المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عقيدة--العز بن عبد السلام



جمال حسني الشرباتي
10-12-2004, 05:29
الملحة في اعتقاد أهل الحق

لسلطان العلماء العز بن عبد السلام
====================================
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي العزة والجلال والقدرة والكمال والإنعام والإفضال الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ليس بجسم مصوَر ولا جوهر محدود ولا مقدَر ولا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرضون ولا السماوات، كان قبل أن كوَن المكان ودبّر الزمان وهو الآن على ما عليه كان، خلق الخلق وأعمالهم وقدّر أرزاقهم وآجالهم فكل نعمة منه فهي فضل وكل نقمة منه فهي عدل، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قاله بالمعنى الذي أراده استواء منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، فتعالى الله الكبير المتعال عما يقوله أهل الغي والضلال، بل لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته، أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً، مطلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر، حيّ مريد سميع بصير عليم قدير متكلم بكلام قديم أزلي ليس بحرف ولا صوت، ولا يتصوّر في كلامه أن ينقلب مداداً في الألواح والأوراق شكلاً ترمقه العيون والأحداق كما زعم أهل الحشو والنفاق، بل الكتابة من أفعال العباد ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة ويجب احترامها لدلالتها على كلامه كما يجب احترام أسمائه لدلالتها على ذاته، وحُقّ لما دلّ عليه أن يعتقد عظمته وترعى حرمته ولذلك يجب احترام الكعبة والأنبياء والعبّـاد والعلماء الصلحاء

أمرّ على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا

ولمثل ذلك نقبل الحجر الأسود ويحرم على المحدث مس المصحف, أسطره وحواشيه التي لا كتابة فيها, وجلده وخريطته التي هو فيها, فويل لمن زعم أن كلام الله القديم شيء من ألفاظ العباد أو رسم من أشكال المداد.

واعتقاد الأشعري رحمه الله يشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون التي سمى بها نفسه في كتابه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسماؤه مندرجة في أربع كلمات, هن الباقيات الصالحات:

الكلمة الأولى قول سبحان الله, ومعناها في كلام العرب التنزيه والسلب وهي مشتملة على سلب العيب والنقص عن ذات الله وصفاته, فما كان من أسمائه سلبا فهو مندرج تحت هذه الكلمة كالقدوس وهو الطاهر من كل عيب, والسلام وهو الذي سلم من كل آفة.

الكلمة الثانية قول الحمد لله, وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته, فما كان من أسمائه متضمنا للإثبات كالعليم والقدير والسميع والبصير فهو مندرج تحت الكلمة الثانية, فقد نفينا بقولنا سبحان الله كل عيب عقلناه وكل نقص فهمناه وأثبتنا بالحمد لله كل كمال عرفناه وكل جلال أدركناه, ووراء ما نفيناه وأثبتناه شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه, فنحققه من جهة الإجمال بقولنا الله أكبر وهي الكلمة الثالثة بمعنى أنه أجل مما نفيناه وأثبتناه وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك, فما كان من أسمائه متضمنا لمدح فوق ما عرفناه وأدركناه كالأعلى والمتعالي فهو مندرج تحت قولنا الله أكبر، فمن هذا شأنه لا يكون في الوجود من يشاكله أو يناظره, فحققنا ذلك بقولنا لا إله إلا الله وهي الكلمة الرابعة فإن الألوهية ترجع إلى استحقاق العبودية, ولا يستحق العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه، فما كان من أسمائه متضمنا للجميع على الإجمال كالواحد والأحد وذي الجلال والإكرام فهو مندرج تحت قولنا لا إله إلا الله، وإنما استحق العبودية لما وجب له من أوصاف الجلال ونعوت الكمال الذي لا يصفه الواصفون ولا يعده العادون

حسنك لا تنقضي عجائبه كالبحر حدث عنه بلا حرج

فسبحان من عظم شأنه وعز سلطانه يسأله من في السموات والأرض لافتقارهم إليه, وكل يوم هو في شأن لاقتداره عليه, له الخلق والأمر والسلطان والقهر, فالخلائق مقهورون في قبضته، والسموات مطويات بيمينه، يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون، فسبحان الأزلي الذات والصفات, ومحيي الأموات وجامع الرفات, العالم بما كان وما هو آت.

ولو أدرجت الباقيات الصالحات في كلمة منها على سبيل الإجمال, وهي الحمد لله لاندرجت فيها كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لو شئت أن أوقر بعيراً من قولك الحمد لله لفعلت، إن الحمد هو الثناء والثناء يكون بإثبات الكمال تارة وبسلب النقص أخرى وتارة بالاعتراف بالعجز عن درك الإدراك وتارة بإثبات التفرد بالكمال, والتفرد بالكمال من أعلى مراتب المدح والكمال, فقد اشتملت هذه الكلمة على ما ذكرناه في الباقيات الصالحات لأن الألف واللام فيها لاستغراق جنس المدح والحمد مما علمناه وجهلناه, ولا خروج للمدح عن شيء مما ذكرناه، ولا يستحق الإلهية إلا من اتصف بجميع ما قررناه, ولا يخرج عن هذا الاعتقاد ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد من أهل الملل إلا من خذله الله فاتبع هواه وعصى مولاه, أولئك قوم قد غمرهم ذل الحجاب وطردوا عن الباب وبعدوا عن ذلك الجناب وحق لمن حجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته أن يحجب في الآخرة عن إكرامه ورؤيته

ارض لمن غاب عنك غيبته فذاك ذنب عقابه فيه

فهذا إجمال من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى واعتقاد السلف وأهل الطريقة والحقيقة نسبته إلى التفصيل الواضح كنسبة القطرة إلى البحر الطافح :

يعرفه الباحث من جنسه وسائر الناس له منكر

وقيل: لقد ظهرت فلا تخفى على أحد إلا على أكمه لا يعرف القمرا

والحشوية المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ضربان أحدهما لا يتحاشى من إظهار الحشو ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون) (المجادلة 18), والآخر يتستر بمذهب السلف لسحت يأكله أو حطام يأخذه

أظهروا للناس نسكا وعلى المنقوش داروا

(يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) (النساء 91 ), ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه, وكذلك جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف ,فهم كما قال القائل :

وكل يدعون وصال ليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا

وكيف يدعى على السلف انهم يعتقدون التجسيم والتشبيه أو يسكتون عند ظهور البدع ويخالفون قوله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) (البقرة 42) وقوله جل قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) (آل عمران 187), وقوله تعالى ذكره (لتبين للناس ما نزل إليهم) (النحل 4) والعلماء ورثة الأنبياء فيجب عليهم من البيان ما وجب على الأنبياء.

وقال تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (آل عمران 104), ومن أنكر المنكرات التجسيم والتشبيه، ومن أفضل المعروف التوحيد والتنزيه.

وإنما سكت السلف قبل ظهور البدع, فورب السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع, لقد تشمر السلف للبدع لما ظهرت فقمعوها أتم القمع وردعوا أهلها أشد الردع فردوا على القدرية والجهمية والجبرية وغيرهم من أهل البدع, فجاهدوا في الله حق جهاده.

والجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان, وضرب بالسيف والسنان, فليت شعري فما الفرق بين مجادلة الحشوية وغيرهم من أهل البدع! ولولا خبث في الضمائر وسوء اعتقاد في السرائر: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) (النساء 108), وإذا سئل أحدهم عن مسألة من مسائل الحشو أمر بالسكوت عن ذلك, وإذا سئل عن غير الحشو من البدع أجاب فيه بالحق, ولولا ما انطوى عليه باطنه من التجسيم والتشبيه لأجاب في مسائل الحشو بالتوحيد والتنزيه, ولم تزل هذه الطائفة المبتدعة قد ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا: (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين) (المائدة 64), لا تلوح لهم فرصة إلا طاروا إليها، ولا فتنة إلا أكبوا عليها. وأحمد بن حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف برءآء إلى الله مما نسبوه إليهم واختلقوه عليهم وكيف يظن بأحمد بن حنبل وغيره من العلماء أن يعتقدوا أن وصف الله القديم بذاته هو عين لفظ اللافظين ومداد الكاتبين مع أن وصف الله قديم وهذه الألفاظ والأشكال حادثة بضرورة العقل وصريح النقل, وقد أخبر الله تعالى عن حدوثها في ثلاثة مواضع من كتابه:

الموضع الأول قوله تعالى (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدَث) (الأنبياء 2) جعل الآتي محدَثاً, فمن زعم أنه قديم فقد رد على الله سبحانه وتعالى, وإنما هذا المحدَث دليل على القديم, كما أنا إذا كتبنا اسم الله عز وجل في ورقة لم يكن الرب القديم حالاً في تلك الورقة, فكذلك الوصف القديم إذا كتب في شيء لم يحل الوصف المكتوب حيث حلت الكتابة.

الموضع الثاني قوله تعالى (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم) (الحاقة 38-40), وقول الرسول صفة للرسول, ووصف الحادِث حادِث يدل على الكلام القديم, فمن زعم أن قول الرسول قديم فقد رد على رب العالمين. ولم يقتصر سبحانه وتعالى على الإخبار بذلك حتى أقسم على ذلك بأتم الأقسام, فقال تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون) أي تشاهدون, (وما لا تبصرون) أي ما لا ترونه, فاندرج قي هذا القسم ذاته وصفاته, وغير ذلك من مخلوقاته.

الموضع الثالث قولـه جل قوله (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس, إنه لقول رسول كريم) (التكوير 15-20).

والعجب ممن يقول القرآن مركب من حرف وصوت ثم يزعم أنه في المصحف وليس في المصحف إلا حرف مجرد لا صوت معه إذ ليس فيه حرف متكون من صوت, فإن الحرف اللفظي ليس هو الشكل الكتابي ولذلك يدرك الحرف اللفظي بالآذان ولا يشاهد بالعيان, ويشاهد الشكل الكتابي بالعيان ولا يسمع بالآذان, ومن توقف في ذلك فلا يعد من العقلاء فضلا عن العلماء, فلا أكثر الله في المسلمين من أهل البدع والأهواء والإضلال والإغواء.

ومن قال بأن الوصف القديم حال في المصحف لزمه إذا احترق المصحف أن يقول إن وصف الله القديم احترق سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيراً, ومن شأن القديم أن لا يلحقه تغير ولا عدم, فإن ذلك مناف للقدم.

فإن زعموا أن القرآن مكتوب في المصحف غير حال فيه كما يقوله الأشعري, فلم يلعنون الأشعري رحمه الله؟ وإن قالوا بخلاف ذلك فانظر: (كيف يفترون على الله الكذب, وكفى به إثماً مبيناً) (النساء 50), (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) (الزمر 60).

وأما قوله سبحانه وتعالى (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) (الواقعة 77-78), فلا خلاف بين أئمة العربية أنه لا بد من كلمة محذوفة يتعلق بها قوله: (في كتاب مكنون), ويجب القطع بأن ذلك المحذوف تقديره مكتوب (في كتاب مكنون) لما ذكرناه, وما دل عليه العقل الشاهد بالوحدانية وبصحة الرسالة, وهو مناط التكليف بإجماع المسلمين, وإنما لم يستدل بالعقل على القدم وكفى به شاهداً لأنهم لا يسمعون شهادته مع أن الشرع قد عدل العقل وقبل شهادته واستدل به في مواضع من كتابه كالاستدلال بالإنشاء على الإعادة, وكقوله تعالى (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)

(الأنبياء 22), وقولـه تعالى (وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) (المؤمنون 91), وقوله (أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء) (الأعراف 185).

فيا خيبة من رد شاهداً قبله الله, وأسقط دليلاً نصبه الله، فهم يرجعون إلى المنقول فلذلك استدللنا بالمنقول وتركنا المعقول كميناً إن احتجنا إليه أبرزناه, وإن لم نحتج إليه أخرناه. وقد قال تعالى: (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون) (الصافات 39) فإذا أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بأنا نجزى على قراءة القرآن, دل على أنه من أعمالنا, وليست أعمالنا بقديمة, وإنما أتي القوم من قبل جهلهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وسخافة العقل وبلادة الذهن فإن لفظ القرآن يطلق في الشرع واللسان على الوصف القديم, ويطلق على القراءة الحادثة, قال الله تعالى: (إن علينا جمعه وقرءآنه) (القيامة 17)، أراد بقرءآنه: قراءته , إذ ليس للقرآن قرآن آخر, (فإذا قرأناه فاتبع قرءآنه) أي قراءته. فالقراءة غير المقروء, والقراءة حادثة والمقروء قديم, كما أنا إذا ذكرنا الله عز وجل كان الذكر حادثاً والمذكور قديماً, فهذه نبذة من مذهب الأشعري رحمه الله.

إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام

والكلام في مثل هذا يطول, ولولا ما وجب على العلماء من إعزاز الدين وإخمال المبتدعين، وما طولت به الحشوية ألسنتهم في هذا الزمان من الطعن في أعراض الموحدين والإزراء على كلام المنزهين, لما أطلت النفس في مثل هذا مع اتضاحه, ولكن قد أمرنا الله بالجهاد في نصرة دينه، إلا أن سلاح العالم علمه ولسانه كما أن سلاح الملك سيفه وسنانه, فكما لا يجوز للملوك إغماد أسلحتهم عن الملحدين والمشركين, لا يجوز للعلماء إغماد ألسنتهم عن الزائغين والمبتدعين, فمن ناضل عن الله وأظهر دين الله كان جديراً أن يحرسه الله بعينه التي لا تنام ويعزه بعزه الذي لا يضام ويحوطه بركنه الذي لا يرام ويحفظه من جميع الأنام (ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض) (محمد 4), وما زال المنزهون والموحدون يفتون بذلك على رؤوس الأشهاد في المحافل والمشاهد, ويجهرون به في المدارس والمساجد, وبدعة الحشوية كامنة خفية لا يتمكنون من المجاهرة بها بل يدسونها إلى جهلة العوام وقد جهروا بها في هذا الأوان, فنسأل الله تعالى أن يعجل بإخمادها كعادته ويقضي بإذلالها على ما سبق من سنته. وعلى طريقة المنزهين والموحدين درج الخلف والسلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

والعجب أنهم يذمون الأشعري لقوله إن الخبز لا يشبع والماء لا يروي والنار لا تحرق, وهذا كلام أنزل الله معناه في كتابه فإن الشبع والري والإحراق حوادث تفرد الرب بخلقها, فلم يخلق الخبز الشبع ولم يخلق الماء الري ولم تخلق النار الإحراق، وإن كانت أسباباً في ذلك فالخالق تعالى هو المسبب دون السبب, كما قال تعالى (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (الأنفال 17), نفى أن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم خالقاً للرمي وإن كان سبباً فيه, وقد قال تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى, وأنه هو أمات وأحيا) (النجم 43, 44), فاقتطع الإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء عن أسبابها وأضافها إليه، فكذلك اقتطع الأشعري رحمه الله تعالى الشبع والري والإحراق عن أسبابها وأضافها إلى خالقها لقوله تعالى: (الله خالق كل شيء) (الزمر 62), وقوله: (هل من خالق غير الله) (فاطر 3), (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) (يونس 39), (أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علماً أما ذا كنتم تعملون) (النمل 84).

وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم

فسبحان من رضي عن قوم فأدناهم وسخط على آخرين فأقصاهم (لا يُـسأل عما يفعل وهم يُـسألون).

وعلى الجملة, ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتهما وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما وإن عز الحق وظهر الصواب أن يستظل بظلهما وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:

قليل منك ينفعني ولكن قلـيـلك لا يقال له قليل

والمخاطرة بالنفوس مشروعة في إعزاز الدين ولذلك يجوز للبطل من المسلمين أن ينغمس في صفوف المشركين, وكذلك المخاطرة بالأمر بالمعرف والنهي عن المنكر ونصرة قواعد الدين بالحجج والبراهين مشروعة, فمن خشي على نفسه سقط عنه الوجوب وبقي الاستحباب, ومن قال بأن التغرير بالنفوس لا يجوز فقد بعد عن الحق ونأى عن الصواب.

وعلى الجملة, فمن آثر الله على نفسه آثره الله, ومن طلب رضا الله بما يسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس, ومن طلب رضا الناس بما يسخط الله سخط الله وأسخط عليه الناس, وفي رضا الله كفاية عن رضا كل أحد:

فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب

غيره:

في كل شيء إذا ضيعته عوض وليس في الله إن ضيعته عوض

وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إحفظ الله يحفظك, إحفظ الله تجده أمامك)، وقال بعض الأكابر: من أراد أن ينظر منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده.

اللهم فانصر الحق وأظهر الصواب وأبرم لهذه الأمة أمراً رشداً يعز فيه وليك ويذل فيه عدوك ويعمل فيه بطاعتك يُـنهى فيه عن معصيتك.

والحمد لله الذي إليه استنادي وعليه اعتمادي, وهو حسبي ونعم الوكيل, وصلى الله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين, آمين، آمين.

طارق حسن منسى
26-09-2011, 20:27
جزاك الله خيرا