المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة العصر ]



حسام الدين رامي نقشبند
02-08-2011, 03:47
التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة العصر ]{ وَالْعَصْرِ } [العصر : 1] ...
العصر هو الحقبة الزمنية التي تمثل عهد من العهود مثال عصر الخلفاء الراشدين ثم العصر الأموي و العصر العباسي إلى آخرة ، وكذلك العصر هو الحقبة التي يعاصرها المرء من منشأه حتى مماته وأفضل عصور الأفراد بعد عصر رسول الله صلى الله عليه وآله سلم عصر الصديق و من بعهده عصر الفاروق لما كان لهم من أمجاد وأعمال لا ينساها التاريخ أبداً ...
وهنا يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم ، بأن عصرك يا محمد خير العصور لأنه مبدأ حقبة مهمة في تاريخ البشرية وتحول هام يشار له بالبنان ...
لما في هذا العصر من أعمال ومنجزات وتضحيات و تغيرات جوهرية في تاريخ الإنسانية ولما فيه من الفضيلة التي غرست في قلوب كانت أقسى من الصخر فلانت بعدما أشرق بها الإيمان و تحلت بالتقوى ، فأورثت يا محمد صلى الله عليه وسلم رجال كانوا أئمة وسادة وقادة الأمم ، من بعدك ...
لذلك أقسم الله بهذا العصر لعظمته وعظمة قدره عند الله ؟؟؟ !!! ...
لقد جاء أكرم الرسل صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدنيا فوجد قلوباً قاسية متنافرة ، وأمم ضالة مشحونة بالكراهية و البغضاء ، وإنسانية معذبة غارقة بالجهالة منغمسة بالفساد تائهة في مسالك الدنيا الغرورة ...
فجاء سيد الأولين و الآخرين صلى الله عليه وسلم ، ليخرجهم من الظلمات إلى النور بأمر الله ، فبذل الجهد الكبير و التضحيات حتى جعلهم بعون الله يزهدون الدنيا و ما فيها لما نالوه من جوهر السعادة في الدارين ...
وجعل منهم صلى الله عليه وسلم بعون الله أمة قوية مهابة تسوس العالم ، وتنشر الهداية ، لتنشأ الأجيال تلوى الأخر في نور الإسلام وفضائل التقوى و الإيمان ...
وها هو سيدنا جعفر بن أبي طالب ذو الجناحين رضي الله عنه يخبر بذلك النجاشي ملك الحبشة فيقول : ( أيها الملك ، كنا أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف . حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه ، وأمانته وعفافه ، فدعانا لتوحيد الله وأن لا نشرك به شيئا ، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وأمرنا بالصلاة والصيام . . وعدد عليه أمور الإسلام ) ، رواه أحمد في "مسنده" ، و الهيثمي في "مجمع الزوائد" ، وإسناده صحيح ...
و في الحقيقة كل امرؤ منا له عصر ولكن من منا عصره مثل أشرف العصور عصر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ؟؟؟ !!! ...
فعصر المصطفى صلى الله عليه وسلم عصر الشجاعة و التضحية و الإيثار ، وعصر الرحمة والرأفة والعدل والحنان والنبل والوفاء والمروءة و الحرص على الغير أو الغيرية و الحب بالله و بالغض بالله ، و العلم و الحكمة و الحلم وغيرها من عظيم الأخلاق السامية التي تميز بها قلب النبوة قلب سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ...
و هو حال كل من تأسى بالمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) [الأحزاب : 21] ...

{ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ } [العصر : 2] ...
هنا يخبرنا الله جل وعلا ، أن كل إنسان لم يغتم فرصته في الحياة وزرع زرع الآخرة فهو بخسران عظيم ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [الحشر : 18] ...
أي فلينظر الإنسان إلى أعماله لآخرته هل أصبح أهلاً للآخرة ؟؟؟!!! ...
و هل أصبح أهل ليكون سيد الكائنات ، أو ركن إلى دنياه ونسي آخرته واتبع وهواه وقدم شهواته على سعادته الحقيقية ، ولو أنه تأسي بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ، لما آلا إلى هذا الحال ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) [السجدة : 12] ...
ولكن السؤال الآن ما هو الخسران العظيم ؟؟؟ !!! ...
و الجواب الخسران هو أن يفقد الإنسان ما ينشده كل إنسان على ظهر الخلقية من سيدنا و أبونا آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ...
وهي الطمأنينة و السعادة وهي لا تكون حقيقة إلا بالله ؟؟؟ !!! ...
يقول ذو السبطين كرم الله وجهه : ( إن في القلب فجوة لا يملئها إلا الله ، وإن في النفس وحشة لا يؤنسها إلا ذكر الله ) ...
ومن معاني هذه السعادة النظر إلى جمال وكمال الله في خلقه وإدراك أن المتصرف الأوحد الفعال لكل شيء هو الله ، وأن هذه الجهة الحكيمة رحيمة عطوفة حنونة حريصة على من أطاع وأناب لها ...
فهاهم نسوة يوسف عليه الصلاة و السلام عندما فتن بجمال وكمال يوسف قطعن أيهن دون أني يشعرن بالألم أو يركنوا إليه ...
فكيف من فتن بجلال وجمال وكمال مصدر الفضائل و الجمال الله رب العالمين ...
أيظن حينها أحد إذا ما استغرق بحقيقة المشاهدة أنه بقي له وجود أو اثر ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) [العنكبوت : 43] ...
ما أسعد الإنسان حين يظفر بسعادة الشهود و النعيم المقيم وأطيب حياة العبد الذي عظم سروره بقرب الله عز وجل في ظل رب رءوف عطوف رحمن رحيم ...
فإن جلال وجمال الله لا حدود له و لا نهاية بل هو متجدد مرتقي من مشهد ذوقي رفيع إلى مشهد ذا سرور وسعادة أكبر وأوسع وأفيض في النفس ، يصحب ذلك ترقي دائم في مقامات الحضور مع الله العظيم وزيادة التلذذ بنعمة الدائمة ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [البقرة : 25] ...
فهذا النعيم لا يصفه الواصفون ولا يعرفه حقيقة إلا من ذاق طرف من فيضه ، فكما في الأثر القدس : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر ) ...
و الخاسر هو من فاته هذا النعيم وأنشغل بالدنيا ومفاتنها الزائفة الزائلة عن نعيم وسعادة الآخرة المقيم كما ورد بالأثر : ( الدنيا يومان ؟ !!! ، يوم فرح ويوم حزن وكلاهما زائل !!! ، فدع ما يزول إلى ما لا يزول ) ...
وفي الأثر أيضاً : ( من كان همه واحداً هم المعاد ، كفاه الله كل هم وأدخل السرور إلى قلبه وأغناه بفضله عمن سواه ، و من كان أكبر همه هم دنياه ، لم يأبه الله بأي أوديتها هلك ) ...
وكما يقول ذو السبطين كرم الله وجهه : ( اجعل همك هماً واحداً يكفيك كل هم ) ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ) [البقرة : 16] ...
لكن الذين أدركوا قيمة الحياة وعرفوا فيما يقضون عمرهم الثمين فقد استثناهم الله تعالى من ذلك الخسران العظيم ...



{ ِإلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } [العصر : 3] ...
من هذه الآية نستنتج أن النجاة من الخسران العظيم يستوجب أربعة شروط هي :
الإيمان والعمل الصالح ، و التواصي بالحق ، و التواصي بالصبر ...
و الإيمان هو الأصل الثابت الذي يبنى عليه الدين كله ومصداقه العمل الصالح و السلوك الحسن في المعاملات مع العباد إرضاء لرب العباد إضافة للاستقامة على أمر الله ...
و الإيمان هنا هو ليس ذلك الإيمان الموروث عن الآباء أو المنقول عن المعلمين ، أو المبني على الظنون ؟؟؟ !!! ...
أو الذي يدعيه المرء دون ميثاق ؟؟؟ !!! ...
إنما هو ذلك الإيمان المبني على التحقيق الذي يفيض قلب صاحبة بالمحبة لله و بالمخافة و الوجل تعظيماً لله ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( ِإنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [2] الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [3] أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [الأنفال : 4] ...
الإيمان الحقيقي هو الذي يتفجر في قلب صاحبه بمشاعر داخلية جياشة كامنة لا يخرجها من كمونها إلا أمر الله ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) [يونس : 100] ...
و لا يكون ذلك لا بالكسب التلقيني ، أو التحلي ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) [الأنعام : 111] ...
فالإيمان في حقيقته هو جوهر مكنون من العالم الذر من يوم أخذ الله العهد على عباده ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) [الأعراف : 172] ...
و لكن كيف ننبه هذه البذرة الإيمانية الكامنة ؟؟؟ !!! ...
وما هو المرمى الذي يرمي إليه الإيمان فيجعلنا في النهاية في أمان ؟؟؟ !!! ...
المرمى هو تحقيق الركن الأول من أركان الإسلام الذي يبنى عليه كافة أركان الإيمان
يقول صلى الله وسلم الله عليه وآله وسلم : ( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ) ، رواه الشيخان في الصحيح ، والترمذي في السنن ، وهو متفق عليه ...
و الشهادة هي أن تشهد بما يكشف لك من الحق ، والشهادة هنا هي المشاهدة لحقيقة تفرد الله بالتحكم المطلق بكل شيء ثابت و متغير ، وكل ساكن و متحرك ، وكل راقد ومتحول ...
ومن أقر بها تحصن بها و حصل ثمن الجنة ، فهي لا يسبقها عمل ولا تذر ذنب إلا محته ؟؟؟ !!! ...
يقول الإمام علي كرم الله وجهه : ( لا إله إلا الله لا يسبقها عمل ، ولا تترك ذنب ) ...
ولكن كيف نتدرج حتى نصل إلى هذه النتيجة أو الإيمان القلبي المبني على التوحيد ؟؟؟ !!! ...
و الجواب بالتفكر بكل ما يدل على الله بداً بجسم الإنسان ، والنظر في بديع الصنعة الإلهية ...
بل أن التفكر يحول الإيمان بالآخرة من إيمان ظني إلى إيمان يقيني ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ) [الروم : 8] ...
فبالتفكر تتولد بوارق معرفة الله في القلب وتنكشف الحقائق شيء فشيء ، فيوقر القلب هذا الخالق المربي العظيم ويقدره بأن يقدر عظيم فضله سبحانه وعظيم جلاله وهيبته وسعة قدرته وهيمنته على الإنسان وحاجاته ومصيره ...
عندها تتولد في القلب معاني الهيبة و المحبة فإما أن يتساويان وهو إيمان الوقار ...
كما ورد بالأثر : ( لو وزن خوف المؤمن ورجاءه لاعتدلا أو استويا ) ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) [السجدة : 16] ...
أو تغلب الهيبة نتيجة تبحر العالم بمعاني الإلوهية وجلالها فتنصهر النفس تعظيماً لله ، ويسمى إيمان الخشية ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) [الأنبياء : 90] ...
يقول صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء علما أن يخشى الله، و كفى بالمرء جهلا أن يعجب بنفسه ) ، رواه السيوطي في "الجامع الصغير" ، وقال : مرسل حسن ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( ......... إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) [فاطر : 28] ...
أو تتوله نفسه وشغاف قلبه محبة الله عز و جل عندما تنكشف لها معاني فضل وجمال الربوبية ...
يقول ذو السبطين كرم الله وجهه : ( الإيمان في قبل المؤمن محبة الله ) ...
و يقول سلطان العارفين "أبو يزيد البسطامي" قدس الله سره العزيز : ( ظاهر التصديق "الإيمان" و باطنه سواء ، فقد اشترك الإيمان والحب في قلب العبد ، فكلما زاد الإيمان ازداد الحب لله ، قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ ) [البقرة : 165] ...
وهكذا تجد الإنسان المؤمن يتدرج بالإيمان خطوة تلوى الأخرى وتنكشف له وتتوسع خفاياه ويزداد وعيه فيه يوماً بعد يوم ، ثم يرتقي كشفه إلى الشهود بحقيقة التربية و التسيير و التدبير و التصريف الإلهي من خلال مشاهدة منعكس معاني أسماء الله الحسنة في ثنايا خلقه سبحانه ، فتتفتح المعاني في القلب وتهيج لتسيطر على كيان الإنسان المؤمن الذي يصبح أسير الحق و الحقيقة ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [النحل : 104] ...
كما ورد بالأثر المأثور عن الصحابي الجليل " معاذ بن جبل " رضي الله عنه : ( إن المؤمن لدى الحق أسير ) ...
فهو مأسور بالخوف و الطمع ومأسور بحب الله و الاستزادة من هذا الحب ...
بسم الله الرحمن الرحيم : (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) [الفتح : 4] ...
وهنا وحرصاً من المؤمن على توثيق مكتسبه الإيماني والاستزادة منه تراه يسارع لفعل الخيرات و العمل الصالح ...
و بالنتيجة أن المؤمن كله خير ؟؟؟ !!! ...
يقول صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفس محمد بيده إن مثل المؤمن كمثل القطعة من الذهب نفخ عليها صاحبها فلم تغير ولم تنقص والذي نفس محمد بيده إن مثل المؤمن كمثل النحلة لا تأكل إلا طيبا، و لا تضع إلا طيبا ) ، رواه أحمد في "مسنده" ، بإسناد حسن صحيح ...
و لا يقتصر خيره على الإنفاق وبذل المال ، بل هو أشمل من ذلك يتعدى إلى كل وجه من وجوه الخير ، كمد يد العون لمن يحتاج المعونة ، و السعي لإصلاح الخصومات و التودد وحسن المعاملة كسباً لقلوب الناس ...
وننتقل الآن إلى التواصي بالحق ، ويكون أولاً بتحقيق الاستقامة على ما يرضي الله ، و التحلي و التخلق بالخلق الحسن فهما دعوة صامته إلى الله لأن الإنسان مفطور على الكمال لذلك فإنه ينجذب نحو الكمال ، فتتكون في قلب المجذوب المحبة للمؤمن فيتشرب منه الخير و الرغبة بالإيمان ...
يقول صلى الله عليه وسلم : ( المرء مع من أحب ) ، رواه الترمذي في "سننه" ، بإسناد صحيح ...
بسم الله الرحمن الرحيم : (َلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) [فصلت : 34] ...
أما التواصي بالصبر فيكون بإقناع النفس أن كل ما يأتي من الله و حتى لو كان في الظاهر مكروه ، إنما هو خير صرف للمؤمن ، وهو أيضاً يكون بترويض النفس على تقبل البلاء من الله بالصبر على القهر لأن الصبر هو تاج الإيمان وضياءه ، وبه تنفجر بأمر الله مشاعر الإيمان وهو الفلاح ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [آل عمران : 200] ...
كذلك الصبر على سوء الناس وإتباع السوء بالإحسان يربي القلوب على المحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) [آل عمران : 186] ...
تم بعون الله وتوفيقه ...