المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تدريب الإمام تقي الدين السبكي ولده التاج على المناظرة



أشرف سهيل
23-08-2011, 00:48
بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله في ترجمة والده شيخ الإسلام الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله :


واجتمعنا ليلة أنا والحافظ تقي الدين أبو الفتح والأخ المرحوم جمال الدين الحسين والشيخ فخر الدين الأقفهسي وغيرهم فقال لي بعض الحاضرين :
نشتهي أن نسمع مناظرته وليس فينا من يدل عليه غيرك
فقلت له : الجماعة يريدون سماع مناظرتك على طريق الجدل
فقال : بسم الله
وفهمت أنه إنما وافق على ذلك لمحبته في وفي تعليمي

فقال : أبصروا مسألة فيها أقوال بقدر عددكم وينصر كل منكم مقالة يختارها من تلك الأقوال ويجلس يبحث معي
فقلت أنا : مسألة الحرام
فقال : بسم الله انصرفوا فليطالع كل منكم ويحرر ما ينصره

فقمنا وأعمل كل واحد جهده ثم عدنا وقد كاد الليل ينتصف وهو جالس يتلو هو وشيخنا المسند أحمد بن علي الجزري الحنبلي رحمه الله

فقال عبد الوهاب : هات حسين هات هكذا يخصني أنا وأخي بالنداء

فابتدأ واحد من الجماعة فقال له : إن شئت كن مستدلا وأنا مانع وإن شئت بالعكس

فحاصل القضية أن كلا منا صار يستدل على مقالته وهو يمنعه ويبين فساد كلامه إلى أن ينقطع ويأخذ في الكلام مع الآخر حتى انقطع الجميع
فقال له بعضنا : فأين الحق

فقال أنا أختار المذهب الفلاني الذي كنت يا فلان تنصره ونصره إلى أن قلنا : هو الحق
ثم قال : بل أختار المذهب الذي كنت يا فلان تنصره

وهكذا أخذ ينصر الجميع إلى أن قال له بعضنا : فأين الباطل

فقال : الآن حصحص الحق المختار مذهب الشافعي وطريق الرد على المذهب الفلاني كذا والمذهب الفلاني كذا والمذهب الفلاني كذا وقرر ذلك كله إلى أن قضينا العجب وكل منا يعرف أن أقل ما يكون للشيخ الإمام عن النظر في مسألة الحرام سنين كثيرة اهـ

الطبقات الكبرى 203/10-204




كبرت كلمة تخرج من أفواه القائلين : إن أئمتنا وساداتنا إنما هم جامدون ناقلون لما لا يفهمون ، متحجرة عقولهم ، جامدة أذهانهم ، ضعيفة هممهم ، قصروا عن البحث والتحقيق والتدقيق والتحرير والتنقيح والتهذيب !
وذهب بسببهم الفقه إلى الهاوية ، وتخلفت الأمة تباعا ، وما ذلك إلا لقيادة علمائها المجتمع ، وتخلف الفقه عن المواكبة والتأقلم للمتغيرات !
وأن ذلك سرى إلى الأمة بعد القرن الثالث !

وهاكم بعض ما كان عليه الشيخ الإمام في القرن الثامن !

على مثل هذا ربى تلاميذه الذين صاروا الكبار ، الأئمة الأعلام ، محققي مصر والشام ، فرحم الله شيخ الإسلام ، وجزاه عنا خير الجزاء ، وأسكنه دار السلام

محمد علي محمد عوض
23-08-2011, 09:01
بارك الله فيك سيدي على هذا النقل الكريم وهذه الحادثة التي تبين ان علماؤنا الاكابر كانوا يعتمدوا اسلوب المناقشة بصدر رحب وينموا عقول طلابهم النابهين بالمناقشة والبحث, وهو الاسلوب الذي يتفاخر به دكاترة الجامعات في العالم الان, فانظروا كم كان علماؤنا يسبقون العالم عندما كانت الامة ملتفة حول دينها

أشرف سهيل
23-08-2011, 11:32
وهذا نموذج من مواكبته لعصره ! وبحثه في المستجدات


قال الحافظ ابن حجر في الدرر :
وكان لا يقع له مسألة مستغربة أو مشكلة إلا ويعمل فيها تصنيفا يجمع فيه شتاتها طال أو قصر وذلك يبين في تصانيفه اهـ




وليت أخونا الشيخ سامح يذكر لنا بعض نماذج من هذا

فالمواكبة بالبحث والتحقيق وخريج المستجدة على أصول المذهب ، تطويعا لأفعال المكلفين فالفهم المنضبط - منهجية السلف في الفهم - لأحكام الدين

لا بأن يخلط " الباحث " ! بين الحكمة والعلة ، مع توهم أو إيهام إناطة الحكم بحكمته كما فهمها هو ! ثم يجعل ذلك ذريعة لتغيير الحكم الشرعي تبعا لأهواء المكلفين !

أشرف سهيل
23-08-2011, 11:41
بارك الله لكم

وليتأمل كل سليط اللسان متجاسر على مقام أئمتنا رضي الله عنهم ما كان عليه الإمام السبكي - وغيره - من علم واطلاع ، وما حواه صدره من محفوظ لكلام الأئمة ، وليقارن بين أنصاف المتعلمين من المتجرئين المتمجهدين ، المتمسلفين منهم والمتنورين ! ، الذين عجزت أنفسهم وأظلمت قارئحهم على أن يقاربوا حال مبتدئي الطلبة وقتئذ ! من حفظ متن كالتنبيه أو المنهاج كله ! وضبط مسائله ، بقيودها ومحترزاتها ، منطوقا ومفهوما ، ودليل كل وتعليله ، وما يتفرع على منطوقها ومفهومها ! والوقوع والمشاهدة خير دليل وأقواه !
مع ما يكمل ذلك من بقية العلوم ، الأصلين ، والآلة وغيرها !


قال الإمام التاج رحمه الله تعالى :

ذكر شيء من ثناء الأئمة عليه رضي الله عنه وعنهم ونفعنا به وبهم في الدنيا والآخرة
وقليل مما شاهدنا من أحواله الزاهرة وأخلاقه الطاهرة وكراماته الباهرة
قد قدمنا كلام الشيخ الحافظ الذهبي فيه وقال فيه في مكان آخر كتبه في سنة عشرين وسبعمائة انتهى إليه الحفظ ومعرفة الأثر بالديار المصرية وله كلام كثير في تعظيمه وقد قدمنا في ترجمته قوله فيه من أبيات
(وكابن معين في حفظ ونقد ... وفي الفتيا كسفيان ومالك)
(وفخر الدين في جدل وبحث ... وفي النحو المبرد وابن مالك)
وصح من طرق شتى عن الشيخ تقي الدين بن تيمية أنه كان لا يعظم أحدا من أهل العصر كتعظيمه له وأنه كان كثير الثناء على تصنيفه في الرد عليه
وفي كتاب ابن تيمية الذي ألفه في الرد على الشيخ الإمام في رده عليه في مسألة الطلاق لقد برز هذا على أقرانه
وهذا الرد الذي لابن تيمية على الوالد لم يقف عليه ولكن سمع به وأنا وقفت منه على مجلد

وأما الحافظ أبو الحجاج المزي فلم يكتب بخطه لفظة شيخ الإسلام إلا له وللشيخ تقي الدين ابن تيمية وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر
وقد قدمنا قول ابن فضل الله إنه مثل التابعين إن لم يكن منهم
وكان الشيخ تقي الدين أبو الفتح السبكي رحمه الله : يقول إذا رأيته فكأنما رأيت تابعيا

وصح أن شيخه الإمام علاء الدين الباجي رحمه الله أقبل عليه بعض الأمراء وكان الشيخ الإمام إلى جانبه الأيمن وعن جانبه الأيسر بعض أصحابه فقعد الأمير بين الباجي والشيخ الإمام ثم قال الأمير للباجي عن الذي عن يساره هذا إمام فاضل
فقال له الباجي : أتدري من هذا هو إمام الأئمة
قال : من قال الذي جلست فوقه تقي الدين السبكي ولعل هذا كان في سنة ثلاث عشرة وسبعمائة

وأما شيخه ابن الرفعة فكان يعامله معاملة الأقران ويبالغ في تعظيمه ويعرض عليه ما يصنفه في المطلب
وكذلك شيخه الحافظ أبو محمد الدمياطي لم يكن عنده أحد في منزلته

ولو أخذت أعد مقالة أشياخه فيه لطال الفصل
وبلغني أن ابن الرفعة حضر مرة إلى مجلس الحافظ أبي محمد الدمياطي فوجد الشيخ الإمام الوالد بين يديه فقال : " محدث أيضا "
وكان ابن الرفعة لعظمة الوالد في الفقه عنده يظن أنه لا يعرف سواه
فقال الدمياطي لابن الرفعة : كيف تقول قال
قلت ل: لسبكي محدث أيضا
فقال : إمام المحدثين
فقال ابن الرفعة : وإمام الفقهاء أيضا
فبلغت شيخه الباجي فقال : وإمام الأصوليين

وبالجملة أجمع من يعرفه على أن كل ذي فن إذا حضره يتصور فيه شيئين :
أحدهما : أنه لم ير مثله في فنه
والثاني : أنه لا فن له إلا ذلك الفن

وسمعت صاحبنا شمس الدين محمد بن عبد الخالق المقدسي المقرئ يقول :
كنت أقرأ عليه القراءات وكنت لكثرة استحضاره فيها أتوهم أنه لا يدري سواها وأقول كيف يسع عمر الإنسان أكثر من هذا الاستحضار

وسمعت الشيخ سيف الدين أبا بكر الحريري مدرس المدرسة الظاهرية البرانية يقول :
لم أر في النحو مثله وهو عندي أنحى من أبي حيان

وسمعت عن سيف الدين البغدادي شيخه في المنطق أنه قال :
لم أر في العجم ولا في العرب من يعرف المعقولات مثله

وسمعت جماعة من أرباب علم الهيئة يقولون :
لم نر مثله فيها وكذلك سمعت جماعة من أرباب علم الحساب

وعلى الجملة لا يماري في أنه كان إمام الدنيا في كل علم على الإطلاق إلا جاهل به أو معاند

ولقد سمعت الحافظ العلامة صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي يقول :
الناس يقولون ما جاء بعد الغزالي مثله وعندي أنهم يظلمونه بهذا وما هو عندي إلا مثل سفيان الثوري

قلت : أما أنا فأقول :
والله على لسان كل قائل كان ذهنه أصح الأذهان وأسرعها نفاذا وأوثقها فهما وكان آية في استحضار التفسير ومتون الأحاديث وعزوها ومعرفة العلل وأسماء الرجال وتراجمهم ووفياتهم ومعرفة العالي والنازل والصحيح والسقيم عجيب الاستحضار للمغازي والسير والأنساب والجرح والتعديل
آية في استحضار مذاهب الصحابة والتابعين وفرق العلماء بحيث كان تبهت الحنفية والمالكية والحنابلة إذا حضروه لكثرة ما ينقله عن كتبهم التي بين أيديهم

آية في استحضار مذهب الشافعي وشوارد فروعه بحيث يظن سامعه أنه البحر الذي لا تغيب عنه شاردة
إذا ذكر فرع وقال " لا يحضرني النقل فيه " فيعز على أبناء الزمان وجدانه بعد الفحص والتنقيب


[ ما يستحضر من كتب في الفنون المختلفة ]

وإذا سئل عن حديث فشذ عنه عسر على الحفاظ معرفته

وكان يقال إنه يستحضر الكتب الستة غير ما يستحضره من غيرها من المسانيد والمعاجم والأجزاء
وأنا أقول يبعد كل البعد أن يقول في حديث لا أعرف من رواه ثم يوجد في شيء من الكتب الستة أو المسانيد المشهورة

وأما استحضار نصوص الشافعي وأقواله فكان يكاد يحفظ الأم ومختصر المزني وأمثالهما

وأما استحضاره في علم الكلام والملل والنحل وعقائد الفرق من بني آدم فكان عجبا عجابا
وأما استحضاره لأبيات العرب وأمثالها ولغتها فأمر غريب لقد كانوا يقرؤون عليه الكشاف فإذا مر بهم بيت من الشعر سرد القصيدة غالبها أو عامتها من حفظه وعزاها إلى قائلها وربما أخذ في ذكر نظائرها بحيث يتعجب من يحضر
وأما استحضاره لكتاب سيبويه وكتاب المقرب لابن عصفور فكان عجيبا ولعله درس عليهما

وأما حفظه لشوارد اللغة فأمر مشهور وكنت أنا أقرأ عليه في كتاب التلخيص للقاضي جلال الدين في المعاني والبيان أنا وآخر معي ولم يكن فيما أظن وقف على التلخيص قبل ذلك وإنما أقرأه لأجلي وكنا نحكم المطالعة قبل القراءة عليه فيجيء فيستحضر من مفتاح السكاكي وغيره من كلام أهل المعاني والبيان ما لم نطلع عليه نحن مع مبالغتنا في النظر قبل المجيء ثم يوشح ذلك بتحقيقاته التي تطرب العقول

وكنت أقرأ عليه المحصول للإمام فخر الدين والأربعين في الكلام له والمحصل فكنت أرى أنه يحفظ الثلاث عن ظهر قلب

وأما المهذب والوسيط فكان في الغالب ينقل عبارتهما بالفاء والواو كأنه درس عليهما

وأما شرح الرافعي الذي هو كتابنا ونحن ندأب فيه ليلا ونهارا فلو قلت كيف كان يستحضره لاتهمني من يسمعني
هذا وكأنه ينظر تعليقة الشيخ أبي حامد والقاضي الحسين والقاضي أبي الطيب والشامل والتتمة والنهاية وكتب المحاملي وغيرهم من قدماء الأصحاب ويتكلم لكثرة ما يستحضره منها بالعبارة

حكى لي الحافظ تقي الدين ابن رافع قال سبقنا مرة إلى البستان فجئنا بعده ووجدناه نائما فما أردنا التشويش عليه فقام من نومه ودخل الخلاء على عادته وكان يريد أن يكون دائما على وضوء فلما دخل ظهر لنا كراس تحت رأسه فأخذناه فإذا هو من شرح المنهاج وقد كتب عن ظهر قلب نحو عشرة أوراق قال فنظرها رفيق كان معي وقال ما أعجب لكتابته لها من حفظه ولا مما نقله من كلام الرافعي والروضة وإنما أعجب من نقله عن سليم في المجرد وابن الصباغ في الشامل ما نقل ولم يكن عنده غير المنهاج ودواة وورق أبيض وكنا قد وجدنا فيها نقولا عنهما

قلت أنا من نظر شرح المنهاج بخطه عرف أنه كان يكتب من حفظه ألا تراه يعمل المسطرة والورق على قطع الكبير أحد عشر سطرا وما ذلك إلا لأنه يكتب من رأس القلم ويريد أن ينظر ما يلحقه فلذلك يعمل المسطرة متسعة ويترك بياضا كثيرا
قلت
وكنت أراه يكتب متن المنهاج ثم يفكر ثم يكتب وربما كتب المتن ثم نظر الكتب ثم وضعها من يده وانصرف إلى مكان آخر وجلس ففكر ساعة ثم كتب

وكثير من مصنفاته اللطاف كتبها في دروج ورق المراسلات يأخذ الأوصال ويثنيها طولا ويجعل منها كراسا ويكتب فيه لأنه ربما لم يكن عنده ورق كراريس فيكتب فيها من رأس القلم وما ذلك إلا في مكان ليس عنده فيه لا كتب ولا ورق النسخ

وأما البحث والتحقيق وحسن المناظرة فقد كان أستاذ زمانه وفارس ميدانه ولا يختلف اثنان في أنه البحر الذي لا يساجل في ذلك كل ذلك وهو في عشر الثمانين وذهنه في غاية الاتقاد واستحضاره في غاية الازدياد

ولما شغرت مشيخة دار الحديث الأشرفية بوفاة الحافظ المزي عين هو الذهبي لها فوقع السعي فيها للشيخ شمس الدين ابن النقيب وتكلم في حق الذهبي بأنه ليس بأشعري وأن المزي ما وليها إذ وليها إلا بعد أن كتب خطه وأشهد على نفسه بأنه أشعري العقيدة واتسع الخرق في هذا فجمع ملك الأمراء الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب الشام إذ ذاك العلماء فلما استشار الشيخ الإمام أشار بالذهبي فقام الصائح بين الشافعية والحنفية والمالكية وتقفوا فيه أجمعون وكان من الحاضرين الشيخ نجم الدين القحفازي شيخ الحنفية
فقال له الشيخ الإمام : أيش تقول
فقال : (وإليكم دار الحديث تساق ... )
أبدل هذا بدار

