المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة الفيل ]



حسام الدين رامي نقشبند
26-07-2011, 14:59
التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة الفيل ]
مقدمة : إن هذه السورة تدور حول قصة ملك يدعى "أبرهة الحبشي" كان ملك على الحبشة و اليمن فأراد هذا الملك أن يعلي شأن مملكته من الناحية السياسية والاقتصادية ويفرض ديناً جديد في جزيرة العرب فبنا بيت مشابه بالشكل للكعبة المشرفة في صنعاء اليمن ، فأساء له العرب فيها وحقروها ، فأخذ الأمر على محمل جدي ...
فجيش جيش جرار يتقدمه فيل عظيم لهدم الكعبة ، فلم يتجرأ أحد من العرب أن يتعرض له لهول جيشه وقوته ...
ولم يتعرض له إلا زعيم قريش عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ...
لكن المفاجأة كانت أن عبد المطلب جاء مطالب بإبله التي كانت ترعى على مقربة من حرم الكعبة فاستولى عليها رجال أبرهة ...
فأخبره أبرهة أنه توقع أن يتوسط لمنع هدم الكعبة ، فكانت إجابته الشهرة : ( أنا رب الإبل و أحميها ، و للكعبة رب يحميها ) ...
إذا تأملنا بكلمات جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يتبين لنا أنه موحد عندما قال للكعبة رب ولم يقل أرباب آله إضافة على ذلك كان يحمل في قلبه إيماناً صادقاً موثقاً أن هذا الرب سوف يتولى حماية بيته ؟؟؟ !!! ...
فهو كان مؤمن موحد على ملة سيدنا أبو الأنبياء "إبراهيم الخليل" عليه الصلاة و السلام أي أنه كان مسلم إبراهيمي ...
بل كان ممن إذا أقسم على الله أبره ؟؟؟ !!! ...
فالكعبة هدمت بالطوفان أي بأمر إلهي ثلاثة مرات إحداها في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث حمل الحجر الأسعد بردائه صلى الله عليه وسلم ، و دمرت في عهد الأمويين تدميراً جزئياً بالمنجنيق وانتهكت وسرق الحجر الأسعد من قبل القرامطة ...
يقول صلى الله عليه وسلم وقد كان يطوف بالكعبة : ( ما أطيبك و أطيب ريحك ، ما أعظمك و أعظم حرمتك ، و الذي نفس محمد بيده ، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ، ماله و دمه ، و أن نظن به إلا خيراً ) ، رواه ابن ماجه في "سننه" ، و البيهقي في " الشعب" ، والطبراني في " الكبير" ...
يقول صلى الله عليه وسلم : ( كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ) ، رواه الترمذي في السنن ...
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، اصطفاه الله من خيرت الناس أصلاً وديناً ...
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ) ، رواه مسلم وابن حبان في الصحيح ، والترمذي في السنن ، وهو حسن صحيح ...
ولم يشذ من أبناء عبد المطلب إلا أبو لهب حيث قاده لإشراكه الآثم مصالحة الدنيوية وهو ممن ينطبق عليه قوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ) [إبراهيم : 30] ...
وهو مثل بذلك لموحدين معاصرين كما الحال ببعض جهلة وغلاة الصوفية الذين قدموا محبة شيوخهم عن محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبعضهم وهم و الحمد لله أقلة ألهوهم ، بل امتد الأمر إلى بعض الأشاعرة الذين بدؤوا دون أن يقصدوا يقدمون أراء وكلام العلماء و الفقهاء على كتاب الله وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، و لا يشفع لهم إلا حسن نواياهم في هذا التقديم على أنه بيان لمقاصد القرآن و السنة ...
ولكن الخطر الأكبر كان بالشيعة الذين قدموا حب آل البيت بالتدليس على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل أسروا تأليههم للحسين ونسله لأنه صان دماء إلههم كسرى يزدجرد في نسله بزواجه من سلاف ابنة كسرى التي أنجبت علي بن الحسين وهكذا ...
لكن الخطر الأكبر و التقية الأعظم بأناس هم من أهل السنة بل يحصرون بطائفتهم الانتماء إلى السنة و الجماعة ...
وهم خوارج هذا العصر المعروفين بالوهابية ، فهبل عندهم "ابن عبد الوهاب" والغزى "ابن باز" و اللات " ابن عثيمين " أما مناة فهو "الألباني" ؟؟؟ !!! ...
أحيوا مجد أجدادهم من المشركين ...
وهؤلاء وخاصة الفئة الأخيرة ينطبق عليهم قول الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [التوبة : 31] ...
ومن هنا تتراءى لنا الحكمة من وصيته صلى الله عليه وسلم حين يقول : ( لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله ) ، رواه البخاري وابن حبان في الصحيح ، و أحمد في "مسنده" ، بسند صحيح ..

