فاقرؤوا كما عُلِّمْتُم وإياكم والتنطع والاختلاف، فإنما هو كقول الرجل : هلمّ وتعال ".
ورواه البخاري مختصراً برقم (4324) قال ابن حجر (13/150): (هَكَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش -عن أبي وائل- بِلَفْظِ : إِنِّي سَمِعْت الْقرَّاء فَسَمِعَتهُمْ مُتَقَارِبَيْنِ ، فَاقْرَءُوا كَمَا علِمْتُمْ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّع وَالِاخْتِلَاف ، فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُل : هَلُمَّ وَتَعَالَ ، ثُمَّ قَرَأَ ( وَقَالَتْ هَيْتَ لَك ) فَقُلْت-أي أبو وائل- : إِنَّ نَاسًا يَقْرَءُونَهَا ( هِيتَ لَك )- وفي رواية بالهمز- قَالَ : لَا ، لَأنْ أَقْرأَهَا كَمَا علمْت أَحَبّ إِلَيَّ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق شَيْبَانَ وَزَائِدَة عَنْ الْأَعْمَش نَحْوه). وهو غير موجود في المصنف وهذه الرواية لابن أبي حاتم في التفسير (8/323) من طريق عبد الرزاق به.
استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أنّ الأحرف السبعة هي سبع لغات مختلفة في الكلمة الواحدة متقاربة في المعنى ، وهذا استدلال باطل لما يلي :
1) ليس في الحديث أي ذكر للأحرف السبعة ، بل ليس للحديث علاقة بها .
2) إن قول ابن مسعود (فاقرؤوا كما علمتم ) ينقض استدلالهم ، وذلك لأنه يعلمهم أن القراءة توقيفية ليست بالرأي والتشهي ، فكيف يُستدَلُ به على جواز ابدال الألفاظ المتقاربة في المعنى ؟!
3) قوله ( فوجدتهم متقاربين ) يشير الى أن الإختلافات لم تكن من قبيل ابدال الألفاظ ، لأنه لو اختلفت الألفاظ لاختلفت المعاني فلا يتقاربون .
4) إن آخر هذا الحديث يفسر المراد منه ويعرفنا مناسبته كما رواها ابن أبي حاتم ، فقد نقل لنا ابن حجر في الفتح اختلافات كثيرة في قراءة كلمة ( هيت ) ومعناها وتشكيلها ، فاختلفوا في قراءتها هل هي بالهمز أو بغير الهمز ؟ وهل هي بفتح الهاء أم بكسرها أم بضمها ؟ واختلفوا في معناها ولغتها فعن عكرمة والكسائي والفراء أنها حورانية وعن السدي أنها قبطية معناها : هلم لك ، وقال أبو زيد الأنصاري هي بالعبرانية ، وقال الجمهور هي عربية معناها : الحث على الإقبال . وَقَالَ عِكْرِمَةُ{ هَيْتَ لَكَ } بِالْحَوْرَانِيَّةِ هَلُمَّ ، وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: تَعَالَهْ. من الفتح (13/150). وكلهم قد فسروا (هيت) بمعنى: هلم وأقبل وتعالَ.
والمعنى أن ابن مسعود قد سمعهم وهم مختلفون في قراءة ( هيت ) وفي معناها فبين لهم أن معناها هو بمعنى قول الرجل : هلم وتعال – لاحظ أنه لم يوصل الألفاظ الى سبعة – وأن قراءتها بالهمز كما تعلمها .
ولذلك اختلط الأمر على كثير من الفقهاء وظنوا أن هذا التفسير هو تفسير الأحرف السبعة، ولم أجد من نبه على مقصود الحديث قبلي بفضل الله .
( ) أخرجه الامام أحمد في المسند (3652).
( ) النشر (1/12) بتصرف.
( ) في الفتح (14/200)شرح حديث (4608)
( ) انظر : الأصوات اللغوية لإبراهيم أنيس .
( ) ص 92.
( ) ص 61 .

مصطفى حمدو عليان
30-08-2012, 08:49
للتذكييير........