المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما معى القاعدة الأصولية: ما طرأ عليه الاحتمال سقط به الاستدلال؟.



حسين علي اليدري
13-11-2010, 19:59
اخواني الكرام من باب المباحثة:
ما هي المعاني المستفادة من القاعدة الأصولية: ما طرأ عليه الاحتمال سقط به الاستدلال؟.

حسين علي اليدري
27-11-2010, 09:02
قال العلامة القرافي رحمه الله في الفروق: ( الفرق الحادي والسبعون الفرق بين قاعدة: حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، وبين قاعدة: حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال، ، هذا موضع نقل عن الشافعي فيه هذان الأمران؛ على هذه الصورة، واختلفت أجوبة الفضلاء في ذلك؛ فمنهم من يقول: هذا مشكل، ومنهم من يقول: هما قولان للشافعي، والذي ظهر لي؛ أنهما ليستا قاعدة واحدة فيها قولان، بل هما قاعدتان متباينتان، ولم يختلف قول الشافعي ولا تناقض، وتحرير الفرق بينهما ينبني على قواعد:
القاعدة الأولى: أن الاحتمال المرجوح لا يقدح في دلالة اللفظ، وإلا لسقطت دلالة العمومات كلها، لتطرق احتمال التخصيص إليها، بل تسقط دلالة جميع الأدلة السمعية، لتطرق احتمال المجاز والاشتراك إلى جميع الألفاظ، لكن ذلك باطل؛ فتعين حينئذ أن الاحتمال الذي يوجب الإجمال؛ إنما هو الاحتمال المساوي أو المقارب، أما المرجوح فلا.
القاعدة الثانية : أن كلام صاحب الشرع؛ إذا كان محتملاً احتمالين على السواء، صار مجملاً، وليس حمله على أحدهما أولى من الآخر.
القاعدة الثالثة: أن لفظ صاحب الشرع؛ إذا كان ظاهراً أو نصاً في جنس؛ وذلك الجنس متردد بين أنواعه وأفراده، لا يقدح ذلك في الدلالة، كقوله تعالى: ( فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا )، اللفظ ظاهر في إعتاق جنس الرقبة، وهي مترددة بين الذكر والأنثى، والطويلة والقصيرة، وغير ذلك من الأوصاف، ولم يقدح ذلك في دلالة اللفظ على إيجاب الرقبة، وكذلك الأمر بجميع المطلقات الكليات، وقد تقدم أنها عشرة، ولم يظهر في شيء من مثلها قدح ولا إجمال.
إذا تحررت هذه القواعد؛ فنقول: الاحتمالات تارة تكون في كلام صاحب الشرع على السواء، فتقدح؛ وتارة تكون في محل مدلول اللفظ، فلا تقدح. فحيث قال الشافعي رضي الله عنه: إن حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، مراده: إذا استوت الاحتمالات في كلام صاحب الشرع، ومراده: أن حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال قامت مقام العموم في المقال، إذا كانت الاحتمالات في محل المدلول؛ دون الدليل.
ولنوضح ذلك بذكر ثمان مسائل:
المسألة الأولى: قوله صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن الوضوء بنبيذ التمر؟!، قال: تمرة طيبة، وماء طهور، ليس في اللفظ؛ إلا أن التمرة طاهرة طيبة، والماء طهور، فيبقى إذا جمع بين التمرة والماء الطهور كيف يكون الحال؟!، هل يسلب الطهورية، أم لا؟!، لم يتعرض لذلك، فيحتمل أن يريد أن كل واحد منهما بقي على حاله؛ لم يتغير عن وصفه، فلذلك وصفهما بما كانا عليه قبل الاجتماع، ويحتمل أنهما تغيرا عن حالتهما الأولى، فتفتتت التمرة، واحمر الماء، وحلا، ومع ذلك فالماء طهور على حاله، وهو مراد الحنفية، وليس في اللفظ إشعار بالتفتت، ولا بعدمه، فقوله عليه الصلاة والسلام: تمرة طيبة؛ وماء طهور، لم يتعرض في ذلك لما قبل التغير، ولا لما بعده، فإن قلت: لو لم يتعرض لما بعد التغير؛ لم يكن الجواب حاصلاً!، فإنه عليه السلام إنما سئل عنهما بعد اجتماعهما؟!.
قلت: مسلم إنه سئل عنهما بعد اجتماعهما، ولكنه لم يقل للسائل توضأ، ولا لا تتوضأ، بل اقتصر على ذكر وصفي المجتمعين، ولم يتعرض للتغير ولا لعدمه، فلا جرم؛ لما تساوت الاحتمالات في ذلك، سقط الاستدلال بالحديث على الجواز بعد التغير، فإن الدال على الأعم؛ غير دال على الأخص، وحالة التغير أخص مما فهم من اللفظ، من وصفي المجتمعين.
المسألة الثانية: استدلت المعتزلة على أن الشر من العبد؛ لا من الله، بقوله عليه السلام في الحج: الخير كله بيديك، والشر ليس إليك، وهذا سلب عام، تقوم به الحجة على الأشعرية!، فجوابه: أن قوله عليه السلام: ( ليس إليك )، هذا الجار والمجرور لا بد له من عامل يتعلق به، فالمعتزلة يقدرونه: ( والشر ليس منسوبا إليك )، حتى يكون من العبد على زعمهم، ونحن نقدره: ( والشر ليس قربة إليك )، لأن الملوك كلهم يتقرب إليهم بالشر؛ إلا الله تعالى، لا يتقرب إليه إلا بالخير، وهذا معنى حسن جميل، يحمل اللفظ عليه، وعليه هذا يكون لفظ صاحب الشرع محتملاً؛ لما قلناه ولما قالوه، وليس اللفظ ظاهرا في أحدهما، من حيث الوضع، بل الاحتمالان مستويان، فيسقط استدلال المعتزلة به لحصول الإجمال فيه.
المسألة الثالثة: قوله عليه السلام في المحرم الذي وقصت به ناقته: ( لا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا )، هذه واقعة عين في هذا المحرم، وليس في اللفظ ما يقتضي أن هذا الحكم ثابت لكل محرم، أو ليس بثابت، وإذا تساوت الاحتمالات بالنسبة إلى بقية المحرمين، سقط استدلال الشافعية به؛ على أن المحرم إذا مات لا يغسل، ولم يقل عليه السلام: ( والمحرم يبعث يوم القيامة ملبيا )، حتى يكون فيه عموم، ولا رتب الحكم على وصف يقتضي أنه علة له؛ فيعم جميع الصور، لعموم علته، بل علل حكم الشخص المعين فقط، فكان اللفظ مجملاً بالنسبة إلى غيره، ولو أراد عليه السلام الترتيب على الوصف؛ لقال: فإن المحرم يبعث يوم القيامة ملبياً، ولم يقل: ( فإنه )، ولقال: ( لا تقربوا المحرم )، ولم يقل: ( لا تقربوه )، فلما عدل عن هذين المقامين إلى الضمائر الجامدة، دل ذلك ظاهراً على عدم إرادته لترتيب الحكم على الوصف، فبقيت الاحتمالات مستوية. وهو المطلوب.
يتبع

حسين علي اليدري
27-11-2010, 09:27
تكملة ..
المسألة الرابعة: قال الحنفية : لا يجوز أن يوتر بركعة واحدة، بل بثلاث بتسليمة واحدة، لنهيه عليه السلام عن البتراء، وهي الركعة المنفردة.
قلنا: ليس في لفظ البتراء ما يقتضي ذلك، بل الأبتر في اللغة هو: الذي لا ذنب، ولا عقب له، ومنه قوله تعالى ـ لنبيه عليه الصلاة والسلام ـ: ( إن شانئك هو الأبتر )، أي: لا عقب له، فالبتراء يحتمل: أن يريد بها ركعة ليس قبلها شيء، ويحتمل: أن يريد بها ركعة منفردة، والاحتمالان متقاربان، فلا يحصل الاستدلال به؛ على أن الركعة المنفردة لا تجزي، نعم؛ لو كان الأبتر في اللغة هو المنفرد وحده، صح ذلك، بل هو الذي لا يتبعه غيره، ويضاف إليه من ذنب أو عقب، ونحن نقول: الركعتان متقدمتان، تابعتان للوتر، وتوطئة له، فلا حجة فيه، فهذه المسائل كلها الاحتمالات فيها في نفس الدليل، وقد تقاربت؛ فيسقط الاستدلال بها، فمتى وقعت واقعة عين، ووقع فيها مثل هذا، سقط بها الاستدلال، وهي التي أفتى فيها الشافعي بالإجمال، وعدم الدلالة.
وأشرع الآن في المسائل التي تجري مجرى العموم بسبب عدم الاستفصال:
المسألة الخامسة: قوله عليه السلام ـ لغيلان لما أسلم على عشر نسوة ـ: ( أمسك أربعاً؛ وفارق سائرهن )، قال أبو حنيفة: إن عقد عليهن عقوداً مرتبة؛ عقداً بعد عقد، لم يجز له أن يختار من المؤخرات، لفساد عقودهن بعد أربع عقود، فإن الخامسة وما فوقها باطل، والخيار في الباطل لا يجوز، وإن كان عقد عليهن عقداً واحداً؛ جاز أن يختار؛ لعدم التفاوت بينهن، وقال الشافعي ومالك رضي الله عنهما: الحكم في ذلك سواء، وله الخيار في الحالين، لأنه عليه السلام؛ أطلق القول في هذه القضية، ولم يستفصل، فكان ذلك كالتصريح بالعموم في جميع هذه الأحوال،فيجوز التخيير مطلقاً، ولو أراد عليه السلام أحد القسمين دون الآخر، لاستفصل غيلان عن ذلك، وحيث لم يستفصل؛ دل ذلك على التسوية في الحكم.
فإن قيل: لعله على أن الواقع اتحاد العقد، فلذلك أطلق القول؟!.
قلت: الجواب عن هذا من وجهين:
الأول: أن الأصل عدم العلم بحالة غيلان.
الثاني: أن هذه القضية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تقرير قاعدة كلية لجميع الخلق، ومثل هذا شأنه البيان والإيضاح، فلو كان في نفسه عليه السلام علم ينبني عليه الحكم لبينه للناس، وحيث لم يبينه؛ وأطلق القول، دل ذلك على أن الحالين سواء، فهذا الحديث ليس في لفظه إجمال، والاحتمالات مستوية، بل اللفظ ظاهر ظهوراً قوياً في الإذن والتخيير، وإنما الاحتمالات المستوية في محل الحكم، وهذه النسوة وعقودهن يحتمل أن يكون عقدا واحداً، أو عقوداً، والاحتمالات في محل الحكم لا تقدح، وإنما يقدح في الدلالة؛ الاستواء في الاحتمالات في الدليل الدال على الحكم، أما إذا كان الدليل ظاهراً ومحل الحكم فيه احتمالات، لا يقدح ذلك.
المسألة السادسة: قوله عليه السلام: ( للمفطر في رمضان أعتق رقبة )، ظاهر في وجوب الإعتاق، لا إجمال فيه، مع احتمال أن تكون الرقبة المأمور بها سوداء، أو بيضاء، أو ذكراً، أو أنثى، أو طويلة، أو قصيرة، ومن هذا التنويع كثير في الرقبة؛ ولا تقدح هذه الاحتمالات، وإن استوت في دلالة الدليل على وجوب إعتاق رقبة، لأن الاحتمالات في محل الحكم لا في دليله.
المسألة السابعة: قوله عليه السلام: ( إذا شهد عدلان فصوموا وأفطروا وانسكوا )، لفظ ظاهر في ربط هذه الأحكام بشهادة العدلين، مع احتمال أن يكون العدلان عربيين أو عجميين، شيخين أو كهلين، أبيضين أو أسودين، ونحو ذلك، فيعم الحكم الجميع، لأن الاحتمالات في محل الحكم؛ لا في دليله، ونقول: جميع هذه الاحتمالات تندرج في محل الحكم، وهو معنى قول الشافعي: أنه يقوم مقام العموم في المقال.
المسألة الثامنة: قوله تعالى: ( فصيام ثلاثة أيام في الحج؛ وسبعة إذا رجعتم )، اللفظ نص قطعي في السبعة والثلاثة، لا احتمال في الدليل من هذا الوجه أصلاً، والاحتمالات في الموضع الذي يرجع إليه، فيحتمل أن يكون غربا أو شرقا أو شمالا أو جنوبا، أو مدينة أو برية أو قرية، وجميع هذه الاحتمالات في محل الحكم، فلا جرم أن يعم الحكم جميعها، ويستوي فيما حكم به صاحب الشرع، فهذا مثال الدليل يكون نصاً، والاحتمالات مستوية في محل الحكم، فلو كانت هذه الاحتمالات المستوية في الدليل، سقط به الاستدلال، وصار مجملاً كما قاله الشافعي رضي الله عنه، فقد ظهر بهذه القواعد؛ وهذه المسائل، الفرق بين حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال؛ كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال، وبين قاعدة: إن ترك الاستفصال في حكاية الحال، تقوم مقام العموم في المقال، ولم يتناقض قول الشافعي رضي الله عنه، ولا اختلف، بل كل قول له موضع يخصه )اهـ كلام القرافي

ولا تنسونا من صالح دعائكم