المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفاجأةالكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية- أ0سعيد فودة (2-بعض أصول كليةفي مذهب ابن تيمية



العين
30-07-2003, 13:56
االمقدمة والفصل التمهيدي على هذا الرابط:
http://www.al-razi.net/vb/showthread.php?s=&threadid=122


االباب الأول: في بيان بعض أصول كلية في مذهب ابن تيمية


الباب الأول



في بيان بعض أصول كلية
في مذهب ابن تيمية



الفصل الأول :ما هي حقيقة الموجودات عند ابن تيمية؟
الفصل الثاني: في وسائل المعرفة
الفصل الثالث: العالم قديم بالنوع حادث الآحاد والأفراد

العين
30-07-2003, 14:10
الباب الأول
في بيان بعض أصول كلية في مذهب ابن تيمية
الفصل الأول
ما هي حقيقة الموجودات عند ابن تيمية؟
ونقصد بذلك ، الوجود كله الحادث والقديم، أي أننا بعد أن اعترفنا بأن الموجودات التي نحسها هي أجسامٌ، هل يمكن أن يوجد موجود ليس جسماً، سواءً بالنسبة لله تعالى أو لغيره؟ أي هل يمكن أن نتصور وجود موجود ليس جسمًا؟!
ابن تيمية يصر في كثير من كتبه على أنه لا يوجد موجودٌ مطلقاً إلا أن يكون جسماً أو قائماً بجسم، وهذا الحكم يطلقه عاماً شاملاً للمخلوقات والخالق.
فقال في التأسيس [1/9]: » ما ثمَّ موجود إلا جسم أو قائم بجسم « . أهـ.
ونسب هذا القول إلى الإمام أحمد؟!
وكلمته هذه عامة كما قلنا يريد بها المخلوقات والخالق.
ثم إنه قد وضح بشكل مفصل معنى هذه العبارة العامة فقال في [ ص1/93]:
» ومعلوم أن كون الباري ليس جسمًا ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة، ولا بمقدمات قريبة من الفطرة، ولا بمقدمات بينة في الفطرة، بل مقدمات فيها خفاء وطول، وليست مقدمات بينة ولا متفقًا على قبولها بين العقلاء، بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد وطوائف كثيرون من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب، وإنَّ الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسمًا، وما لا يكون جسماً لا يكون معدوماً، ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول«. أهـ.
لاحظ أن العبارة المسَوَّدة في آخر كلامه، هكذا هي في المطبوع، ومن حقها أن تكون » لا يكون إلا معدوماً « كما يناسب السياق وكما سوف ندلل عليه بعد قليل.
وعلى كل حال فهو يقارن بين قولين:
القول الأول: قول من يقول أن الباري عز وجل ليس جسمًا.
القول الثاني: قول من يقول أنه يجب أن يكون جسماً، لأن كل موجود يجب أن يكون جسماً. وما لا يكون جسماً فهو يكون معدوماً.
وابن تيمية كما تراه يرجح القول الثاني بأنه أقرب إلى الفطرة والعقول.
ثم رجع ابن تيمية إلى تأكيد هذا المعنى في [ص1/97] فقال: » بل هذا القول الذي اتفق عليه العقلاء من أهل الإثبات والنفي: اتفقوا على أن الوهم والخيال لا يتصور موجوداً إلا متحيزاً، أو قائماً بمتحيز وهو الجسم وصفاته.
ثم المثبتة قالوا: وهذا حق معلوم أيضاً بالأدلة العقلية والشرعية، بل بالضرورة.
وقالت النفاة: أنه قد يعلم بنوع من دقيق النظر أن هذا باطل.
فالفريقان اتفقوا على أن الوهم والخيال يقبل قول المثبتة الذين ذكرت أنهم يصفونه بالأجزاء والأبعاض وتسميهم المجسمة، فهو يقبل مذهبهم لا نقيضه في الذات « . اهـ.
وهذه العبارة من ابن تيمية تصريح واضح بأن لا يوجد موجود مطلقاً إلا أن يكون جسماً، بل هو يتكلم عن الباري عز وجل فيقول أن الشرع والعقل والضرورة تثبت أن الله يجب أن يكون جسماً. ولا تقبل نفي ذلك.
فابن تيمية يعتقد حقيقة أن الله جسم مجسم، بل لا يوجد موجود ألا أنْ يكون جسماً، ومن ذلك الباري عز وجل.
وهو يصرح كما ترى أن لوازم الجسمية التي منها الحيز ثابتة لكل ما ثبت أنه جسم ومن ذلك الباري عنده !!فهذه هي المقدمة وهي المسألة الأولى التي تثبت بشكل عام أن ابن تيمية يعتقد أن كل موجود سواءً كان واجباً أم جائزاً أي خالقاً أو مخلوقاً، فيجب أن يكون جسماً.
وسوف نأتي لتفصيل مذهبه في هذه الصفة وهي مطلق الجسمية فيما يتعلق بالباري وحده زيادة على ذلك فيما يأتي.

ماهر محمد بركات
07-01-2004, 11:52
اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق ناصر الحق بالحق الهادي الى الصراط المستقيم وعلى آله وسلم

الله يفتح عليك يا أخي ويجعل الحق يجري على لسانك

العين
04-02-2004, 13:21
الفصل الثاني
في وسائل المعرفة
كل مذهب من المذاهب، وكل عقيدة من العقائد، تتميز بطريقتها في المعرفة، وتتميز بالأحكام وهي مجموعة التصورات والتصديقات التي تدعي أنها مطابقة للوجود وأحكام الوجود.
ومن المعلوم أن هذه الأحكام يجب أن تكون منبثقة عن طريقة المعرفة ومستمدة من الوسائل المعرفية التي يعترف بها ذلك المذهب.
وهذه الطرق تمثل في الحقيقة الحجج التي يحتج بها أصحاب المذهب أو العقيدة أو الفكر على ما يقولون، ويحتجون بها أيضا على خصومهم فهي عبارة عن الأدلة التي يستدل بها هؤلاء الناس على ما يقولون، ولا يعترفون بشيء ولا بحكم إلا إذا كان مستمدا عن هذه الطرق المعرفية.
وقد اهتم المتكلمون الإسلاميون وخاصة أهل السنة (الأشاعرة والماتريدية) بتنقيح طرق المعرفة وبينوا ذلك في علمين من أجل العلوم الإسلامية الأول هو علم الكلام الذي هو رأس العلوم، والثاني علوم أصول الفقه.
فالعلم الأول يبين الأدلة والحجج التي تنبني عليها عقائد المسلمين. والثاني يبين الأدلة التي تنبني عليها الأحكام العملية في العبادات والمعاملات والشؤون الدنيوية.
وقد بلغ الأشاعرة شأنا عاليا في تحقيق أصول مناهج المعرفة، بينما نحن نرى أن فلاسفة الغرب وعلماءه ما يزالون يتعثرون في تقرير الأدلة والحجج وقد أفردوا للبحث عن ذلك علما خاصا سموه نظرية المعرفة.
وكما أن أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية لهم نظرية في المعرفة خاصة، بها يستعملون حقائق الشريعة والوجود، فهم متميزون بوسائل المعرفة كما هم متميزون بالأحكام التي تنتج عن طريق إتباعهم لهذه الأدلة والمناهج. وللشيعة أيضا طرق في المعرفة يتميزون بها، وللمعتزلة كذلك منهج للمعرفة وأدلة يحتجون بها.
وكذلك للمجسمة طريقة في المعرفة خاصة يتميزون بها كما يتميزون بالأحكام والعقائد والتصورات التي تبين وتظهر حقيقة مذهبهم، وابن تيمية تبعا لكونه ينصر مذهب المجسمة في العقائد، فإنه ينصرهم كذلك في الطريقة التي يستدلون بها على عقائدهم وفي الحقيقة فإننا نعلم أن العلاقة بين المنهج والحكم جدلية تبادلية.
وبما أن مقاصد المجسمة ومطالبهم التي يعتقدون بها تخالف أشد المخالفة عقائد أهل السنة، وتخالف أيضا عقائد سائر فرق الإسلام الأخرى لأنهم جميعا منزهون. فإنه كان لابد أن يخالفوهم أيضا في منهج وطريقة الاستدلال والتعرف على الوجود والشريعة، أي يخالفونهم في الطرق التي يحتجون بها على أنفسهم وعلى غيرهم فالأدلة التي يخضعون لها تخالف إلى حد كبير الأدلة التي يخضع لها غيرهم من الفرق.
وسوف نبين بتوفيق الله في هذا الفصل بعض المسائل والدلائل التي تثبت أن ابن تيمية مخلص لمذهب التجسيم حتى في طرق الاستدلال ومناهج المعرفة.
