المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة المسد]



حسام الدين رامي نقشبند
19-05-2011, 17:33
التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة المسد]

بسم الله الرحمن الرحيم :

{ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } [المسد : 1] ...
كلمة تبت تعني عجزت وخسرت ومنها كلمة تباب و هي عكس كلمة شباب و تعني العجز و الوهن أو ما يعرف اصطلاحاً بالشيخوخة ...
ويدا هي لفظ مطلق يدل على القدرة على التغيير و التطور والأخذ و العطاء ...... الخ ...
من معاني إطلاق اليد البشرية و لا يقصد بها تقيد هيكلية اليد ككف وأصابع ، كما يظن الكثير ...
ومن هنا جاء تأويل سادتنا الأشاعرة أهل السنة و الجماعة ، على إطلاق لفظ اليد الإلهية بالمعاني على أنها تمثل القدرة الإلهية على الإيجاد و التغيير و القهر و التجديد و الإحاطة و التدبير و الرفع و الخفض المعنوي و المادي و القبض و البسط المعنوي و المادي والسلب و الوهب المعنوي و المادي وغيرها من المعاني الإلهية النفاذة و المسيطرة والفعالة بالكون بالحكمة و العدل كما يشاء سبحانه لأن مشيئته هي الأفضل كقدرة واستحقاق ...
وكما يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : ( ليس بالإمكان أفضل مما كان ) ؟؟؟ !!! ..
بسم الله الرحمن الرحيم : ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) [الأنبياء : 23] ...
و السبب أن أفعال الله هي أفعال الحكم العدل العليم الكامل بكل شيء سبحانه ، وأفعالنا بني البشر كسبية ناقصة ، إلا من اجتباه الله سبحانه وصبغه بكماله وجعله خليفته بالأرض مثل الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي كان يخطئ ليعلمنا ؟؟؟ !!! ...
و الآن نعود إلى سياق الآية فقد قلنا "تبت يدا" أي عجزت و خسرت منحة القدرة و التصريف الذي هو في الحقيقة هبة تأييد من الله العلي لقوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( ِإنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) [الفتح : 10] ...
و أبو لهب على وجه التخصيص هو عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أما على وجه العموم ، فهو كل من ألهبت قلبه الشهوات فحجب عن الله و نال سوء المصير ...
و الشهوات هي سبعة شهوات كما في كتاب الله عز وجل :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء1 وَالْبَنِينَ2 وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ3 وَالْفِضَّةِ4 وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ5 وَالأَنْعَامِ 6 وَالْحَرْثِ 7 ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) [آل عمران : 14] ...
ومحرك شهوات الجسد هو هوى النفس ...
يقول ترجمان القرآن "ابن عباس" رضي الله عنهما : ( الْهَوَى إلَهٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. ثُمَّ تَلاَ: {أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ} ) ...
وَقَالَ "عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ" كرم الله وجهه: ( أَخَافُ عَلَيْكُمْ اثْنَيْنِ: إتباع الْهَوَى وَطُولَ الأمل. فَإِنَّ إتباع الْهَوَى يَصُدُّ عَنْ الْحَقِّ وَطُولَ الأمل يُنْسِي الآخرة ) ...
ويقول الصحابي الجليل " عكرمة بن أبي الحكم " رضي الله عنه : ( {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} يَعْنِي بِالشَّهَوَاتِ {وَتَرَبَّصْتُمْ} يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ {وَارْتَبْتُمْ} يَعْنِي فِي أَمْرِ اللَّهِ {وَغَرَّتْكُمْ الأماني} يَعْنِي بِالتَّسْوِيفِ {حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} يَعْنِي الْمَوْتَ {وَغَرَّكُمْ بِاَللَّهِ الْغَرُورُ} يَعْنِي الشَّيْطَانَ ) ...
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه : ( اقعدوا هَذِهِ النُّفُوسَ عَنْ شَهَوَاتِهَا فَإِنَّهَا طَلاَعَةٌ تَنْزِعُ إلَى شَرِّ غَايَةٍ . إنَّ هَذَا الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَريٌّ ، وَتَرْكُ الْخَطِيئَةِ خَيْرٌ مِنْ مُعَالَجَةِ التَّوْبَةِ وَرُبَّ نَظْرَةٍ زَرَعَتْ شَهْوَةً، وَشَهْوَةِ سَاعَةٍ أَوْرَثَتْ حُزْنًا طَوِيلاً ) ...
ويقول علي كرم الله وجهه : ( طَاعَةُ الشَّهْوَةِ دَاءٌ، وَعِصْيَانُهَا دَوَاءٌ ) ...
فشر إله عبد من دون الله هو هوى النفس الذي يحرك الشهوات التي تلهب الجسد والقلب ...
ونعود الآن إلى الآية ...
فكلمة و تب تفيد الخسران النهائي الغير قابل للرجعة أي المختوم لقوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ) [البقرة : 7] ...
وكيفية هذا الختم يبينه الله تعالى في قوله :
بسم الله الرحمن الرحيم : (لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [6] لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [7] إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ [8] وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ [9] و َسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) [يس : 10] ...
و الآية الأخيرة في الآيات السابقة تبين انقطاع الأمل و الرجاء بهؤلاء الذين ختم على قلوبهم وعلى سمعهم غشاوة فهم لا يبصرون ...
بسم الله الرحمن الرحيم : (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ) [البقرة : 7] ...
وكل ذلك يكون بالنتيجة لمن جعل إله هواه ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) [الجاثية : 23] ...
وإذا قلنا لماذا هذا الختم وانعدام الفرصة فنقول لأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن وجد به سبحانه الخير مع الضعف وانعدام الحيلة و العجز عن تجاوز عقبات الإيمان هنالك يأتي دور الله فيعفر له لما وجد عنده من صدق النية ، بأن يقذف الإيمان في قلب المريد له سبحانه فيسيطر عليه الخير فيعرض بجذبة لذة الإيمان عن زيف الدنيا ...

{ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } [المسد : 2] ...
وما أغنى عنه ، هنا أي لم يجدي له نفعاً ولم يجب عنه سوء ...
وذكر الله المال هنا لأنها لغة التصريف المعاشية في الدنيا و بها تتوفر كافة الشهوات السبعة فبواسطتها تأتي الزوجة أو الزوجات إذا اتبع الشرع و العرف ، أو الزنا كيف يشاء إذا اتبع هوى نفسه ، و بسبب المال وكثرة الأزواج يستطيع بمشيئة الله أن يكثر الولد ؟؟؟ !!! ...
كما أن المال يجلب المال بالتجارة و الصناعة و الحرث .... الخ ...
ويستطيع أن يزيد الأملاك ويجد له موطئ قدم في السلطة و السيادة .... الخ ...
و بالمال يستطيع أن يشتري أكثر السيارات حداثة و رفاهية [ الخيل المسومة ] ...
و الكسب هنا يشير إلى المكانة و السلطة و السيادة و القوة التي تتبع وجود المال ...
ولكن ما نفع ذلك كله للمحروم الذي يحرم من السعادة الأبدية بالعذاب الأبدي بالآخرة ...
ويسلط الله عليه الهم و القلق و الشك بالطامعين و الحاقدين نتيجة إجحافه و ظلمة لنفسه و للغير ، إضافة للمرض الجسدي المهلك ...
وحينها هل يغنيه المال في تأخير الأجل أو ساعة الموت ، هل ينفعه في البرزخ أو يوم الموقف العظيم ...
كان طاغية التتار و المغول "جنكيز خان" يعد من يأتيه بإكسير الحياة بنصف ملكه الذي فاق ملك كافة الحضارات تقريباً ، لكن هذه الأمنية و خوفه من الموت سرع عليه الموت بدل أن يؤخره ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) [البقرة : 96] ...
كما أن المال لم يغنيه عن عذاب الدارين لقوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ ) [الرعد : 34] ...
أي لن يقيه ماله و لا سلطة و لا أنصاره من عذاب جهنم و عذاب الحريق ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) [التوبة : 55] ...
و ما كسب تعني أيضاً أن الكافر بإعراضه عن الحق وميله إلى الدنيا قد فوت فرصته الثمينة في تحقيق السعادة في الدارين عندما يدرك مقام ربه العظيم ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ) [الحاقة : 33] ...
أما من خاف من مقام الرب العظيم وتبع الحق واستزاد من الإيمان فقد حظي بسعادة و جنة الدارين لقوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) [الرحمن : 46] ...

{ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } [المسد : 3] ...
وصلى الشيء أي عانى شدته وقسوته ، و أبو لهب وأمثاله من المعرضين المتلهفين على زخرف الدنيا ومباهجها الكذابة ، سيصلون عذاب ألم النار ولهيبها الوقاد في معاناة الدنيا وندم الآخرة ، و الحسرة على ما فرطوا في حظ أنفسهم وفي جنب الله المحسن المتفضل الرحيم الحليم سبحانه ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) [الزمر : 56] ...
وهذا العذاب مرده ما كسبته قلوبهم من سوء الذنب و المعاصي و الآثام يوم القيامة بعد أن تتحرر مشاعر النفس من قيودها الجسدية المحدودة ، وتقوت حساسيتها بشكل مفرط حين ينكشف لها كل شيء ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [يونس : 27] ...
فعلى الإنسان أن لا يستسلم لمغريات الدنيا و يتبع العاجلة أن يصغي لوساوس الشيطان ذئب ابن آدم وعدوه اللدود ...
بل يثق بحنان هذا الرب الرحيم ، وجم عطفه ، وليعلم أن ما يسوقه لأبن آدم ما هو إلا الخير الصرف ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) [البقرة : 216] ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) [النساء : 19] ...

{ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } [المسد : 4] ...
المرأة هنا هي الزوجة وهي مرآة النفس فالرجل شيخ المرأة ، فإن كان المؤمن رجل بمعنى الرجولة المتمثلة بالهمة العالية و قوة الإيمان وشدة الإقبال وسيادته لأهواء نفسه ، عندها قاد زوجته وأسرته نحو النجاة لأن إعداد المرأة الصالحة فيه صلاح الأسرة ...
يقول صلى الله عليه وآله وسلم : ( استقيموا يستقام بكم ) ، رواه ابن حبان في "صحيحة" ، المنذري في " الترغيب و الترهيب" ، و الدمياطي في " المتجر الرابح" ، و السيوطي في " الجامع الصغير" ، وإسناده حسن ...
أم إن وهن الرجل وركن إلى مغريات الدنيا فالمرأة هي رأس الدنيا ، حينها هي التي تقود الرجل إلى الهاوية ، وتجمع له حطب الهوى و الشهوات ...
كما ورد في آثار السلف : ( دنيا الرجل المرأة ، و دنيا المرأة ذاتها ) ..
يقول صلى الله عليه وسلم : ( إن الدنيا حلوة خضرة . وإن الله مستخلفكم فيها . فينظر كيف تعملون . فاتقوا الدنيا واتقوا النساء . فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) ، رواه مسلم في "صحيح" ، والترمذي في " سننه" ...
وحمالة الحطب أي تصبح المرأة بضعف زوجها حمالة الخطايا و الذنوب لها ولزوجها لتكون وقودهم في نار جهنم و العياذ بالله ...
وجاء تشبيه الخطايا و الذنوب بالحطب لأنه وقود جهنم والنار وطاقتها الكامنة التي تظهر باشتعاله و فنائه تطهر النفس من شرورها إن كان هناك رجعه ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ) [التوبة : 85] ...
أما إن كان مرض النفس معضل فلا رجعة ؟؟؟ !!! ...
لأنه أفضل لمرضه دوام المعالجة و البقاء في العناية المشددة ؟؟؟ !!! ...
وحمالة هي صيغة مبالغة من حمل ، هي إشارة لأنها تحمل الشرور لها ولزوجها ولأولادها أيضاً ليكونوا حطب لجهنم فتزهق أنفسهم حسرة وألماً ...
يقول سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم : ( إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى ، و أنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ) ، رواه السيوطي في " الجامع الصغير" ، بإسناد حسن ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً ) [النبأ : 40] ...
ودليل تفضيله عذاب الحريق أو النار على عذابه النفسي قوله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ) [الأنبياء : 39] ...
فهم لا يكفون عن وجههم وظهورهم النار من شدة عذاب الضمير واستحقاق العذاب ، ولا يجدون حجة ينتصرون بها لأنفسهم و العياذ بالله ...

{ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ } [المسد : 5] ...
و الجيد لغة العنق وهو هنا النفس التي عانقت السوء وجادت بالشرور فربط على قلبها المظلم الفاسد ، بحبل محكم من قيد الشيطان وعدوانيته المقيتة ، وهذا الحبل المحكم القوي مجدول مضفر لم يعد يترك لها خيار إلا المضي بالشر المقيم و العياذ بالله ...
وهو ما يسمى الختم و الطابع بالكفر لذلك يصف سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم قلب الكافر : ( قلب أجرد فيه سراج مزهر ، فذلك قلب المؤمن وقلب أغلق فذلك قلب الكافر ) ، رواه السفاريني الحنبلي في " شرح ثلاثيات المسند" ، و ابن القيم في " إغاثة اللهفان " ، وإسناده صحيح ...
والحبل أيضاً هو أداة الجذب عند الشيطان بتزين شهوات الدنيا ...
وفي النهاية فهذه السورة كما بينا ليست محصورة بأبي لهب وزوجته ، فقد أصبحا أثر بعد عين ؟؟؟ !!! ...
لكنهما أصبحا عبرة لمن لم يعتبر ، ولكل من مر بهذه الحياة دونما أن يكتسب خير الآخرة ولكل من جمع من المال و الأعمال ما يشعل في نفسه ناراً معنوية تجره بالنهاية إلى عذاب الحريق ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) [البروج : 10] ...
فعذاب جهنم هو ذلك العذاب الذاتي المعنوي أو النفسي الغير محتمل أما عذاب الحريق هو ذلك العذاب المحرق في الجحيم المستعر ...
وفي النهاية ها هو سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ، يخبرنا أن من تكون وجهته الله بالكلية دون لافت أو شاغل يشغله عنه سبحانه ، فإنه يزهد الدنيا وزخارفها بالكامل ولا يلفته إليها شيء ، ويخبرنا سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، بالأثر الذي حفظ في صدور خلفاءه بالحق ؟؟؟ !!! ...
حيث يقول صلوات الله وسلامه عليه : ( عرض علي مثل بطحاء [ جبال] مكة ذهباً ، فقلت لا يا رب ، أريد أن أشبع يوماً فأشكرك و أجوع يوماً فأتضرع إليك ) أو كما قال سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم ...
وتأويل حقيقة هذا الأثر الشريف اكتشاف "مهد الذهب" قرب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي قدر الذهب فيه بما يعادل جبال مكة ؟؟؟ !!! ...
بما ذهل عليه الصلاة و السلام عن هذه المغريات والمفاتن الدنيوية ؟؟؟ !!! ...
يقول صلى الله عليه وآله وسلم : ( إني أرى ما لا ترون ، و أسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء ، و حق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا و ملك واضع جبهته لله ساجد ، و الله لو تعلمون ما أعلم ، لضحكتم قليلا ، و لبكيتم كثيرا ، و ما تلذذتم بالنساء على الفرش ، و لخرجتم إلى الصعدات تجأورن إلى الله ) ، رواه الشيخان في الصحيح حتى لفظ { ولبكيتم كثيراً } ، ورواه كامل ابن ماجه والترمذي في السنن ، و ابن العربي في "عارضة الأحوذي" ، باسناد صحيح ، و العسقلاني في " تخريج مشكاة المصابيح" ، باسناد حسن ، وهو متفق على صحته مع اختلاف الإطراف ...
وها هو الفاروق "عمر بن الخطاب " رضي الله عنه يقول : ( ما آتي النساء شهوة ، ولولا الولد ما آتي النساء) ، رواه ابن أبي الدنيا في " العيال" ...
ويقول رضي الله عنه : ( والله إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبح الله ) ، رواه البيهقي في " سننه الكبرى" ...
فقد ارتقا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه صحابته عن الدنيا بكليتها بعلو تقواهم وتفردهم بالله بعبوديتهم الحقة ...
وها هو سيد المرسلين يحبب إليه من الله ولم يحب وذكر منهم النساء ولكن قرة عينه كانت بصلته وتواصله مع ربه سبحانه ...
فقد ارتقا بورعه حتى عن الحلال من شدة إقباله على الله وتولهه بذاته العلية .
تم بعون الله وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ...