المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مجالس فقه المالكية: تقريب نظم "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين"



ياسين أحمد إبراهيم علوين
05-11-2010, 01:53
بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطيبين

مجالس فقه المالكية: تقريب نظم العلامة عبد الواحد بن عاشر رحمه الله، المسمى:"المرشد المعين على الضروري من علوم الدين".

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وبعد:

فقد عقدت العزم على افتتاح مجالس لتقريب نظم ابن عاشر المسمى"المرشد المعين على الضروري من علوم الدين" وهو من الكتب المعتمدة في المذهب المالكي.
وقد سارت به الركبان في حياة مؤلفه وبعدها، وعليه المعول في تدريس المذهب بالمغرب قبل "الرسالة" لابن أبي زيد القيرواني رضي الله عنه.
وقبل الشروع في المقصود،سأقدم بترجمة لصاحب النظم ثم مكانة النظم في المذهب ثم أذكر الشروح على النظم وأبين المعتمد منها.و الله الموفق.
و سيعقد كل مجلس لأجل شرح مقطع من النظم المذكور، و سأقتصر على الأبيات المتعلقة بالفقه.و الله أسأل التوفيق و السداد.


عبد الواحد ابن عاشر الفاسي (ت 1040هـ)

هو الإمام، العالم العلامة، الورع الناسك، أبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن علي ابن عاشر الأنصاري نسباً، الأندلسي أصلاً، الفاسي منشأ وداراً، المعروف بابن عاشر الفاسي، وهو من حفدة الشيخ الشهير أبي العباس ابن عاشر السلاوي (ت765هـ).
ولد بمدينة فاس عام 990هـ/1582م، وسكن بدار أسلافه الكبرى بحومة درب الطويل من فاس القرويين. بدأ تحصيل علومه بحفظ القرآن الكريم، فقرأه على يد الشيخ أبي العباس أحمد بن عثمان اللمطي، وأخذ القراءات السبع على يد الشيخ أبي العباس الكفيف، ثم على الشيخ أبي عبد الله محمد الشريف التلمساني(ت1052هـ)، كما أخذ الفقه عن جماعة من شيوخ عصره، أمثال: أبي العباس ابن القاضي المكناسي(ت1025هـ)، وابن عمه أبي القاسم، وابن أبي النعيم الغساني، وقاضي الجماعة بفاس علي بن عمران، وأبي عبد الله الهواري، وقرأ الحديث على العلامة محمد الجنان(ت1050هـ)، وعلى أبي علي الحسن البطيوي، وكان يتردد على الزاوية البكرية، فأخذ عن علمائها المبرزين، وحضر مجالس محمد بن أبي بكر الدلائي(ت1046هـ) في التفسير والحديث.
وبعد أن تضلع مترجمنا في عدد من العلوم رحل إلى المشرق، فأخذ عن الشيخ سالم السنهوري(ت1015هـ)، وعن الإمام المحدث أبي عبد الله العزي، وعن الشيخ بركات الحطاب، وغيرهم، وحجّ سنة (1008هـ)، فالتقى بالشيخ عبد الله الدنوشري، وأخذ التصوف عن العالم العارف ابن عزيز التجيبي (ت1022هـ)، وعلى يده فُتِحَ عليه بسعة العلم والعمل.
ولابن عاشر رحمه الله مشاركة قوية في جل الفنون، وتبحر في عدد من العلوم، خصوصاً علم القراءات، والرسم، والضبط، والنحو، والإعراب، وعلم الكلام، والأصول، والفقه، والتوقيت، والتعديل، والحساب، والفرائض، والمنطق، والبيان، والعروض، والطب، وغيرها، وتذكر المصادر أنه تولى التدريس، والخطابة، وتشير إلى إقبال الطلبة عليه، ومن أبرزهم: أبو عبد الله محمد بن أحمد ميارة (ت1072هـ)، وأحمد بن محمد الزموري الفاسي(ت1057هـ)، ومحمد الزوين (ت1040هـ)، وعبد القادر الفاسي (ت1091هـ)، والقاضي محمد بن سودة (ت1076هـ)، وغيرهم.
ومن أخلاقه رحمه الله التي اشتهر بها: الورع، والزهد، والاعتكاف، والجهاد، والتواضع، وحسن الخلق، وكان لا يأكل إلا من عمل يده، مثابراً على التعليم، كثير الإنصاف في المباحثة، وكانت له سلاسة في التعبير، وحسن العرض لدروسه في القرويين، ومن أقواله المأثورة في الإجازة:«لو لم يجيزوا إلا لمن أتقن ما بلغنا شيء»، وقوله في تلاوة القرآن للميت:«قراءة الحزابين عذر في التخلف عن الجنائز».
وعبارات العلماء في الثناء على مترجمنا كثيرة، منها قول أبي عبد الله الكتاني في سلوة الأنفاس:«الشيخ الإمام الكبير، العالم العلامة الشهير، الحجة المشارك، الورع الناسك، الخطيب المقرئ المجاهد، الحاج الأبر الزاهد، شيخ الجماعة بفاس ونواحيها».
ألف الشيخ ابن عاشر رحمه الله تآليف عديدة نافعة، في غاية التحرير والإتقان، بلغت أربعة عشر كتاباً، كان أهمها وأشهرها نظمه في قواعد الإسلام الخمس ومبادئ التصوف، الذي سماه:«المرشد المعين على الضروري من علوم الدين»، وبه اشتهر وعرف، داخل المغرب وخارجه، فاعتنى به الناس حفظا، وشرحا، وتعليقا، وختما، ومن تآليفه أيضاً:«شرح مورد الظمآن في علم رسم القرآن»، و«شرح على مختصر خليل، من النكاح إلى العلم»، و«رسالة في عمل الربع المجيب»، و«تقييد على العقيدة الكبرى للسنوسي»، وغيرها.
توفي ابن عاشر رحمه الله عن عمر يناهز الخمسين سنة، إثر إصابته بمرض مفاجئ يسمى على لسان العامة بـ:«النقطة»، وهو داء عصبي يؤدي إلى الشلل الكلي، وقيل: مات مسموماً بسبب سم وضع له في نوار الياسمين، وذلك يوم الخميس 3 ذي الحجة عام 1040هـ/الموافق لـ 3 يوليوز 1631م، ودفن من الغد بأعلى مطرح الجنة، بقرب مصلى باب فتوح بفاس، وبني عليه قوس معروف غرب روضة يوسف الفاسي، بجوار السادات المنجريين.
مصادر ترجمته:
الدر الثمين والمورد المعين لمحمد ميارة:ص: (3)
صفوة من انتشر من أخبار صلحاء القرن الحادي عشر للصغير الإفراني: (124)،
نشر المثاني للقادري: (1/283)،
التقاط الدرر للقادري: (91)،
شجرة النور الزكية لمخلوف: (299)،
الفكر السامي: (2/327)،
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس لأبي عبد الله الكتاني: (2/310-312)
معلمة المغرب: (17/5837-5838).

مكانة نظم المرشد المعين على الضروري من علوم الدين في المذهب المالكي

واعتبارا لقيمة هذه المنظومة، نجدها معتمدة من كبار الفقهاء المالكية؛ فالإمام أبو عبد الله الدسوقي (ت1203هـ) ينقل عنها في أكثر من 83 موضعاً من حاشيته على الدردير في شرح مختصر خليل، وبلغت النقول عنها عند العلامة محمد عليش (ت1299هـ) إلى مائة نقل في منح الجليل شرح مختصر خليل، وحوالي ثلاثة عشر نقلاً عند الإمام أحمد الصاوي (ت1241هـ) في كتابه بلغة السالك لأقرب المسالك.

شروح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين

1- "الدر الثمين والمورد المعين شرح المرشد المعين" للعلامة سيدي محمد بن أحمد بن محمد الفاسي،الشهير بـ "ميارة" (ت 1072هـ).
2- "مختصر الدر الثمين و المورد المعين" و قد اختصره العلامة "ميارة" من كتابه السالف الذكر "الدر الثمين".
3- "المباشر على ابن عاشر" للعلامة محمد النابغة الغلاوي الشنقيطي، صاحب المنظومة الشهيرة بـ" بوطليحية" فيما اعتمد من الكتب و الأقوال.
4- " إرشاد المريدين لفهم معاني المرشد المعين" للعلامة علي بن عبد الصادق بن أحمد العيادي رحمه الله (ت 1138هـ).
5- "التقريب و التبيين لحل ألفاظ المرشد المعين" للعلامة الأديب محمد العربي بن محمد الهاشمي الزرهوني رحمه الله (ت 1260هـ). مخطوط.
6- "مفيد العباد سواء في العاكف فيه و البادي على شرح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين" للعلامة أحمد بن البشير القلاوي الشنقيطي رحمه الله (ت 1276هـ)
7- " المورد المعين في شرح المرشد المعين" للعلامة محمد بن الطيب بن عبد السلام الحسني، القادري رحمه الله (ت 1187هـ).
8- " مورد الشارعين في قراءة المرشد المعين" للعلامة عبد الصمد بن التهامي بن المدني كنون رحمه الله (ت 1352هـ).
9- "الحبل المتين على نظم المرشد المعين" للشيخ محمد بن محمد بن عبد الله المراكشي، المعروف بابن المؤقت رحمه الله (ت 1369هـ).
و المعتمد منها " الدر الثمين" و مختصره للعلامة "ميارة" رحمه الله، تلميذ مؤلف النظم.
و الله أعلم و نسبة العلم إليه أسلم
و كتبه: أبو محمد ياسين أحمد إبراهيم علوين المالكي



تابع بإذن الله المجلس الأول ( تقريب كتاب الطهارة- الفصل الأول )

ياسين أحمد إبراهيم علوين
05-11-2010, 01:56
المنهجية المتبعة لتقريب نظم ابن عاشر

سأقتصر في هذا التقريب على حل ألفاظ المتن (فك الأقفال) و ذلك بالاستعانة بكتب المذهب الأخرى و سأقتصر على القول المعتمد فقط، مع ذكر بعض الفوائد. بالنسبة للدليل فيمكن مراجعة كتاب " الفقه المالكي و أدلته" للعلامة الحبيب بن طاهر.

ياسين أحمد إبراهيم علوين
05-11-2010, 02:01
المجلس الأول

كتاب الطهارة
يقول الناظم رحمه الله:


1- فصل و تحصل الطهارة بما**** من التغير بشيء سلما
2- إذا تغير بنجس طرحـا**** أو طاهر لعادة قد صلحا
3- إلا إذا لازمه في الغالب**** كمغرة فمطلق كالذائب


لما كانت الصلاة هي القاعدة الثانية بعد الشهادتين و قد ذكر في أبيات العقيدة أنها القاعدة الثانية، ناسب أن يأتي الناظم بكتاب الطهارة لأنها شرط فيها، و الشرط مقدم على المشروط.
قال العلامة محمد ميارة رحمه الله:" و لما كانت الطهارة إنما تكون بالماء إلاّ إذا فُقد، احتيج إلى معرفته قبلها إذ هو كالآلة لها."إهـ

شرح البيت الأول:


بين الناظم رحمه الله أن الطهارة تحصل بالماء الذي سلم من التغير مطلقا.

تعريف الطهارة:

هي في اللغة: النزاهة و النظافة من الأوساخ.
قال الجوهري رحمه الله:" وهم قوم يتطهرون، أي يتنزهون من الادناس. ورجل طاهر الثياب، أي متنزه."إهـ
أما في الاصطلاح، فقال العلامة أحمد الدردير رحمه الله:" قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمُوصِفِهَا جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَهُ فَالْأُولَيَانِ مِنْ خَبَثٍ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ.انْتَهَى".إهـ
قوله: (صفة حكمية) أي :تقديرية.
و قوله: (توجب) أي تستلزم.

و الطهارة قسمان:

1- طهارة الحدث: و هي إزالة المنع المترتب على الأعضاء كلها(بالغسل) أو بعضها( بالوضوء).
و الحدث في اللغة:"كون شئ لم يكن"

و في الاصطلاح:له أربعة معان:
- يطلق على الخارج.
- يطلق على نفس الخروج.
- يطلق على الوصف الحكمي المقدر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية.
- المنع المترتب على الثلاثة.
2- طهارة الخبث: و هي إزالة النجاسة عن الثوب و البدن و المكان.
و الخبث في اللغة: يطلق على النجاسة و والنجاسة في اللغة ملابسة الأدناس وتستعمل مجازا في العيوب.
و في الاصطلاح:" صفة حكمية توجب لموصوفها منع استباحة الصلاة به أو فيه قاله ابن عرفة."إهـ

فوائد متعلقة بهذا البيت:

- جاء في نسختين بخط الناظم رحمه الله قوله:
ويحصل الطهران بالماء المطلق**** وهو الذي من التغير يقي
فصرح الناظم هنا بماهية الماء الذي يتطهر به و هو مفسر لما جاء في البيت أعلاه من قوله:" بما"، و بين أيضا أن الطهارة طهران.
- الفصل: هو الجزء المقتطع عن غيره، و فصلته عن غيره فصلا، من باب ضرب، نحّيته أو قطعته فانفصل، و في الاصطلاح: اسم لطائفة من مسائل الفن مندرجة غالبا تحت باب أو كتاب.

ياسين أحمد إبراهيم علوين
06-11-2010, 20:24
شرح البيت الثاني:

حاصل هذا البيت أن الماء إذا تغيرت أوصافه كلها أو أحدها،فله حالتان:

الأولى: أن يتغير بطاهر كالعسل و نحوه،فهذا يصلح للعادات كالطبخ و الأكل و غيره دون العبادات،فلا يرفع به حدث و لا حكم خبث.
الثانية: أن يتغير بنجس،فهذا يطرح و لا يستعمل لا في عادات و لا عبادات.

قال العلامة الحطاب رحمه الله:" وإذا تغير الماء بما ذكرنا(من الطاهرات و النجاسات) فحكمه حكم الشيء الذي غيره فإن كان ذلك الشيء طاهرا فالماء طاهر غير مطهر فيستعمل في العادات كالشرب والطبخ والعجن وغسل الثياب من الوسخ ولا يرفع الحدث ولا حكم الخبث وإن كان ذلك الشيء الذي غير الماء نجسا فالماء نجس لا يستعمل لا في العادات ولا في العبادات."

قال العلامة أبو عبد الله المواق رحمه الله:"ابْنُ عَرَفَةَ : مَا خُولِطَ وَغَيَّرَ مُخَالِطُهُ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ فَهُوَ مِثْلُ مُخَالِطِهِ ، وَكَذَا مَا خُولِطَ وَغَيَّرَ مُخَالِطُهُ رِيحَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ."إهـ

شرح البيت الثالث:

بعد أن بين الناظم رحمه الله في البيت السابق أن الماء المتغير بطاهر يستعمل في العادات دون العبادات،استثنى في هذا البيت من المتغير بطاهر، الماء المتغير بما لا ينفك عنه غالبا، و مثل له الناظم بـ "المغرة" و هي :" الطين الأحمر" ،و هي التي تكون في قعر الأنهار و الوديان يجري عليها الماء.
و هذا المتغير بما يلازمه غالبا جعله الناظم رحمه الله من قسم الماء المطلق الذي لم تتغير أوصافه مطلقا.
قال العلامة الدردير رحمه الله:" بِخِلَافِ مَاءِ الْبَحْرِ وَالْمَطَرِ وَالْآبَارِ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إطْلَاقُ الْمَاءِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ فَيَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهَا."إهـ

و قال رحمه الله:" (اسم ماء) خرج الجامدات والمائعات التي لا يصدق عليها اسم ماء كالسمن والعسل (بلا قيد) لازم خرج نحو ماء الورد وماء الزهر والعجين لا منفك كماء البحر وماء البئر."إهـ

قال العلامة الخرشي رحمه الله:"( وَهُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ) يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ هُوَ الذَّاتُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا هَذَا مَاءٌ فَيَصْدُقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمَاءِ بِلَا قَيْدٍ زَائِدٍ عَلَى ذَلِكَ اللَّفْظِ فَمَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ كَالْجِنْسِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ مَاءٍ عِنْدَهُمْ عَرَضٌ عَامٌّ وَبِلَا قَيْدٍ كَالْفَصْلِ يَخْرُجُ مَا عَدَا الْمُطْلَقِ مِنْ أَقْسَامِ الْمِيَاهِ لَا يُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْهَا مَاءٌ إلَّا بِزِيَادَةِ قَيْدٍ آخَرَ مِنْ إضَافَةٍ أَوْ وَصْفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَقَوْلِنَا مَاءُ وَرْدٍ وَمَاءُ رَيْحَانٍ وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ ذَوَاتِهَا بِاسْمِ الْمَاءِ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ كَمَا فِي الْمُطْلَقِ وَدَخَلَ فِي تَعْرِيفِ الْمُؤَلِّفِ لِلْمُطْلَقِ مَا إضَافَتُهُ بَيَانِيَّةٌ كَمَاءِ الْمَطَرِ وَمَا أُضِيفَ لِمَحَلِّهِ كَمَاءِ السَّمَاءِ وَالْآبَارِ وَالْعُيُونِ وَالْبَحْرِ فَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِهِ."إهـ
أما قول الناظم رحمه الله : ( كالذائب)،" فهو تشبيه لإفادة الحكم، و معناه أن الماء إذا ذاب بعد أن كان جامدا فهو مطلق أيضا، و ذلك كالثلج و البرد و الجليد سواء ذاب بموضعه أو بغيره، و يدخل في ذلك الملح الذائب بعد جموده لكن بموضعه".إهـ

فائدة: قال العلامة ميارة رحمه الله:"هل الماء المطلق و الطهور مترادفان، و هو ظاهر كلام القاضي عبد الوهاب و هو ظاهر النظم، و الطهور أعم من المطلق و هو ظاهر صنيع ابن الحاجب، و عليه فكل مطلق طهور و ليس كل طهور مطلقا لأن الذي لم يتغير و المتغير بما لا ينفك عنه غالبا كالزرنيخ و المغرة طهور و ليس بمطلق لأن المطلق على هذا القول ما لم يخالطه شيء أصلا و هذا خالطه غيره."

قلت: و المشهور ما عليه الناظم رحمه الله تعالى.

قوله: (الزرنيخ)" عنصر شبيه بالفلزات له بريق الصلب ولونه ومركباته سامة يستخدم في الطب وفي قتل الحشرات."إهـ

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات،أنهينا الآن المجلس الأول،و سنتبعه بالمجلس الثاني في "فرائض الوضوء".
و الله أسأل التوفيق و السداد

ياسين أحمد إبراهيم علوين
10-11-2010, 20:42
المجلس الثاني



فصل في فرائض الوضوء


4- فَصْلٌ فَرائِضُ الْوُضُو سَبْعٌ وهِي**** دَلْكُ وفَوْرٌ نِيَّةٌ فى بَدْئِهِ
5- ولْيَنْوِ رَفْعَ حَدَثٍ أَوْ مُفْتَرضْ**** أَو اسْتِبَاحَةً لِمَمْنُوع عَرَضْ
6- وغَسْلُ وجْهٍ غَسْلُهُ الْيَدَيْنِ**** ومَسْحُ رَأْسٍ غَسْلُهُ الرِّجْلَيْنِ
7- والْفَرْضُ عمَّ مَجْمَعَ الأُذُنَيْنِ**** والْمِرْفَقَيْنِ عَمّ و الْكَعْبَيْنِ
8- خلِّلْ أَصَابِع الْيَديْنِ و شَعَرْ**** وجْهٍ إِذَا ما تَحْتَهُ الْجِلْدُ ظَهَرْ

تنبيه مهم: قوله "فصل" هو من النظم و قد يعتقد من لم يصحح النظم على شيخ متقن أنه منفصل عنه، و الصحيح غير ذلك.

مناسبة هذا الفصل لما قبله، أنه لما أنهى الكلام على أقسام المياه و ما تكون به الطهارة، بين في هذا الفصل فرائض الوضوء،لأن الوضوء الذي هو شرط لصحة الصلاة،لا يصح إلا بهذه الفرائض.
ملاحظة: لم يرتب الناظم رحمه الله تعالى فرائض الوضوء كما جاء في كتاب الله تعالى، و إنما كما اتفق له مع وزن النظم و الذي هو (بحر الرجز).

شرح البيت الرابع:

عدّ الناظم رحمه الله في صدر البيت فرائض الوضوء، و ذكر أنها سبعة فرائض، ثم بعد ذلك دكرها على وجه التفصيل، و هذا من براعة الناظم رحمه الله،فهذه الطريقة تساعد على الحفظ و الاستذكار،حيث أن من نسي بعض الفرائض،فلن ينسى أنها سبعة و هذا يساعده على الاستذكار.

تعريف الفرض:

هو في اللغة:" فرَضْت الشيء أَفْرِضه فَرْضاً... أَوْجَبْتُه."إهـ
أما في الاصطلاح: فهو ما تتوقف عليه صحة العبادة.
" و الواجب و الفرض بمعنى واحد عندنا" معاشر المالكية، إلا في الحج.

و له تعريفات: التعريف بالحد/ التعريف بالثمرة/ التعريف بالضد، و هذه تنظر في كتب الأصول.


تعريف الوضوء:

في اللغة:" الوضاءة: الحسن والنظافة"
قال العلامة ابن فارس رحمه الله:"والوَضُوء: الماء الذي يُتَوَضَّأ به. والوُضوء فِعلُك إذا توضّأْت"إهـ
و في الاصطلاح:" طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَهِيَ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ "

1- الدلك:

هو في اللغة:" دَلَكْتُ الشيءَ بيدي أَدْلُكه دَلْكاً قال ابن سيده دَلَكَ الشيءَ يَدْلُكه دَلْكاً مَرَسه وعَرَكه".إهـ
و في الاصطلاح:" وهو إمرار اليد على العضو ولو بعد صب الماء قبل جفافه... والمراد باليد هنا باطن الكف."إهـ

أما حكمه ففيه ثلاثة أقوال في المذهب:

الأول:الوجوب، و هو المعتمد.
الثاني:ليس بواجب.
الثالث: أنه واجب لغيره، أي لأجل إيصال الماء إلى كل العضو فإن وصل بلا دلك أجزأه.

قال العلامة الخرشي رحمه الله:" الدلك،وهو واجب لنفسه وهو المشهور وقول مالك في المدونة بناء على شرطيته في حصول مسمى الغسل للفرق بينه وبين الانغماس لغة وقيل واجب لا لنفسه بل لتحقق إيصال الماء إلى البشرة أو بطول المكث فيه مثلا وقيل بل يسن أو يستحب."

2- الفور: و يعبر عنها بالموالاة و هو الأولى.و قد ذكروا سبب أولويته.

هو في اللغة:" فارت القدر تفور فورا وفورانا: جاشت. ومنه قولهم: ذهبت في حاجة ثم أتيت فلانا من فورى، أي قبل أن أسكن."إهـ
و في الاصطلاح:" فعل الوضوء في زمن متصل من غير تفريق كثير لأن اليسير لا يضر"إهـ
وحكمه: أنه يجب مع الذكر و القدرة و يسقط مع العجز و النسيان.
قال العلامة الحطاب رحمه الله:" أنها واجبة مع الذكر والقدرة ساقطة مع العجز والنسيان قال ابن ناجي في شرح المدونة: وهو المشهور وعزاه ابن الفاكهاني لمالك وابن القاسم وشهره أيضا."إهـ
و قال العلامة المواق رحمه الله:" ابْنُ يُونُسَ : الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُوَالَاةَ مَعَ الذِّكْرِ وَاجِبَةٌ وَلَا يُفْسِدُهُ قَلِيلُ التَّفَرُّقِ."إهـ
و سيأتي مزيد من أحكامه في الأبيات القادمة.

3- النية في أول الوضوء:

هي في اللغة:" نويت نية ونواة، أي عزمت" و جاء أيضا:" والنِّيَّةُ الوجه يُذْهَب فيه"
و في الاصطلاح:" النِّيَّةُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ كَغَسْلِ الْوَجْهِ."إهـ
قال العلامة الحطاب رحمه الله:" والمذهب أنها فرض في الوضوء"إهـ
قال العلامة الصاوي رحمه الله:" وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا(أي: النية) وَهُوَ تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ ، وَبَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضٍ."إهـ

و محلها:القلب.

و قال العلامة الدردير رحمه الله:"وَالْأَوْلَى تَرْكُ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ النِّيَّةِ الْقَصْدُ بِالْقَلْبِ لَا عَلَاقَةَ لِلِّسَانِ بِهَا."إهـ

فائدة:

قال العلامة محمد ميارة الفاسي رحمه الله:" أن محلها في ابتداء الوضوء كما نبه عليه بقوله في بدئه، و المشهور أن محلها عند غسل الوجه إذ هو أول الفرائض، و قيل عند غسل اليدين أولا.خليل: و الظاهر هو القول الثاني. و جمع بعضهم بين القولين فقال:يبدأ بالنية أول الفعل و يستصحبها إلى أول المفروض."إهـ

يتبع بإذن الله

الهامل الهامل عبدالدائم
29-03-2011, 08:18
السلام عليكم ورحمة الله بارك الله فيكم

حمل شرح ابن عاشر كاملا اطلب منكم الدعاء للوالدين ولابن المريض
http://www.4shared.com/file/WdrTCIlF/___2.html

علي بن الشيخ
29-03-2011, 19:04
بارك الله فيكم سيدي ياسين أحمد علوين
وشكر سعيكم وعشّر مجهوداتكم
وينطبق على إخواننا الوهابية كلمة:
ياكلون الغلة ويسبون الملة..


السلام عليكم ورحمة الله بارك الله فيكم
حمل شرح ابن عاشر كاملا اطلب منكم الدعاء للوالدين ولابن المريض
http://www.4shared.com/file/WdrTCIlF/___2.html

قمت بتحميل شرحك أخل الهامل فوجدت:

و هذه المنظومة, مقسمة إلى ثلاثة أقسام: مقدمة في العقيدة, و خاتمة في التصوف, و بينهما مباحث فقهية من أبواب العبادات,تبدأ بالطهارة و تنتهي بالحج, و قد جمع ذلك في قوله.
في عَقْدِ الأشعري وفقه مالك *** وفي طَريقَةِ الجُنَيْدِ السَّالِـكِ
بمعنى أن منظومته هذه جمع فيها عقيدة الأشعري, و كان ينبغي أن يقول عقيدة الأشاعرة المتأخرين, و ليست بالضرورة موافقة لعقيدة الأشعري أبي الحسن رحمه الله, إذ لا يخفى عليكم أن عقيدة الأشاعرة مرت بمراحل متعددة بعد أبي الحسن حتى استقرت على ما استقرت عليه بعد الفخر الرازي تقريبا,فإذًا قال:
في عَقْدِ الأشعري وفقه مالك *** وفي طَريقَةِ الجُنَيْدِ السَّالِـكِ
يقول أن التصوف الذي يذكره في هذه المنظومة هو تصوف سني على طريقة الجنيبي رحمه الله , و فعلا التصوف المذكور في هذه المنظومة نحن لن نتعرض له و لكن هو من مبادئ السلوك العامة, و من مبادئ التزكية العامة, لا ينتقض منه إلا شيء يسير جدا , و اغلبه لا باس به,بخلاف المقدمة, فإنها على طريقة المتأخرين من المتكلمين...

فلا أنصح أحدا بالالتفات الي شروحات الوهابية على هذا النظم المبارك.

ياسين أحمد إبراهيم علوين
12-05-2011, 21:15
تابع المجلس الثاني

شرح البيت الخامس:

بعد أن بيّن الناظم رحمه الله تعالى أن النية من فرائض الوضوء،أشار في هذا البيت إلى المنوي بها.

فذكر أنه ينوي أحد ثلاثة أشياء:

1- نية رفع الحدث.
2- أداء الوضوء الذي هو فرض عليه، فيدخل فيه الوضوء للنوافل و يخرج منه الوضوء للتجديد.
فائدة:
قال العلامة القرافي رحمه الله:" الواجب له معنيان :ما يأثم بتركه كالصلوات الخمس ونحوها وهذا هو المعنى المشهور والثاني ما يتوقف عليه الشيء وإن لم يأثم بتركه كقولنا الوضوء واجب في صلاة التطوع ونحوه مع أن المتطوع لو ترك ذلك التطوع لم يأثم وإنما معناه أن الصلاة تتوقف صحتها على الطهارة."إهـ
3- استباحة ما كان منع منه بسبب الحدث، كالصلاة و الطواف و مس المصحف..
فهذه الثلاث أي واحدة منها نواها أجزأته.

و هنا فائدة مهمة في ضوابط النية:

قال الإمام العلامة ابن المنير المالكي رحمه الله:" كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملائمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب قال وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة قال وأما ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه لأنه لا يمكن أن يقع الا منويا ومتى فرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقته فالنية فيه شرط عقلى ولذلك لاتشترط النية للنية فرارا من التسلسل وأما الأقوال فتحتاج إلى النية في ثلاثة مواطن أحدها التقرب إلى الله فرارا من الرياء والثاني التمييز بين الألفاظ المحتملة لغير المقصود والثالث قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان."إهـ

يتبع بإذن الله تعالى