المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عدم قبول توبة لا يعني عدم جواز المغفرة



أسامة نمر عبد القادر
16-11-2004, 13:32
أستأذن أخي خالد طيفور في التعليق على قوله (( مع العلم أن الحرمة توقع صاحبها في السيئات فيكون الحكم عليه بالخلود في النار لما قرره الله --تعالى--- في قوله:" وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال : إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار" )) .
فهو واضح في أنه فهم من الآية الكريمة أن العاصي مخلد في نار جهنم ، وهذا فيه نظر واضح .

وسأبدأ بملاحظة صغيرة وهي أن الآية الكريمة عامة ، بمعنى أنها لم تصرح بالخلود في نار جهنم ، فالآية تقول :
{وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال : إني تبت الآن ، ولا الذين يموتون وهم كفار ، أولئك لهم عذاب أليم } .
فقوله {أولئك لهم عذاب أليم} على فرض أنه يعود على الذين يعملون السيئات ، وعلى الكفار ، معا ، فإنها عممت الحكم على الفريقين ، بأن لهما عذاب أليم ، ثم الآية لم تبين إن كان كل منهما سيخلد ، أم سيبقى فترة محددة ، فجاءت الأدلة الأخرى لتبين أن الفريق الأول له عذاب أليم بقدر ذنبه ، والفريق الثاني له عذاب أليم خالدا فيها .
وهذا الكلام يذكرني بحادثة طريفة ، فقد سألني أحدهم : أن الأمر في ديننا عجيب :
× فقد روي عن أبي ذر مرفوعا أن الله سوف يدخل الجنة من قال الشهادتين ، وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر ، ففهم السائل أن الزاني والسارق مغفور له .
× بينما جاء في حديث آخر أن امرأة دخلت النار في قطة حبستها فلا هي أطعمتها ، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض .
قال لي : فكيف يكون عذاب من حبست القطة الخلود في نار جهنم ، بينما لا يعذب السارق والزاني ؟
فقلت له مبتسما :
أخي الكريم ، إن جريمة الزاني والسارق أشد من جريمة من حبست القطة ، وبالتالي عقوبة الزاني والسارق أشد من عقوبة من حبست القطة .
لكن حديث أبي ذر ـ إن صح ـ فهو يريد بيان : ( عدم خلود الزاني والسارق في النار ) فهما ، وإن عذبا ، لكنهما سيدخلان الجنة بعد نيل العقوبة المستحقة لهما .
والحديث الآخر يريد بيان ( أن حبس القطة حرام ، وأن فاعل ذلك مستحق للعقوبة في الآخرة ) ، وهي عقوبة بقدر هذا الذنب ، ولم يذكر الحديث أن حابس القطة ملخد في نار جهنم .
فلو أجرينا المسألتين مجرى واحدا لقلنا كالآتي :
× الزاني والسارق وحابس القطة مستحقون للعقوبة ودخول النار بقدر ذنب كل واحد منهم ، فإن دخلوا النار ، فعقوبة الزاني والسارق أشد من عقوبة حابس القطة .
× ثم كل من الزاني والسارق وحابس القطة إنما يستحقون دخول النار بقدر ذنبهم ، فهم غير مخلدين في النار ، وذلك أخذا بما عندهم من الشهادتين ، فإن الشهادتين يمنعنان صاحبهما من الخلود في نار جهنم ، وإن دخلها ومكث فيها أحقابا بمقتضى ذنبهم ، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة .

نعود للآية الكريمة .
نعم الوعيدية استدلوا بالآية على تخليد العاصي في نار جهنم .
واستدلالهم من وجهين :
الوجه الأول : أنه عطف (الذين يعملون السيئات) على (الذين يموتون وهم كفار) ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فثبت أن الذين يعملون السيئات ليسوا من الكفار ، ثم إنه تعالى قال في حق كل من الطائفتين {أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} ، فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد للعصاة ، وللكفار .
والجواب :
أن الأصل أن يعود الضمير إلى أقرب مذكور ، وأقرب المذكورات من قوله {أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} هو قوله {ولا الذين يموتون وهم كفار} .
فلماذا لا يجوز أن يكون قوله {أعتدنا لهم عذابا أليما} عائدا إلى الكفار فقط ؟
بيان ذلك : أن الله تعالى أخبر عن الذين لا يتوبون إلا عند الموت أن توبتهم غير مقبولة ، ثم ذكر الكافرين بعد ذلك ، فبين أن إيمانهم عند الموت غير مقبول ، ولا شك أن الكافر أقبح فعلا وأخس درجة عند الله تعالى من الفاسق العاصي ، فلا بد وأن يخص الله تعالى الكافر بمزيد إذلال وإهانة ، فجاز أن يكون قوله {أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما} مختصا بالكافرين ، بيانا لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والإذلال .

الوجه الثاني في استدلال الوعيدية بالآية : أن الله تعالى أخبر أنه لا توبة للذين يعملون السيئات عند معاينة الموت ، فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة ، لم يكن لهذا الإعلام معنى .
والجواب :
أن الله تعالى إنما أخبر في هذه الآية أن توبة العصاة عند معاينة الموت غير مقبولة ، ولم يخبر أنه تعالى لن يغفر لهم ، ففرق بين (عدم قبول التوبة) ، وبين (جواز وإمكانية المغفرة لهم) ، فقد يغفر لهم يوم القيامة وإن لم يقبل توبتهم عند معاينة الموت .
قال الرازي : وإذا كان لا توبة حصل هناك تجويز العقاب وتجويز المغفرة .
أما قولهم "فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة ؛ لم يكن لهذا الإعلام معنى" ، فنقول : بل له معنى ، وهو ما قاله الرازي أن "هذا لا يخلو من نوع تخويف" .
قال الفقير أسامة :
فإن الجزم بعدم التوبة فيه تيئيس من قبول التوبة في نفسها ، وهذا أمر يختلف عن بيان استحقاق العقوبة مع إمكانية المغفرة ، ففيه تخويف من العقوبة المستحقة بمقتضى المعصية ، مع عدم تيئيس من جواز المغفرة بمقتضى الشهادتين .
قال الرازي : وهذا كقوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} .
قال الفقير أسامة : يعني الرازي أن قوله {لمن يشاء} فيه نوع تخويف أيضا ، لأنه علق المغفرة بمشيئته سبحانه ، فتكون جائزة كجواز نيل العقوبة المستحقة ، فلا يأمن العبد أن يعاقب ، مع تجويزه حصول المغفرة لمن شاء الله تعالى أن يغفر له .
قال الرازي في آخر هذا المبحث : على أن هذا تمسك بدليل الخطاب ، والمعتزلة لا يقولون به .
ويعني الرازي : بأن ترتيب عدم المغفرة لهم على عدم قبول توبتهم عند معاينة الموت استدلال بدليل الخطاب ، والمعتزلة لا يقولون به ، فبطل الاستدلال بهذا الوجه على مذهب المعتزلة .

وبما سبق بتبين بطلان الاستدلال بهذه الآية على تخليد العاصي في النار ، وبطلان الاستدلال بها على عدم جواز المغفرة يوم القيامة للعصاة الذين لم يتوبوا ، لكن يستدل منها على أن العاصي لا تقبل توبته عند المعاينة ، فيبقى مستحقا للعقوبة ودخول النار بقدر ذنبه .

فائدة :
في هذه الآية ما يدل على أن العصاة ليسوا كفارا ، وإذا لم يكونوا كفارا فهم مسلمون .
بيان ذلك أنه تعالى عطف على الذين يتوبون عند مشاهدة الموت : الكفار ، والمعطوف مغاير للمطعوف عليه ، وهذا يقتضي أن الفاسق ليس بكافر ، ويبطل به قول الخوارج : أن الفاسق كافر .
فإن قيل : المراد منه : المنافق ؟
فيقال : لا يمكن أن يقال هذا ، لأن الصحيح أن المنافق كافر ، قال الله تعالى {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} .

جلال علي الجهاني
17-11-2004, 22:10
سلمت يمينك يا أسامة

خالد سعيد طيفور
18-11-2004, 15:06
عافاك الله أخي أسامة ،فوالله إني أحبك في الله لكلامك وأسلوبك الهادئ الذي يدل على كرم منك وسعة صدر وعلم غزير وأسأله --سبحانه-- أن يديم عليك الصحة والعافية لخدمة الدين الخاتم وبعد:

فقد قرأت كلامك ---جزاك الله بعدده خيرا كثيرا---- ولكن لي بعض الملاحظات التي انتظر منك توضيحها لي --مشكورا--

منها:::::::: قولك في آية " وليست التوبة......" ( أنها لم تصرح بالخلود في جهنم) وذلك لأنها عامة، إذن فماذا تقول في آية الفرقان التي لم ترد عامة وهو قوله-- تعالى في حديثه عن ابتعاد المؤمنين عن شهادة الزور والاشراك بالله والقتل بغير الحق والزنا :" ومن يفعل ذلك يلقَ أثاما،

يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا " ثم استثنى التائبين
بقوله--جل وعز---:" إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا" فهذا المقطع من الآية يستثني الذين تابوا وباشروا بالأعمال الصالحة

إذن --والله أعلم-- أن هذا الاستثناء لم يرد عبثا خصوصا أنه جاء بعد آية الخلود في النار ، فأصحاب الكبائر المصرين عليها خالدون في النار

أما من تدارك الوقت وتاب قبل الفوات وأتبع التوبة بشروطها الباقية
وعمل الأعمال الصالحة فهذا ناجٍ بلا محالة لما جاء في الحديث

( لله أفرح بتوبةعبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة ........ الحديث )

** ولي ملاحظة أخرى حول مصطلح {التيئيس} الذي استخدمته

فأنا أرى أن هذا المصطلح يقابله مصطلح التهاون وانتشار الاستهتار بالدين --خصوصا إذا كانت النتيجة مضمونة "الجنة" --

فإذا تركنا هذه المسألة مفتوحة لابتعد أكثر الناس عن الدين بحجة

غفران الذنوب

مع العلم أني لست مع من يعتبر هذا الصنف من الناس --- المصرين---

كفارا فالذي يقول بذلك فقد خالف نصوص الكتاب والسنة والاحماع

**** الرجاء من الأخ الكريم أسامة أن لا يعتبر هذا الرد من باب الجدال
واثبات الحجة على الآخرين فأنا أطلب العلم وأبحث عن الحق أينما وجد

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته:):)

أسامة نمر عبد القادر
18-11-2004, 17:45
وسلمت أيها الجلال ، ونفع الله بك ، ووهداك ورعاك وأيدك ، ولا تنسني من دعائكم الشريف .

وجزاك الله خيرا يا خالد ، وأحسن الله إليك ، وأعطاك الله من خير الدنيا والآخرة ،،،
هاهنا ثلاثة أمور :

الأمر الأول
ابتداء أستأذنك في أن أسألك : هل اقتنعت على الأقل بأن آية {وليست التوبة .. } ليس فيها دليل على تخليد العاصي الذي لم يتب ، أم لم تقتنع ، فإن اقتنعت بالوجه الذي فسرت به الآية ، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وإن لم تقتنع ، فما وجه عدم اقتناعك حتى أنظر فيه وأتأمله فلعله صحيح وخفي عني ؟


الأمر الثاني
بالنسة لقوله تعالى في سورة الفرقان {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا يزنون ،ومن يفعل ذلك يلق أثاما ، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} .
قوله (يلق أثاما) أي جزاء آثامه .
ولاحظ أخي الأكرم خالد أنه رتب جزاء الآثام ومضاعفة العذاب والخلود فيه مهانا على {من يفعل ذلك} ، واسم الإشارة (ذلك) يرجع إلى مجموع ما سبق ذكره في الآية :-
فيكون معنى الآية : ومن يدع مع الله إلها آخر ، ويقتل النفس التي حرم الله بغير حق ، ويزني : يلق آثاما ، يضاعف له العذاب يوم القيامة ، ويخلد فيه مهانا .
إذن (جزاء الآثام ومضاعفة العذاب والخلود فيه مهانا) مرتب على (مجموع الأمور الثلاثة : الشرك ، مع قتل النفس بغير حق ، مع الزنى) ، أليس كذلك ؟
وبذلك نستطيع أن نفهم وجه مضاعفة العذاب ، فإن الشرك لوحده موجب للخلود في نار جهنم ، وهذا نهاية في العقوبة من حيث المدة الزمنية ، فإذا انضم مع الشرك : قتل الناس بغير حق ، والزنى ، كان العذاب مضاعفا حتما ولا بد ، فيكون ذلك زيادة في العقوبة من حيث النوعية .
ويؤكد هذا الفهم الاستثناء المذكور لاحقا :
فقد قال بعد ذلك {إلا من تاب ، وآمن ، وعمل صالحا ، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} .
لاحظ أيها الشاب الطيب أنه ابتدأ الاستثناء بالتوبة ، وثنى بالإيمان ، وثلث بالعمل الصالح ، ولا تجتمع هذه الثلاثة إلا في حق من كان كافرا أصلا ، فإنه المطالب بالتوبة والإيمان والعمل الصالح .
أما المؤمن العاصي ، فإنما يقال في حقه {إلا من تاب وعمل صالحا} فإنه آت بالإيمان ، فلذلك إنما يطالب بالتوبة والعمل الصالح .

وبناء على الشرح السابق يكون قولكم : ((فأصحاب الكبائر المصرين عليها خالدون في النار)) فهما غير سديد لآية الفرقان ، لأن آية الفرقان لا تتحدث عن أصحاب الكبائر ، إنما تتحدث عن المشركين الذين جمعوا مع الشرك : معاصي ، كالقتل والزنى ، فلذلك أقول : لا يصح الاستدلال بهذه الآية على أن أصحاب الكبائر مخلدون في نار جهنم ، فما رأيكم أخي الطيب ؟؟

أما قولك ((أما من تدارك الوقت وتاب قبل الفوات وأتبع التوبة بشروطها الباقية ، وعمل الأعمال الصالحة فهذا ناجٍ بلا محالة)) فمما لا شك فيه أن العاصي إذا تاب وأتبع التوبة شروطها ؛ فالله يتوب عليه لا محالة ، كما دلت عليه نصوص أخرى من القرآن والحديث الشريف .
لكن هذا المعنى ليس مما يستفاد من هذه الآية من سورة الفرقان ، لأنها لا تتحدث عن المؤمن العاصي الذي تاب ، ولا تتحدث عن المؤمن العاصي الذي لم يتب ، وإنما تتحدث عن الكافر الذي انضم مع كفره معاصي كالقتل والزنى ، والاستثناء جاء في حق هذا الصنف الأخير لا في حق الصنفين الأولين ، فتأمل ، وقل لي ما رأيك ؟

أما قولكم الكريم ((فإذا تركنا هذه المسألة مفتوحة لابتعد أكثر الناس عن الدين بحجة غفران الذنوب)) فهل تعتقد أن هذا في نفسه يعد دليلا شرعيا على تخليد العاصي صاحب الكبائر ؟؟ لا أظن ذلك .
والسبب في أن ما ذكرته لا يعد دليلا شرعيا : أن هذا الأمر راجع لما يريده الله تعالى :
1 / فإذا أراد الله أن يخلد صاحب الكبيرة أبدا في نار جهنم ، فعل ذلك ، ولا يسأل عما يفعل ، وله الحكمة البالغة .
2 / وإذا أراد أن لا يخلده بل يتركه إلى المشيئة : إن شاء عاقبه بقدر ذنبه ثم أدخله الجنة ، وإن شاء غفر له فأدخله الجنة ابتداء ، فعل ذلك ، ولا يسأل عما يفعل وله الحكمة البالغة .
فإذا كان الأمر راجعا إلى مراد الله تعالى فينا ، فلا يجز بعد ذلك إلا تحكيم نصوص الكتاب والسنة ، لنعرف ما هو مراد الله ؟
فنظرنا في نصوص الكتاب والسنة فوجدنا أنه تعالى أراد أن يكون الأمر متروكا لمشيئته سبحانه : إن شاء عاقبه بقدر ذنبه ثم أدخله الجنة ، وإن شاء غفر له فأدخله الجنة ابتداء .
ولم نجد دليلا واحدا من الكتاب والسنة يدل على أن العاصي صاحب الكبيرة مخلد في نار جهنم أبدا .
فإذا اتضح التقرير السابق أقول :
إذا ثبت بحسب نصوص الكتاب والسنة أن رحمة الله تعالى وسعت بعض عباده العصاة الذين لم يتوبوا ، فلماذا أحجرها بحجة أن ذلك قد يؤدي إلى ابتعاد أكثر الناس عن الدين بحجة غفران الذنوب ؟
ثم إن الذي أقطع به أن القول بترك العاصي للمشيئة أمر يختلف عن القول بغفران الذنوب ، فإننا لا نقول إن الله تعالى سوف يغفر لمرتكب الكبيرة قطعا ، بل نقول : هو مستحق للعقوبة ، ونخوفه أكثر مما نطمئنة ، لأن الأصل معاقبة صاحب الكبيرة ، والمغفرة استثناء ، يحتمل أن ينالها ، ويحتمل أن لا ينالها ، فالأمر ليس في دائرة الاطمئنان ، بل في دائرة التخويف ، فمن ذا الذي يحتمل ثانية في نار جهنم ، فضلا عن احتمال أيام أو سنين ، وإن كان آخر ذلك الجنة ؟!!
إننا نسأل الله تعالى أن يحرم علينا النار ، ويغفر لنا ذنوبنا .
ثم نحن نجزم بأن مرتبة التائب غير مرتبة من غفر له من غير توبة ، فشتان شتان ، وهيهات هيهات .
ثم هذا الاستثناء ـ فيما أستفيده من نصوص الشرع ـ ليس خبط عشواء ، بل هو حكمة أيضا ، بمعنى أن مرتكب الكبيرة الذي لم يتب قد يغفر له بسبب عمل صالح قام به ، وكان هذا العمل الصالح ذا نوعية عالية ، كالعدل في الحكم ، ونحو ذلك ، فيجازيه الله تعالى عليه بأن يغفر له كبيرة أو كبائر أتاها وفعلها في حياته ، فهل هذا من الممكنات العقلية أم لا ؟
وعودة إلى سلوكيات الناس ، هل تتصور أخي الأكرم أننا إذا قلنا للسارقين : السرقة كفر وصاحبها مخلد في نار جهنم ، سوف يتوقف جميعهم أو معظمهم عن السرقة ؟؟
أنا ، وبحكم خبرتي مع الناس ، لا أتصور ذلك ألبتة ، نعم ، قد ينفع هذا مع عدد قليل منهم ، لكن ليس مع جمهور الناس ، فمثلا يشتهر بين الناس عندنا أن تارك الصلاة كافر (وهو خلاف قولي) ومع ذلك كثير منهم لا يصلي أبدا .
إن الشخص لن يقيم الصلاة ولن يترك السرقة لمجرد أنك تخبره أنك سوف تخلد في نار جهنم إن تركت الصلاة وسرقت .
ومع ذلك ، فليس الحكم في هذا الشأن سلوكيات الناص ، بل الحكم هي نصوص الكتاب والسنة .
وبالمقابل أقول : أنا لا أهدف من القول بأن مرتكب الكبيرة الذي لم يتب لا يخلد في نار جهنم أن أهون الأمر على الناس وأسهل لهم دينهم ، فوالله الذي لا إله إلا هو ، لو لم يظهر لي من الأدلة القطعية ما يدل على ذلك لما قلت به ، ولا اعتقدته ، فإنما نحن نتبع الشرع ، ولا نتبع أهواء الناس ، والذي يريد اتباع أهواء الناس بفتاويه ، فقد خسر الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين ، ولو كانت الفتوى اتباعا لأهواء الناس فأرجو من الله تعالى أن أكون أزهد الناس بها ، وأبعد الناس عنها ، وإنما الفتوى اتباع للكتاب والسنة ، وإظهار لحكم الله تعالى المتعلق بالنازلة الحادثة بين الناس .

أما قولكم اللطيف ((الرجاء من الأخ الكريم أسامة أن لا يعتبر هذا الرد من باب الجدال واثبات الحجة على الآخرين فأنا أطلب العلم وأبحث عن الحق أينما وجد)) فأنا أرجو منك أيضا أن لا تعتبرني كذلك ، وكلانا إن شاء الله نتناظر طلبا للحق ، ونتحاور استرشادا من الآخرين ، ونتساءل وصولا لما يرضي الله تعالى ، وإذا بدر مني ما يؤذي فانصحني وأرشدني ، فالمؤمن مرآة أخيه ، ونحن في الأصل مجتمعين على الشهادتين ، فلا ينبغي بعد ذلك إلى أن نكون أمة واحدة ، وإن تعددت الآراء .

لكن أطلب منك بشأن آية الفرقان ما طلبته منك بشأن الآية الأخرى ، أن تبين لي إذا كنت اقتنعت بما ذكرته ، فنحمد الله سوية ، وإذا كنت لم تقتنع فتبين لي وجه ذلك حتى أنظر فيه وأتأمل .

والحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده
الحمد لله ، الحمد لله

خالد سعيد طيفور
21-11-2004, 16:19
أخي أسامة

لقد اقتنعت بقولك فيما يتعلق بآية الفرقان بعد اقتناعي بآية ( وليست التوبة )

ولا أحسبني أثقل عليك بالأسئلة والاستفسارات وإن أثقلت علي

فسامحني -- أُخيَ ---

وانظر إلى هذا الاستفسار الجديد :

قال تعالى : (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ويالوالدين احسانا..... الآية)

هذه الآية يأمرنا الله تعالى الابتعاد عن الشرك ومعلوم أن الله لا يغفر الاشراك به
وقرن ذلك بالإحسان إلى الوالدين فيكون المعنى أن عقوق الوالدين والاصرار عليه يمكن أن يوازي الاشراك بالله فتكون النتيجة أن العاق مخلد في نار جهنم

أرجو من الأخ أسامة أن يوضح لي مراد الآية الكريمة

والسلام عليكم

أسامة نمر عبد القادر
21-11-2004, 23:34
أخي خالد ،،،

أما قولكم الشريف [لقد اقتنعت بقولك فيما يتعلق بآية الفرقان بعد اقتناعي بآية ( وليست التوبة )] فجزاكم الله خيرا ثجاجا ، وأحمد الله تعالى لي ولك .

أما قولكم الشريف [ولا أحسبني أثقل عليك بالأسئلة والاستفسارات وإن أثقلت عليك فسامحني -- أُخيَ ---] فلم تثقل يا أخي علي ، فهذا الموضوع الذي نكتب فيه من أجمل المواضيع إلى قلبي ، وأنا أحب جدا أن أكتب فيه ، وأن أحاور المخالفين فيه .

أما قولكم [وانظر إلى هذا الاستفسار الجديد :
قال تعالى : (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ويالوالدين احسانا..... الآية) ، هذه الآية يأمرنا الله تعالى الابتعاد عن الشرك ومعلوم أن الله لا يغفر الاشراك به ، وقرن ذلك بالإحسان إلى الوالدين فيكون المعنى أن عقوق الوالدين والاصرار عليه يمكن أن يوازي الاشراك بالله فتكون النتيجة أن العاق مخلد في نار جهنم ، أرجو من الأخ أسامة أن يوضح لي مراد الآية الكريمة]
فقرن النهي عن الشرك بإيجاب الإحسان للوالدين يدل على الاشتراك في التكليف ، ولا يدل على الاشتراك في العقوبة ، فاللغة صالحة لأن تنهى عن مجموعة أمور ، ويكون العقاب المتعلق بكل واحد منهما مختلفا عن العقاب المتعلق بالأخرى ، فإذا لم تحتمل اللغة أن يفيد العطف : الاشتراك في العقوبة ، لم يجز بعد ذلك أن نفسر القرآن بما لا تحتمله اللغة أصلا .
مثال ذلك : أن يقول الأب لابنه : لا تسرق من جيبي المال ، ولا تأكل اليوم شبس ، ويكون عقوبة الأولى أشد من عقوبة الثاني بمرات ، فاقتران أمرين في النهي لا يدل على استواؤهما في الجريمة فضلا عن أن يدل على استواؤهما في العقوبة .
هذا من حيث اللغة .
وهو كاف في نفسه .
وثمة قرينة من سياق النص نفسه ، فإن هذه الآية أو معناها ورد في عدة مواطن ، منها آية البقرة/83 ، وفيها {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ، وذي القربى واليتامى والمساكين ، وقولوا للناس حسنا ، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} فهل تقول من لم يقل للناس حسنا مخلد في نار جهنم ، وهل من قال للناس سوءا مخلد في نار جهنم ؟ لا أظن ذلك .
وعليه : فإن هذه الآية لا تدل بمنطوقها ولا بمفهومها على أن من لم يقل للناس حسنا ، أو من لم يحسن إلى والديه سوف يخلد في نار جهنم .
كما أن الآية لا تدل بمنطوقها اللغوي ولا بمفهومها على أن الشرك بالله مساو لعدم الإحسان إلى الوالدين وذي القربى في درجة المعصية ، غاية الأمر أن الآية نهت عن هذه الأمور ، وكما أسلفت ، فالنهي عن مجموعة أمور لا يستلزم تساويهما في درجة النهي .
ثم الآية أوجبت الإحسان إلى الوالدين ، وعدم تنفيذ هذا التكليف معناه : عدم الإحسان إلى الوالدين ، فهل تقول : إن عدم الإحسان إلى الوالدين وإن لم يعقهما هو كافر ؟ ذلك لا يقول به قائل .
فما رأيك أيها الشاب الطيب ؟
على كل حال ، أنصحك أن تتبع أيضا هذه الآيات في :
النساء/36 .
الأنعام/151 .
الإسراء/23 .

أما قولكم الشريف [والسلام عليكم] فكذلك نرد التحية بمثلها فنقول : وعليكم السلام ، أو بأحسن منها فنقول : وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته ، والله يغفر لي ولك ، ولا تنسني في دعائكم الشريف بأن يهديني الله تعالى لما يرضيه .