المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هذا الموضع من التحرير والتنوير



محمد نصار
03-01-2011, 18:24
قال في قوله تعالى: (وإن منها لما يهبط من خشية الله):
ومن بديع التخلص تأخر قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} والتعبير عن التسخر لأمر التكوين بالخشية ليتم ظهور تفضيل الحجارة على قلوبهم في أحوالها التي نهايتها الامتثال للأمر التكويني مع تعاصي قلوبهم عن الامتثال للأمر التكليفي ليتأتى الانتقال إلى قوله: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وقوله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} [البقرة: 75].

صاحب التفسير رحمه الله يفسر الهبوط بالتسخر للأمر التكويني ليس إلا. أليس هذا التأويل إخراجاً للآيةعن ظاهرها بلا ضرورة؟

وهكذا فعل في قوله تعالى: (لرأيته خاشعاً متصدعا من خشية الله).

محمد نصار
03-01-2011, 18:44
قال ابن كثير رحمه الله: وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز؛ وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: { يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } الآية، وقال: { وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } و { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ } الآية، { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } { لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ } الآية، { وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ } الآية، وفي الصحيح: "هذا جبل يحبنا ونحبه"، وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه.

هاني علي الرضا
04-01-2011, 05:49
سيدي الفاضل د/ نصار

إمكان خلق الله تعالى الخشية في الحجر المستلزم لخلق الإدراك والتمييز فيه هو من المسلمات فلا بحث فيه .

ولكن البحث في الخطاب بالمجاز هل يشترط في الصيرورة إليه الاستحالة العقلية أو تكفي الاستحالة العادية ، بمعنى أن المقام هنا ليس مقام إظهار خارق ولا مقام سرد لعاديات يظهربها فضل الحجارة على قلوب يهود التي صارت في قساوة الحجارة لأن خرق العادة ينبو عن أن يكون محل تفاضل أو يبين به فضل شيء على شيء ، وليس من المعتاد أن يخشى الحجر لأن الخشية فرع العلم ولا علم بغير حياة ، فلما كان الخطاب بعاديات تتكرر حسب ما يقتضيه السياق كان ذلك كافيا في الصيرورة إلى المجاز كما كان كافيا في قوله {واسأل القرية} مع عدم استحالة خلق الله تعالى الإدراك والجواب في جدران القرية .

ومن قرأ في كلام العرب وأشعارهم قبل الإسلام - أي قل التسليم بقدرة الله على خلق ما شاء فيما شاء - يراهم يستعلمون المجاز بقرينة الإستحالة العادية وإن كان ما استعملوا فيه المجاز جائز عقلا .

وأما تسليم الحجر ونوح الجذع وحب الجبل ونحوه فإخبار عن خوارق عادات فلا موجب للحمل على المجاز .
وأما نطق الجلود وشهادة الحجر الأسود ففي الآخرة ولا عادة في الآخرة فلا ضرورة للمجاز بل يتعين الحمل على الحقيقة .
على أنه يصح أن يقال في حب جبل أحد للرسول وأصحابه أن المراد به سكانه من الجن والملائكة ، يعني يحبنا أهله ونحب أهله ، كما يقول الإنسان : هذا حي يحبنا ونحبه ، ويكون مراده أهل الحي لا ذات محل الحي .

وأنا شخصيا أعتقد الحقيقة في ما ورد في الآية ، فبنو إسرائيل شاهدوا بأعينهم تفجر الماء من الحجر {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} وشاهدوا خروج الماء من الحجر {فانبجست منه اثنتا عشرة عينا} وشاهدوا جري الحجر بملابس موسى عليه السلام وحصول الحركة فيه وضرب موسى له ، ويحتمل أنهم شاهدوا أيضا في جملة الخوارق التي كثر وقوعها أمامهم حجرا يهبط وعليه ما يدل على خشيته لله تعالى ، فصح بذلك تفضيل الحجارة على قلوبهم وتذكيرهم بامور شاهدوها حقيقة بأعينهم من الخوارق الواقعة بكثرة أمامهم صيرت حصولها وكأنه من العاديات لهم فوقع لهم العلم الضروري بحدوث الخير والخشية من الحجر لأن الحس طريق علم ضروري .

حسين علي اليدري
04-01-2011, 20:37
فتح الله عليك يا شيخ هاني، وبارك الله فيك على هذا البيان.

محمد نصار
04-01-2011, 21:09
لا أختلف معك سيدي هاني فيما أبديته من العلم.

ولكن قد يرد سؤال عن شيوع هذا المنحى في تفسير ابن عاشور رحمه الله وغلبته. أقصد صرف مثل هذه الآيات إلى المجاز بدلاً من حملها على الحقيقة. فإذا وجدنا مفسراً يحمل آية على المجاز استناداً على كون الاستحالة العادية قرينة كافية لصرف اللفظ إلى المجاز فهذا قد لا يبدو فيه شيء إذ نظر إليه بمعزل عن الآيات المشابهة. ولكن إذا وجد أن هذا منحى عام ثم وجدنا مفسراً آخر يميل إلى حمل الألفاظ على حقيقتها تأكد لنا أن هذا يمثل مذهباً للعلامة ابن عاشور.

وحينئذ يمكن أن نقول إن صاحب التحرير والتنوير ذو نزعة عقلية في التفسير.


فلما كان الخطاب بعاديات تتكرر حسب ما يقتضيه السياق كان ذلك كافيا في الصيرورة إلى المجاز كما كان كافيا في قوله {واسأل القرية} مع عدم استحالة خلق الله تعالى الإدراك والجواب في جدران القرية

أقر بهذا إجمالاً ولكن ما زال هناك فارق معتبر بين الأمر والخبر. ثم السياق يستلزم الحقيقة فإنه لما كان من الصخور ما يتفجر منه الأنهار حقيقة ومنها ما يخرج منه الماء، بوصفهما ظواهر طبيعية وسنناً كونية لا بصفتها خرق عادة لنبي، كانت قرينة السياق تقتضي حمل الخشية على الحقيقة مثل الجملتين السابقتين اللتين عطفت تلك عليهما.

وحيث تجاوز العلامة ابن عاشور هذه الاعتبارات ثم تكرر ذلك منه في مواضع أخرى قلنا إن تفسيره يشوبه نزعة عقلية.

محمد نصار
05-01-2011, 09:28
وما هو القول في اندكاك الجبل عند التجلي؟ هل هذا من التسخر للإرادة الكونية كذلك؟ ولأنني لم أطالع الموضع فالأمر سيان سواء أخرج الاندكاك الناتج عن التجلي عن حقيقته أم قال به على حقيقته. لأنه إذا حمله على الحقيقة فقد خالف في الآيتين الاخريين فيكون السؤال عن ضابط التفريق بين هذا الموضع وذينك الموضعين، وإن حمله على المجاز فحمله هنا مستشكل بما سبق بل الإشكال فيه أكبر.

هاني علي الرضا
05-01-2011, 11:51
سيدي الأخ زاهد

أدعو الله أن يبارك فيكم وأن يجعلني عند حسن ظنكم

----------------------------------------------

سيدي د/ نصار

فيما يخص اندكاك الجبل فقد راجعته الآن ، والإندكاك عنده على حقيقته ولكن التجلي هو المجاز عنده ، ولا أرى وجها لأن يحمل الدك على المجاز بحال لأن قبول الجبل للدك ليس من شرطه الإدراك أو الحياة بخلاف الخشية والجواب والكلام .

ولي تحفظ على قولكم إن تفجر الأنهار من الأحجار من سنن الله الكونية المشاهدة ، فهلا دللتم عليه فإنا لا نعرف نهرا في هذا الكوكب يتفجر من حجر .

والحكم بالنزعة العقلية على تفسير الشيخ ابن عاشور يختاج استقراء وبحثا ، ثم بعد إثباته ينظر هل نزعته هذه أخرجته عن قواعد أهل السنة وأقوالهم أو هي مندرجة تحت مظلة أقوالهم وقواعدهم ، فالنزعات العقلية تختلف سيدي ، وابن عاشور وإن أثبتنا تأثره بمحمد عبده والأفغاني لكنه لا يبلغ مبلغ من أنكر المعجزات وجعلها من المجاز أو المتشابه ومن أنكر وجود الجن ووقوع عذاب القبر وغير ذلك من الغيب من أتباع مدرسة "الأفغاني-عبده" .

محمد نصار
05-01-2011, 18:30
سيدي الدكتور هاني:

الفقير يعرف أن تفسير التحرير والتنوير من أعظم كتب التفسير وهذا ما يقع بخاطري كلما طالعت فيه. نعم قد تكون نزعته العقلية متفقة مع قواعد أهل السنة ولكنها قد "تستنهك" هذه الروح بالتركيز الثابت على أحد الاحتمالين دون الآخر.

أحسب أن الإنسان المسلم السني يستريح ويستروح بظهور آثار القدرة وارتفاع الأسباب كلما لاح له ظاهر من النقل بذلك. والتفسير إذا أبرز ارتفاع الوسائط وظهور آثار القدرة ووجود عجائب الخلق التي لا تلوح إلا لأولي البصائر، فقد ثبت ركن الإيمان وفتح سبيل الإيقان باستشراف العقول والأرواح شهود آثار القدرة التي قد يطويها حمل الظواهر على المجاز في مثل هذه المسائل التي لا تفيد تشبيهاً ولا تجسيماً.
والله تعالى أعلم.

نزار بن علي
05-01-2011, 19:20
جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع اللطيف والحوار الماتع
وأحب أن أشير إلى أن أصحاب الحمل على الحقيقة فيما ورد ذكره ليسو أقل عقلانية ممن حملها على المجاز، بل لعل ذلك الحمل الحقيقي دال على أنهم يميزون حق التمييز بين الأحكام العادية والأحكام العقلية فيخرجون عن الجمود مع أحكام العادة إلى فضاء الأحكام العقلية فيظهر لهم جليا إمكان الحمل على الحقيقة في مثل ما ورد من ذلك.
ثم ما تجدر الإشارة إليه أيضا أنه إذا صح الحمل على الحقيقة وصح الحمل على المجاز في مثل ما ورد، فلم يعد ثمة سبيل إلى القطع بأن الله تعالى قصد المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي بناء على أنه لم يرد الجمع بينهما في نفس الوقت، وإذا تعارضت إرادة الحقيقة وإرادة المجاز فتعيين مراد الله تعالى منهما لا يتوصل إليه إلا بالبحث في القرائن المتصلة والمنفصلة، وغاية ما يمكن الوصول إليه هو الظن الراجح بأن هذا هو مراد الله دون الآخر.. وليس القطع بواحد وإسقاط الآخر كليا.
إذا تبين هذا فلا يمكن القول بأن العدول إلى المجاز أمر لا موجب له، وأنه يلزم البقاء مع الحقائق كلما صح ذلك، بل الأقرب أن يعمل المفسر فكره في القرائن الموصلة إما إلى إرادة الحقيقة أو إرادة المجاز، فإذا ظهر له بأدلة معتبرة أن إرادة المجاز أنسب بالسياق وغيره كان المجاز أرجح بالنسبة إلى مراد الله تعالى، ولا شك أن العلامة المفسر الشيخ الطاهر بن عاشور قد أوتي من العلم ما يمكنه من مراعاة كل تلك الحيثيات ليخرج برأي يرجح لديه إرادة المجاز من إرادة الحقيقة، ورب مجاز تكون دلالته على قدرة الله تعالى أظهر من الحقيقة....

محمد نصار
06-01-2011, 03:52
رضي الله عنكما سيدي هاني وسيدي نزار. كم نستفيد من علمكما!

بالنسبة لقولي إن تفسيره يشوبه نزعة عقلية مع جعله المستحيلات العادية قرينة صارفة إلى المجاز وعدم التفاته إلى أنها الأفعال المشار إليها في الآيات الشريفة لا تجري عليها الاستحالة العقلية، فستخدامي اصطلاح النزعة العقلية هو من باب الجريان مع عرف الاستعمال، فكثيراً ما يوصف الشخص بأنه صاحب نزعة عقلية إذا كان فيه ميل إلى تأويلات المعتزلة مع إكثار من تأويل السمعيات خاصة ما يتعلق بالجن والملائكة والميل إلى حمل المعجزات على معان مجازية كما في تفسير المنار وكما عند مدرسة العلمويين من كتبة السيرة كفريد وجدي ومحمد حسين هيكل رحمهمها الله.

ومن باب ذكر الشيء بالشيء فقد وقعت على ترجمة للقرآن الكريم منذ سنوات لمترجم يدعى أحمد علي أحسبه باكستانياً حاول فيه إخراج كثير المستحيلات العادية إلى المجاز أو الأخذ بمعنى بعيد في اللغة ليخرج به المعنى عن ظاهره.

محمد نصار
06-01-2011, 05:01
تصحيح:

رضي الله عنكما سيدي هاني وسيدي نزار. كم نستفيد من علمكما!

بالنسبة لقولي إن تفسيره يشوبه نزعة عقلية مع جعله المستحيلات العادية قرينة صارفة إلى المجاز وعدم التفاته إلى أن الأفعال المشار إليها في الآيات الشريفة لا تجري عليها الاستحالة العقلية، فاستخدامي اصطلاح "النزعة العقلية" هو من باب الجريان مع عرف الاستعمال، فكثيراً ما يوصف الشخص بأنه صاحب "نزعة عقلية" إذا كان فيه ميل إلى تأويلات المعتزلة، أو إكثار من تأويل السمعيات خاصة ما يتعلق بالجن والملائكة والميل إلى حمل المعجزات على معان مجازية كما في تفسير المنار، وكما عند مدرسة العلمويين من كتبة السيرة كفريد وجدي ومحمد حسين هيكل رحمهمها الله.

ومن باب ذكر الشيء بالشيء فقد وقعت على ترجمة للقرآن الكريم إلى الإنجليزية منذ سنوات لمترجم يدعى أحمد علي أحسبه باكستانياً حاول فيه إخراج كثير المستحيلات العادية إلى المجاز أو الأخذ بمعنى بعيد في اللغة ليخرج به المعنى عن ظاهره.