{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } [الفيل : 1] ...

هنا يخاطب الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، ويخبره أي لم تر بعين بصيرتك لما عقلته من خبر أصحاب الفيل الذي تداوله قومك وما صببته في قلبك من البيان حول سر التصريف وفق قانون الأفعال الإلهية ...
و في هذه الآية إشارة لكل مؤمن موحد أن المتحكم المتصرف المسير و الفعال الحقيقي في هذا الكون هو الله رب العلمين الذي بيده نواصي الخلق جميعاً فعلى الإنسان الذي يريد أن يأمن مغبة مقت الإلوهية ومكرها أن يصلح نيته ويعلي طلبه للحق ويصدق التوكل على الله وسوف يكون الله له خير معين ومؤمن له من كل الشرور ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) [هود : 56] ...
ففي هذه الآية تشجيع وتحفيز للمؤمن على الإقبال الخير ...

{ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ } [الفيل : 2] ...
الكيد هنا هو التدبير و الخطة التي أعدها أصحاب الفيل لهدم الكعبة رغم أنوف العرب ؟؟؟ !!! ...
وتضليل الله لهم هو تحويلهم عن تحقيق هذه الأهداف و المقاصد ...
فقد أحبط الله كيد أصحاب الفيل وجعله وبال عليهم ، بعد أن ساق الله لهم من الإشارات الكثير منها تعطل غريزة الطاعة عند فيلهم الضخم في التحرك لتدمير الكعبة و تعطل آلة الحركة الكيميائية الحيوية عند الفيل ، إضافة لاختلاف الرأي بين القادة و المستشارين في المضي في نية الهدم لكن طغيان أبرهة ومداهنيه دفعهم إلى أن جعل كيدهم في نحرهم ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [182] وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) [الأعراف : 183] ...
عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ( إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم { َلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ } [الأنعام : 44] ) ، رواه أحمد في "مسنده" ، و الطبراني في " الأوسط" ، وإسناده صحيح ...
وهنا مغزى خطاب الله لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ...
ألم تر أني لا أهمل الظالم بل أمهله ثم أجعله عبرة لمن لم يعتبر ؟؟؟ !!! ...



{ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ } [الفيل : 3] ...
هنا يريد الله عز وجل أن يبني الطريقة جعل فيها كيد أصحاب الفيل في ضلال وتيه ؟؟؟ !!! ...
فطير الأبابيل هو لفظ يخص الطيور التي تكون في جماعات كبير مأخوذة من كلمة إبلُ أي كثيرة كما ورد في معجم متن اللغة { ج1 / ص : 138 } : [ أبابيل هم فرق كقطعان الابل نجمع لا واحد ] ...
وهذه الكلمة ترمز هنا للجمع بعد التفرق وهي خاصية تخص الطيور الضعيفة ؟؟؟ !!! ...
وهي دلالة أن الله يمكنه أن يهلك الجبابرة بأضعف مخلوقاته أو أبسط الأشياء و الأسباب ...
كما كان الحال مع " النمرود " في زمن أبو الأنبياء سيدنا " إبراهيم الخليل " عليه الصلاة و السلام ، حيث قتله الله ببعوضة دخلت دماغه من خلال أنفه ...
ومنه نستنتج أن ليست متوقفة على الضعف و القوة ، بل على الله وحده الذي يجعل من الضعف قوة و من القوة ضعف ، وأهلك الجبابرة الطغاة ...
و الأبابيل أيضاً من التأبيل أي التحميل لأنها كانت تحمل في فمها أو أرجلها حصى صغيرة وفق المفسرين من طين متحجر أو مطبوخ ...

{ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ } [الفيل : 4] ...
والسجيل مأخوذة من سَجَلَ ،تقول : سجل به ، سُجلاً وسَجلاً ، أي رمى به من فوق ، وسَجَلَ الماء : أي صبه صباً متصلاً ( ورد في "معجم متن اللغة " { ج 3 / ص : 109} ) ...
وهي أيضاً حجارة كالمدر أو حجارة من طين ( ورد في "معجم متن اللغة" { ج 3 / ص : 110} ) ...
و السجيل مصدر فعيل من التسجيل أي السجل الذي يسجل به كل كبيرة وصغيرة في مجال ما ...
وهي هنا دلالة إلى الحسابات الإلهية و المقادير الدقيقة من توجيه هذه الطيور لإلقاء هذه الحجارة من ارتفاع دقيق مسجل و توقيت مسجل ومكان مسجل بحيث يتم حساب التقاء القذيفة مع الهدف بدقة كبيرة ودون فشل أي حجر ؟؟؟ !!! ...
وكلما زاد الارتفاع وفق قانون تسارع الجاذبية الأرضية زاد تسارع الحجر و زن سقوطه وحرارته ولأنه من طين متحجر فإن الحرارة تكمن فيه وبسبب سرعته مع صغر مقطعة فإن اختراقه يكون عميق وكونه من طين فسوف يتشظا وتفرج حرارته فيهشم الأنسجة ويبليها ويجعل آلام المصاب بها مضاعف ؟؟؟ !!! ...
وهنا ترى التصرف الإلهي من خلال أسماء معاني الإلوهية القدير الحسيب ...
ويتبين لنا أن الهلاك يصيب الظالمين جزافاً ، إنما بقدر ...
فإذا ما حلت كارثة طبيعية بمكان كزلزال أو بركان أو طوفان ، أو كارثة صناعية كحريق أو انفجار ، فإن مصاب هذه الكارثة لا يكون واحد ، فمنهم من يهلك ويفنى ومنهم من تتقطع أوصاله ويصاب بدرجات حروق متفاوتة تسبب آلام وموت مؤجل أو حياة مع تشوه دائم ، ومنهم من لا تؤثر بهم الكارثة بشكل مباشر ، أو بمعنى أدق بشكل عضوي ، وإنما بشكل نفسي ، نتيجة الهلع وهول المشهد وهو نتائجه ، ومنهم من يؤدي الخوف فيهم لأمراض عضوية قاتلة كالسكتة القلبية و أمراض موت بطيء كمرض ارتفاع الضغط و مرض السكر وغيره من الأمراض المعاصرة ...
ومنهم من لا يؤثر بهم أي مؤثر وكأن شيء لم يكن لإيمانهم ويقينهم ، بخيرة الأقدار الإلهية أنى كانت ؟؟؟ !!! ...
سأل الإمام الوارث الرباني "أبو حسن الخرقاني " قدس سره الصمداني : لمن يليق التكلم بالفناء و البقاء ، فقال : ( يليق لشخص لو علق بخيط من حرير بين السماء و الأرض ، ثم هبت ريح عاصفة اقتلعت الأشجار ، ونسفت الجبال إلى البحار حتى ملأتها لم تحركه من محله ؟؟؟؟ !!! ) ، ورد في " الحدائق الوردية" للخاني { ص : 337 } ...


{ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ } [الفيل : 5] ...
العصف هو الهشيم أو التبن المتبقي من سوق سنابل القمح أو الشعير بعد أن يتفتت إلى قطع صغيرة متهشمة خفيفة تذروه الرياح وتعصف به دون مقاومة أو ثبات ؟؟؟ !! ...
أما العصف المأكول هو التبن الذي يخرجه الحيوان بعد أكله روثاً فاسد مقزز الرائحة عديم الفائدة ...
وكذا حال أبرهة وجيشه أضحوا جيف نتنة متناثرة على الأرض ، فاقدين كل شأن أو كرامة أو أي قيمة اعتبارية ، ليغدو عبرة للعالمين ..
ومن هذه الآيات يتراءى لنا أن القوة لله جميعاً وأن الظالم سوط الله بالأرض يسلطه على ن يشاء فينتقم به ثم ينتقم منه ...
وأن ناصية هذا الطاغية الظالم بيد الله وحدة ، إما أن يسبب له النجاح أو المهلكة ، لأن الله هو صاحب الأمر و الحكم و المتصرف الأعظم ...
فإن كان المؤمن مستقيماً محسناً ، فليكن مطمأن القلب ، ولا تخشى أحد دون الله ، كما أنه على الإنسان أن لا يكون من المعتدين ، مهما كان عنده من القوة و العزة فإن القوة و العزة لله جميعاً ...
فإذا دعتك قدرتك على آذيت الناس تذكر قدرة الله عليك والحمد لله رب العالمين ...
تم بعون الله وبتوفيق من الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ...