المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلامة الشيخ المفتي محمد شفيع ..



موسى البلوشي
22-01-2011, 22:15
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علی خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلی آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم ودعا بدعوتهم إلی يوم الدين وبعد:
فهذه دراسة لحياة عَلم جليل من أعلام عصرنا، وركن عظيم من أركان الإصلاح والتجديد، مفتي ديار باكستان الشيخ المفتي محمد شفيع رحمه الله تعالی رحمة واسعة، وأدخله دارالنعيم، وجعله في أعلی علیين.
يعتبر العلامة الشيخ المفتي محمد شفيع رحمه الله من كبار علماء الهند وباكستان، الذين حملوا في هذه الديار لواء الدين الحنيف، وبذلوا لإعلاء كلمته حياتهم وقوتهم.

نشأته:
ولد الشيخ رحمه الله لواحد وعشرين من شعبان المعظم سنة 1314 من الهجرة، وترعرع في حجر العلم والعرفان، إذ عكف علی تلقي العلم من العلماء الكبار منذ نعومة أظفاره، والتزم صحبة العارفين من بداية عمره.
قد دخل دارالعلوم في «ديوبند» بعد ما قرأ القرآن الكريم، في سنة 1325 هـ. وهي أكبر جامعة دينية قامت بنشر المعارف الإسلامية القيمة في الهند، وجددت فيها أنوار التي كادت تنطفيء بسبب الاستعمار الغربي.
قد دخل الشيخ دارالعلوم هذه وهو في ميعة صباه، ولم يزل مشتغلاً بدراسته مدة عشر سنوات، مكباً علی تلقي العلوم من العلماء الأفاضل الذين سارت بصيتهم الركبان في أنحاء الهند وخارجها.
ولما كان حضرة الشيخ رحمه الله تبدو علیه – منذ اللحظة الأولی- مخايل النبوغ وأماثر الذكاء، صار أساتذته يبذلون في تعلیمه جهوداً مختصة مع كل عطف وحنان، ولإخلاص نيتهم يد لا تجحد في تكوين ذوقه الفني وتنشيط مواهبه الصالحة.
وفرغ عن دراسته في سنة 1332 هـ ، ولما كان من الطلاب المتفوقين مدة دراسته، اختاره أساتذته ليكون مدرساً بدارالعلوم، فشرع في التدريس في سنة 1336هـ ، وسرعان ما اشتهر تدريسه فيما بين الطلبة في سائر البلاد الهندية ولم يزل يدرس الحديث والتفسير والفقه وغيرها من العلوم الدينية الرائجة مدة ست وعشرين سنة.
وتلمذ علیه في هذه المدة خلق كثير من الطلبة، استفادوا من علومه وعرفانه، فما من مدينة من مدن الهند وباكستان إلا وله فيها تلامذة، وأكثرهم مشتغلون بالتدريس والخطابة وإفادة العلوم، ويعتبرون من العلماء البارزين في هذه الديار.

أشهر أساتذته:
1- الإمام الحافظ المحدث العلامة المحقق مولانا الشيخ "أنور شاه الكشميري"، وكان بحراً زاخراً بالعلوم والمعارف، نابغة في كل فن، آية من آيات الله في الحفظ والإتقان، قرأ علیه الشيخ محمد شفيع، الجامع الصحيح للبخاري، و سنن الترمذي، وكتاب الشمائل والعلل وكتاب الفلسفة الجديدة وشرح النفيسي في الطب. وهو من تلامذته المبرزين، وكان حضرة الإمام الكشميري رحمه الله يحبه حتی جعله من أصحابه الأصفياء، الذين ساعدوه في مهمة الرد علی (القاديانية) وبأمره ألّف الشيخ محمد شفيع رحمه الله كتاب «ختم النبوة» باللغة الأردية و«هدية المهديين في آيات خاتم النبيين» باللغة العربية.
2- الإمام الفقيه مولانا الشيخ المفتي "عزيز الرحمن"، وكان من أعلام العلماء والفقهاء، قرأ الشيخ علیه مؤطأ الإمام مالك برواية يحيی بن يحيی، وبرواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني، وشرح معاني الآثار وتفسير الجلإلین ومشكاة المصابيح.
3- الإمام الزاهد مولانا الشيخ "السيد أصغر حسين الهاشمي الحسني"، وكان رحمه الله من أعيان علماء عصره، فيه أنموذج صالح للأخلاق الإسلامية الكريمة من التواضع والسذاجة وخشية الله، وله مؤلفات وجيزة نافعة قد طبع أكثرها باللغة الأردية، رحمه الله تعالی رحمة واسعة.
تلقی منه الشيخ محمد شفيع رحمه الله السنن لأبي داود السجستاني، والسنن الكبری للنسائي، وشقصاً من أواخر جامع الترمذي. رحمهم الله تعالی.
4- الإمام الداعية الكبير، شيخ الإسلام "شبير أحمد العثماني"، صاحب الشرح الجليل علی صحيح مسلم، وكان من نواب العلماء في العصر الأخير، له خبرة تامة بسائر المعارف والعلوم، وكان من الزعماء الممتازين في جهود بناء باكستان، ولن ينسی الشعب الباكستاني تضحياته الغالیة في هذا السبيل، وله مؤلفات قيمة معروفة حول شتی المواضيع الدينية من أشهرها «فتح الملهم بشرح صحيح مسلم» وهو شرح حافل جليل، تلقاه الأمة الإسلامية بالقبول.
5- الإمام الفاضل العلامة، شيخ الأدب والفقه "إعزازعلی" رحمه الله تعالی، وكان رحمه الله بارعاً في سائر العلوم، لا سيما العلوم الأدبية، وله تعلیقات قيمة معروفة علی كثير من الكتب الدراسية.

استرشاده بمشايخ الطريقة:
كان الشيخ في اشتياق شديد نحو الاستفادة بصحبة أساتذته ومشايخه الكرام، فكان كثيراً ما يحضر مجالس الإمام الداعية المجاهد الكبير شيخ الهند "محمود الحسن" رحمه الله ويستفيد من بحار عرفانه.
لما اعتقل شيخ الهند رحمه الله بجزيرة «مالته»، راجع شيخ مشايخ الوقت، حكيم الأمة الشيخ "أشرف علي التهانوي" رحمه الله تعالی، وبايع علی يده بيعة السلوك في سنة 1339 من الهجرة.
وكان حكيم الأمة يحبه ويعتبره من أصحابه الأصفياء، ويشاروه في كل مهمة دينية.

إفتاءه:
كان لسماحة الشيخ مناسبة تامة بالفقه والفتيا منذ زمن تدريسه بدارالعلوم، فكان كثيراً ما يساعد شيخه المفتي "عزيزالرحمن"، رئيس هيئة الإفتاء، ثم لما توفاه الله تعالی، جعله الأساتذة رئيس هيئة الإفتاء بدارالعلوم ليملأ الفراغ الناشي بوفاة الشيخ عزيزالرحمن، فلم يزل الشيخ محمد شفيع رحمه الله علی هذا المنصب الجليل مذ سنة 1350 هـ إلی 1362هـ. وانتشرت فتاواه في هذه المدة إلی مشارق الأرض ومغاربها.
كتب الشيخ في هذه المدة أكثر من أربعين ألف فتوی. وقد طبع منها عدد قصير في ثماني مجلدات ضخام باسم «إمداد المفتيين» وهو الوشل القليل من ذلك البحر الواسع المحفوظ في دفاتر دارالعلوم التي لم تطبع بعد. ولا شك أنها ذخيرة قيمة للإسلام والمسلمين.
لما هاجر إلی باكستان وأسس معهداً دينياً باسم «دارالعلوم كراتشي» في سنة 1370هـ ضبطت فتاواه في دفاترها مرة أخری، وبلغ عددها الیوم زهاء ثمانين ألف فتوی.
وهذا كله ما صدر منذ سنة 1381 هـ إلی آخر حياته، سوی الأسئلة الشفاهية التي كان يجيب عنها في المقابلات وعلی الهاتف طول الليل والنهار.
وتعتبر «دارالعلوم كراتشي» ببركة الشيخ المفتي من أكبر مراكز الفتيا في ديار الهند وباكستان، يرجع إلیها المستفتون من سائر البلاد والأقطار من المملكة العربية السعوية، ومصر، والشام، والعراق، وايران، وافغانستان، وغيرها مما لا يحصی عددها.

جهوده في بناء باكستان وإقامة الدين فيها:
كان المسلمون زمن تدريس الشيخ بدارلعلوم تدور علیهم رحی الاستعمار الغربي، ولم يزل علماء دارالعلوم في جهد جهيد للحرية والاستقلال. وفي هذا المشروع بذل الإمام المجاهد شيخ الهند مولانا محمود الحسن رحمه الله جميع حياته، وابتلي بأشد ما يكون من الأذی زمن اعتقاله بجزيرة «مالته».
وكان حكيم الأمة الشيخ "التهانوي" يری منذ زمان أنه لا نجاح للمسلمين إلا بتكوين مملكة مستقلة حرة ينفذون فيها أحكام شريعتهم، ويعيشون فيا مسلمين صادقين.
وحقق الله أمانيه بأن قام حزب «مسلم ليك» بنعرة باكستان، فأشار حكيم الأمة الشيخ "أشرف علی التهانوي" عامة المسلمين والعلماء بتأييد هذه الدعوة، فقام بها كثير من عوام المسلمين والعلماء.
وكان في مقدمتهم الإمام الداعية شيخ الإسلام "شبيرأحمد العثماني"، والشيخ "ظفر أحمد العثماني"، وفضيلة شيخنا المفتي "محمد شفيع" رحمهم الله، وهم الذين أسسوا جمعية من العلماء باسم «جمعية علماء الإسلام» حتی تجاهد في هذا السبيل وتحض المسلمين علی الاتحاد لحماية الدين وتأييد فكرة باكستان.
وصرف الشيخ "محمد شفيع" رحمه الله في القيام بهذا المشروع لياله وأنهاره، وحينئذ صارت جميع أوقاته موقوفة علی الجهاد في بناء باكستان، فتجول لأجله في أنحاء الهند وجوانبها وأيقظ عوام المسلمين عن رقادهم بلسانه وقلمه وأخبرهم بمكايد أعدائهم الكفار.
وفي سنة 1367 من الهجرة الموافقة لسنة 1947 ميلادياً ، حان أن تثمر جهودهم التي استمرت أحقاباً، وبرزت علی خريطة العالم رسوم مملكة جديدة إسلامية، فلله الحمد أولاً وآخراً.
فكان من الواجب علی العلماء المجاهدين أن يهاجروا إلی باكستان ويبذلوا جهودهم في تكوين دستور إسلامي يصلح أساساً للحكومة فيها. فاقتفی شيخنا المفتي رحمه الله سنة النبي الأمين صلی الله علیه وسلم وهجر موطنه الألیف الذي حل فيه الشباب تميمته، وقضی فيها خمساً وخمسين سنة من عمره.
وقررت حكومة باكستان في سنة 1949 م مجلساً من أكابر علمائها ليقترحوا لمجلس النواب أصولاً تتخد كأساس لدستور المملكة، واختارت الشيخ المفتي رحمه الله ليكون عضواً من أعضائه، فلم يزل يعمل فيه بكل نشاط مدة أربع سنوات.

مؤلفاته:
للشيخ "محمد شفيع" رحمه الله مؤلفات كثيرة نافعة قد جاوز عددها من مائة، معظمها باللغة الأردية في علم التفسير والحديث، والتصوف، والأدب، والكلام، والمعاشرة وغيرها.
ونذكرفي هذا الموضع بعض ما نجد باختصار:
1- معارف القرآن: وهو تفسير نفيس للقرآن الكريم، ألفه الشيخ باللغة الأردية في ثماني مجلدات ضخام، وقد قام بترجمته إلی اللغة الفارسية الشيخ "محمد يوسف حسين بور" من أبرز علماء السنة في إيران.
2- جواهر الفقه: وهي مجموعة قيمة لرسائل فقهية كتبها الشيخ رحمه الله علی موضوعات يكثر التسائل عنها.
3- ختم النبوة: وهو كتاب حافل للرد علی الدجاجلة القاديانيين.
4- سيرة خاتم الأنبياء: وهو كتاب وجيز لسيرة رسولنا الحبيب صلی الله علیه وسلم بجميع أنباءها الهامة.
5- آلات جديدة: و هو كتاب قيم جمع فيه الشيخ أحكام المخترعات الحديثة التي لم تكن زمن النبي علیه السلام ولا في عصر الفقهاء المجتهدين.

وفاته:
توفاه الله تعالی ليلة الحادية عشر من شهر شوال المكرم سنة 1396 هـ الموافق لشهر أكتوبر من سنة 1976 م وقد دفن في مقبرة «دارالعلوم كراتشي» وكان يوماً مشهوداً شهد جنازته نحو خمسين ألف رجل. رحمه الله تعالی رحمة واسعة وتقبل سعيه المشكور وتضحياته الغالیة في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر رسالة الإسلام.

---------------------------------------
أخذنا هذه الترجمة باختصار من مقدمة كتاب «أحكام علوم القرآن» للعلامة المفتي محمد شفيع رحمه الله، كتبها نجله فضيلة الشيخ المفتي محمد تقي العثماني حفظه الله.