المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة الهمزة ]



حسام الدين رامي نقشبند
27-07-2011, 19:05
التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة الهمزة ]
{ وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } [الهُمَزَة : 1] ...
كما أسلفنا سابقاً الويل هو الهول و الوعيد ...
و الهمزة على وزن فُعَلة وهو الكثير الهمز ، أما الهمز هو النخس أو الدفع ، ومنه همزات الشياطين أي وسواس الخواطر التي تنخس في النفس حب السوء وغلبة الهوى و الرغبة بالشهوات ، أو ما يدفعه لزيادة الغلة و العداوة مع الآخرين ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ [97] وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ) [المؤمنون : 98] ...
والهمز عند المغرضين المفسدين من بني البشر هو زرع الغل بين الناس وتلفيق الأباطيل بالغيبة و البهتان و النميمة ، بسبب مرض الحسد ، بغية إفساد سمعة أو خلق فرقة بين اثنين أو جماعة ، بغاية نصرة الذات ، أو إطفاء شيء من هذا الحقد و البغضاء الذي زرعه الشيطان في صدر الهماز و دافع لخلق الشرور المشاء بالنميمة أي الساعي لإفساد ذات البين ...
لذلك يوصي الله عباده بتجنب هذا النوع من البشر فيقول :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ [10] هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ [11] مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ) [القلم : 12] ...
وهناك همز غير مباشر يفعل فعل النخس المباشر ، يكون بالتفاخر و التكبر و التعالي على الخلق وإظهار البذخ أمام أصحاب الحاجة من الفقراء و المحرومين والمسكين المحدودي الدخل أو العاجزين عن العمل أو الذين لا يملكون مهنة يحترفونها أو تحصيل علمي يوظفوه في معاشهم ، أو حتى قدرة بدنية لتحمل العمل الجسدي الشاق ، وهؤلاء هم الذين حرموا من رغد العيش من باب العدالة الإلهية لما فيه الخيرية لهم ؟؟؟ !!! ...
فهو بذلك يبعث أو ينخس في قلوبهم الحسرة ويحرك عندهم الحسد و الحقد الطبقي ، وقد يدفعهم إلى جمع المال بطرق غير مشروعة ، عندما يكون سبب في تفشي أمراض القلب الذي هو جوهر النفس فيهم ...
وينطبق الأمر ذاته على المرأة التي تظهر زينتها لغير بعلها ، فتغيظ النسوة الأخريات بزينتها وثرائها وجمالها الفتان وتميزها عليهن ، كما تحرك غرائز الرجال بتبرجها ، فتدفعهم إلى الزنا أو تعدد الزوجات ، أو بغض زوجاتهم ، لأن الزوج يرى الزوجة في كل أحوالها الشكلية و النفسية بينما يرى المتبرجة المائلة المميلة ، الجانب الجذاب الكذاب الزائف فيها ...
لذلك واجب المرأة أن تركز زينتها وإظهارها لمفاتنها لزوجها حتى تأسر قلبه ، عن الميل للغير ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .............. ) [الأحزاب : 33] ...

أما اللمزة فهو المتغطرس المتكبر النقاد ، الذي يعيب الناس ويبخسهم أشيائهم و خصوصياتهم و أعمالهم ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) [الشعراء : 183] ...
وهي صفة المنافقين الذين كانوا ينتقدون تصرفات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) [التوبة : 58] ...
ومما تقدم نجد أن الهمز و اللمز صفتان متلازمتان لا ينقك إحداهن عن الأخرى فالذي يخرج متفاخر على الناس بجاه أو بعلم أو بمال أو سلطان فيهمز وينخس في قلوب الناس الشرور ، يكون بذات الوقت نقاد معيب و محقر ما لدى الناس ...
وبما أن الهماز اللماز هو امرؤ تنبعث منه الأذية للناس ، فإن الله لن يدعه يمضي بغيه وطغيانه ، من باب عدله سبحانه ، فيسير له الشدائد و المصائب و البليات عله يرتجع إلى الله ويفيء من طغيانه ، وإلا حرمه من النعم ، و أوقعه بشر أعماله ، فدارة عليه الدائرة ليعلم أن الله حق ...


{ الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ } [الهُمَزَة : 2] ...
ونعود الآن لسياق الآيات ...
نجد في هذه الآية تحقيراً لشأن الإنسان المعرض الذي تاه عن ما فيه نجاته وسعادة في الدارين ، بل ببغية ومرضه زاده الله مرض بأن جعله يقبل بشدة على ما يطغيه ليكون السقوط على قدر الارتفاع ، فالمعالجة تكون بزيادة المرض ثم الحرمان القاسم بالحياة أو ساعة الموت ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) [البقرة : 10] ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [التوبة : 67] ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [الحشر : 19] ...
ما أن الله يحرم هذا النوع من البشر من التلذذ بالنعيم بعمى البصيرة أو العمه ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [البقرة : 15] ...
و الفرق بين المؤمن الشاكر و المعرض الكافر بأنعم الله ، كالفرق بين الأعمى و البصير فالمؤمن يتنعم بغناه وفقره على السواء و الكافر يعذب بغناه وفقره على السواء ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) [التوبة : 55] ...
لأن المعرض الهماز اللماز جمع مال دون نفع أو كسب حقيقي ، كمن يجمع الصدف ويجهل قيمة اللؤلؤ فيه ، فيذهب جمعه هباء دون نفع يرجى ، فالحياة الدنيا دون سعادة الإيمان ولذته وهم وغرور ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) [الحديد : 20] ...
قال صلى الله عليه وسلم : ( من أصبح والدنيا أكبر همه شتت الله شمله وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له , ومن أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ) ، رواه ابن ماجه في "سننه" ، وابن حبان في "صحيحة" ، و الهيثمي في "مجمع الزوائد" ، باسناد صحيح ...



{ َيحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } [الهُمَزَة : 3] ...
وهنا يأتي السياق القرآن من الله بالتساؤل الإنكاري ، بأن هذا الهماز اللماز ، يظن أن المال سوف يسير له السعادة و الخلود ، و أنه بماله يصنع لنفسه البقاء في الدنيا ما شاء وكيف شاء ؟؟؟ !!! ...
ألم يعلم أن ماله لم يغني عنه شيء ولن يدفع عنه شيء ؟؟؟ !!! ...
ألم يعلم أنه يجمع ماله لغيره ويغامر بمصيره وحياته نحو الهلاك وعذاب الدارين ...
وهذا لا يعني أن يعرض الإنسان عن كسب المال و الاستزادة منه ، ولكن بغاية أكفاء حاجة الذات و ابتغاء التقرب من الله عز وجل ...
كما يخبرنا الصحابي الجليل المبشر بالجنة سيدنا " عبد الرحمن بن عوف " حين يقول : ( يا حبذا المال ، أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي ) ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) [القصص : 77] ...



{ كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ } [الهُمَزَة : 4] ...
هنا يأتي جواب التأكيد من الله من التحذير و الترويع بكلمة "كلا" ...
وكلمة لينبذن أي ليطرحن بشدة دون أسف عليه ؟؟؟ !!! ...
و الحطمة مأخوذة من حطم أي كسر وبعثر ...
و الحطمة هنا هي شكل من أشكال العذاب وقعه عظيم ومحطم ومهين لكيان وكبرياء الهماز اللماز ، حيث ينال يوم القيامة آلم قوي ومهانة تحطم ما استقر في نفس هذا المعرض ، وما توضع في صميمه من الشرور ، فإذا به لا يفئ إلا لآلامه وشقائه المقيم ...


{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ } [الهُمَزَة : 5] ...
وهنا يأتي الجواب الإلهي أي أنك مهما بنيت من التصور حول هول الحطمة وشدة عذابها ، فما أنت بمدرك ولو طرف يسير من هولها وشدتها و العياذ بالله ...


{ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ) [الهُمَزَة : 6] ...
وهنا يأتي البيان المرعب بأن الحطمة هي نار الله ؟؟؟ !!! ...
أي أن عظمتها من عظمة الله الذي لا يحاط و لا يدرك ، هي إشارة صريحة لهول وشدة هذه النار ...
بل أن هذه النار ليس ثابتة بعذابها وشدتها بل موقدة أي مستمرة دون هوادة متزايدة دون إفادة بتخفيف أن تثبيت على معدل معين من العذاب مهما كبر و العياذ بالله ...
فهي تحطم جذور الإنسان من شدتها المفرطة ، فهل من متعظ ؟؟؟ !!! ...



{ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ } [الهُمَزَة : 7] ...
و الأفئدة جمع فؤاد وهو قلب المشاعر في النفس الإنسانية ومركز الشهوات ، فهو موطن الميل و الهوى ومستقر الشهوات ومكتسباتها ، لذلك نجد الحطمة تبحث وتطلع على موبقات النفس فأنها تنزعها نزعا بتفتيت جذورها وإفنائها وجعلها وقود يلهب النفس عذاباً هذا الوقود يتجدد كما يتجدد وجود الشمس بعدما يفنى لكن وقود الحطمة يتجدد بسرعة لا يترك فيه قيد أنملة من الراحة كما تبين الآية التالية ؟؟؟ !!! ...



{ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ } [الهُمَزَة : 8] ...
و المؤصدة هي المطبقة بشدة دون هوادة ، نقول أوصد الباب إي أغلق بإحكام ، وهكذا نار الحطمة يوم القيامة مطبقة محيطة بخطايا المجرمين وخلجات أنفسهم ...

{ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ } [الهُمَزَة : 9] ...
و العمد جمع عمود وهو ما كان مركز أو مسلط بشكل مستقيم ،دون اعوجاج ، و الممدد أي المصوب بدقة نحو الهدف المطلوب ، وهنا إشارة إلى أن هذه النار تجري ألسنت لظاها المحرق في الأفئدة مراكز المشاعر و الأحاسيس والشهوات في قلب الإنسان وذاته ، فأهل النار يصلون ناراً مركزة ومصوبة بدقة و شدة تحطم كيانهم وأفئدتهم فتبعثرها وتدمرها وتكسر كبريائهم وترهقهم ذلة ...
بسم الله الرحمن الرحيم : (وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [يونس : 27] ...
فنسأل الله أن يهدينا سبل النجاة ولا يجعلنا وقود لجهنم وعذاب ومذلة جهنم و العياذ بالله ...
تم بعون الله وتوفيقه ...