فاستحسن الجماعة هذا منه ودار إلى ملك الأمراء وقال أعلم الناس اليوم بهذا العلم قاضي القضاة والذهبي وقاضي القضاة أشعري قطعا وقطع الشك باليقين أولى

فوليها الشيخ الإمام ولم يكن مختارا ذلك بل كان يكرهه وقام من وقته إلى دار الحديث وبين يديه الذهبي وخلق فروى بسنده من طرق شتى منه إلى أبي مسهر حديث يا عبادي وتكلم على رجاله ومخرجه بحيث لم يسع المجلس الكلام على
أكثر من رجال الحديث ومخرجه إلى أن بهت الحاضرون لعلمهم أن الشيخ الإمام من سنين كثيرة لا ينظر الأجزاء ولا أسماء الرجال ولقد قال الذهبي
(وما علمتني غير ما القلب عالمه ... )
والله كنت أعلم أنه فوق ذلك ولكن ما خطر لي أنه مع الترك والاشتغال بالقضاء يحضر من غير تهيئة ويسند هذا الإسناد انتهى

وبالجملة كان مع صحة الذهن واتقاده عظيم الحافظة لا يكاد يسمع شيئا إلا حفظه ولا يحفظ شيئا فينساه وإن طال بعده عن تذكره جمعت له الحافظة البالغة والفهم الغريب فما كان إلا ندرة في الناس ووحق الحق لو لم أشاهد وحكي لي أن واحدا من العلماء احتوى على مثل هذه العلوم وبلغ أقصى غاياتها نقلا وتحقيقا مع صحة الذهن وجودة المناظرة وقوة المغالبة وحسن التصنيف وطول الباع في الاستحضار واستواء العلوم بأسرها في نظهر أحسبه وهما
وأقول كيف تفي القوى البشرية بذلك ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
(وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد)

كان بالآخرة قد أعرض عن كثرة البحث والمناظرة وأقبل على التلاوة والتأله والمراقبة
وكان ينهانا عن نوم النصف الثاني من الليل ويقول لي يا بني تعود السهر ولو أنك تلعب والويل كل الويل لمن يراه نائما وقد انتصف الليل اهـ الطبقات الكبرى 194/10-202

محمد علي محمد عوض
23-08-2011, 13:06
سلمت يداك يا وردة الشافعية في المنتدى
وزادك الله علما وعملا وجعلك منارة للحق
ولا اعرف هل اضحك ام ابكي عندما سمعت محاضرة لاحد شيوخ السلفية المنبتين عن السلف هداهم الله يقول بالحرف الواحد عن ابن تيمية والعلامة السبكي: فاماابن تيمية فهو من هو باق ومصنفاته الجليلة واما السبكي فطواه الزمان وحقده"
نعوذ بالله, وهذا الرجل يطوف بكل الفضائيات اينما تولي فتجده امامك فيها
اللهم اهدهم فهدايتهم والله احب الينا من حمر النعم

