المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة الماعون ]



حسام الدين رامي نقشبند
27-06-2011, 13:34
التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة الماعون ]
قبل أن نخوض في خضم تأويل هذه السورة وتبيان مقاصدها بالعقيدة علينا أن ندرك جانب مهم من كلمة "الدين"
ففي اللغة كلمة الدين لها معاني عديدة وهي تجمع في طياتها العبادة و الخضوع و الامتثال و الانقياد ..
بسم الله الرحمن الرحيم : ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ ) [الزمر : 11] ..
كما أن الدين هو الشرع الحكيم لقوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ......... ) [آل عمران : 19] ...
كما أنه الحساب و الجزاء يوم القيامة ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [13] وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [14] يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ [15] وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ [16] وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [17] ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [18] يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) [الانفطار : 19] ...
و الخلاصة أن الدين هو مجموعة الأوامر الإلهية ، أو لنقل هي وصفة النجاة الوقائية في حالة المثابرة على الحق و الوصفة الدوائية في حالة التقصير ؟؟؟ !! ...
وفي العمل بالوقاية أو العلاج تكون النتيجة أن تدين النفس لباريها وتخضع وتنقاد ...


{ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } [الماعون : 1] ...
وهنا خطاب من الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فحواه :
أي هلا تتبعت يا محمد " صلى الله عليه وآله وسلم" ومن اتبعك ، مصير المكذب بمنهاج النجاة و السلامة من عذاب الله ومعالجته ...
فبإعراضه عن الحق غلبت عليه نرجسيته وزهوه الموهوم بذاته بما تمليه عليه أهوائه ووسوسة الشيطان ...
وبهذا يجني على نفسه ويظلمها فيحجبه الله عنها ، وينسه مصيرها و العياذ بالله ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [الحشر : 19] ...
فالإيمان ينير للإنسان دربه نحو الحق ويجعله واثق الخطى يعبد الله على بصيرة ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [يوسف : 108] ...
فكلمة أرأيت هنا لا تنحسر بصيغة الاستفهام ، وإنما هو البيان الجلي لقوانين الله في خلقه وكشف خفايا الحقيقية لحال نفس المكذب بالدين وما انطوت عليه من الخبث و السوء ...
ثم يبين الله منعكس سلوك هذا المكذب المعرض عن شرع الله ودينه ...




{ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ } [الماعون : 2] ...
وهنا يصف الله سلوك هذا المعرض المكذب ، بأنه يدع اليتيم ، أي يدفع عنه الخير بشدة ؟؟؟ !!! ...
فهو يفعل ذلك لما كسبه قلبه من الظلم و الشدة و القسوة ببعده عن معاني الرحمن التي يتحلى بها المؤمن بإقباله على الله ...
فاليتيم ذلك الإنسان الذي ابتلاه الله بزوال أسباب الرعاية و العناية المادية المتمثلة بالأبوين أو أحدهما ، قبل أن يشتد عوده ، فأصبح من مسؤولية أقاربه أو مجتمعه المحيط ...
وهو اختبار أيضاً للمؤمن صاحب المروءة الذي تدفعه معاني الرحمة و المروءة في قلبه إلى تولي اليتيم بالعطف و العناية و الرعاية ...
إلا أن المكذب بالدين يفتقر لهذه المعاني التي لا يكتسبها إلا المؤمن عادتاً ...
لذلك تجده بإعراضه قاسي القلب خلى قلبه من الرحمة و الرأفة و الرفق ...
وأكبر شاهد هو المجتمعات الكافرة كيف يسيئون معاملة الأيتام و اللقطاء لأنهم مجتمع فاسد فيصنعون منه مجرم حاقد مفسد ، ويدعون إعلامياً أنهم يشفقون عليه ...
ولكن الدليل في واقعهم الاجتماعي من تفشي الجريمة بأنواعها وانعدام الأمان ؟؟؟ !! ..
وهنا تظهر حكمة التكافل الاجتماعي عند المسلمين ...
يقول صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى شيئا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ، رواه الشيخان في الصحيح ...
ويقول صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، وشبك بين أصابعه ) ، رواه الشيخان في الصحيح ...
ويكفي أكبر دليل على هذا الانحلال الاجتماعي و الأخلاقي عند هذه المجتمعات أنهم محرومين من نعمة الأمان بسبب التفاوت و الظلم الطبقي ، وهم يحالون كمن فتر أن يطبقوا شيء من العدالة الاجتماعية الإسلامية دون مسميات ، و التي للإسف بدأت تهمل ؟؟؟ !!! ...
و السبب أننا أدركنا جانب من ما رواه الإمام علي كرم الله وجهه :
يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه و سلم : ( يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه و لا يبقى من القرآن إلا رسمه مساجدهم عامرة و هي خراب من الهدى علماؤهم أشر من تحت أديم السماء من عندهم يمدح الفتنة ) ، رواه البيهقي في "الشعب" ...
يقول الإمام علي كرم الله وجهه : ( الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان فإن ذهب الإيمان فلا أمان ) ...
وكلمة يدع لا تنحسر بمنع الخير عن اليتيم فقط بل بالإساءة المباشرة بالقول و المعاملة و الإساءة لما اكتسبته نفسه من العداوة و البغضاء لأن الإيمان يبني مع العلاقة مع الرب الرحيم إنسانية الإنسان و التراحم مع الغير ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ........ ) [الفتح : 29] ...

{ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } [الماعون : 3] ...
من هذه الآية ندرك أن البعد عن الحق لا يزيد سلبية في العمل الصالح بل يحفز على منع الخير و التحريض على منعه ، أو ما يسمى شح النفس ...
يقول الإمام علي كرم الله وجهه : ( نفسك إن لم تشغلها بالله شغلتك ؟؟؟ !!! ) ...
فالإنسان المكذب للأوامر الإلهية المحروم بإعراضه من حقيقة الإيمان بها ، يصبح عبداً لأهواء نفسه ونزعاتها الشيطانية فتزيد عنده نزعت حب الذات و حب التملق لمفاتن الدنيا ومغرياتها ، و الرغبة بالانغماس بالشهوات ...
فيصبح مناع للخير معتدي أثيم ....
فبنرجسيته أو زهوه بذاته المسكينة ، تنعدم عنده الغيرية والحض على الخير أو الإحساس بالغير ...
فهذا ما لا يحبه الله كما ورد بالأثر : ( الخلق عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ) ...
أنظروا إلى رحمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، جعل برحمته من العبيد سادة فبرحمته وتواضعه ساد القلوب و أسرها بحبه صلى الله عليه وسلم ...
فها هو سيدنا بلال يتحول من عبد منبوذ إلى مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبات يناديه من كان لا يأبه بأكبر سادة قريش بسيدي ؟؟؟!!!! ، وهو الفاروق عملاق الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ...
لقد جعل من أصحابه سواسية كأسنان المشط أكرمهم عند الله أتقاهم ، وكان جد كل تقي ولو كان عبداً حبشي وبرئ من كل شقي ولو كان سيد قرشي ...
فها هو ربيبه الذي كان بالأصل عبده " زيد بن ثابت" رضي الله عنه ، يفضل البقاء مع سيده بعد أن التقى بابيه لأنه وجد من الحنان و العطف و الرحمة عند سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، ما لم يتوقع أن يجد عند أبيه الوالد ...
وها هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يزوجه سيدة من سيدات القوم وهي "زينب بنت جحش" رضي الله عنها ، ليلغي الفوارق الاجتماعية و العادات الطبقية ويبقي الأسبقية الدينية التي هي أمان المرء وسعادته فلم يأمرنا الله إلا بما ينفعنا ويسعدنا ...
ثم يجعل من ابن زيد سيدنا أسامة قائد قوات طليعة الشام ...
صدق أبو طالب حين قال : ( ما أعظم محمدا ) وصدق من قبله الله حين قال :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) [القلم : 4] ...
وها هي "ماريا القبطية " تكون جارية لا يؤبه لها فتصبح أم المؤمنين ، عدالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع بلال العبد الحبشي جعلت الأحباش و الأفارقة يحبون السيد الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ...
فلا غرابة أن يقسم به الله عز وجل ؟؟؟ !!! ، في قوله تعالى :
(َلعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [الحجر : 72] ...
فاللام هنا لام القسم ، وقد أفتى الإمام " أحمد بن حنبل " رحمه الله تعالى ، بجواز الحلف بالمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنه أحد أركان الشهادتين أساس الدين ومفصله ...



{ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ) [الماعون : 4] ...
كلمة الويل هي وعيد بالهلاك و الخسران و الشدة ...
و المصلين جمع مصلي ، وهو هنا من ادع الصلة بالله ولا صلة له إلا بالنار وعذاب الجحيم لأنه يظهر ما لا يبطن ويدعى مالا يفعل ، وهي صفة المنافق ، الذين يظهرون أنهم مصلين وأعمالهم وسلوكهم توحي بغير ذلك أو بعكس ذلك ...
فنفوسهم منقطعة عن الحق موصولة بالشرور وحب الفحش وذميم الخلق ...
وهم منقطعين الصلة التي تعني الإمداد بالخيرات من الله ...
فالإنسان أياً كانت صفته مستمد من الله المدد ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً [18] وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً [19] كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً ) [الإسراء : 20] ...






{ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ }[الماعون : 5] ...
و السهو هنا نوعان سهو عن الصلاة بسبب انشغال وتعلق النفس بالدنيا مما يبطل الصلة مع الباري وينتهي الأمر بإنكار اللقاء مع الله وإنكار الوعيد ...
والسهو وهو الغفلة و الحرمان عن ما أعد للمؤمن من نعيم مقيم وسعادة ولذة إيمانية ...
ومبعث السهو تشتت شعاع النفس ووجهتها بكثرة التعلقات الدنيوية وهو ما يعرف بمفهوم الدين بالذنب ...
و الحق يقال نحن في زمان الشتات وكثرة الفتن القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر ، فلا حول و لا قوة إلا بالله ...
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً و يمسي كافراً ، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل ، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر ) ، رواه أحمد في "مسنده" ، باسناد حسن ...
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ) ، رواه الترمذي في "سننه" ...



{ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ } [الماعون : 6] ...
و يراءون أي يتظاهرون بالصلاح و أفئدتهم هواء لم إلا بخبث الهوى وران الشهوات والذنوب و الآثام ...
يراءون الناس ليبقوا على مصالحهم الدنيوية و مكانتهم ، وهم كما أسلفنا هم المنافقون الذين يصلون و يصومون متوهمين و موهمين أنهم الناجين من العذاب بقربهم من النبي ...
فها هو " أبي بن خلف " شيخ المنافقين يأخذ من رسول الله وعد بأن يكفن بعباءته صلى الله عليه وسلم ...
فيبر سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وعده فيسأل سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك فيقول وما نفعته العباءة ؟ !! ...
أو كما قال صلى الله عليه وسلم ...
وها هو تارة يلتمس للمنافقين العذر و الخير في مسجد الضرار ويمنع المؤمنين أن يسيئوا لهم عله ستميل قلوبهم للحق بعد أن بنوا لهم مسجد الضرار ...
فينجح بذلك ويدفع المنافقين على حرق المسجد بأيديهم ؟؟؟ !!! ...

سأل أحد الصحابة الكرام من جلساء رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أين مالك بن الدخيشن ؟ فقال بعضهم : ذلك منافق لا يحب الله ورسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقل ذلك ، ألا تراه قد قال لا إله إلا الله ، يريد بذلك وجه الله ) . قال : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله ، يبتغي بذلك وجه الله ) ، رواه الشيخان في الصحيح ...
ومن حيث النتيجة فإن الساهون عن صلاتهم قسمين :
القسم الأول كافر مكذب بيوم الدين ...
و القسم الثاني منافق أقر بالإيمان بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه ولم يستقم على شرع الله البتة ...



{ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } [الماعون : 7 ] ...
الماعون لغة عمل المعروف ومد يد المعونة و المساعدة لذوي الحاجة ...
ومنع الماعون يكون من خلال ما يظهر من الإساءة لمن أحسن إليه ، فإذا أقرض امرؤ آخر مبلغاً من المال إلى حين وحان موعد السداد ، ماطل و سوف وتهرب من السداد ...
فقطع المروءة عند الدائن الذي قد يعزم أن لا يقرض أحد بعد ذلك ، فيكون بذلك منع الماعون ، وكذا إن أوكل امرؤ لأخر مهمة أعطاه ثقة بها لينجزها فخذله ، فعدم الثقة عند الموكل بأحد فمنع بذلك الماعون ...
ونحن من خلال هذه السورة الكريمة يتبن لنا مدى رحمة الله تعالى بعباده بما يتولد في نفوس البشر إذا لم يؤمنوا وكذبوا بالدين ، من قسوة في القلب تجاه اليتيم و المسكين ومن ثم إيذاء للمحسنين وما يجره ذلك من الشقاء و الويل ...
يقول صلى الله عليه وسلم : ( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ) ، رواه الشيخان في الصحيح ...
تم بعون الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ...