المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كل مجتهد مصيب



جلال علي الجهاني
12-12-2004, 10:17
هذا تلخيص لمسألة الإصابة والاجتهاد، استفدته من شرح جمع الجوامع لجلال الدين المحلي (2/429)، والإحكام للآمدي (4/413 وما بعدها)، والبرهان لإمام الحرمين (2/861-866)، وشرح التنقيح للإمام القرافي ص 439 وما بعدها، والمحصول للقاضي أبي بكر بن العربي ص 152، وشرح معالم فخر الدين الرازي لابن التلمساني (2/432 وما بعدها) ومنتهى الوصول والأمل للإمام ابن الحاجب ص212، أصول الفقه للشيخ العربي اللوه ص 406-407.

كل مجتهدٍ مصيب


القضايا الظنية الاجتهادية إما أن لا يكون فيها حكم معين لله تعالى قبل الاجتهاد، أو يكون فيها حكم معين.
والتي فيها حكم معين قبل الاجتهاد: إما أن يكون عليه دليل أو لا .
فإن كان عليه دليل فإما أن يكون ظنياً أو قطعياً.
فهذه أربعة صور: الأولى: أن لا يكون في الواقعة حكم معين قبل الاجتهاد.
الثانية أن يكون فيها حكم معين ولا دليل عليه.
الثالثة: أن يكون عليه دليل ظني كالأمارة.
الرابعة: أن يكون عليه دليل قطعي.
وتفصل القول في أحكامها ما يأتي:


أما الصورة الأولى التي لا يكون فيها حكم معين لله تعالى قبل الاجتهاد، فهي التي ا عتمدها الجمهور من المتكلمين، كالأشعري والغزالي والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم من المعتزلة، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة وغيرهم فقالوا: كل مجتهد مصيب، وإن اختلف الحكم باختلاف الاجتهاد؛ لأن حكم الله حينئذ تابع لظن المجتهد، فكل ما أداه إليه اجتهاده وغلب على ظنه فهو حكم الله في حقه، وله الأجر والثواب على ما بذله من المجهود، ويدعى أصحاب هذا المذهب المصوبة؛ لأنهم يعدون كل مجتهد مصيباً، وإن اختلفوا فيما أداهم إليه اجتهادهم، فلا تخطئة ولا تأثيم.

وأما الصورة الثانية: التي كون حكم الله فيها معيناً قبل الاجتهاد، من غير دليل عليه، فقد قال بها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، حيث مثلوه بدفين في الأرض يعثر عليه الطالب بطريق الاتفاق والصدفة، لا عن قصد، فمن عثر عليه وصادفه فله أجران، ومن أخطأه فله أجر واحد على كده واجتهاده، وإن كان مخطئاً في الإصابة.

وأما الصورة الثالثة: التي يكون فيها دليل ظني على الحكم المعين لله تعالى، فقد قال بها جماعة من العلماء، منهم ابن فورك وأبو إسحاق الإسفراييني، ونسب أيضاً إلى الشافعي وأبي حنيفة وغيرهم، حيث قالوا: إن المجتهد إذا ظفر بالحق ووافقه فهو مصيب، وله أ جران، وإن اجتهد وبذل الوسع ولكن لغموض الحق وخفائه لم يصبه فهو مخطئ، وله أجر واحد على ما بذله من المجهود، وهناك من قال بتأثيمه إن لم يصادق الحكم المعين فيها عند الله تعالى.

وأما الصورة الرابعة ا لتي كون فيها دليل قطعي من نص أو إجماع على الحكم المعين من عدم الوقوف عليه، فقد اتفقوا على أن المصيب واحدٌ، ثم اختلفوا في تأثيمه إن لم يصادق الحكم المعين فيها عند الله تعالى .

يتبع

جلال علي الجهاني
12-12-2004, 10:20
وهذه المسألة من المسائل المشهورة في الأصول.

وأصل هذه المسألة -كما مرَّ- مسألة أخرى، وهي: هل لله تعالى في كل مسألة حكم شرعي مقرر قبل اجتهاد المجتهدين ؟ أم أن الحكم الشرعي في كل مسألة هو ما يؤدي إليه اجتهاد المجتهد، أياً كان الاجتهاد ؟

فمن قال: بأنه ليس لله تعالى في كل مسألة اجتهادية حكمٌ مقرر، بل حكمه تعالى هو ما أدى إليه اجتهاد المجتهد، قال: بأن كل مجتهد مصيبٌ.

ومن قال: بأن لله تعالى حكم معين في كل مسألةٍ قالوا: إن أصاب المجتهد ذلك الحكم أصاب، وإن أخطأه فقد أخطأ ولكن لا إثم عليه في ذلك إذا استفرغ وسعه في الاجتهاد، وعلى هذا استقر رأي جمهور المتأخرين من الأصوليين.

والإمام الغزالي رحمه الله تعالى، ومعه جماعة قبله وبعده، على الرأي بالتصويب، وأنه ليس لله تعالى في المسائل الاجتهادية حكمٌ معين.
فقد قال رحمه الله: " الحكم الثاني في الاجتهاد والتصويب والتخطئة
وقد اختلف الناس فيها، واختلفت الرواية عن الشافعي وأبي حنيفة.
وعلى الجملة قد ذهب قوم إلى أن كل مجتهد في الظنيات مصيب.
وقال قوم: المصيب واحد.
واختلف الفريقان جميعاً، في أنه هل في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين لله تعالى هو مطلوب المجتهد ؟

فالذي ذهب إليه محققو المصوبة: أنه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين يطلب بالظن، بل الحكم يتبع الظن، وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه.
وهو المختار وإليه ذهب القاضي.

وذهب قوم من المصوبة: إلى أن فيه حكماً معيناً يتوجه إليه الطلب، إذ لا بد للطلب من مطلوب، لكن لم يكلف المجتهد إصابته، فلذلك كان مصيباً وإن أخطأ ذلك الحكم المعين الذي لم يؤمر بإصابته، بمعنى أنه أدّى ما كلف فأصاب ما عليه".

ثم قال: " والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ونخطئ المخالف فيه أن كل مجتهد في الظَّنِّيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى".
وقد أطال الغزالي في ذكر الأدلة التي احتج بها الفريق الأول، مبيناً عدم دلالتها على المطلوب.

وبنى الغزالي رأيه على أصل المسألة، وهو عدم وجود دليل قطعي على أن لله تعالى حكم في كل مسألة اجتهادية.

والتحقيق في هذه المسألة هو ما ذكره إمام الحرمين الجويني، بحيث آل الخلاف فيها إلى وفاق حيث قال:
المختار عندي أمرٌ ملتفت، وكأنه ملتقط من الطرفين، وهو يجمع المحاسن:
وذلك أنا نقول للأستاذ: إن عنيت بتخطئة أحدهما أنه لا يجب العمل بموجب غلبة الظن، فهذا إنكار ما لا وجه لإنكاره، إذ المجتهد إذا غلب على ظنه أمرٌ فأمر الله عليه اتباع موجب ظنه، لا أن يناط لظنه بظن غيره فيتأثر به.

وإن عنيتَ به أنه كلف المجتهد وراء غلبة الظن بتحصيل أمر آخر، فلا وجه له أيضاً، إذ الأمر والاجتهاد ينضبط به، وغلبة الظن حاصل.

وأما القاضي فنقول له: إن عنيتَ بالتصويب وجوب العمل عليهما، على وفق ظنهما، فهذا مسلم، وإن عنيتَ رفع الاجتهاد وإثبات الخيرة واعتقاد التسوية بين التحليل والتحريم، فهذا أمر يناقض وضع الشريعة على القطع، وهذا معلوم على الضرورة وبالبديهية.

وإن عنيت به أن لا حكم لله تعالى في الوقائع على التعيين فهذا أيضاً جحد؛ لأنَّ الطلب لا يستقل بنفسه، ولا بد من مطلوب، ويستحيل فرض طلب لا مطلوب له، فإن الباحث عن كون زيد في الدار يقدر كونه فيه، ويقدر أيضاً خلافه، ثم يطلب الوقوف على أحد الأمرين الذي هو الحقيقة.
فكذلك المجتهد إذا وقعت واقعة يطلب النصوص من الكتاب والسنة ثم الإجماع، ثم إن أعوز المطلوب فيه فينظر في قواعد الشريعة يحاول إلحاقاً ويريد جمعاً ويطلب شبهاً، فيخيل في نفسه وجود التشبه، ثم يجتهد في طلب الأشبه فالمطلوب هو الأشبه.
إذا ثبت هذا وتقرر أنه لا تخلوا واقعة عن حكم الله فنقول:

المجتهد مصيب من حيث عمل بموجب الظن بأمر الله مخطئ إذا لم ينه اجتهاده إلى منتهى حصل العثور على حكم الله في الواقعة وهذا هو المختار" . انتهى كلام إمام الحرمين رحمه الله.


ولعل الخلاف بعد ذلك بين الطرفين لا يكون له أثر عملي ، لأن الاتفاق حاصل بين الأصوليين من أهل السنة على صحة تقليد أي المجتهدين المختلفين، وأنهما محصلان لأجر الاجتهاد على كل حال.

كما أنه لا يملك مجتهد في المسائل الظنية التي هي محل النـزاع دعوى أن اجتهاده هو الموافق لحكم الله تعالى على رأي المخطئة القائلين بأن لله تعالى حكم معين كلف بإصابته، من أصابه أصاب ومن أخطأه أخطأ ولم يأثم، لأن ذلك مغيب عنّا، وهذا أمر قطعي أيضاً، لم يخالف فيه أحد.

ولذلك لا أظن أن قطع الإمام الغزالي بما قَطَع به من صحة رأيه أراد به سوى ذلك من صحة اجتهاد المجتهد في المسائل الاجتهادية، وصحة تقليده، والله تعالى أعلم.

هشام محمد بدر
12-12-2004, 15:08
جزاك الله خيرًا يا شيخنا جلال على هذا البحث المفيد ، و لكن لي سؤال :
ما توجيه الإمام الغزالي و من وافقه في مسألة تصويب كل مجتهد للحديث الآتي " إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله و لكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فبهم حكم الله أم لا " ؟

جمال حسني الشرباتي
14-12-2004, 17:31
الأخ جلال


لا أظن الغزالي مصيبا


((والمختار عندنا وهو الذي نقطع به ونخطئ المخالف فيه أن كل مجتهد في الظَّنِّيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين لله تعالى". ))
وهو لم يقصد في عبارته ما حاولت أنت تبريره بقولك



((ولذلك لا أظن أن قطع الإمام الغزالي بما قَطَع به من صحة رأيه أراد به سوى ذلك من صحة اجتهاد المجتهد في المسائل الاجتهادية، وصحة تقليده، والله تعالى أعلم.))
أكيد قصد في عبارته أنه ليس في المسألة المبحوثة والمختلف فيها حكم واحد لله تعالى


وعدم وجود حكم واحد للقضية المبحوثة رأي له خطر واضح على وحدانية التشريع لكل الأمة----إذ يحق لكل مجتهد أن يقول هذا رايي ولي ان أتمسك به ولو كان دليله ضعيفا لأنه لا حكم واحد لله في المسألة

محمد نصار
21-02-2005, 17:54
إن قال هذا لا يعود مجتهداً لمناقضة ما يقوله لمعنى المجتهد أصلاً فالاجتهاد هو إيساع الجهد وصولاً إلى حكم شرعي من الأدلة.

والمتمسك بالضعيف مع علمه بضعفه ليس موسعاً للجهد في الوصول إلى الحكم الشرعي بل هو منكفئ عن الاجتهاد من الأساس.

جمال حسني الشرباتي
21-02-2005, 18:30
لا اعرف على ماذا ترد؟؟

جلال علي الجهاني
12-03-2005, 15:01
أخي هشام: الإمام الغزالي، لا يأخذ بأحاديث الآحاد في مسائل أصول الفقه، فهو يعتبرها من القطعيات مثل أصول الدين، وما أوردته أخي هو خبر آحاد، فينطبق عليه ما هو مقرر عنده، والله أعلم ..

==========

أخي جمال، ليس في القول بعدم وجود حكم واحد لله في كل مسألة ما يخالف وحدة التشريع، أي أن للشريعة أحكاماً، وإلا فإن مسائل الأحكام لم تكن واحدة إلا في المسائل التي ظهرت فيها أدلة قاطعة في الأحكام.

أما بالنسبة لما أراد الغزالي، فأنا أحمل كلامه على ما قرره إمام الحرمين للمناسبة التي بينهما وهي لا تخفى عليك، فالإمام الغزالي هو التلميذ المخلص لإمام الحرمين، وهو الذي يحرر الكثير من آرائه بدقة بالغة.

وليس في قوله الذي نقلته أخي، ما يخالف أنه أراد بذلك ما يترتب عليها من أحكام، أي إن هذه المسألة لو كان لها أثر عملي، ينبغي ألا يخالف ما ذكره إمام الحرمين، والله تعالى أعلم.

=====

بقي الكلام هنا مع الإمام تاج الدين السبكي، حيث بنى على هذه المسألة، كلاماً لا أراه قوياً، وهو عدم ثبوت أجر التقليد للمجتهد المخطئ، طبعاً هو اختار رأي المخطئة، بناءا على وجود حكم واحد لله في كل مسألة، وأن الله وضع عليها إما دليلا أو أمارة ..

قال رحمه الله تعالى في منع الموانع:

ومن هنا أقول: المخطئ لا يؤجر على اتباع المقلدين له، بخلاف المصيب؛ لأن مقلد المصيب قد اهتدى به، لأنه صادف الهدى وهو الحق، (ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، بخلاف المخطئ، فإن مقلده لم يحصل على شيء، غاية الأمر سقوط الحق عنه، باعتبار ظنه، أما حصول ثواب زائد ففيه نظر، انتهى كلام التاج السبكي.

لكن يتوجه عليه حسب مذهبه أن المخطئ قد اثيبب بأجر واحد، وأن المصيب قد أثيب بأجرين، فيكون للمخطئ نصف الأجر، فلم يحرم بعد ذلك من أجر من تقليد الناس له؟
أظن أن هذا غير مقبول، ولا يترتب على الخطأ الاجتهادي؛ لأن الخطأ الاجتهادي مقبول من جهة الشريعة، على كلا الرأيين المصوبة أو المخطئة، والله أعلم ..