حسين القسنطيني
23-08-2011, 13:21
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه، أما بعد :
فالحمد لله حمد مستدع مزيده و معتقد توحيده أن منَ الله علينا بمثل هذا المنتدى المحترم الذي نجد فيه مشايخ من الطراز العالي في مثل الشيخ الفاضل الكريم أشرف سهيل من إذا وهمنا قومنا و إذا أخطأنا بصرنا و إن عمينا عن شيء نبهنا، فله الحمد على منه و توفيقه، و لقد ضرب لنا شيخنا الفاضل أشرف سهيل مثالا رائعا عن كيفية تلقي الفقه و أصوله بما نقل إلينا من تعامل شيخ الإسلام رحمه الله مع تلامذته و حسن تربيته لهم و تكوينهم على الطرح و التصحيح، فكانت حلقات الفقه مختبرات تخرج لنا علماء أفذاذا، إذا قال بشيء عرف مناط قوله، و إن أفتى فعن دراية و بصيرة، لا بمجرد نقل، فرب حامل فقه ليس بفقيه، و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، و كنا نأمل من مشايخنا الأفاضل أمثال الشيخ أشرف الكريم ألا يؤخر بيانا عن وقت حاجته و إن كانت الحاجة لا تزال قائمة، و نفوسنا تتلهف إلى تقويم ساداتنا المشايخ كما كان يفعل كبراؤنا بتلامذتهم في مختبرات الفقه، و يرحم الله الشيخ احمد حسن عبد الله (أسأل الله أن يكرمه مثلما أكرمنا بالتعليم و يجعله من المقبولين في هذا الشهر الفضيل)، فقد كان ينقل لي تصرف الإمام الأعظم مع تلامذته و كيف أبرز منهم و فيهم فكان أمثال تلميذيه أئمة قد ينفصلون بالمذهب لولا شدة اتباعهم...
فلعل لنا فيهم إسوة حسنة، و أما ما تكلمت فيه بخصوص تغيير الحكم و الفرق بين العلة و الحكمة، فليتك يا مولاي تبين لنا فنحن مقرون بجهلنا و نود أن نتعلم من حضراتكم، بل والله نتشرف أن نقول أن الشيخ أشرف سهيل قدس الله سره قد أهدى إلينا عيوبا و علمنا شيئا، و لو أنك قرأت بعين شيخ محب لمن هم دونه في العلم لرأيت أننا طلبنا تقويمكم و تعليمكم لنا في بادئ كل موضوع، و أننا لم نرم البتة تغيير الحكم فما ذلك من شأننا و لا مما يسمح به لنا، فأنا يا مولاي في العلم قليل و عليكم في الفقه عليل، فليتكم مشايخنا تكونوا في مستوى ذلك و تتناولون المسائل كما كان يتناولها شيخ الإسلام، لا كما تفعل الديكة إذا ما حرش بينها...
لا من ضير أن يباشر الواحد إنكاره على أخيه أو تلميذه شيئا، بل ذلك من شيم الرجال، أما أن يرسل الكلام ليشم شما فما كنت أظن أن المشايخ يفعلون إذ أن ذلك منهم يعد من خوارم المروءة... أستسمحك شيخنا الفاضل إن كان بدر مني ما بعثك على مثل هذا و أعتذر إليك أن وصل بك الحنق هذا الموصل، صدقني ما كان هذا البتة غرضي، و اعذر جهلي و تخبيصي و خربطتي، فأنا إنما أكتب لأتعلم لا لأقرر أو أنظر، و إذا كان هذا يعتبر جرأة على الفقه الذي تمسكون بزمامه و خطامه فأنا متنازل عن حق التعلم و طرح الأفكار التي قد تجول بخاطري لمجرد أن يهنأ المشايخ الأكارم، و إن كنت آمل غير ذلك... و لننظر إلى المتجرئين على مقام السبكي و غيره من العلماء رحمهم الله جميعا، والله إني لا أظن أنهم فعلوا ما فعلوا إلا بما قدمناه نحن أو أحجمنا عن تقديمه...
دمت بالخير موصولا سيدي الفاضل، و رمضانك كريم متقبل...

أشرف سهيل
23-08-2011, 13:55
أخي الفاضل الكريم حسن بارك الله تعالى لكم ، وكل عام وأنتم بخير
بارك الله لكم على لغتكم المؤدبة التي أسأل الله أن يمن علي بمثلها وإن شابها ما شابها من لمز الله أعلم بمبناه !
وأحمل مبالغتكم في الثناء وأنتم لا تعرفوني - إحسانا للظن - على تواضع منكم وتلطف - لا على استخفاف بي ! - لا أرى له وجها مع مثلي ، وأستغفر الله

والله تعالى أعلم بالسر وأخفى ، فأما ما جمعت هذا المقال معرضا بكم ولا خطرتم في بالي وقتئذ ، بل استغربت من تعقيبكم بمثل ما تفضلتم به !

وإنما تعريفا بما كان عليه من نتقرب إلى الله بحبهم والدفاع عنهم وعن مناهجهم ، وهو مع غيره مما أجمع يرسم معالم التعلم والتعليم والتدريس والفتوى في الدين التي حافظ عليها علماؤنا ، والتي فرط فيها عن قصد أو عمد بئس الخلف لخير سلف ، مسوغين ذلك باتهامات باطلة ، وشبه واهية ، ما لهم في ذلك إلا قلة العلم والجرئة على دين الله ، وأن لا رادع لهم عن سوء صنيعهم ، فرحم الله سلفنا وألحقنا بهم في الدنيا على منهجهم ، وفي الآخرة مع صحبة الحبيب صلى الله عليه وسلم في أعلى الجنان ، وما ذلك على الله بعزيز ، { قل إن الفضل بيده الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم }

سامح يوسف
24-08-2011, 01:13
هكذا هكذا و إلا فلا لا !

بارك الله فيكم سيدي أشرف

والشيخ الإمام تقي الدين السبكي لم يأت بعده من يدانيه فضلا عن أن يساويه

هكذا قال العلامتان السيوطي وابن حجر الهيتمي رحم الله الجميع

وكلامه في المستجدات كان يأخذ أكثر وقته ولم يكن يطيل الكلام في المسائل التي استقر عليها الخلاف

وتدريبه لطلبته لا سيما ولده التاج كثير جدا حتى قال التاج : " ما دار بيني وبينه من البحث وما سمعته منه من الفوائد في أصناف العلوم لا سبيل إلى حصره لكثرته فقد كان بيني وبينه من ذلك صباحا ومساء ،وليلا ونهارا ، نوما ويقظة ، سفرا وحضرا ، صحة ومرضا ، قياما وقعودا وعلى جنب لكثرة ملازمتي له"

ومن العجيب أنه رضي الله عنه كان لا يدع المواقف العادية في الحياة إلا ويدرب ولده على استنباط الفوائد الفقهية منها ، وهذه غاية لا يدركها إلا السبكي وبنوه ، ويحضرني من ذلك قصتان :


القصة الأولى :


قال التاج : سايرت الشيخ الإمام ونحن ركوب فضربت بغلتي لتسرع في المشي

فقال : بأي مستند ضربتها ؟!

فقلتُ: لأستوفي منها منفعة مباحة لي وهي المشي كضرب الزوج زوجته تأديبا لاستيفاء ما يجب له عليها.

فتبسم وأعجبته وقال : ولا تطلب منها سيرا أسرع من المعتاد من مثلها.

فقلتُ : هذه فائدة لا يستوفى في السير من الدابة إلا بقدر المعتاد منها.


القصة الثانية


قال التاج :

" كنت يوما في دهليز دارنا في جماعة ونحن شباب إذ مر بنا كلب يقطر ماء كاد يمس ثيابنا فنهرته وقلتُ :" يا كلب يا ابن الكلب "
وإذا بالشيخ الإمام سمعنا من داخل فلما خرج قال : لمَ شتمتَه ؟!
فقلتُ : ما قلت إلا حقا أليس هو كلب ابن كلب ؟!
فقال : هو كذلك إلا انك أخرجت الكلام من مخرج الشتم والإهانة
فقلتُ : "هذه فائدة فلا يُنادي أحد بصفته إلا إذا لم تخرج مخرج الإهانة "

اهـ كلام التاج

وهكذا تصير المواقف اليسيرة منبعا للتفقه في الدين عند الشيخ الإمام فما بالنا بكبار الأمور والمسائل والتحقيقات التي لم ينفك الشيخ الإمام عن إبدائها إلى حين وفاته رضي الله عنه

أسماء دياب أبو رميلة
24-08-2011, 23:25
جزاكم الله خيرا على هذه الفوائد النفيسة....

وقصة المناظرة التي وردت في البداية تدل دلالة قوية على الدقة العجيبة التي كانوا يتحلون بها علماؤنا الأكابر.

فكانوا يحيطون بالمسألة من جميع جوانبهاويفهومون إجمالها وتفصيلها لا تخفى عليهم دقيقة من الدقائق المتعلقة بالمسألة، فهذا الذي جعلهم فقهاء حقا إذ الفقه هو الفهم الدقيق.

فنسأل الله أن يرزقنا الفهم الدقيق وأن يجعلنا على خطى هؤلاء العلماء الأكابر.

فجزاكم الله خير الجزاء على هذه النصوص القيمة.

أشرف سهيل
31-01-2013, 16:39
(( حسب المرء ما عليه الفتيا هو المضيع للفقيه )) !! التاج السبكي
http://www.aslein.net/showthread.php?t=16566

جلال علي الجهاني
31-01-2013, 21:03
متى يوفق الله تعالى من ينشر الكتب المهمة للإمام تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى .. فقد طال الانتظار، وكثرت وعود جامعي المخطوطات لكي ينشروها ..

أشرف سهيل
12-05-2013, 17:08
في منهجية البحث العلمي ( السيوطي )

http://www.aslein.net/showthread.php?t=16573