المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بدايات كتاب ((إعجاز القرأن))للباقلاني



جمال حسني الشرباتي
22-11-2004, 15:16
إعجاز القرآن
الباقلاني
=======================================
الفصل الأول
في أن نبوة النبي معجزتها القرآن
معظم المعجزات خاصة
الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن، أن نبوة نبينا عليه السلام بنيت على هذه المعجزة، وإن كان قد أيد بعد ذلك بمعجزات كثيرة. إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة، وأحوال خاصة، وعلى أشخاص خاصة، ونقل بعضها نقلاً متواتراً يقع به العلم وجوداً. وبعضها مما نقل نقلاً خاصاً، إلا أنه حكي بمشهد من الجمع العظيم أنهم شاهدوه، فلو كان الأمر على خلاف ما حكي لأنكروه، أو لأنكره بعضهم، فحل محل المعنى الأول وإن لم يتواتر أصل النقل فيه. وبعضها مما نقل من جهة الآحاد، وكان وقوعه بين يدي الآحاد.
القرآن معجزة عامة
فأما دلالة القرآن فهي عن معجزة عامة، عمت الثقلين، وبقيت بقاء العصرين، ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، وإن كان قد يعلم بعجز أهل العصر الأول عن الاتيان بمثله وجه دلالته، فيغني ذلك عن نظر مجدد في عجز أول العصر عن مثله، وكذلك قد يغني عجز أهل هذا العصر عن الإتيان بمثله عن النظر في حال أهل العصر الأول.. وإنما ذكرنا هذا الفصل لما حكي عن بعضهم أنه زعم أنه وإن كان قد عجز عنه أهل العصر الأول فليس أهل هذا العصر بعاجزين عنه، ويكفي عجز أهل العصر الأول في الدلالة لأنهم خصوا بالتحدي دون غيرهم، ونحن نبين خطأ هذا القول في موضعه فأما الذي يبين ما ذكرناه من أن الله تعالى حين ابتعثه جعل معجزته القرآن، وبنى أمر نبوته عليه، سور كثيرة، وآيات نذكر بعضها، وننبه بالمذكور على غيره، فليس يخفى بعد التنبيه على طريقه.
الدليل على أن القرآن معجزة النبي
فمن ذلك قوله تعالى: "الّر، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِليكَ، لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظًّلًمَاتِ إِلى النُّورِ، بإِذْنِ رَبِّهمْ، إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"، فأخبر أنه أنزله ليقع الاهتداء به، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، ولا تكون حجة إن لم تكن معجزة.
وقال عز وجل: "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ استَجَارَكَ فَأَجِرْهُ، حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ"، فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يوقف أمره على سماعه، ولا يكون حجة إلا وهو معجزة.
وقال عز وجل: "وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرًّوحُ الأَمينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ"، وهذا بيّن جداً فيما قلناه من إنه جعله سبباً لكونه منذراً، ثم أوضح ذلك بأن قال: "بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُّبِينٍ"، فلولا أن كونه بهذا اللسان حجة لم يعقب كلامه الأول به، وما من سورة افتتحت بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ما قلناه، ونحن نذكر بعضها لتستدل بذلك على ما بعده.. وكثير من هذه السور إذا تأملته، فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة القرآن، والتنبيه على وجه معجزته.
أدلة أخرى من سورة غافر
فمن ذلك سورة المؤمن، قوله عز وجل: "حّم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَهِ الْعَزِيزِ الْعَليم" ثم وصف نفسه بما هو أهله من قوله: "غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ"، إلى أن قال: "مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللّهِ إَلا الَّذينَ كَفَرُوا" فدلّ على أن الجدال في تنزيله كفرٌ وإلحاد. ثم أخبر بما وقع من تكذيب الأمم برسلهم بقوله عز وجل: "كَذْبَتْ قَبْلَهُم قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بعْدِهم" إلى آخر الآية، فتوعدهم بأنه آخذهم في الدنيا بذنبهم في تكذيب الأنبياء، ورد براهينهم، فقال: "فَأَخَذْتُهُم فَكيْفَ كَانَ عِقَابِ" ثم توعدهم بالنار فقال: "وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ". ثم عظّم شأن المؤمنين بهذه الحجة بما أخبر من استغفار الملائكة لهم، وما وعدهم عليه من المغفرة فقال: "الَّذينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ، يُسَبِّحُونَ بِحَمدِ رَبِّهمْ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذِينَ آمنوُا. رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ للَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبعُوا سَبيلَكَ، وَقِهِمْ عَذَابَ الْجحيمِ".
فلولا أنه برهان قاهر لم يذم الكفار على العدول عنه، ولم يحمد المؤمنين على المصير إليه. ثم ذكر تمام الآيات في دعاء الملائكة للمؤمنين، ثم ذكر على وعيد الكافرين، فذكر آيات، ثم قال: "هُوَ الَّذي يُرِيكُمْ آياتِهِ" فأمر بالنظر في آياته وبراهينه، إلى أن قال: "رَفِيعُ الَّدرَجاتِ، ذُو الْعَرْشِ، يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أمرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبادِه، ليُنْذِرَ يَومَ التَّلاقِ" .
فجعل القرآن والوحي به كالروح، لأنه يؤدي إلى حياة الأبد، ولأنه لا فائدة للجسد بدون الروح،جعل هذا الروح سبباً للانذار، وعلماً عليه، وطريقاً إليه، ولولا أن ذلك برهان بنفسه لم يصح أن يقع به الانذار والأخبار عما يقع عند مخالفته. ولم يكن الخبر عن الواقع في الآخرة عند ردهم دلالته من الوعيد حجة، ولا معلوماً صدقه. فكان لا يلزم قبوله فلما خلص من الآيات في ذكر الوعيد على ترك القبول ضرب لهم المثل بمن خالف الآيات، وجحد الدلالات والمعجزات، فقال: "أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبةُ الَّذينَ كَانُواْ مِنْ قَبْلهِمْ" إلى آخر الآية.
ثم بين أن عاقبتهم صارت إلى السوأى، بأن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات، وكانوا لا يقبلونها منهم، فعلم أن ما قدم ذكره في السورة بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر قصة موسى ويوسف عليهما السلام، ومجيئهما بالبينات، ومخالفتهم حكمها، إلى أن قال: "الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْر سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ وَعِندَ الَّذينَ آمنُواْ، كَذَلِكَ يَطْبَعَ اللّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارِ".
فأخبر أن جدالهم في هذه الآيات لا يقع بحجة، وإنما يقع عن جهل، وإن الله يطبع على قلوبهم، ويصرفهم عن تفهم وجه البرهان، لجحودهم وعنادهم واستكبارهم. ثم ذكر كثيراَ من الاحتجاج على التوحيد، ثم قال: "أَلَمْ تَرَ إلى الَّذينَ يُجَادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ" ثم بين هذه الجملة، وإن من آياته الكتاب، فقال: "الَّذِينَ كَذَّبَوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ"، إلى أن قال: "وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأَتِيَ بِآيةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَهِ".
الآيات على ضربين
فدل على أن الآيات على ضربين: أحدهما كالمعجزات التي هي أدلة في دار التكليف، والثاني الآيات التي ينقطع عندها العذر، ويقع عندها العلم الضروري، وإنها إذا جاءت ارتفع التكليف، ووجب الاهلاك، إلى أن قال: " فَلَم يَكُ يَنْفَعُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأسَنَا"، فأعلمنا أنه قادر على هذه الآيات، ولكنه إذا أقامها زال التكليف، وحقت العقوبة على الجاحدين.
أدلة من سورة فصلت
وكذلك ذكر في حم السجدة، على هذا المنهاج الذي شرحنا، فقال عز وجل: "حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرحَّمْنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فَصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيراً وَنَذِيراً".
فلولا أنه جعله برهاناً لم يكن بشيراً ولا نذيراً، ولم يختلف بأن يكون عربياً مفصلاً أو بخلاف ذلك، ثم أخبر عن جحودهم وقلة قبولهم بقوله تعالى: " فَأعْرَضَ أَكْثَرُهُم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ" ولولا أنه حجة لم يضرهم الإعراض عنه.
وليس لقائل أن يقول: قد يكون حجة ويحتاج في كونه حجة إلى دلالة أخرى، كما أن الرسول حجة ولكنه يحتاج إلى دلالة على صدقه، وصحة نبوته، وذلك أنه إنما احتج عليهم بنفس هذا التنزيل، ولم يذكر حجة غيره. ويبين ذلك أنه قال: عقيب هذا: " قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحُى إِلَيَّ"، فأخبر أنه مثلهم لولا الوحي. ثم عطف عليه بحمد المؤمنين به المصدقين له، فقال: "إِنَّ الَّذينَ آمنَوُا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونِ"، ومعناه الذين آمنوا بهذا الوحي والتنزيل، وعرفوا هذه الحجة، ثم تصرف في هذا الاحتجاج على الوحدانية والقدرة إلى أن قال: "فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عادِ وثَمُودَ"، فتوعدهم بما أصاب من قبلهم من المكذبين بآيات الله، من قوم عاد وثمود في الدنيا.
ثم توعدهم بأمر الآخرة فقال: "وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ"، إلى انتهاء ما ذكره فيه.. ثم رجع إلى ذكر القرآن فقال: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهذَا القُرْآنِ والْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ".
ثم أثنى بعد ذلك على ما تلقاه بالقبول، فقال: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوْا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الملائِكَةُ ألاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وَأَبشِروا". ثم قال: "وَإمَّا يَنْزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فاستعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَليمُ"، وهذا ينبه على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف إعجاز القرآن، وأنه دلالة له على جهة الاستدلال، لأن الضروريات لا يقع فيها نزغ الشيطان، ونحن نبين ما يتعلق بهذا الفصل في موضعه.
ثم قال: "إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنَا"، إلى أن قال: "إَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لّمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لاَّ يَأَتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ".
وهذا وإن كان متأولاً على أنه لا يوجد فيه غير الحق مما يتضمنه من أقاصيص الأولين، وأخبار المرسلين، وكذلك لا يوجد خلف فيما يتضمنه من الأخبار عن العيوب، وعن الحوادث التي أبنّا أنها تقع في الثاني، فلا يخرج عن أن يكون متأولاً على ما يقتضيه نظام الخطاب، من أنه لا يأتيه ما يبطله من شبهة سابقة تقدح في معجزته، أو تعارضه في طريقه، وكذلك لا يأتيه من بعده قط أمر يشكك في وجه دلالته، وهذا أشبه بسياق الكلام ونظامه.
ثم قال: "وَلَوْ جَعَلْنَاه قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَعْجمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ"، فأخبر أنه لو كان أعجمياً لكانوا يحتجون في رده: إما بأن ذلك خارج عن خطابهم، وكانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفة معناه، وبأنهم لا يبين لهم وجه الإعجاز فيه، لأنه ليس من شأنهم ولا من لسانهم، أو بغير ذلك من الأمور، وأنه إذا تحداهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزوا عنه وجبت الحجة عليهم به، على ما نبنيه في وجه هذا الفصل، إلى أن قال: " قُلْ أَرَأَيْتُم إن كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أضَلُّ مِمَّنْ هُوَ في شِقَاقِ بَعِيدٍ".
ما ورد في سورتي غافر وفصلت
له مثيل في سور أخرى
والذي ذكرنا من نظم هاتين السورتين ينبه على غيرهما من السور، فكرهنا سرد القول فيها، فليتأمل المتأمل ما دللناه عليه يجده كذلك.
ثم مما يدل على هذا قوله عز وجل: "وَقَالُواْ لَوْلاّ أُنْزِلَ عَليْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآياتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبينٌ، أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلى عَلَيهِم".
فأخبر أن الكتاب آية من آياته، وعلم من أعلامه، وإن ذلك يكفي في الدلالة، ويقوم مقام معجزات غيره، وآيات سواء من الأنبياء صلوات الله عليهم، ويدل عليه قوله عز وجل: "تَبَارَكَ الذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ على عَبْدِهِ ليكونَ لِلعَالَمينَ نَذيراً" وقوله: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمُ عَلَى قَلْبِكَ، ويُمحُوْ اللَّهُ الْبَاطِلَ، وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلمَاتِهِ".
فدل على أنه جعل قلبه مستودعاً لوحيه، ومستنزلاً لكتابه، وأنه لو شاء صرف ذلك إلى غيره، وكان له حكم دلالته على تحقيق الحق وإبطال الباطل مع صرفه عنه.. ولذلك أشباه كثيرة، تدل على نحو الدلالة التي وصفناها.
فبان بهذا وبنظائره ما قلناه من أن بناء نبوته صلى الله عليه وسلم على دلالة القرآن ومعجزته، وصار له من الحكم في دلالته على نفسه وصدقه أنه يمكن أن يعلم أنه كلام الله تعالى.
الفرق بين القرآن والكتب المنزلة
وفارق حكمه حكم غيره من الكتب المنزلة على الأنبياء، لأنها لا تدل على أنفسها إلا بأمر زائد، ووصف مضاف إليها، لأن نظمها ليس معجزاً، وإن كان ما يتضمنه من الأخبار عن الغيوب معجزاً.
وليس كذلك القرآن، لأنه يشاركها في هذه الدلالة، ويزيد عليها في أن نظمه معجز، فيمكن أن يستدل به عليه، وحل في هذا من وجه محل سماع الكلام من القديم سبحانه وتعالى، لأن موسى عليه السلام لما سمع كلامه علم أنه في الحقيقة كلامه.
وكذلك من يسمع القرآن يعلم أنه كلام الله وإن اختلف الحال في ذلك من بعض الوجود، لأن موسى عليه السلام سمعه من الله عز وجل، وأسمعه نفسه متكلماً، وليس كذلك الواحد منا، وكذلك قد يختلفان في غير هذا الوجه، وليس ذلك قصدنا بالكلام في هذا الفصل، والذي نرومه الآن ما بينا من اتفاقهما في المعنى الذي وصفنا، وهو أنه عليه السلام يعلم أن ما يسمعه كلام الله من جهة الاستدلال، وكذلك نحن نعلم ما نقرأه من هذا على جهة الاستدلال.
الفصل الثاني

جمال حسني الشرباتي
22-11-2004, 15:35
الفصل الثاني
========================

[SIZE=3]في الدلالة على أن القرآن معجزة=======================

قد ثبت بما بينا في الفصل الأول أن نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم مبينة على دلالة معجزة القرآن، فيجب أن نبين وجه الدلالة من ذلك.
التيقن من أن القرآن من عند الله
قد ذكر العلماء أن الأصل في هذا: هو أن تعلم أن القرآن الذي هو مثلو محفوظ مرسوم في المصاحف هو الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه هو الذي تلاه على من في عصره ثلاثاً وعشرين سنة.
النقل المتواتر يؤكد ذلك
والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل المتواتر الذي يقع عنده العلم الضروري به، وذلك أنه قام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد، وتحمله عنه إليها من تابعه، وأورده على غيره من لم يتابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه على أحد، ولا يحتمل أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه، ويأخذه على غيره ويأخذ غيره على الناس، حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها، وتعدى إلى الملوك المصاقبة لهم، كملك الروم والعجم والقبط والحبش وغيرهم من ملوك الأطراف.

=============================
اطلع أهل عصر النبي على القرآن وحفظوه
ولما ورد ذلك مضاداً لأديان أهل ذلك العصر كلهم، ومخالفاً لوجوه اعتقاداتهم المختلفة في الكفر، وقف جميع أهل الخلاف على جملته، ووقف جميع أهل دينه الذي أكرمهم الله بالإيمان على جملته وتفاصيله، وتظاهر بينهم حتى حفظه الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير والصغير، إذ كان عمدة دينهم، وعلماً عليه، والمفروض تلاوته في صلواتهم، والواجب استعماله في أحكامهم، ثم تناقله خلف عن سلف، ثم مثلهم، في كثرتهم وتوفر دواعيهم على نقله، حتى انتهى إلينا ما وصفنا من حاله.

===========================
لا مجال للشك في القرآن
فلن يتشكك أحد، ولا يجوز أن يتشكك مع وجود هذه الأسباب، في أنه أتى بهذا القرآن من عند الله، فهذا أصل.
القرآن تحدى العرب
وإذا ثبت هذا الأصل وجوداً فإنا نقول: إنه تحداهم إلى أن يأتوا بمثله، وقرعهم على ترك الإتيان به طول السنين التي وصفناها، فلم يأتوا بذلك.
والذي يدل على هذا الأصل أنا قد علمنا أن ذلك مذكور في القرآن، في المواضع الكثيرة، كقوله: "وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبِ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأتُواْ بِسُورَةٍ مِن مِّثْلِهِ، وَادْعُواْ شَهدَاءَكُمِ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينْ، فَإِن لَّم تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتي وَقُودُها النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ للِّكَافِرِينَ".
وكقوله: "أم يَقُولُونَ افتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُورٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ، وَادعُواْ مَن اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُم فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُّنْزِلَ بِعِلِمِ اللَّهِ وأَنْ لاَّ إلهَ إلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون".
فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلاً على أنه منه، ودليلاً على وحدانيته، وذلك يدل عندنا على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن يعلم بالقرآن الوحدانية، وزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل، لأن القرآن كلام الله عز وجل، ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم أولاً.
فقلنا إذا ثبت بما نبينه إعجازه، وأن الخلق لا يقدرون عليه، ثبت أن الذي أتى به غيرهم، وأنه صدق، وإذا كان كذلك كان ما يتضمنه صدقاً، وليس إذا أمكن معرفته من جهة العقل امتنع أن يعرف من الوجهين. وليس الغرض تحقيق القول في هذا الفصل، لأنه خارج عن مقصود كلامنا، ولكنا ذكرناه من جهة دلالة الآية عليه.
ومن ذلك قوله عز وجل: " قُلْ لًّئِن اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أن يَأْتُواْ بِمثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ ظَهيراً".
وقوله: " أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لاَّ يُؤْمِنْونَ، فَلْيَأْتُواْ بِحَديثٍ مِّثْلِهِ إن كَانُواْ صادقين".

===============================
العرب لم تستجب للتحدي
فقد ثبت بما بيناه أنه تحداهم إليه، ولم يأتوا بمثله. وفي هذا أمران: أحدهما التحدي إليه، والآخر أنهم لم يأتوا له بمثل، والذي يدل على ذلك النقل المتواتر الذي يقع به العلم الضروري... فلا يمكن جحود واحد من هذين الأمرين.
============================

اعتراضات على التحدي وإجابات عليها
وإن قال قائل: لعله لم يقرأ عليهم الآيات التي فيها ذكر التحدي، وإنما قرأ عليهم ما سوى ذلك من القرآن، كان كذلك قولاً باطلاً، يعلم بطلانه، مثل ما يعلم به بطلان قول من زعم: أن القرآن أضعاف هذا وهو يبلغ حمل جمل وأنه كتم وسيظهره المهدي.
أو يدعي أن هذا القرآن ليس هو الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو شيء وضعه عمر وعثمان رضي الله عنهما حيث وضع المصحف أو يدعي فيه زيادة أو نقصاناً.

================================
ضمن الله حفظ كتابه
وقد ضمن الله حفظ كتابه أن يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، ووعده الحق. وحكاية قول من قال ذلك يغني عن الرد عليه، لأن العدد الذين أخذوا القرآن في الأمصار وفي البوادي وفي الأسفار والحضر، وضبطوه حفظاً من بين صغير وكبير، وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف، لا يجوز عليهم السهو والنسيان، ولا التخليط فيه والكتمان، ولو زادوا ونقصوا أو غيروا لظهر.
لو حصل التبديل في شعر شاعر
لافتضح فكيف يحصل في القرآن:
وقد علمت أن شعر امرئ القيس وغيره لا يجوز أن يظهر ظهور القرآن، ولا أن يحفظ كحفظه، ولا أن يضبط كضبطه، ولا أن تمس الحاجة إليه مساسها إلى القرآن، لو زيد فيه بيت أو نقص منه بيت، لا بل لو غير فيه لفظ، لتبرأ منه أصحابه، وأنكره أربابه، فإذا كان ذلك مما لا يمكن شعر امرئ القيس ونظرائه مع أن الحاجة إليه تقع لحفظ العربية.
==============================

التبديل في القرآن لا يمكن أن يتم
فكيف يجوز أو يمكن ما ذكروه في القرآن مع شدة الحاجة إليه في أصل الدين، ثم في الأحكام والشرائع، واشتمال الهمم المختلفة على ضبطه، فمنهم من يضبطه لإحكام قراءته ومعرفة وجوهها وصحة أدائها، ومنهم من يحفظه للشرائع والفقه، ومنهم من يضبطه ليعرف تفسيره ومعانيه، ومنهم من يقصد بحفظه الفصاحة والبلاغة، ومن الملحدين من يحصله لينظر في عجيب شأنه.

============================
كثرة المشتغلين في القرآن تمنع التغيير
وكيف يجوز على أهل هذه الهمم المختلفة، والآراء المتباينة، على كثرة أعدادهم، واختلاف بلادهم، وتفاوت أغراضهم، أن يجتمعوا على التغيير والتبديل والكتمان?.. ويبين ذلك أنك إذا تأملت ما ذكر في أكثر السور، مما بيناه ومن نظائره، في رد قومه عليه ورد غيرهم، وقولهم. " لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا"، وقول بعضهم: " إِنْ هَذَا إلاَّ اخْتِلاقٌ".
إلى الوجوه التي يصرف إليها قولهم في الطعن عليه: فمنهم من يستهين بها ويجعل ذلك سبباً لشركه الإتيان بمثله، ومنهم من يزعم أنه مفترى فلذلك لا يأتي بمثله، ومنهم من يزعم أنه دارس وأنه أساطير الأولين.

=============================
كراهية التطويل تمنعنا من ذكر آيات التحدي كلها
وكرهنا أن نذكر كل آية تدل على تحديه، لئلا يقع التطويل، ولو جاز أن يكون بعضه مكتوماَ جاز على كله، ولو جاز أن يكون بعضه موضوعاً جاز ذلك في كله.. فثبت بما بيناه أنه تحدى إليه.. وإنهم لم يأتوا له بمثل، وفي هذا الفصل قد بينا أن الجميع قد ذكروه وبنوا عليه، فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم بعده أن تركهم للإتيان بمثله كان لعجزهم عنه.
===============================

الدليل على عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن
والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ونبوته، وتضمن أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبي ذريتهم.. فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه، بأمر قريب هو عادتهم في لسانهم، ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال، وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية للسبي.. فلما لم يحصل هناك معارضة منهم، علم أنهم عاجزون عنها.
ا============================

لعدو يقصد لدفع قول عدوه بكل ما يقدر
يبين ذلك أن العدو يقصد لدفع قول عدوه بكل ما قدر عليه من المكايد، لاسيما مع استعظامه ما أبدعه بالمجيء من خلع آلهته، وتسفيه رأيه في ديانته، وتضليل آبائه، والتغريب عليه بما جاء به، وإظهار أمر يوجب الانقياد لطاعته، والتصرف على حكم إرادته، والعدول عن إلفه وعادته، والانخراط في سلك الاتباع بعد أن كان متبوعاً، والتشييع بعد أن كان مشيعاً، وتحكيم الغير في ماله، وتسليطه إياه على جملة أحواله، والدخول تحت تكاليف شاقة، وعبادات متعبة، بقوله.
=============================
بذلوا السيف والمال فكيف لا يردون عليه باللسان
وقد علم أن بعض هذه الأحوال مام يدعو إلى سلب النفوس دونه.. هذا والحمية حميتهم، والهمم الكبيرة هممهم، وقد بذلوا له السيف وأخطروا بنفوسهم وأموالهم، فكيف يجوز أن لا يتوصلوا إلى الرد عليه، وإلى تكذيبه بأهون سعيهم ومألوف أمرهم، وما يمكن تناوله من غير أن يعرق فيه جبين أو يشتغل به خاطر، وهو لسانهم الذي يتخاطبون به، مع بلوغهم في الفصاحة النهاية التي ليس وراءها مطلع، والرتبة التي ليس وراءاها منزع.

==========================
لو عارضوه لوهن أمره
ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحداهم إليه لكان فيه توهين أمره، وتكذيب قوله، وتفريق جمعه، وتشتيت أسبابه، وكان من صدق به يرجع على أعقابه، ويعود في مذهب أصحابه، فلما لم يفعلوا شيئاً من ذلك مع طول المدة، ووقع الفسحة، وكان أمره يتزايد حالاً فحالاً، ويعلو شيئاً فشيئاً، وهم على العجز عن القدح في آيته، والطعن في دلالته.
============================

كانوا لا يقدرون على معارضته
علم مما بينا أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته، ولا على توهين حجته، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قوم خصمون، وقال: "وَتُنْذِرَ بِهِ قَوماً لُدّاً"، وقال: "خَلَقَ الإنْسَانَ مِن نٌطْفَةٍ فإِذَا هُوَ خَصيمٌ مُبينٌ".
وعلم أيضاً أن ما كانوا يقولونه من وجوه اعتراضهم على القرآن، مما حكى الله عز وجل عنهم، من قولهم: "لَوْ نَشَاءُ لُقُلنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَّوَّلينَ".
وقولهم: "مَا هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذا في آبائِنَا الأَّوَّلينَ".
وقالوا: "يَا أَيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ".
وقالوا: "أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ".
وقالوا: "أَئِنَّا لَتَارِكُواْ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ"، "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هّذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ، وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرونَ، فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً"، "وَقَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاُ"، "وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً".
وقوله: "الَّذِينَ جَعَلُواْ القُرآنَ عِضِيَن"، إلى آيات كثيرة في نحو هذا تدل على أنهم كانوا متحيرين في أمرهم، متعجبين من عجزهم، يفزعون إلى نحو هذه الأمور، من تعليل وتعذير، ومدافعة بما وقع التحدي إليه، وعرف الحث عليه .
=========================

طالبوا بمعجزات غير الفصاحة
وقد علم منهم أنهم ناصبوه الحرب، وجاهروه ونابذوه، وقطعوا الأرحام، وأخطروا بأنفسهم، وطالبوه بالآيات والإتيان بغير ذلك من المعجزات، يريدون تعجيزه، ليظهروا عليه بوجه من الوجوه، فكيف يجوز أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم، وذلك حجته، ويفسد دلالته، ويبطل أمره، فيعدلون عن ذلك إلى سائر ما صاروا إليه، من الأمور التي ليس مزيد في المنابذة والمعاداة ويتركون الأمر الخفيف? هذا ما يمتنع وقوعه في العادات، ولا يجوز اتفاقه من العقلاء.

جمال حسني الشرباتي
22-11-2004, 15:36
=========================
لو كانوا قادرين على المعارضة لم يجز لهم تركها
وإلى هذا قد استقصى أهل العلم الكلام، وأكثروا في هذا المعنى وأحكموه. ويمكن أن يقال إنهم لو كانوا قادرين على معارضته، والإتيان بمثل ما أتى به، لم يجز أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم على ما هم عليه من الذرابة والسلاقة والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن مباراته، وأنهم يضعفون عن مجاراته، ويكرر فيما جاء به ذكرهم عجزهم عن مثل ما يأتي به ويقرّعهم ويؤنبهم عليه، ويدرك آماله فيهم، وينجح ما يسعى له بتركهم المعارضة، وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه، وتفخيم أمره، حتى يتلو قوله تعالى: "قُلْ لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَن يَأَتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يأْتُونَ بِمثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً".
وقوله: "يُنَزّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنا، فَاتَّقُونِ".
وقوله: "وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِن الْمَثانِي وَالْقُرآنَ الْعَظِيمَ".
وقوله: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ".
وقوله: "وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوفَ تُسْئَلُونَ" وقوله: "هُدىً لّلْمُتَّقِينَ".
وقوله: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً، مَّثَانِيَ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يُخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ"، إلى غير ذلك من الآيات، التي تتضمن تعظيم شأن القرآن، مما يدعوهم في السورة في مواضع منها، ومنها ما ينفرد فيها، وذلك مما يدعوهم إلى المباراة، ويحضهم على المعارضة، وإن لم يكن متحدياً إليه.
?
====================
?كانوا ينافرون شعراءهم لأنهم يقدرون
ألا ترى أنهم قد كان ينافر شعراؤهم بعضهم بعضاً، ولهم في ذلك مواقف معروفة، وأخبار مشهورة، وأيام منقولة، وكانوا يتنافسون على الفصاحة والخطابة والذلاقة، ويتبجحون بذلك، ويتفاخرون بينهم، فلن يجوز والحالة هذه أن يتغافلوا عن معارضته لو كانوا قادرين عليها، تحداهم إليها أو لم يتحدهم، ولو كان هذا القبيل ما يقدر عليه البشر لوجب في ذلك أمر آخر، وهو أنه لو كان مقدرواً للعباد لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا القبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به، وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه، وتعمل نظمه في الحال.

=======================
لما لم نرهم عارضوه علم أنه لا سبيل إلى ذلك
فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق، وخطبة متقدمة، ورسالة سالفة، ونظم بديع، ولا عارضوه به، فقالوا هذا أفصح مما جئت به، وأغرب منه، أو هو مثله، علم أنه لم يكن إلى ذلك سبيل، وأنه لو يوجد له نظير، ولو كان يوجد له مثل لكان ينقل إلينا ولعرفناه، كما نقل إلينا أشعار أهل الجاهلية، وكلام الفصحاء والحكماء من العرب، وأدى إلينا كلام الكهان وأهل الرجز والسجع والقصيد، وغير ذلك من أناوع بلاغاتهم، وصنوف فصاحاتهم.
فإن قيل: الذي بنى عليه الأمر في تثبيت معجزة القرآن أنه وقع التحدي إلى الإتيان بمثله، وأنهم عجزوا عنه بعد التحدي إليه.
فإذا نظر الناظر، وعرف وجه النقل المتواتر في هذا الباب، وجب له العلم بأنهم كانوا عاجزين عنه، وما ذكرتهم يوجب سقوط تأثير التحدي، وإن ما أتى به قد عرف العجز عنه بكل حال...
????????????????????????

======================
احتيج إلى التحدي لإقامة الحجة
قيل: إنما احتيج إلى التحدي لإقامة الحجة، وإظهار وجه البرهان، لأن المعجزة إذا ظهرت فإنما تكون حجة بأن يدعيها من ظهرت عليه، ولا تظهر على مدعٍ لها إلا وهي معلومة أنها من عند الله.
فإذا كان يظهر وجه الإعجاز فيها للكافة بالتحدي وجب فيها التحدي، لأنه تزول بذلك الشبهة على الكل، وينكشف للجميع أن العجز واقع عن المعارضة، وإلا فإن مقتضى ما قدمناه من الفصل أن من كان يعرف وجوه الخطاب، ويتقن مصارف الكلام، وكان كاملاً في فصاحته، جامعاً للمعرفة بوجوه الصناعة، لو أنه احتج عليه بالقرآن، وقيل له إن الدلالة على النبوة، والآية على الرسالة، ما أتلوه عليك منه لكان ذلك بلاغاً في إيجاب الحجة، وتماماً في إلزامه فرض المصير إليه.
=========================

الأكثرون لما ألزمهم إعجازه أسلموا
ومما يؤكد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا الآحاد إلى الإسلام، محتجاً عليهم بالقرآن، لأنا نعلم أنه لم يلزمهم تصديقه تقليداً، ونعلم أن السابقين الأولين إلى الإسلام لم يقلدوه، وإنما دخلوا على بصيرة، ولم نعلمه قال لهم: إرجعوا إلى جميع الفصحاء، فإن عجزوا عن الإتيان بمثله فقد ثبتت حجتي، بل لما رآهم يعلمون إعجازه ألزمهم حكمه فقبلوه، وتابعوا الحق وبادروا إليه مستسلمين، ولم يشكوا في صدقه، ولم يرتابوا في وجه دلالته، فمن كانت بصيرته أقوى، ومعرفته أبلغ، كان إلى القبول منه أسبق، ومن اشتبه عليه وجه الإعجاز، واشتبه عليه بعض شروط المعجزات، وأدلة النبوات، كان أبطأ إلى القبول، حتى تكاملت أسبابه، واجتمعت له بصيرته، وترادفت عليه مواده.
تفاوت الناس في إدراك القرآن ومعرفة وجه دلالته
وهذا فصل يجب أن يتم القول فيه بعد، فليس هذا وضع له... ويبين ما قلناه أن هذه الآية علم، يلزم الكل قبوله، والانقياد له، وقد علمنا تفاوت الناس في إدراكه ومعرفة وجه دلالته، لأن الأعجمي لا يعلم أنه معجز إلا بأن يعلم عجز العرب عنه؛ وهو يحتاج في معرفة ذلك إلى أمور لا يحتاج إليها من كان من أهل صنعة الفصاحة.

=========================

من عرف عجز أهل الصنعة لزمته الحجة
فإذا عرف عجز أهل الصنعة حل محلهم، وجرى مجراهم، في توجه الحجة عليه، وكذلك لا يعرف المتوسط من أهل اللسان من هذا الشأن ما يعرفه العالي في هذا الصنعة، فربما حل في ذلك محل الأعجمي، في أن لا تتوجه عليه الحجة حتى يعرف عجز المتناهي في الصنعة عنه. وكذلك لا يعرف المتناهي في معرفة الشعر وحده، أو الغاية في معرفة الخطب أو الرسائل وحدهما، غور هذا الشأن ما يعرف من استكمل معرفة جميع تصاريف الخطاب ووجوه الكلام، وطرق البراعة. فلا تكون الحجة قائمة على المختص ببعض هذه العلوم بانفرادها دون تحققه بعجز البارع في هذه العلوم كلها عنه.

==========================

من كان متناهياً في معرفة وجوه الخطابة عرف إعجاز القرآن
فأما من كان متناهياً في معرفة وجوه الخطاب، وطرق البلاغة، والفنون التي يمكن فيها إظهار الفصاحة، فهو متى سمع القرآن عرف إعجازه، وإن لم نقل ذلك أدى هذا القول إلى أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف إعجاز القرآن حين أوحي إليه حتى سبر الحال بعجز أهل اللسان عنه. وهذا خطأ من القول... فصح من هذا الوجه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أوحي إليه القرآن عرف كونه معجزاً، وبأن قيل له إنه دلالة وعلم على نبوتك.... إنه كذلك من قبل أن يقرأه على غيره، أو يتحدى إليه سواه.
ولذلك قلنا إن المتناهي في الفصاحة والعلم بالأساليب التي يقع فيها التفاصح، متى سمع عرف أنه معجز، لأنه يعرف من حال نفسه أنه لا يقدر عليه، ويعرف من حال غيره مثل ما يعرف من حال نفسه، فيعلم أن عجز غيره كعجزه هو، وإن كان يحتاج بعد هذا استدلال آخر على أنه علم على نبوة ودلالة على رسالة، بأن يقال له إن هذه آية لنبيه، وإنها ظهرت عليه وادعاها معجزة له وبرهاناً على صدقه.
اعتراض وردٌّ عليه
فإن قيل: فإن من الفصحاء من يعلم عجز نفسه عن قول الشعر، ولا يعلم مع ذلك عجز غيره عنه، فكذلك البليغ، وإن علم عجز نفسه عن مثل القرآن فهو قد يخفى عليه عجز غيره... قيل: هو مع مستقر العادة، وإن عجز عن قول الشعر، وعلم أنه مفحم، فإنه يعلم أن الناس لا ينفكون من وجود الشعراء فيهم.
????

?======================

متى علم البليغ عجزه عن القرآن علم عجز غيره
ومتى علم البليغ المتناهي في صنوف البلاغات عجزه عن القرآن علم عجز غيره، لأنه كهو، لأنه يعلم أن حاله وحال غيره في هذا الباب سواء، إذ ليس في العادة مثل للقرآن يجوز أن يعلم قدرة أحد من البلغاء عليه، فإذا لم يكن لذلك مثل في العادة، وعرف هذا الناظر جميع أساليب الكلام، وأنواع الخطاب، ووجد القرآن مبايناً لها، علم خروجه عن العادة، وجرى مجرى ما يعلم أن إخراج اليد البيضاء من الجيب خارج عن العادات، فهو لا يجوزه عن نفسه، وكذلك لا يجوز وقوعه من غيره إلا من وجه نقض العادة، بل يرى وقوعه موقع المعجزة.
وهذا وإن كان يفارق فلق البحر وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك، من وجه، وهو أنه يستوي الناس في معرفة عجزهم عنه، فكونه ناقضاً للعادة من غير تأمل شديد ولا نظر بعيد.

===================
النظر في إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل
فإن النظر في معرفة إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل، ويفتقر إلى مراعاة مقدمات، والكشف عن أمور، نحن ذاكروها بعد هذا الموضع، فكل واحد منها يؤول إلى مثل حكم صاحبه في الجمع الذي قدمنا.
ومعنا يبين ذلك ما قلناه، من أن البليغ المتناهي في وجوه الفصاحة يعرف إعجاز القرآن، وتكون معرفته حجة عليه إذا تحدى إليه وعجز عن مثله، وإن لم ينتظر وقوع التحدي في غيره.
========================

جبير بن مطعم أسلم لما سمع سورة الطور
وما الذي يصنع في ذلك الغير وهو ما روي في الحديث أن جبير بن مطعم ورد على النبي صلى الله عليه وسلم في معنى حليف له أراد أن يفاديه، فدخل والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة: "وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ" في صلاة الفجر، قال: فلما انتهى إلى قوله: "إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ، مَّا لَهُ مِنْ دَافِعٍ"، قال: خشيت أن يدركني العذاب. فأسلم. وفي حديث آخر: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع سورة طه فأسلم.
عتبة بن ربيعة يسمع آية العذاب فيثب
وقد رُوي أن قوله عز وجل في أول "حم السجدة" إلى قوله: "فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ"، نزلت في شيبة وعتبة ابني ربيعة، وأبي سفيان بن حرب، وأبي جهل. وذكر أنهم بعثوا هم وغيرهم من وجوه قريش بعتبة بن ربيعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليكلمه، وكان حسن الحديث، عجيب الشأن، بليغ الكلام، وأرادوا أن يأتيهم بما عنده، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة حم السجدة من أولها، حتى انتهى إلى قوله: "فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُم صَاعِقةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ"، فوثب مخافة العذاب، فاستحكوه ما سمع، فذكر أنه لم يسمع مثله كلمة واحدة، ولا اهتدى لجوابه، ولو كان ذلك من جنس كلامهم لم يخف عليه وجه الاحتجاج والرد، فقال له عثمان بن مظعون: لتعلموا أنه من عند الله، إذ لم يهتد لجوابه.

====================
سماع القرآن حجة
وأبين من ذلك قول الله عز وجل: "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ استَجَارَكَ فَأَجِرْهُ، حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ"، فجعل سماعه حجة عليه بنفسه فدل على أن فيهم من يكون سماعه إياه حجة عليه.
صوارف كفار العرب عن الإسلام كثيرة
فإن قيل؛ لو كان على ما قلتهم لوجب أن يكون حال الفصحاء الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم على طريقة واحدة في إسلامهم عند سماعه.
قيل: لا يجب ذلك، لأن صوارفهم كانت كثيرة: منها أنهم كانوا يشكّون: منهم من يشك في إثبات الصانع، ومنهم من يشك في التوحيد، ومنهم من يشك في النبوة، ألا ترى أن أبا سفيان بن حرب لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليسلم، عام الفتح، قال له النبي عليه السلام: "أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله، قال: بلى، فشهد، قال: "أما آن لك أن تشهد أني رسول الله?" قال: أما هذه ففي النفس منها شيء.

====================
من قلْت شكوكه وتأمل الحجة أسلم
فكانت وجوه شكوكهم مختلفة، وطرق شبههم متباينة، فمنهم من قلْت شبهه، وتأمل الحجة حق تأملها، ولم يستكبر، فأسلم، ومنهم من كثرت شبهه، وأعرض عن تأمل الحجة حق تأملها، أو لم يكن في البلاغة على حدود النهاية، فتطاول عليه الزمان إلى أن نظر واستبصر، وراعى واعتبر، واحتاج إلى أن يتأمل عجز غيره عن الإتيان بمثله، فلذلك وقف أمره، ولو كانوا في الفصاحة على مرتبة واحدة، وكانت صوارفهم وأسبابهم متفقة، لتوافوا إلى القبول جملة واحدة.
كيف يعرف البليغ إعجاز القرآن
فإن قيل: فكيف يعرف البليغ الذي وصفتموه إعجاز القرآن? وما الوجه الذي يتطرق به إليه، والمنهاج الذي يسلكه، حتى يقف به على جلية الأمر فيه? قيل: هذا سبيله أن يفرد له فصل.....
اعترض بعضهم فقال البلغاء لم يعجزوا ولكن الله صرفهم
فإن قيل: فلمَ زعمتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله، مع قدرتهم على صنوف البلاغات، وتصرفهم في أجناس الفصاحات? وهلاّ قلتم: إن من قدر على جميع هذه الوجوه البديعة، وتوجه من هذه الطرق الغريبة، كان على مثل نظم القرآن قادراً، وإنما يصرفه الله عنه ضرباً من الصرف، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضرباً من المنع، أو تقصر دواعيه مع قدرته عليه، ليتكامل ما أراده الله من الدلالة، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة، لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين لم يعجز عن نظم مثلهما، وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى، وكذلك الثالثة، حتى يتكامل قدر الآية والسورة.
الجواب على الاعتراض
فالجواب: أنه لو صح ذلك ، صح لكل من أمكنه نظم ربع بيت، أو مصراع من بيت، أن ينظم القصائد، ويقول الأشعار... وصح لكل ناطق، قد يتفق في كلامه الكلمة البديعة، نظم الخطب البليغة، والرسائل العجيبة، ومعلوم أن ذلك غير سائغ، ولاممكن...
على أن ذلك لو لم يكن معجزاً على ما وصفناه من جهة نظمه الممتنع لكان مهما حط من رتبة البلاغة فيه، ووضع من مقدار الفصاحة في نظمه، أبلغ في الأعجوبة، إذ صرفوا عن الإتيان بمثله، ومنعوا عن معارضته، وعدلت دواعيهم عنه، فكان يستغني عن إنزاله على النظم البديع، وإخراجه في المعرض الفصيح العجيب. على أنه لو كانوا صرفوا على ما ادعاه، لم يكن من قبلهم من أهل الجاهلية مصروفين عما كان يعدل به في الفصاحة والبلاغة، وحسن النظم، وعجيب الرصف، لأنهم لم يتحدوا إليه، ولم تلزمهم حجته... فلما لم يوجد في كلام من قبله مثله، علم أن ما ادعاه القائل بالصرفة ظاهر البطلان.
جواب آخر
وفيه معنى آخر: وهو أن أهل الصنعة في هذا الشأن إذا سمعوا كلاماً مطمعاً لم يخف عليهم، ولم يشتبه لديهم، ومن كان متناهياً في فصاحته لم يجز أن يطمع في مثل هذا القرآن بحال.
فإن قال صاحب السؤال: إنه قد يطمع في ذلك. قيل له: أنت تزيد على هذا، فتزعم أن كلام الآدمي قد يضارع القرآن وقد يزيد عليه في الفصاحة، ولا يتحاشاه، ويحسب أن ما ألفه في الجزء والطفرة هو أبدع وأغرب من القرآن لفظاً ومعنى، ولكن ليس الكلام على ما يقدره مقدر في نفسه، ويحسبه ظان من أمره، والمرجوع في هذا إلى جملة الفصحاء، دون الآحاد.
ونحن نبين بعد هذا وجه امتناعه عن الفصيح البليغ، وتميزه في ذلك عن سائر أجناس الخطاب، ليعلم أن ما يقدره من مساواة كلام الناس به تقدير ظاهر الخطأ، بيِّن الغلط، وإن هذا التقدير من جنس من حكى الله تعالى في محكم كتابه: "إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتَلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرَ".
فهم يعبرون عن دعواهم أنهم يمكنهم أن يقولوا مثله بأن ذلك من قول البشر، لأن ما كان من قولهم فليس يقع في التفاصيل إلى الحد الذي يتجاوز إمكان معارضته.[/SIZE]

جمال حسني الشرباتي
22-11-2004, 15:41
بطلان القول بالصرفة
ومما يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة: أنه لو كانت المعارضة ممكنة وإنما منع منها الصرفة لم يكن الكلام معجزاً، وإنما يكون المنع معجزاً؛ فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه.
وليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم: أن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما يتأخرون عنه لعدم العلم بوجه ترتيب ، لو تعلموه لوصلوا إليه به.
ولا بأعجب من قول فريق منهم: إنه لا فرق بين كلام البشر، وكلام الله تعالى في هذا الباب، وإنه يصح من كل واحد منهما الإعجاز على حد واحد.
==============================

التوراة والإنجيل والصحف ليست معجزة في النظم
فإن قيل: فهل تقولون بأن غير القرآن من كلام الله عز وجيل معجز: كالتوراة والإنجيل والصحف? قيل: ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف. وإن كان معجزاً كالقرآن فيما يتضمن من الأخبار بغيوب، وإنما لم يكن معجزاً لأن الله تعالى لم يصفه بما وصف به القرآن، ولأنا قد علمنا أنه لم يقع التحدي إليه كما، وقع التحدي إلى القرآن.
وهي ليست معجزة لمعنى آخر
ولمعنى آخر وهو أن ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع به التفاضل الذي ينتهي إلى حد الإعجاز، ولكنه يتقارب. وقد رأيت أصحابنا يذكرون هذا في سائر الألسنة، ويقولون ليس يقع فيها من التفاوت ما يتضمن التقديم العجيب.
=============================

بيان انفراد العربية بالإعجاز
ويمكن بيان ذلك بأنا لا نجد في القدر الذي نعرفه من الألسنة للشيء الواحد من الأسماء ما تعرف من اللغة العربية، وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة تتناول المعاني الكثيرة على ما تتناوله العربية، وكذلك التصرف في الاستعارات والإشارات ووجوه الاستعمالات البديعة التي يجيء تفصيلها بعد هذا.
=============================

وصف الله القرآن بأنه بلسان عربي
ويشهد لذلك من القرآن أن الله تعالى وصفه بأنه: "بِلسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ"، وكرر ذلك في مواضع كثيرة، وبين أنه رفعه عن أن يجعله أعجمياً، فلو كان في لسان العجم إيراد مثل فصاحته لم يكن ليرفعه عن هذه المنزلة، وإنه وإن كان يمكن أن يكون من فائدة قوله إنه "عربي مبين" أنه مما يفهمونه، ولا يفتقرون فيه إلى الرجوع إلى غيرهم، ولا يحتاجون في تفسيره إلى من سواهم، فلا يمتنع أن يفيد ما قلنا أيضاً، كما أفاد بظاهره ما قدمناه.
=======================

من عرف العربية وغيرها أدرك العربية بالفصاحة
ويبين ذلك أن كثيراً من المسلمين قد عرفوا تلك الألسنة، وهم من أهل البراعة فيها في العربية، فقد وقفوا على أنه ليس يقع فيها من التفاضل والفصاحة ما يقع في العربية.
===========================
أهل التوراة والإنجيل لم يدعوا الإعجاز لكتابهم
ومعنى آخر: وهو إنا لم نجد أهل التوراة والإنجيل ادعوا الإعجاز لكتابهم، ولا ادعى لهم المسلمون، فعلم أن الإعجاز مما يختص به القرآن... ويبين هذا أن الشعر لا يتأتى في تلك الألسنة على ما قد اتفق في العربية، وإن كان قد يتفق منها صنف أو أصناف ضيقة، لم يتفق فيها من البديع ما يمكن ويتأتى في العربية، وكذلك لا يتأتى في الفارسية جميع الوجوه التي يتبين فيها الفصاحة على ما يأتي في العربية.
=============================
زعم بعضهم أن كتاب زرداشت وماني معجزان
فإن قيل: فإن المجوس تزعم أن كتاب زرداشت وكتاب ماني معجزان... قيل: الذي يتضمنه كتاب ماني من طريق النيرنجات وضروب من الشعوذة، ليس يقع فيها إعجاز. ويزعمون أن في الكتاب الحكم، وهي حكم منقولة متداولة على الألسن لا تختص بها أمة دون أمة، وإن كان بعضهم أكثر اهتماماً بها، وتحصيلاً لها، وجمعاً لأبوابها.

============================
ادعى بعضهم أن ابن المقفع عارض القرآن
وقد ادعى قوم أن ابن المقفع عارض القرآن، وإنما فزعوا إلى الدرة اليتيمة وهما كتابان: أحدهما يتضمن حكماً منقولة، توجد عند حكماء كل أمة مذكورة بالفضل، فليس فيها شيء بديع من لفظ ولا معنى، والآخر: في شيء من الديانات، وقد تهوس فيه بما لا يخفى على متأمل.
وكتابه الذي بيناه في الحكم منسوخ من كتاب بزرجمهر في الحكمة، فأي صنع له في ذلك، وأي فضيلة حازها فيما جاء به?
لا يوجد لابن المقفع كتاب يدعي مدع
أنه عارض القرآن
وبعد فليس يوجد له كتاب يدعى مدع انه عارض فيه القرآن، بل يزعمون أنه اشتغل بذلك مدة ثم مزق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره، فإن كان كذلك فقد أصاب، وأبصر القصد. ولا يمتنع أن يشتبه عليه الحال في الابتداء، ثم يلوح له رشده، ويبين له أمله، ويتكشف له عجزه، ولو كان بقي على اشتباه الحال عليه لم يخف علينا موضع غفلته، ولم يشتبه لدينا وجه شبهته... ومتى أمكن أن تدعي الفرس في شيء من كتبهم أنه معجز في حسن تأليفه وعجيب نظمه?

جمال حسني الشرباتي
22-11-2004, 15:47
الفصل الثالث
في جملة وجوه إعجاز القرآن
==================================

ذكر أصحابنا وغيرهم في ذلك ثلاثة أوجه من الإعجاز:

==============
الإخبار عن الغيوب
أحدهما
يتضمن الإخبار عن الغيوب، وذلك مما لا يقدر عليه البشر، ولا سبيل إليه.
فمن ذلك ما وعد الله تعالى نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان، بقوله عزّ وجلّ: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الْحقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" ففعل ذلك.
كان أبو بكر يُعرِّف الجيوش ما وعدهم الله من النصر
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرّفهم ما وعدهم الله من إظهار دينه. ليثقوا بالنصر، ويستيقنوا بالنجح.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفعل كذلك في أيامه، حتى وقف أصحاب جيوشه عليه.
فكان سعد بن أبي وقاص رحمه الله وغيره من أمراء الجيوش من جهته يذكر لأصحابه، ويحرضهم به ويوثق لهم، وكانوا يلقون الظفر في موجهاتهم، حتى فتح إلى آخر أيام عمر رضي الله عنه إلى بلخ وبلاد الهند، وفتح في أيامه مرووالشاهجان، ومرو الروذ، ومنعهم من العبور بجيحون.
===============

حقّق الله الوعد وفُتحت البلدان
وكذلك فتح في أيامه فارس إلى اصطخر وكران ومكران وسجستان، وجميع ما كان من مملكة كسرى، وكل ما كان بملكه ملوك الفرس بين البحرين، من الفرات إلى جيحون: وأزال ملك ملوك الفرس، فلم يعد إلى اليوم، ولا يعود أبداً إن شاء الله تعالى، ثم إلى حدود أرمينية وإلى باب الأبواب...
وفتح ناحية الشام والأردن وفلسطين وفسطاط مصر، وأزال ملك قيصر عنها، وذلك من الفرات إلى بحر مصر، وهو ملك قيصر.
وغزت الخيول في أيامه إلى عمورية فأخذ الضواحي كلها، ولم يبق دونها إلا ما حجز دونه بحر، أو حال عنه جبل منيع، أو أرض خشنة، أو بادية غير مسلوكة.
============

وعد الله المؤمنين بالغلبة والكفار بالنار
وقال الله عز وجل: "قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُون وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ. وَبِئْسَ الْمِهَادُ". فصدق فيه، وقال في أهل بدر: " وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَينِ أَنَّها لَكُم"، ووفى لهم بما وعد.
وجميع الآيات التي يتضمنها القرآن من الأخبار عن الغيوب يكثر جداً، وإنما أردنا أن ننبه بالبعض على الكل.
===========================
النبي الأمي أتى بأمور لا يمكن أن يعرفها لوحده

والوجه الثاني

أنه كان معلوماً من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أمياً لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ. وكذلك كان معروفاً من حاله أنه لم يكن يعرف شيئاً من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتى بجملة ما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير، من حين خلق الله آدم عليه السلام إلى حين مبعثه.

=====================
ذكر النبي الأمي أموراً تاريخية
فذكر في الكتاب الذي جاء به معجزة له قصة آدم عليه السلام وابتداء خلقه وما صار إليه أمره من الخروج من الجنة. ثم جملاً من أمر ولده وأحواله وتوبته.
ثم ذكر قصة نوح عليه السلام وما كان بينه وبين قومه وما انتهى إليه أمره، وكذلك أمر إبراهيم عليه السلام، إلى ذكر سائر الأنبياء المذكورين في القرآن. والملوك والفراعنة الذين كانوا في أيام الأنبياء صلوات الله عليهم.

=================
لا سبيل إلى معرفة ما ذكره إلا بالعلم والنبوة
ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم، وإذا كان معروفاً أنه لم يكن ملابساً لأهل الآثار وحملة الأخبار، ولا متردداً إلى التعلم منهم، ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه، علم أنه لا يصل ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي، ولذلك قال عز وجل: " وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ، وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ، إذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطلونَ".
وقال " وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ"...

================
من تعلم لم يخف على الناس فعله
وقد بينا أن من كان يختلف إلى تعلم علم، ويشتغل بملابسة أهل صنعة، لم يخف على الناس أمره، ولم يختلف عندهم مذهبه، وقد كان يعرف فيهم من يحسن هذا العلم وإن كان نادراً، وكذلك كان يعرف من يختلف إليه للتعليم، وليس يخفى في العرف عالم كل صنعة ومتعلمها، فلو كان منهم لم يخف أمره.
القرآن بديع النظم عجيب التأليف
====================

والوجه الثالث
أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه، والذي أطلقه العلماء هو على هذه الجملة.
ونحن نفصل ذلك بعض التفصيل، ونكشف الجملة التي أطلقوها... فالذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه:
نظم القرآن خارج عن نظام كلام العرب
منها ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم. وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد.
وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالاً فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة، على وجه بديع، وترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلاً في وزنه. وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل ولا يتصنع له...
=========================

القرآن ليس شعراً ولا سجعاً
وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه، ومباين لهذه الطرق، ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب السجع، ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قبيل الشعر، لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع ومنهم من يدعي أن فيه شعراً كثيراً، والكلام عليهما يذكر بعد هذا الموضع.
فهذا إذا تأمله المتأمل، تبين بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم أنه خارج عن العادة، وأنه معجز، وهذا خصوصية ترجع إلى جملة القرآن، وتميز حاصل في جميعه.
==========================

ليس في كلام العرب مثيل لما في القرآن
ومنها: أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطول وعلى هذا القدر، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدود، وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة، يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويقع فيها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوز والتعسف.
القرآن على طوله متناسباً في الفصاحة
وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسباً في الفصاحة، على ما وصفه الله تعالى به، فقال عز وجل: " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابَاً مُتَشَابِهاً، مَّثَانِيَ، تَقْشَعِرُّ مِنْهُ قُلُوبُ الَّذِينَ يَخْشَونَ رَبَّهُم، ثُمَّ تَلِينُ، جُلُودُهُم وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِْكْرِ اللّهِ"، " وَلَوْ كَانَ مَنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً".
فأخبر أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت، وبان عليه الاختلال، وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره فتأمله تعرف الفضل.
==========================

نظم القرآن لا يتفاوت ولا يتباين
وفي ذلك معنى ثالث: وهو أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام وإعذار وإنذار ووعد ووعيد وتبشير وتخويف وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة وشيم رفيعة، وسير مأثورة وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها.
===============================

كلام البلغاء يتفاوت
ونجد كلام البليغ الكامل والشاعر المفلق، والخطيب المصقع، يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور.
فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو، ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين، ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ، ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل أو سير الليل أو وصف الحرب أو وصف الروض أو وصف الخمر أو الغزل، أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر، ويتداوله الكلام.
ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وبزهير إذا رغب، ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام.
الشاعر البليغ يتفاوت في شعره
ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ووقف دونه، وبان الاختلاف على شعره، ولذلك ضرب المثل بالذين سميتهم، لأنه لا خلاف في تقدمهم في صنعة الشعر، ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم.
فإذا كان الاختلال بيناً في شعرهم، لاختلاف ما يتصرفون فيه، استغنينا عن ذكر من هو دونهم، وكذلك يستغنى به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها.
================================

الشعراء يتفاوتون في نظمهم
ثم نجد في الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلاً، ومنهم من ينظم القصيد ولكن يقصر فيه مهما تكلفه أو عمله.
ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصاناً عجيباً، ومنهم من يوجد بضد ذلك.
===============================

نظم القرآن يتساوى بلاغة
وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد، في حس النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه. ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا إسفال، إلى الرتبة الدنيا.
وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف.
وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة، فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت، بل هو على نهاية البلاغة، وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه بشر، لأن الذي يقدرون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير، عند التكرار، وعند تباين الوجوه واختلاف الأسباب.
كلام الفصحاء يتفاوت

=============================
ومعنى رابع:

وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتاً بيناً في الفصل والوصل، والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع.
ألا ترى أن كثيراً من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه، حتى أن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري مع جودة نظمه وحسن وصفه في الخروج من النسيب إلى المديح، وأطبقوا على أنه لا يحسنه ولا يأتي فيه بشيء وإنما اتفق له في مواضع معدودة خروج يرتضى، وتنقل يستحسن.
وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء، والتحول من باب إلى باب.
ا===================

لقرآن على اختلاف ما يتصرف فيه فهو يبلغ الغاية
ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة، ونبين على أن القرآ ن على اختلاف ما يتصرف فيه من الوجوه الكثير، والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد. وهذا أمر عجيب تتبين به الفصاحة، وتطهر به البلاغة، ويخرج به الكلام عن حد العادة، ويتجاوز العرف.
نظم القرآن يخرج عن كلام الإنس والجن
===============================

ومعنى خامس

: وهو أن نظم القرآن وقع موقعاً في البلاغة يخرج عن عادة كلام الإنس والجن، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا، وقد قال الله عز وجل: " قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَاْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً".

جمال حسني الشرباتي
22-11-2004, 15:54
اعتراض على ما قيل من عجز الجن
==================================

فإن قيل: هذه دعوى منكم، وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن مثله، وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله، وإن كنا عاجزين، كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة، وأسباب غامضة دقيقة، لا نقدر نحن عليها، ولا سبيل لنا للطفها إليها. وإذا كان كذلك لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل..
جواب على الاعتراض
قيل: قد يمكن أن نعرف ذلك بخبر الله عز وجل.
وقد يمكن أن يقال: إن هذا الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة الجن، وما يروون لهم من الشعر، ويحكون عنهم من الكلام.
فصاحة الجن لا تتعدى فصاحة الإنس
وقد علمنا أن ذلك محفوظ عندهم عنهم، والقدر الذي نقلوه قد تأملناه، فهو في الفصاحة لا يتجاوز حد فصاحة الإنس، ولعله يقصر عنها. ولا يمتنع أن يسمع الناس كلامهم، ويقع بينهم وبينهم محاورات في عهد الأنبياء صلوات الله عليهم، وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ينقض العادات، على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان، ولهم أشعار محفوظة، مروية في دواوينهم.
تأبط شراً يصف اجتماعه بالغول
قال تأبط شراًّ:
وأدهم قد جُبْت جِـلـبـابـه

كما اجتابت الكاعُب الخيعلا
إلى أن حدا الصبحُ أثـنـاءَه

ومزَّق جِلـبـابـه الألـيلا
على شَيْم نار تَـنَـوَّرَتُـهـا

فبتُّ لها مُدبِـراً مُـقـبِـلا
فأصبحت والغولُ لي جـارةٌ

فيا جارتا أنتِ مـا أهـولا
وطالبتها بُضعَها فالـتـوت

بوجه تهوّلَ واسـتـغـولا
فمن سال أين ثوت جارتـي

فإن لها باللـوى مـنـزِلا
وكنتُ إذا ما هممتُ اعتزمتُ

وأحْرِ إذا قلت أن أفـعـلا
وقال آخر:
عَشَوْا ناري فقلتَ منُون أنتـم

فقالوا الجنُّ قلت عِمُوا ظلاما
فقمتُ إلى الطعامِ فقال منهم

زعيم يحسدُ الإنسَ الطعاما
ويذكرون لامرئ القيس قصيدة مع عمرو الجني، وأشعاراً لهما كرهنا ذكرها لطولها..
الغول في الأرض القفر
وقال عبيد بن أيوب:
فلله درُّ الغـولِ أي رفـيقةٍ

لصاحب قفرٍ خائف يتقفّـرُ
أرنَّت بلحنٍ بعد لحنٍ وأوقدت

حواليَّ نيراناً تبوخُ وتزهر
وقال ذو الرمة بعد قوله:
قد أعسِفُ النازحَ المجهولَ معْسِفُه

في ظل أخضرَ يدعو هامَهُ البُومُ
للجن بالليلِ في حافاتـهـا زَجَـلٌ

كما تَنَاوحُ يومَ الـريح عَـيشُـوم
دوّية ودُجـى لـيلٍ كـأنـهـمـا

يَمٌ تراطنُ في حافـاتـه الـرُّوم
وقال أيضاً:
وكم عرَّست بعد النوى من معرَّس

لها من كلام الجن أصواتُ سامِرِ
وقال:
ورملٍ عزيفُ الجن في عَقَباتِـهِ

هزيزٌ كَتَضراب المغنِّينَ بالطبلِ
كلام الجن ومخاطباتهم في مستوى فصاحة العرب
وإذا كان القوم يعتقدون كلام الجن ومخاطباتهم، ويحكون عنهم، وذلك القدر المحكي لا يزيد أمره على فصاحة العرب، صح ما وصف عندهم عنه، كعجز الإنس.
ويبين ذلك من القرآن أن الله تعالى حكى عن الجن ما تفاوضوا فيه من القرآن، فقال: " وإِذْ صَرَفْنَا إلَيُكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرآنَ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ ٌقَالُواْ أَنْصِتُواْ، فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّواْ إِلَى قَوْمِهِمِ مُنْذِرِينَ". إلى آخر ما حكى عنهم فيما يتلوه، فإذا ثبت أنه وصف كلامهم، ووافق ما يعتقدونه من نقل خطابهم، صح أن يوصف الشيء المألوف بأنه ينحط عن درجة القرآن في الفصاحة.
قيل عجز الإنس عن القرآن يثبت عجز غيرهم
وهذان الجوابان أسدُّ عندي من جواب بعض المتكلمين عنه: بأن عجز الإنس عن القرآن يثبت له حكم الإعجاز، فلا يعتبر غيره، ألا ترى أنه لو عرفنا من طريق المشاهدة عجز الجن عنه.
فقال لنا قائل: فدلوا على أن الملائكة تعجز عن الإتيان بمثله، لم يكن لنا في الجواب غير هذه الطريقة التي قد بيناها.
وإنما ضعفنا هذا الجواب لأن الذي حكى وذكر، عجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله، فيجب أن نعلم عجز الجن عنه، كما علمنا عجز الإنس عنه، ولو كان وصف عجز الملائكة عنه، لوجب أن نعرف ذلك أيضاً بطريقه.

جمال حسني الشرباتي
22-11-2004, 16:05
ومعنى سادس

وهو أن الذي ينقسم عليه الخطاب: من البسط والاقتصار والجمع والتفريق والاستعارة والتصريح والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم، موجود في القرآن، وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم في الفصاحة والإبداع والبلاغة.. وقد ضمنا بيان ذلك بعد، لأن الوجه ههنا ذكر المقدمات دون البسط والتفصيل.
ما في القرآن من الشريعة والأحكام
=======================

يتعذر مثله على البشر
ومعنى سابع

وهو أن ورود تلك المعاني التي يتضمنها في أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضاً في اللطف والبراعة، مما يتعذر على البشر.
===================
تخير الألفاظ للمعاني المبتكرة أصعب
ويمنع ذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس، أسهل وأقرب، من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأسباب مستحدثة. فلو برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر والأمر المتقرر المتصور.
ثم إن انضاف إلى ذلك التصرف البديع، في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه، ويراد تحقيقه، بأن التفاضل في البراعة والفصاحة ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى، والمعاني وفقها، لا يفضل أحدها على الآخر، فالبراعة أظهر، والفصاحة أتم.

==================
متى يبين فضل الكلام
ومعنى ثامن
: وهو أن الكلام يبين فضله، ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذه الأسماع، وتتشوف إليه النفوس، ويرى وجه رونقه بادياً غامراً سائر ما يقرن به، كالدرة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد.
وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهي غرة جميعه، وواسطة عده، والمنادى على نفسه بتميزه، وتخصصه برونقه وجماله، واعتراضه في جنسه ومائه.

=====================
تحير أهل الفصاحة
وهذا الفصل أيضاً مما يحتاج إلى تفصيل وشرح ونص، ليتحقق ما ادعيناه منه، ولولا هذه الوجوه التي بيناها لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة، والتصنع للمعارضة، وكانوا ينظرون في أمرهم ويراجعون أنفسهم، أو كان يراجع بعضهم بعضاً في معارضته، ويتوقفون لها.
================

عدل أهل الصنعة لما عرفوا عجزهم
فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك، علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور، لعلمهم بعجزهم عنه. وقصور فصاحتهم دونه.
ولا يمتنع أن يلتبس على من لم يكن بارعاً فيهم ولا متقدماً في الفصاحة منهم هذه الحال، حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل، وحتى يعرف حال عجز غيره.. إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا، ولم يشتغلوا بذلك، تحققاً بظهور العجز، وتبيناً له.
================

كذبوا حين قالوا لو نشاء لقلنا مثله
وأما قوله تعالى حكاية عنهم: " قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لو نشاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا" فقد يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم، وقد يمكن أن يكون هذا الكلام إنما خرج منهم وهو يدل على عجزهم، ولذلك أورده الله مورد تقريعهم، لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أ نفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز، والضمان إلى الوفاء.

=============
لم يستعملوا التحدي لعجزهم
فلما لم يستعملوا ذلك مع استمرار التحدي، وتطاول زمان الفسحة في إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه، علم عجزهم، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط، ومعلوم من حالهم وحميتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام والحيات، وفي وصف الأزمة والأنساع والأمور التي لا يؤبه لها ولا يحتاج إليها، ويتنافسون في ذلك أشد التنافس، ويتبجحون به أشد التبجح.
فكيف يجوز أن تمكنهم معارضته في هذه المعاني الفسيحة والعبارات الفصيحة، مع تضمن المعارضة تكذيبه والذبّ عن أديانهم القديمة، وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه رأيهم وتضليله إياهم، والتخلص من منازعته، ثم من محاربته ومقارعته، ثم لا يفعلون شيئاً من ذلك وإنما يحيلون أنفسهم على التعاليل، ويعللونها بالأباطيل?

===============
حروف كلام العرب
ومعنى تاسع:
وهو أن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفاً، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة.
وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفاً، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم.
=================
أقسام الحروف
والذي ينقسم إليه هذه الحروف: على ما قسمه أهل العربية، وبنوا عليها وجوهها: أقسام نحن ذاكروها: فمن ذلك أنهم قسموها إلى: حروف مهموسة، وأخرى مجهورة.
==================
الحروف المهموسة
فالممهموسة منها عشرة، وهي: الحاء، والهاء، والخاء، والكاف، والشين، والثاء، والفاء، والتاء، والضاد، والسين: وما سوى ذلك من الحروف فهي مجهورة.
وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور، وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء لا زيادة ولا نقصان.
===============
الحروف المجهورة
والمجهور معناه أنه حرف أشبع الاعتماد في موضعه، ومنع أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد، ويجري الصوت.. والمهموس كل حرف ضعف الاعتماد في موضعه، حتى جرى معه النفس، وذلك مما يحتاج إلى معرفته، لتبتني عليه أصول العربية.
=================
حروف الحلق
وكذلك مما يقسمون إليه الحروف: يقولون أنها على ضربين: أحدهما: حروف الحلق، وهي ستة أحرف: العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والغين.. والنصف من هذه الحروف مذكور في جملة الحروف التي تشتمل عليها الحروف المبينة في أوائل السور، وكذلك النصف من الحروف التي ليست بحروف الحلق.
====================
الحروف شديدة وغيرشديدة
وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين: أحدهما حروف غير شديدة، وإلى الحروف الشديدة، وهي التي تمنع الصوت أن يجري فيه وهي: الهمزة والقاف والكاف والجيم والظاء والذال والطاء والباء.
وقد علمنا أن نصف هذه الحروف أيضاً هي مذكورة في جملة تلك الحروف التي بني عليها تلك السور.
====================
الحروف مطبقة ومنفتحة
ومن ذلك: الحروف المطبقة، وهي أربعة أحرف. وما سواها منفتحة. فالمطبقة: الطاء والظاء والضاد والصاد.
وقد علمنا أن نصف هذه في جملة الحروف المبدوء بها في أوائل السور.
======================
تقسيم الحروف جاء متأخراً لكن بإلهام من الله
وإذا كان القوم الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام، لأغراض لهم في ترتيب العربية، وتنزيلها، بعد الزمان الطويل، من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، رأوا مباني اللسان على هذه الجهة، وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما لم يذكر، على حد التنصيف الذي وصفنا. دل على أن وقوعها الموقع الذي يقع التواضع عليه، بعد العهد الطويل، لا يجوز أن يقع إلا من الله عز وجل، لأن ذلك يجري مجرى علم الغيوب، وإن كان إنما نبهوا على ما بني عليه اللسان في أصله، ولم يكن لهم في التقسيم شيء، وإنما التأثير لمن وضع أصل اللسان: فذلك أيضاً من البديع، الذي يدل على أن أصل وقع موقع الحكمة التي يقصر عنها اللسان.

=====================
أصل اللغة توقيفي واجتماع همم العلماء بأمر من الله
فإن كان أصل اللغة توقيفاً فالأمر في ذلك أبين، وإن كان على سبيل التواضع فهو عجيب أيضاً، لأنه لا يصح أن تجتمع هممهم المختلفة على نحو هذا إلا بأمر من عند الله تعالى، وكل ذلك يوجب اثبات الحكمة في ذاكر هذه الحروف على حد يتعلق به الإعجاز من وجه.
================
تعاد فاتحة كل سورة لفائدة
وقد يمكن أن تعاد فاتحة كل سورة لفائدة تخصها في النظم إذا كانت حروفاً، كنحو ألم، الآن الألف المبدوء بها هي أقصاها مطلعاً، واللام متوسطة، والميم متطرفة، لأنها تأخذ في الشفة.
فنبه بذكرها على غيرها من الحروف، وبين أنه إنما أتاهم بكلام منظوم، بما يتعارفون من الحروف، التي تتردد بين هذين الطرفين؛ ويشبه أن يكون التنصيف وقع في هذه الحروف دون الألف، لأن الألف قد تلغى، وقد تقع الهمزة وهي موقعاً واحداً.
===============

كلام القرآن سهل لكنه عسير المتناول
ومعنى عاشر:

وهو أنه سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشي المستكره، والغريب المستنكر وعن الصنعة المتكلفة، وجعله قريباً إلى الإفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس.
وهو مع ذلك ممتنع المطلب، عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه أو يظفر به.
فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل، والقول المسفسف، فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة فيطلب فيه التمنع، أو يوضع فيه الإعجاز، ولكن لو وضع في وحشي مستكره، أو غمر بوجوه الصنعة وأطبق بأبواب التعسف والتكلف، لكان القائل أن يقول فيه ويعتذر ويعيب ويقرع. ولكنه أوضح مناره، وقرب منهاجه، وسهل سبيله، وجعله في ذلك متشابهاً متماثلاً، وبين مع ذلك اعجازهم فيه.

====================
كلام فصحاء العرب لا يخلو من هنات
وقد علمت أن كلام فصحائهم، وشعر بلغائهم، لا ينفك من تصرف في غريب مستنكر أو وحشي مستكره، ومعان مستبعدة، ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه في الرتبة ثم تحولهم إلى كلام معتدل بين الأمرين، متصرف بين المنزلتين.
====================

كبير شعراء الجاهلية في شعره مأخذ
فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ونحن نذكر بعد هذا على التفصيل ما تتصرف إليه هذه القصيدة، ونظائرها ومنزلتها من البلاغة، ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها، على وجه يؤخذ باليد، ويتناول من كثب، ويتصور في النفس كتصور الأشكال، ليبين ما ادعيناه من الفصاحة العجيبة للقرآن.

====================
الأحكام معللة بعلل توافق مقتضى العقل
واعلم أن من قال من أصحابنا: إن الأحكام معللة بعلل موافقة مقتضى العقل جعل هذا وجهاً من وجوه الإعجاز، وجعل هذه الطريقة دلالة فيه كنحو ما يعللون به الصلاة ومعظم الفروض وأصولها، ولهم في كثير من تلك العلل طريق قريبة، ووجوه تستحسن. وأصحابنا من أهل خراسان يولعون بذلك، ولكن الأصل الذي يبنون عليه عندنا غير مستقيم، وفي ذلك كلام يأتي في كتابنا في "الأصول".
وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والإفراد، فإنا جمعنا بين أمور، وذكر المزية المتعلقة بها، وكل واحد من تلك الأمور مما قد يمكن اعتماده في إظهار الإعجاز فيه.

=====================
هل القرآن معجز لأنه حكاية لكلام الله القديم
فإن قيل: فهل تزعمون أنه معجز، لأنه حكاية الكلام القديم سبحانه، أو لأنه عبارة عنه، أو لأنه قديم في نفسه? قيل: لسنا نقول بأن الحروف قديمة، فيكف يصح التركيب على الفاسد، ولا نقول أيضاً إن وجه الإعجاز في نظم القرآن أنه حكاية عن الكلام القديم، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله عز وجل معجزات في النظم والتأليف، وقد بينا أن إازه في غير ذلك. وكذلك كان يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها، وقد ثبت خلاف ذلك.