المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال عن قوله تعالى "ولكن لا تفقهون تسبيحهم"



محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
06-05-2011, 20:50
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

قال الإمام فخر الدِّين الرَّازيُّ رحمه الله تعالى ورضي عنه في تفسيره:
" ثم قال تعالى: { تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَن فِيهِنَّ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن الحي المكلف يسبح لله بوجهين: الأول: بالقول كقوله باللسان سبحان الله.والثاني: بدلالة أحواله على توحيد الله تعالى وتقديسه وعزته، فأما الذي لا يكون مكلفاً مثل البهائم، ومن لا يكون حياً مثل الجمادات فهي إنما تسبح لله تعالى بالطريق الثاني، لأن التسبيح بالطريق الأول لا يحصل إلا مع الفهم والعلم والإدراك والنطق وكل ذلك في الجماد محال، فلم يبق حصول التسبيح في حقه إلا بالطريق الثاني.
واعلم أنا لو جوزنا في الجماد أن يكون عالماً متكلماً لعجزنا عن الاستدلال بكونه تعالى عالماً قادراً على كونه حياً وحينئذ يفسد علينا باب العلم بكونه حياً وذلك كفر فإنه يقال: إذا جاز في الجمادات أن تكون عالمة بذات الله تعالى وصفاته وتسبحه مع أنها ليست بأحياء فحينئذ لا يلزم من كون الشيء عالماً قادراً متكلماً كونه حياً فلم يلزم من كونه تعالى عالماً قادراً كونه حياً وذلك جهل وكفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن من ليس بحي لم يكن عالماً قادراً متكلماً، هذا هو القول الذي أطبق العلماء المحققون عليه، ومن الناس من قال: إن الجمادات وأنواع النبات والحيوان كلها تسبح الله تعالى، واحتجوا على صحة قولهم بأن قالوا: دل هذا النص على كونها مسبحة لله تعالى ولا يمكن تفسير هذا التسبيح بكونها دلائل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته لأنه تعالى قال: { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } فهذا يقتضي أن تسبيح هذه الأشياء غير معلوم لنا. ودلالتها على وجود قدرة الله وحكمته معلوم، والمعلوم مغاير لما هو غير معلوم فدل على أنها تسبح الله تعالى وأن تسبيحها غير معلوم لنا، فوجب أن يكون التسبيح المذكور في هذه الآية مغايراً لكونها دالة على وجود قدرة الله تعالى وحكمته.

والجواب عنه من وجوه:

الوجه الأول: أنك إذا أخذت تفاحة واحدة فتلك التفاحة مركبة من عدد كثير من الأجزاء التي لا تتجزأ، وكل واحد من تلك الأجزاء دليل تام مستقل على وجود الإله، ولكل واحد من تلك الأجزاء التي لا تتجزأ صفات مخصوصة من الطبع والطعم واللون والرائحة والحيز والجهة، واختصاص ذلك الجوهر الفرد بتلك الصفة المعينة من الجائزات فلا يحصل ذلك الاختصاص إلا بتخصيص مخصص قادر حكيم.

إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من أجزاء تلك التفاحة دليل تام على وجود الإله وكل صفة من الصفات القائمة بذلك الجزء الواحد فهو أيضاً دليل تام على وجود الإله تعالى، ثم عدد تلك الأجزاء غير معلوم، وأحوال تلك الصفات غير معلومة، فلهذا المعنى قال تعالى: { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }.

والوجه الثاني: هو أن الكفار وإن كانوا يقرون بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا يتفكرون في أنواع الدلائل، ولهذا المعنى قال تعالى:{ وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }
[يوسف:105] فكان المراد من قوله: { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } هذا المعنى.