وحاصل الذي يقول به ابن تيمية في هذا المقام هو أن الطرق الكبرى للمعرفة وإدراك الحقائق هي محصورة في الحواس ويقصد بالحواس الحواس الباطنة والحواس الظاهرة. فالحس الباطن هو ما يجده الإنسان من مشاعر ووجدانيات في نفسه مثل إدراك اللذة والألم وإدراك وجود ذاته، ويضيف ابن تيمية أيضا إدراك وجود الله تعالى، بواسطة ما يطلق عليه اسم الفطرة. وأما الحس الظاهر، فهو الحواس الخمسة المعروفة وهي السمع والبصر واللمس والذوق والشم.
فابن تيمية يصرح بوضوح بأن ما لا يدرك عن طريق الحس الظاهر ولا عن طريق الحس الباطن فهو لا يمكن أن يكون موجودا. ويقول بكل صراحة بأن ما هو موجود فيجب إمكان إدراكه إما بالحس الظاهر وإما بالحس الباطن. فطرق المعرفة محصورة بالحس مطلقا عند ابن تيمية.
وهو يعترف أيضا بالخيال بمعنى التوهم، فالتوهم هو عبارة عن مجمع المحسوسات، أو هو القوة التي يتخيل فيها الإنسان الصور التي يدركها عن طريق الحواس الظاهرة، ويشرع بعد ذلك بتركيب صور أخرى مشتقة من هذه الصور المدركة عن طريق الحواس كما سبق. ويقول إن ما لا يمكن توهمه، فلا يمكن أن يكون موجودا أيضا. ومن الواضح أن هذا الحكم ما هو إلا تحصيل حاصل بعد حصره طرق المعرفة في الحواس، فالخيال تابع للحواس، ولا يزيد عليها إلا بتصرفه بالصور الجزئية المأخوذة من الخارج.
وأما العقل والمعقولات بمعناها المشهور بين العلماء فلا قيمة له عند ابن تيمية إلا من حيث تصرفه بالمواد الحسية، فهو يركب ويفكك الصورة التي تصله عن طريق الحواس، وأما المجردات والكليات فلا يعترف ابن تيمية بقيمتها الحقيقية، إلا في مجال المحسوسات
ولهذا تراه يحاول إبطال كل الأدلة العقلية التي اعتمد عليها العلماء من سائر الفرق في إثبات وجود الله، فلا يوجد دليل عقلي عند ابن تيمية على وجود الله تعالى، بل الدليل عنده هو الفطرة، والفطرة عبارة عن الخلقة التي أوجدها الله، وهي توجب معرفة الله بذاتها إذا لم يصرفها عارض خارجي عن ذلك. ولهذا فإنه يرجع في معظم الأمور العقائدية إلى ما يسميه بالفطرة التي هي كما قلنا عبارة عن أصل الخلقة مع مزيج من التصورات الحسية والخيالية عنده، والفطرة بهذا المعنى هي دليل معتمد عند ابن تيمية.
ويدفعه في تثبيت هذه المقولات الغريبة في كل مراحلها مذهبه وعقائده في أن الله جسم، وأن العالم عبارة عن أجسام وأعراض، فهو قد علم أن المقولات العقلية المجردة تبطل أن يكون الله تعالى كذلك، ولهذا لم يعترف بها، وهو يعلم أن السبب الأول للشرك والتشبيه والتجسيم هو الخيال والوهم والاندفاع وراء الحسيات، أي حصر الوجود في المحسوسات فلذلك اعتبر الحواس الدليل الأول في مثل هذه المباحث ورفض العقل الصحيح وسمى أدلته الحسية والوهمية باسم الفطرة.
وهذا كله سنبينه لك في هذا الفصل باختصار ما أمكننا، وسنورد ذلك كله بعبارات ابن تيمية نفسه، ونشرحها ونوضحها لكي يستطيع القارئ معرفة المعاني الكامنة وراء ألفاظه ومبانيه. يتبع >>>

العين
04-02-2004, 14:10
النص الأول : الله يمكن أن يتخيل ويتوهم ويحس به، بالحس الظاهر والباطن. ولا عمل للعقل إلا التصرف في المدركات الحسية والصور. وقياس الغائب على الشاهد طريقة معتبرة في معرفة الله تعالى.
ينقل ابن تيمية عن الإمام الرازي في الرد على أساس التقديس [1/135] قوله : "أهل التوحيد والتنزيه الذين عزلوا حكم الوهم والخيال في ذات الله تعالى وصفاته". أهـ.
هذا هو كلام الإمام الرازي، وهو يوضح به قاعدة أساسية في علم التوحيد مشى عليها أهل السنة، بل جماهير الطوائف الإسلامية، وحاصل هذه القاعدة، أن الله تعالى لا يمكن أن يدركه الإنسان بوهمه وخياله، وذلك لأنه لا تدركه الحواس كما تدرك المخلوقات.
فمن المعلوم عند العقلاء أن الحس إنما هو انفعال للذات بالعالم الخارجي على نحو معين.
ومعلوم أن الذات الإنسانية محدودة الإحسان. فهي لا تحس بجميع الوجود، بل يوجد بعض المخلوقات، لا يحس بها الإنسان مطلقا.
ومعلوم أن الخيال هو عبارة عن القوة التي يتحكم الإنسان بواسطتها بالصور الحسية المحفوظة في نفسه أي صور الموجودات الخارجية التي تأتيه عن طريق الحواس، فالإنسان بتخيله، وبقوته الوهمية يتصرف في هذه الصورة، فيركب منها غيرها، ويفرق بين أجزائها.
ومعلوم أن الوهم والخيال لا يستطيع التصرف ولا مجال له في العمل إلا في نطاق الحواس والمحسوسات. هذا الكلام لا يخالف فيه عاقل.
ولذلك، وبما أننا لا ندرك ذات الله تعالى بحواسنا، بمعنى أن ذاتنا لا تحس بذات الله مباشرة، فلايوجد أصلا مناسبة بين الخالق والمخلوق حتى يحس المخلوق بالخالق.
والإحساس مطلقا كما تعلم يستلزم الاتصال ، حتى البصر الذي قد يتوهم البعض أنه لا اتصال فيه، فإن العين تتصل بما تبصره بتوسط الأشعة المنعكسة عن المرئي على شبكية العين، ولذلك فأهل الحق إذا قالوا بأننا نرى الله تعالى فإنهم قالوا رؤية لا عن طريق شعاع ولا اتصال ولا انفصال، بل إن الله تعالى يخلق فينا رؤيته مباشرة بفضله وكرمه، ولا يشترط فيها أيضا كون المرئي في جهة من الرائي ولا العكس. وهذه المسالة مشروحة في كتب علم التوحيد.
ولذلك كله، جزم أهل الحق من المسلمين بأننا لا يمكننا الإحساس بالله تعالى كما نجس بسائر الموجودات. ولكننا نتعقل وجوده، بمعنى أننا ندرك ونعلم أنه موجود ومتصف بالصفات الكمالية عن طريق العقل، لا كما يدعي ابن تيمية بأننا نقول بأن الله عبارة عن وجود ذهني، لا وجود له في الخارج، فشتان بين أن نقول : إنني أدرك وجود الله بالعقل، وبين أن نقول الله بذاته موجود في العقل لا في الخارج، فإن العبارة الأولى معناها، إن الله موجود بذاته، ولكننا لا نستطيع أن ندرك وجوده أي نعلم بتحقق هذا الوجود إلا عن طريق العقل. وأما العبارة الثانية فحاصلها نفي وجود الله الخارجي واعتباره مجرد مفهوم من المفاهيم، وهذا كفر وابن تيمية ينسب هذا القول إلى الأشاعرة وغيرهم في كثير من المواضع، وهذا كذب عليهم وعلى غيرهم ولعلنا نوضح ذلك وغيره في محل خاص بتوفيق الله تعالى.
إذن فأهل الحق لما بينوا هذه المعاني الجليلة، قالوا : إننا يجب أن نعزل الوهم والخيال عن مجال الإلهيات، فكل ما خطر ببالك من تصورات وتوهمات، فالله بخلاف ذلك. وكل ما استحضرته بخيالك فلا يجوز أن ننسبه إلى الله تعالى؛ لأن ذلك لا ينسب إلا إلى المخلوقات لأنه منها أخذ.
وهذه قاعدة (1) في علم التوحيد قد نص عليها سائر علماء الأمة المتقدمين منهم والمتأخرين، فقد نص عليها أيضا الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته عندما قال : " لا تدركه الأفهام، ولا تبلغه الأوهام"، أي إن عقلنا وفهمنا لا يمكنه أن يدرك حقيقة ذات الله، بل إنما يدرك حكما ينسبه إلى الله تعالى كأن يقول أنه قادر، وأنه عالم، أما حقيقة الذات وحقيقة القدرة، وحقيقة العلم، فلا يمكن للعقل إدراك ذلك، وكذلك، فالوهم لا يمكن أن يبلغ حقيقة ذات الله، لأنه قاصر عن ذلك فالوهم لا يدرك إلا ما له صورة وكيفية، والله ليس كذلك. وإذ عجز العقل عن إدراك الحقيقة، فالوهم أعجز .
فعبارة الإمام الرازي واضحة بينة، قد شرحناها لك هنا باختصار، فالمجال لا يحتمل أكثر من ذلك.
والآن لنستمع إلى تعليق ابن تيمية على هذه العبارة فقد قال في الرد على الأساس [1/135]: " يقال له: قد تقدم الكلام على هذا اللفظ المجمل غير مرة" اهـ.
كذا قال، فادعى أن هذا اللفظ مجمل، واللفظ المجمل هو غير المُبَيِّن أي اللفظ الذي لا يُفْهَمُ منه معنى واضح، بل يبقى فيه الإنسان متردداً حائراً، ونحن قد بينا أن كلام الإمام الرازي ليس كذلك، بل هو بين واضح كافٍ شافٍ. ولكن هذا هو أسلوب ابن تيمية المعتاد في مناقشته لغيره، فإنه يدعي دائماً بأن الألفاظ التي يستخدمها المخالف هي ألفاظ مجملة غير بينة،
وهذا مجرد ادعاء يدعيه ليستطيع بعد ذلك أن يُخَلْخِلَ معنى كلام الخصم بإيراد الاحتمالات عليه، مع أنه يعرف تماماً بأن اللفظ غير مجمل بل هو واضح ولكن هذا هو أسلوبه الذي ستراه واضحاً جلياً في جميع مسائل هذا الكتاب.
وأنت تعلم أن هذا الأسلوب باطل في نفسه، ويشتمل على تحايل ومكر عجيب.
وعلى كل حال، فتعال الآن لنفهم ما الذي يريده ابن تيمية في هذا المقام. فقد شرع بعد ذلك مباشرة في سرد نصوص من الكتاب والسنة، لإبهار أعين القراء وإيهامهم أنه يتبع دائماً الكتاب والسنة، والحقيقة، أن هذه النصوص لا مدخلية لها مباشرة في موضوعنا هذا، بل هي عامة وتنقلب في دلالتها ومفهومها على ابن تيمية نفسه. ولذلك لن نوردها هنا.
ثم قال ابن تيمية في [1/136]: "ومن المعلوم أن العلم له طرف ومدارك وقوى باطنة وظاهرة في الإنسان".اهـ.
في هذه العبارة وما يتبعها يبين ابن تيمية لنا طرق المعرفة عنده، وهي التي يعتقد أن أيَّ معرفة لا تأتي منها فهي معرفة باطلة .
وهو يحصرها لنا أو على الأصح لأتباعه علَّهم يفهمون! فيقول مدارك العلم قسمان باطنة وظاهرة. وهو يقصد بالباطنة أي غير الظاهرة نحو إدراك الألم واللذة والفرح والغضب وغير ذلك من الحس الباطن، وكالخيال والتوهم لأنه أيضاً باطن، وسوف ترى ذلك مصرحاً به من كلامه في مواضع أخرى. ثم قال مباشرة: "فإنه يحس الأشياء ويشهدها". اهـ.
هذه هي المرحلة الأولى من مراحل المعرفة عنده، فهو الإحساس الظاهر، والشهادة التي تعم الظاهرة والباطنة.
ثم قال: "ثم يتخيلها ويتوهمها" .أهـ.
بعد الإحساس تأتي درجة التوهم والتخيل، ومن المعروف أن التوهم هو أمر باطن، وهو يريد بالتوهم نفس المعنى الذي وضحناه لك سابقاً.
ثم قال: "ويضبطها بعقله" .أهـ.
يريد أن هذه الأشياء التي يحسها بحواسه الظاهرة والباطنة، يتخيلها بوهمه ثم يضبط هذه الخيالات والصور الحسية بعقله. فهذه هي وظيفة العقل عنده، هي عبارة عن ضبط الصور الحسية. لا مدخلية للعقل في سوى ذلك، ثم بعد أن يضبط العقل هذه الخيالات والأوهام، ماذا يفعل.
قال بعد ذلك مباشرة: "ويقيس ما غاب على ما شهد" .أهـ.
إذن قياس الغائب على الشاهد هو وظيفة العقل أيضاً، فهذه هي وظيفة العقل، أنها مجرد التصرف بالمدركات الحسية، لا يجوز للعقل أن يستكنه مجردات وقوانين عامة أعم مما يدركه من الحواس، أو لازمة عنها، إنه لا بُدَّ أن يظل مقيداً بالحواس والأوهام.
ولكن قد سبق القول أن الحواس لا تدرك جميع الموجودات بالفعل، وهذا الأمر يسلمه ابن تيمية، ويقول إن الحواس يمكن أن تدرك جميع الموجودات الواجبة والجائزة، ولكنها لا تدركها الآن، بل باستطاعتها ذلك لاحقاً، وهو ما يخالفهُ فيه أهل الحق، ويقولون ليس كل ما هو موجود تستطيع الحواس إدراكه كما بيناه سابقاً. وما دام ابن تيمية يسلم بعدم إدراك الحواس لجميع الموجودات بالفعل، فكيف يمكن للإنسان إدراك ما لم تدركه حواسه. إنه يجيب على ذلك فيقول إن العقل "يقيس ما غاب على ما شهد"، إن وظيفة العقل هي مجرد القياس التمثيلي أي التشبيه، ما لم يشاهده بما شاهده، ومعلوم أن التشبيه إنما يكون بالمعاني ولا يكون بالأشكال التفصيلية. ولهذا يستنكر ابن تيمية أن يأتي الشرع بذم المشبهة، ويغالط في ذلك مجرد مغالطة، وهو يعلم تماماً أن الشرع ورد بذلك.
واعلم أن قياس الغائب على الشاهد هو أصل أصيل عند ابن تيمية، وقاعدة أكيدة لا يستطيع أن يستغني عنها الإنسان لا في مجال المخلوقات ولا في مجال الخالق. ومذهبه في العقائد وهو مذهب التجسيم قائم على هذه القاعدة. ولذلك فإنه يستخدمها في العديد من المواضع، فيقول مثلاً: إننا لم نر في الوجود إلا جسماً أو قائماً بالجسم، أي الأجسام والأعراض، ولذلك يقوم بعد هذا، فيجب أن يكون الله إما جسماً أو عرضاً، ولكن يستحيل أن يكون عرضاً، لأن العرض محتاج في قيامه ووجوده إلى الأجسام، إذن يجب أن يكون الله جسماً، ولا يمنع أن يحتاج الله إلى بعض الأعراض بمعنى أن تكتمل ذاته جل وعز ببعض الأعراض الحادثة، وذلك كسائر الأجسام التي تستمد كمالاتها على التدريج بالحركة وهي عرض، فلذلك يقوم بأن الله يتصف بالحوادث ، وهي أعراض، كما سوف يتضح لك ذلك في أبواب كتابنا هذا.
وهذا القول من ابن تيمية هو تطبيق مباشر وصريح لقانون قياس الغائب على الشاهد، وحاصله أننا شهدنا الموجودات، وأدركنا الأجسام والأعراض، بحواسنا، ولم ندرك شيئاً آخر غير الأجسام والأعراض. فلزم من ذلك أن كل ما هو موجود، فيجب أن يكون جسماً أو عرضاً قائماً بجسم، وبما أن الله موجود، إذن فيجب أن يكون جسماً، لاستحالة كونه عرضاً، وهو بمذهبه هذا وبطريقته في التفكير لا يمكنه أن يأتي بدليل على استحالة كون الله عرضاً من الأعراض، ولا يمكنه إفحام النصارى وغيرهم.
ثم إنه أكمل طريقة تفكيره وقال بما أن الأجسام التي رأيناها تتصف بالأعراض، وبما أننا لم نر جسماً لا يتصف بالأعراض، إذن يستحيل أن يوجد جسم لا يتصف بالأعراض، وبما أن الله جسم كما سبق، إذن يجب أن يتصف بالأعراض. ولو لم يتصف بالأعراض لكان معدوماً. والأعراض هنا هي الصفات الحادثة كما وضحناه في هذا الكتاب في فصل خاص.
ثم أكمل طريقته وطردها وقال : بما أن الأجسام التي رأيناها تستكمل ذاتها، وتستحصل على كمال وجودها بالأعراض والحوادث القائمة بذاتها، ولم نر جسماً غير ذلك، إذن فيجب أن يكون الله حاصلاً على جميع كمالاته بحلول الأعراض الحادثة وهي التي يسميها الصفات الحادثة أو الأفعال الحادثة في ذاته. وهكذا.
هذا هو حقيقة مذهب وطريقة ابن تيمية في التفكير كما ستراها واضحة مفصلة في أبواب هذا الكتاب. وهي طريقة باطلة، ولا تختلف بالمرة عن طريقة المذهب الحسي والتجريبي في المعرفة، أي لا تختلف عن أولئك الذين حصروا المعرفة بالمجربات والمحسوسات.
ومن المعلوم أن أهل الحق يقولون إن المجربات هي بعض المعارف، ولا يحصرون المعارف والعلوم في المحسوسات والمجربات.
وسوف ترى أن هذه الطريقة في التفكير هي أصل مذهب ابن تيمية في قوله بالحد والجهة والجسمية والحيز وغير ذلك من منكرات وشنائع في حق الله تعالى. فقياس الغائب على الشاهد، ذلك المذهب الذي رفضه أساطين علماء الإسلام، يقبله ابن تيمية ويقول به.
ولا يجوز أن يقول قائل بأن ابن تيمية وإن قاس الغائب على الشاهد، أي قاس الله على مخلوقاته، فنسب صفات المخلوق إلى الخالق، لا يلزم عليه التشبيه لأنه يجزم بأن كيفية ذات الله هي غير كيفية ذوات المخلوقات. لأننا نقول: هذا الاعتراض باطل، فإن التشبيه إنما يكون تشبيه معنى بمعنى، وقد يكون تشبيه صورة بصورة إذا جردت حقيقة الصورة إلى معنى.
ولا يتوقف وجود التشبيه على كون كيفية المشبه به مثل كيفية المشبه بل يتحقق التشبيه بمجرد القياس بالاعتماد على المعاني والحقائق. ونحن قد أشرنا سابقاً بأن الكيفية لا تندرج في الحقيقة بل هي من أعراض الحقيقة لا من ذاتياتها.
وبعد هذا التوضيح، تعال نكمل قراءة كلام ابن تيمية فقد قال: "والذي يناله الإنسان بهذه الأساليب قد يكون علماً وقد يكون ظناً لا يعلمه، وما يقوله ويعتقده ويحسه ويتخيله قد يكون حقاً وقد يكون باطلاً. فالله سبحانه وتعالى لم يفرق بين إدراك وإدراك، ولا بين سبب وسبب، ولا بين القوى الباطنة والظاهرة. فَجَعْلُ بَعْضِ ذلك مقبولاً وبعضه مردوداً، بل جعل المردود هو قول غير الحق والقول بلا علم مطلقاً". اهـ.
يريد بهذا القول أن يبين، أن الإمام الرازي إذا كان يقدح في صلوحية الحواس لإدراك الله جل وعز، فإن قدحه في ذلك هو قدح في صلوحيتها للعلم مطلقاً بل هو قدح في العقل أيضاً. يبين إرادته لذلك المعنى قوله بعدما مضى مباشرة.
"فلو كان بعض أجناس الإدراك وطرقه باطلاً مطلقاً في حق الله تعالى أو كان حكمه غير مقبول، كان ردّ ذلك مطلقاً واجباً، والمنع من قبوله مطلقاً متعيناً إن لم يعلم بجهة أخرى".اهـ.
يريد بذلك كما هو ظاهر، أنه لو قلنا إننا لا نستطيع إدراك الله بالحواس لا الظاهرة ولا الباطنة، أو قلنا لا نستطيع أن نتخيل ذات الله ونتوهمها، فإننا بذلك نكون قد أبطلنا حكم الحواس على ذات الله. وإذا أبطلنا حكم حاسة مطلقاً أو حكمها في جهة معينة، يلزمنا إبطال حكم جميع الحواس في جميع الموارد والجهات، ولهذا قال "كان رد ذلك مطلقاً واجباً". كذلك قال.
وقوله هذا ليس بصحيح، لأن الحس إذا كان مقيداً بأصل الوجود في إدراكه، فقلنا لذلك لا محل لتصرف الحواس بما لا يدركه، فإن ذلك لا يستلزم مطلقاً نفي اعتبار الحواس في مواردها مطلقاً. وهذا بَيِّن . فإنَّ نَفْيَنا لحكم الحاسة في حق الله كان معللاً بسبب وهو أن الحاسة لا تدرك ذلك، فإن حَكَمَ الوهْمُ بحكم في حق الله فإننا لا نعتبر حكمه صحيحاً، لابتنائه على الحواس التي لا تدرك أصلاً ذات الله، فإذا لم يعتبر حكم الأصل، لم يعتبر حكم الفرع مطلقاً. وهذا قول صحيح كما ترى. ويترتب على ذلك أن حكم الحواس صحيح في ما تدركه(2) وبالتالي فإن استلزام ابن تيمية لنفي اعتبارنا لحكمها مطلقاً باطل، فإنه يوجد فرق عظيم بين نفي الشيء بشرط وبين إثباته لا بشرط.
على كل حال، فحاصل الذي يريده ابن تيمية من جميع هذا الكلام، إنما هو إثبات أن الله يمكن الإحساس به، وأنه يستحيل وجوده إلا على حقيقة ما نحس به من غيره من الموجودات، ويستحيل أن يخالفها من جميع الجهات. ولذلك قال بعد ما مضى بسطور.
"فلو كان في الإحساس الباطن والظاهر ما يُرَدُّ حكمه مطلقاً حتى يوافقه إحساس آخر لكان ذلك أيضاً مردوداً، ويبين ذلك كما بين نظيره، فإن الحاجة إلى ذلك في أصل الإيمان أعظم من الحاجة إلى ما هو دون ذلك بدرجات كثيرة". اهـ.
فابن تيمية يعرف تماماً إذن أهمية الكلام في أصول وأسباب العلوم، بل يعتبره أصلاً عظيماً يتفرع عنه كثير من الفروع، وهو الأمر الذي لم يدركه أتباعه لغاية هذا الزمان. وابن تيمية قد استفاد ذلك من خصومه، فهو قد استفاد من مثل الإمام الرازي وأبي المعين النسفي والجويني والغزالي والأشعري والباقلاني وغيرهم من أئمة الإسلام. وإلا، فمن أين للمجسمة الكلام في مثل هذه المعارف؟!
ثم قال بعد ذلك [1/137]: "والذي دل عليه الكتاب أن طرق الحس والخيال والعقل وغير ذلك متى لم يكن عالماً بموجبها لم يكن له أن يقول على الله، وليس له أن يقول عليه إلا الحق، وليس له أن يقفو ما ليس له به علم لا في حق الله ولا في حق غيره. فأما تخصيص الإحساس الباطن بمنعه عن تصور الأمور الإلهية بحسه فهو خلاف ما دلَّ عليه القرآن من تسوية هذا بسائر أنواع الإحساس في المنع، وأن القول بموجبها جميعاً إذا كان باطلاً، حرم في حق الله تعالى وحق عباده، وإن كان حقاً لم ينهه عنه في شيء من ذلك:
يؤكد ذلك، أن حكم الوهم والخيال غالب على الآدميين في الأمور الإلهية، بل وغيرها، فلو كان ذلك كله باطلاً لكان نفي ذلك من أعظم الواجبات في الشريعة، ولكان أدنى الأحوال أن يقول الشارع من جنس ما يقوله بعض النفاه: ما تخيلته فالله بخلافه لا سيما مع ما ذكره لهم من الصفات". اهـ.
يريد بذلك كله، أن الخيال والحس والتوهم، هي أمور معتبرة في الأمور الإلهية، أي في تصور ذات الله تعالى، ويستدل على ذلك بأن غالب الناس على زعمه يتخيلون الله ويتوهمونه وهذا زعم باطل، فالحقيقة أن أغلب الناس يفرون فراراً من تشبيه الله تعالى بمخلوقاته أو تصويره بصورة من الصور، ولذلك فإن كبار فلاسفة النصارى واليهود يذمون التشبيه والتمثيل. وحتى عوام المسلمين فإنهم يرفضون رفضاً تاماً تشبيه الله تعالى بشيء من ذلك.
ومع ذلك فقد وردت الأحاديث والآيات الصريحة في نفي التشبيه والتمثيل واطردت عند الناس القاعدة الكبيرة التي تقول: كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك. وهي القاعدة التي أشار ابن تيمية في كلامه السابق إلى نفيها. وهو ينفيها لأن مذهبه قائم على تصوير الله تعالى وتشبيهه بالصور الحسية، وقائم على تخيله وتوهمه كما عرفت ذلك.
إذن فالحاصل بعد قراءة وشرح هذا النص الطويل أن ابن تيمية يقول بأن الله محسوس متخيل ومتوهم، أي يُمكن الإحساس به بالحس الظاهر والباطن.
وما كان قصدنا بهذا النص إلا توضيح قسم صالح من مذهب ابن تيمية في نظرية المعرفة. وسنكمل بناء ذلك على التوالي بإيراد النصوص المتتابعة من كلامه.
ملاحظة : انظر كيف يقول ابن تيمية بحصر طرق المعرفة في الحواس والعقل بمفهومة، ثم يقول إن بعض ما يدرك بذلك باطل وبعضه حق، أي بعضه علم وبعضه جهل، فكيف يمكنه تمييز العلم عن الجهل من ذلك، هل هو بنفس الحواس والعقل فيدور، أو بغير فيقدح في أصل الحصر. وسوف يأتي زيادة بيان لهذه الملاحظة كما في الأبحاث التالية.
---------------
(1) وقد شرحت هذه القاعدة وبينت أقوال المتقدمين ونصوصهم عليها في كتاب "شرح العقيدة الطحاوية".
(2 لاحظ أن قولنا "حكم الحواس" مجرد تجوز ومسايرة لكلام ابن تيمية، وإلا فإن الحواس لا حكم لها لأن الحكم إنما هو نسبة أمر لأمر أو نفيه عنه، والحواس لا تعطينا إلا صوراً ولا علاقة لها بالنفي والإثبات، فإن مصدر ذلك إنما هو العقل. فتنبه.

يتبع>>>

أنفال سعد سليمان
28-05-2009, 13:46
الكتاب الكاشف الصغير موجود الآن في أروقة مكتبة الأصلين على هذا (http://www.aslein.org/home/play.php?catsmktba=5663) الرابط .

محمد فيصل الجيماز
28-05-2009, 14:41
بارك الله بكم و نفع الله بهذا الكتاب القيم الذي يجعل كل من أراد أن يقف على حقيقة عقيدة ابن تيمية فينكشف له خبايا ذلك فعليه بالكاشف الصغير و نحن بإنتظار الكاشف الكبير الموسع بالرد بالأدلة و البراهين .

أنفال سعد سليمان
28-05-2009, 15:22
أخي الفاضل ..

الكاشف الكبير قد صدر منه القسم الأول منذ مدة و هو بعنوان (نقض الرسالة التدمرية) و تجده إن شاء الله في دار الضياء في حولي ، الكويت ..