المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة الناس]



حسام الدين رامي نقشبند
02-05-2011, 01:11
التأويل الفريد في عقيدة المريد [ سورة الناس]

بسم الله الرحمن الرحيم :


{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } [الناس : 1] ...
كلمتي "قل أعوذ" هي أمر من الله بالإقرار و الاعتراف ، بمدى عياذة الإنسان لربه ...
والعياذة هي الحاجة الشديد ، التي تستوجب الالتجاء للرب القدير والاحتماء بقدرته...
وهذا الإقرار لا يكون إلا بمعرفة الله ومعرفة مدى فقر العارف لهذا الرب الرحيم ولا يكون ذلك إلا بشهود لواسع فضل الله رغم غناه سبحانه عن العالمين ...
و الرب هو صاحب الأمر الراعي و القائم باحتياجات عباده ...
فإن كان رب الأسرة هو القائم على شؤون أسرته الساعي لـتأمين كافة احتياجات أسرته ...
فإن رب الناس هو القائم على تأمين كافة احتياجات عباده بما فيهم أرابهم من خلال إمدادهم بالهواء و الماء و المأكل والمسكن والملبس ، و ضوء وحرارة .... الخ ..
فها هو الجنين يؤمن ربه له كل احتياجاته دون أن يبذل الجنين أي عناء ، ويدفع الأم بالرحمة للحرص عليه ببطنها ، ويرغبها بكل طعام يوافق حاجة طفلها ...
وحينما يخرج هذا الرضيع يؤمن ربه المتفضل العظيم ، له حليب معقم يحمل كافة احتياجات النمو و الحياة ، بمقادير مذهلة دقيقة مليئة بالعناصر الغذائية و الوقائية صنعها مصنع الرب الخالق ...
ذلك لأنه رب الناس ؟؟؟ !!!! ...


{ مَلِكِ النَّاسِ } [الناس : 2] ...
و الملك هنا ذو السلطة و السيادة المالك للعباد المتصرف بمصائرهم ...
والملك من كان كل شيء بقبضته وتحت سيطرته بتفرد ودون شريك و هو القادر على كل شيء العليم بكل شيء ...
وهو الذي نواصي العباد كلها بيده فمن ينظم دقات قلوبنا ويوقفها أو يحركها حتى حين ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [الملك : 1] ...
اسمعوا ما يقوله تعالى في الأثر القدسي : ( أنا الله لا إله إلا أنا ، مالك الملك و ملك الملوك قلوب الملوك بيدي أقلبها كيف أشاء ، و أن العباد إذا أطاعوني جعلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة و الرحمة ، وان العباد إذا عصوني حولت قلوب ملوكهم بالسخط و المقت فساموهم سوء العذاب ، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على ملوككم ، ولكن اشغلوها بالذكر و التقرب لي أكفكم ملوككم ، فمثلما تكونوا يولى عليكم ) ....
بسم الله الرحمن الرحيم : ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [آل عمران : 26] ...


{ إِلَهِ النَّاسِ } [الناس : 3] ...
و الإله هو المتحكم المسير الفعال لما يريد الذي أل له كل شيء و ألهته القلوب طوعاً أو كرهاً ...
عندما يعرف العبد أن مصيره المطلق بيد الإله الملك رب الناس ، ويدرك مدى عجزه أمام هذه اليد العلية القادرة على كل شيء الفعالة قهراً لما تريد ، دون أن يعوق إرادتها أي شيء ...
عندها تخضع قلوب العباد وتخنع و تخشع لحقيقة قهر التوحيد وحقيقة الإيمان ؟؟؟ !!! ...
يقول الموحد الأكبر صلوات الله وسلامه عليه : ( إن لكل شيء حقيقة و ما بلغ عبد حقيقة الإيمان ، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ) ، رواه الإمام أحمد في "مسنده " و الطبراني في " الكبير" ، وإسناده حسن ...
فإن كنا لا نخشى من أحد وعيداً و لا تهديداً ، وإن كنا نرى أن الخلق جميعاً نواصيهم بيد الله و أن الناس ليس لهم تصرف إلا بإذن الله ، فقد عرفنا معنى كلمة إله الناس ، وأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، وأن لا حول ولا قوة إلا به سبحانه ...
وهذا سيدنا هود عليه الصلاة و السلام يقر بهذه الحقيقة الكبرى أمام قومه :
بسم الله الرحمن الرحيم : ( ..... قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [54] مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ [55] إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) [هود : 56] ...
أما وقد عرفنا طرف من معاني الإلوهية ، أيراودنا الشك بعد ذلك أنه يستطيع أحد أن يوقع بنا الضر ، إلا وافق مشيئة الله ، ليعالج لنا أمراض قلوبنا حتى لا نعالج في البرزخ أو يوم القيامة أو في العذاب المقيم في نار الجحيم ...
بسم الله الرحمن لرحيم : ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) [السجدة : 21] ...


{ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ } [الناس : 4] ...
فإن عذت برب الناس ومليكهم و إلههم بإيمان حق حقيق وتبصر دقيق ، نلت الحفظ من الله تعالى ، وأعاذك أي أغناك و ألجأك و حماك من شر الوسواس الخناس ؟؟؟ !!! ...
والشر هو ما ينبعث بالنفس الإنسانية من الأذى من خباثة الدنيا وما يلحق بها الضر بتأثير النفس الأمارة التي يقودها الشيطان فهو خناس لأنه يخنس متخفياً بالنفس الأمارة بالسوء أي يتقنع بها ...
و الوسواس : هي تلك الخواطر السيئة التي يدسها الشيطان بالنفس ، فتولد سوء الظن بالله ، فتعرض النفس عن الحق وتقبل إلى الدنيا الغرورة فتُهلك وتهلك ...
وللعلم الخواطر نوعين نوع شيطاني و يسمى الوسواس و نوع رحماني و يسمى الواعظ و كلاهما لا يحاسب العبد عليهما ما لم يدخلوا في إطار التطبيق أو الرغبة بالعمل ...
ففي الإعراض عن الحق حجاب عن جوهر الفرائض ، كما يحرك هذه الوساوس الفرقة الاجتماعية ، ومن ثم ينبت سوء الخلق ، فإذا ما أمعن المرء في ذلك دون رغبة بعودة و كابر أمام رسائل ومعالجات الرحمن انتهى على الكفر و العياذ بالله ...
أو أقتص منه بمقص الشرع الإلهي بعد أن أجرم فسرق و زنا و قتل ...... الخ ...
و الخلاص الوحيد من خبث هذا الوسواس هو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، و الإقبال على الله بتوثيق عرى الإيمان وحسن التوكل على الله ؟؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن لرحيم : ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [98] إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [99] إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل : 100] ...


{ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ } [الناس : 5] ...
كما ذكرنا أنفاً أن مكان وسواس الشيطان هو النفس الإنسانية ثم جوهر النفس وهو القلب الذي من المفترض أن يكون بيت الرب ، عند من حقق إيمانه ...
فتحرقه وتحرق خبثه الأنوار الإلهية فلا يكون له مدخل على قلب المؤمن الخالص لله عز وجل ...
بسم الله الرحمن لرحيم : ( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) [الحجر : 42] ...
وهذه الجملة الذاتية المعنوية العاقلة الشاعرة تسمى الصدر ولأن موطنها الصدر ؟؟؟ !!! ...
{ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ } [الناس : 6] ...
أما طرقه و أعني الشيطان في إغواء الناس فيكون بطريقين :
الأول عن طريق أعوانه المعرضين من الجن القرناء ؟؟؟ !!! ...
و الجنة إشارة أيضاً للخفاء أي الذين لا يشعر الإنسان بهم و بوسواسهم ...
يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينه من الجن ) ، قالوا وإياك يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( و إياي ، إلا أن الله أعانني فأسلم ، فلا يأمرني إلا بخير ) ، رواه مسلم وابن حبان وابن خزيمة في الصحيح ، و الإمام أحمد في "مسنده" ، وهو حسن صحيح ...
أنظروا رحمة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فالمفترض أن يعرض الشيطان القرين أو يخنس ما دام الإيمان في قلب المؤمن ...
إلا أن سيد المرسلين مصدر الرحمة في الأرض صلى الله عليه وآله وسلم ، أخذ بيد قرينه برحمته وعظيم أخلاقه إلى الإسلام ...
بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) [الأنبياء : 107] ...
صلى عليك الله يا قمر هدى ....
أما الوسيلة الثاني بواسطة إنسان معرض تملكه الشيطان فأضحى يتكلم بلسانه ...
و الناس هنا هو الناسي لله أيضاً ...
بسم الله الرحمن لرحيم : ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [الحشر : 19] ...
وأفضل طريقة لاتقاء وساس الإنس و الجنة بعد الإقبال على الله و الاستزادة من الإيمان ، هو الاستقامة على أمر الله أي التقوى ؟؟ !!! ...
بسم الله الرحمن لرحيم : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ) [الأعراف : 201] ...
تم بعون الله ...