والوجه الثالث: أن القوم وإن كانوا مقرين بألسنتهم بإثبات إله العالم إلا أنهم ما كانوا عالمين بكمال قدرته. ولذلك فإنهم استبعدوا كونه تعالى قادراً على الحشر والنشر فكان المراد ذلك. وأيضاً فإنه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: { قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً } فهم ما كانوا عالمين بهذا الدليل فلما ذكر هذا الدليل قال: { تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } فتسبيح السموات والأرض ومن فيهن يشهد بصحة هذا الدليل وقوته وأنتم لا تفقهون هذا الدليل ولا تعرفونه، بل نقول: إن القوم كانوا غافلين عن أكثر دلائل التوحيد والعدل، والنبوة والمعاد، فكان المراد من قوله: { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } ذلك ومما يدل على أن الأمر كما ذكرناه قوله: { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } فذكر الحليم والغفور ههنا يدل على أن كونهم بحيث لا يفقهون ذلك التسبيح جرم عظيم صدر عنهم وهذا إنما يكون جرماً إذا كان المراد من ذلك التسبيح كونها دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته، ثم إنهم لغفلتهم وجهلهم ما عرفوا وجه دلالة تلك الدلائل. أما لو حملنا هذا التسبيح على أن هذه الجمادات تسبح الله بأقوالها وألفاظها لم يكن عدم الفقه لتلك التسبيحات جرماً ولا ذنباً، وإذا لم يكن ذلك جرماً ولا ذنباً لم يكن قوله: { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } لائقاً بهذا الموضع، فهذا وجه قوي في نصرة القول الذي اخترناه. واعلم أن القائلين بأن هذه الجمادات والحيوانات تسبح الله بألفاظها أضافوا إلى كل حيوان نوعاً آخر من التسبيح. وقالوا: إنها إذا ذبحت لم تسبح مع أنهم يقولون إن الجمادات تسبح الله، فإذا كان كونه جماداً لا يمنع من كونه مسبحاً، فكيف صار ذبح الحيوان مانعاً له من التسبيح، وقالوا أيضاً: إن غصن الشجرة إذا كسر لم يسبح، وإذا كان كونه جماداً لم يمنع من كونه مسبحاً فكسره كيف يمنع من ذلك، فعلم أن هذه الكلمات ضعيفة، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: { تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ } تصريح بإضافة التسبيح إلى السموات والأرض وإلى المكلفين الحاصلين فيهن وقد دللنا على أن التسبيح المضاف إلى الجمادات ليس إلا بمعنى الدلالة على تنزيه الله تعالى وإطلاق لفظ التسبيح على هذا المعنى مجاز، وأما التسبيح الصادر عن المكلفين وهو قولهم: سبحان الله، فهذا حقيقة، فيلزم أن يكون قوله: { تُسَبّحُ } لفظاً واحداً قد استعمل في الحقيقة والمجاز معاً، وأنه باطل على ما ثبت دليله في أصول الفقه، فالأولى أن يحمل هذا التسبيح على الوجه المجازي في حق الجمادات لا في حق العقلاء لئلا يلزم ذلك المحذور، والله أعلم".

وقال الإمام عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام رحمه الله تعالى ورضي عنه في تفسيره: "من شي" حيٍّ، قال عليه الصلاة والسلام "ما صيد حوت في البحر ولا طائر يطير ممَّا ضيَّع من تسبيح الله عزَّ وجلَّ" -قال ابن حجر: هذا معضل أو مرسلوالحكم ضعيف جمرة-.
وقيل: عامٌّ.
"لا تفقهون" أي تسبيح كلِّ ناطق لاختلاف اللُّغات وغير النَّاطق لتعذُّر الإدراك.
وقيل: بسبب تسبيح النَّاظر إليه المعتبِر به، والدّالُّ على الخير كفاعله، كما قيل تلقى تسبيحه من حيث ما انصرفت، أي يقول من رآها: سبحان خالقها.
"لا تفقهون" أي: لا تعدُّون التَّسبُّت -كذا؟- تسبيحاً بعقولكم.

وقال الإمام ناصر الدِّين البيضاويُّ رحمه الله تعالى ورضي عنه في تفسيره: تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ } ينزهه عما هو من لوازم الإِمكان وتوابع الحدوث بلسان الحال حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم الواجب لذاته. { وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } أيها المشركون لإِخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم تسبيحهم، ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه اللفظ وإلى ما لا يتصور منه وعليهما عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه. وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو بكر «يسبح» بالياء. { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا } حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم. { غَفُوراً } لمن تاب منكم".

وقد أطلتُ بالنَّقل للملمة أطراف الكلام...

والسُّؤال هو بأنَّ قوله تعالى: "ولكن لا تفقهون تسبيحهم" لِمَ لا يقال إنَّه على ظاهره لغير البشر؟

فإنَّ البشر يدرك بعضهم تسبيح بعض...

فإذن: غير البشر هم المقصودون...

ثمَّ إنَّهم قوله تعالى: "تسبيحهم" يفيد أنَّ الكلام على العقلاء...

فإذن: كلُّ مسبِّح عاقل.

فإذن: كلُّ شيء في السَّموات والأرض ناطق بالتَّسبيح عاقل.

أمَّا قول سيِّدنا الإمام الفخر رحمه الله إنَّه يمتنع كون الجماد عاقلاً بقياس من الشَّكل الثَّاني:

النَّاطق هو الحيُّ...

الجمادات ليست أحياء...

إذن: الجمادات لا تنطق.

فيمكن ان يُجاب بمنع الكبرى بأن يقال إنَّها كائنات حيَّة...

فيجوز أن تكون ناطقة حينئذٍ؟؟

ثمَّ إنِّي تنبَّهتُ إلى أنَّه يرد على استدلالي بقوله تعالى: "تسبيحهم" بأنّضه للعاقل إيرادٌ...

وهو بأنَّ حمل الكلِّ على بعضٍ عاقلين منهم صحيح باللُّغة...

كأن يقال: جاء زيد وعمرو والخيل والسَّيل كلُّهم معاً.

فهنا يرد أنَّ الملائكة والجنَّ ممَّا يسبِّح ولا نفقه تسبيحهم...

فلا يتمُّ الاستدلال.

فهل استدلالي صحيح ولا يرد عليه كون المقصود بالعقلاء الملائكة الكرام والجنَّ المؤمنين؟

والسلام عليكم...

محمدأكرم عبدالكريم أبوغوش
06-05-2011, 20:51
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

للبحث في التَّفاسير دونكم هذا الموقع

http://altafsir.com/