المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة الكوثر ]



حسام الدين رامي نقشبند
06-06-2011, 15:12
التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة الكوثر ]

{ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } [الكوثر : 1] ...
يروي البخاري في الصحيح ، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت عن الكوثر أنه نهر عظيم أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة ، شاطئاه الدر المجوف ، وآنيته كعدد النجوم ...
كما يقول ترجمان القرآن "ابن عباس" رضي الله عنهما في رواية البخاري أيضاً : ( الكوثر هو الخير الذي أعطاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ) ..
و الكوثر حقيقة هو الخير الكثير المتوالي المتزايد الفياض الزاخر بالفضل و النعيم ...
فالآية تدل بكلمة الكوثر إلى ذلك الفضل العظيم من الله الذي تفضل به على عبده ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ...
وهو إشارة أيضاً إلى ذلك الخير الكثير الذي أيد به نبيه إذ جعل هداية أكثر البشرية على يديه وجعله رسول للناس كافة بل للعالمين ؟؟؟ !!! ...
وهو إشارة إلى الخير المعادي أي الأخروي الكثير الفياض الذي أعده الله للنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم و أمته يوم القيامة ...
فإن كان عطاء الله لمن يهدي أحد أن يهبه الخير الكثير فكيف بمن كان سبب في هداية مئات الملايين على مر العصور ؟؟؟ !!! ...
يقول صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا علي لأن يهدي الله بك رجل واحداً خير لك من أي يكون لك حمر النعم و في رواية: " خير لك ، مما طلعت عليه الشمس" ) ، رواه الشيخان و ابن حبان في الصحيح ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [فصلت : 33] ...
وقد يسأل سائل ، لما ورد القول من العلي القدير إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الجمع أي " أعطيناك" بدل أعطيتك ...
و الجواب لعدة أسباب أما السبب الأول هو أن جهة العطاء هي الله وهي جهة عليا عظمى فمن باب التعظيم و التفخيم تأتي صيغة الجمع ...
إضافة لأن ذلك شمل صفات الله في هذا العطاء بمعنى :
لقد اقتضت سلطتي و جلال عظمتي وعلمي و حكمتي ، وعدالتي و رحمتي و رأفتي ، أنك عبدي لذاتي ورسولي لعبادي ، واقتضى ذلك إصباغك بخيرات أخلاقي وصفاتي من صدق نبل وصفاء ورحمة ولطف وحرص فبت بذلك تعكس صورتي بكمالي وجلالي وجمالي ؟؟؟ !!! ...
وهنا يتضح تأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله خلق آدم على صورته ) ، رواه الشيخان و ابن حبان في الصحيح ، والإمام أحمد في "مسنده" ...
و الوجه الثالث أن الله توجه لنبيه بعظمته وملائكته متجلياً مصلياً عليه بعظيم الخيرات ؟؟؟ !!! ...
لذلك فإن كثرة ذكر فضائل النبي وكثرة الصلاة عليه تبعث في القلب المحبة لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ،فترتبط به القلوب ويصبها الخير الكثير ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) [الأحزاب : 56] ...
فبتواصل قلوبنا مع قلب سيد المرسلين صلى الله عليه و آله وسلم ، يكنز قلوبنا الخير الكثير ...
يقول صلى الله عليه وآله وسلم : ( من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا . ثم سلوا الله لي الوسيلة . فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله . وأرجو أن أكون أنا هو . فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ، وفي رواية أبو داود " حلت عليه الشفاعة " ) ، رواه مسلم في "صحيحة" ، و أبو داود في "سننه" ...
والوسيلة هي القدر العظيم له صلى الله عليه وسلم ، وهي حقيقة التوسل به صلى الله عليه وسلم ، فنحن نتوسل ونتجوه على الله ، بقدره صلى الله عليه وسلم ، عند الله فتشفع قلوبنا بقلبه صلى الله عليه وسلم ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [التوبة : 103] ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ) [النساء : 64] ...
وهذه الصلة و المغفرة شرطها صدق المحبة و التبعية وحسن التقدير لقدر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وإلا كان حالنا حال المنافقين ؟؟؟ !!! ...

بسم الله الرحمن الرحيم : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) [التوبة : 80] ...
ويجوز التوسل بالخلفاء الراشدين و الخلفاء المهديين ، في حالة إدراك قدرهم ومحبتهم و الإقتداء بهم ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ) [الأنعام : 90] ...
يقول الإمام أبو حامد الغزالي : ( قال أبو تراب النخشبي يوماً لبعض مريديه : لو رأيتَ أبا يزيد [ أبو يزيد البسطامي ] فقال : إني عنه مشغولٌ ، فلمَّا أكثر عليه "أبو تراب" مِن قوله " لو رأيتَ أبا يزيد " هاج وجد المريد ، فقال: ويحك ، ما أصنع بأبي يزيد ؟ ، قد رأيتُ الله فأغناني عن أبي يزيد !! قال أبو تراب : فهاج طبعي ولم أملك نفسي ، فقلتُ : ويلك تغترُّ بالله ، لو رأيتَ أبا يزيد مرةً واحدةً كان أنفعَ لك مِن أن ترى الله سبعين مرَّةً ! ، قال: فبُهتَ الفتى من قوله وأنكره ، فقال: وكيف ذلك ؟!!! ، قال له : ويلك أما ترى الله عندك فيظهر لك على مقدارك ، وترى أبا يزيد عند الله قد ظهر له على مقداره ) ، ورد في ‍ "الإحياء" للغزالي { ج 4/ ص : 305 } ...

وبالعودة إلى سياق الآيات فأما الوجه الأخير لتفخيم العطاء ، فهو تدفق الخير من كل الجهات كتدفق الماء من شلال غزير ؟؟؟ !!! ...




{ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } [الكوثر : 2] ...
و السؤال ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم ، هو أفضل من صلى لله فأي صلاة يأمرها الله بها ؟؟؟ ! ...
و الجواب هي الصلاة بجوهرها الحقيقي المتمثل بحقيقة الخضوع و الخشوع تقديراً وتعظيماً لله ، إنها الصلاة التي تخلص بها القلب لله و الوجهة له سبحانه دون أن يشغلك عنه شاغل ما دمت بين يديه ، فتعرج نفس المؤمن بمعارج القدس فتطهر بنور الله وتزكى وتصفو النفس لله ، تلك هي الصلاة التي يصليها صلى الله عليه وسلم ، و التي يجب أن يصليها كل مؤمن ليذوق حلاوة الإيمان ويتوافد عليه كوثر الخيرات من الله ...
فتصبح النفس كالياقوت في صفائه ويشرق القلب و يبرق كالماس وقد تتلألأ به معاني الحق في كتابه الكريم فتنكشف له من الحقائق و الأسرار ما يرد به كيد الشيطان ووساوسه اللعين ...
فيدرك المصلي جانب من عظمة من يصلي له فتنجذب لباريها وتنقاد إليه سبحانه فلا يلفته عنه شيء ...
فقد كان سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، إذا وقف في صلاته متفرداً استغرق فيها حتى تتورم قدماه قائماً دون أن يشعر ، لشدة حضوره مع ربه سبحانه ..
وكذا الأمر مع الصديق الأكبر و الرفيق الأفخر ، كان إذا تفرد بصلاته غاب فيها كما يغيب فيها الميت عن الدنيا ...
وكانت الصلاة هي قرة عين سيد المرسلين بلقائه مع ربه ...
لذلك قال له خير من عرف سره وحاله وهو الصديق الأكبر في وداعه وهو على المغتسل صلى الله عليه سلم : ( أعلم يا نبي الله أنك لم تمت إلا الموتة الأولى ، لكنك اخترت الرفيق الأعلى فهنيئاً لك ما اخترت ) ...
فالصلاة هي نور المؤمن الذي يتبصر بها جلال الحق ...
يقول صلى الله عليه وسلم : ( الصلاة نور ) ، رواه مسلم وابن حبان في الصحيح ، و الترمذي و النسائي و ابن ماجه في السنن ...
و في رواية : ( الصلاة نور المؤمن ) ، رواه ابن ماجه في "سننه" و أبي يعلي في "مسنده" ...
وبهذه الصلاة الحقيقية ينحر هوى النفس وكيد الشيطان كما تنحر الناقة ...
{ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } [الكوثر : 3] ...
و الشانئ هو المبغض بدافع العداوة المتأصلة بنفسه ...
و الأبتر : هو المنقطع عن الله ...
و المراد بالشانئ الأبتر هنا الشيطان و الشيطان هو لفظ يختص به إبليس أو يعم كل مبعد عن رحمه الله ملعون ومقطوع عنه أورث بعده عن ربه ظلمة البغضاء والعداوة للحق ومن هؤلاء أبو جهل و أبو لهب وغيرهم ممن عاد الحق ورسول الحق صلى الله عليه وآله وسلم ...
فهو أبتر لأنه حرم فضل صحبة و محبة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ...
وقبل أن نختم هذا التأويل الفريد ، سوف نثير نقطة حساسة من خصوصيات سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ..
فقد جرى مخاطبة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بألقاب كثيرة منها :
نبي الله صلى الله عليه وسلم ، و رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبيه المرسل صلى الله عليه وسلم ، وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وأخيراً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ...
وهذا الأخير هو موضوعنا و هي صفة "عبده" التي تقدم على رسوله ؟؟؟؟ !!!! ...
فعبده هو من حقق العبودية وهي فناء المحبة ، فالعبودية هي : ( محق ما في القلوب من سوى المحبوب ) ...
فأكثر الأولياء أدركوا الفناء أو مقام التفريد أو عين الشهود أو وحدة الشهود ...
أم الرسول الأعظم فقد أدرك البقاء أو عين الوحدة أو وحدة الوجود أو سدرة المنتهى ، فاصطبغ بكمال أنوار الله فأضحى خليفته الأعظم إلى يوم الدين وسرى سره في قلوب خلفاءه الراشدين المهديين إلى يوم الدين أيضا ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [11] أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى [12] وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [13] عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ) [النجم : 14] ...
فالنزلة الأخرى هي الفناء المطلق بالله وتحمل التجلي الإلهي الذي عجز عنه الأنبياء ومنهم كليم الله سيدنا موسى عليه الصلاة و السلام ...
وهو الصلاح الذي كان يتمناه كافة الأنبياء من قبل سيد المرسلين ...
يقول صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضو عليها بالنواجذ ) ، متفق عليه ...
لذلك لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ...
تم بعون الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ...