المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فوائد نفيسة وتلخيصات من الطراز على ضبط الخراز



محمد يوسف رشيد
03-10-2010, 08:08
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف النبيين والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد..
فهذه فوائد أسطرها مستخرجا أو مستنبطا لها من كتاب (الطراز في شرح ضبط الخراز) للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله التنسيّ رحمه الله تعالى ورضي عنه، والمتوفى عام 899 من الهجرة الشريفة. ويعد الكتاب المرجع الأشهر والأعمد لما استقر عليه ضبط الإعجام في المصاحف، وهو ما يسمى (التشكيل) في زماننا أو من بعد زمان الخليل بن أحمد الفراهيدي من حيث اشتهر ضبطه بالشكل واستقر وعليه العمل بعد ضبط أبي الأسود الدؤلي، رضي الله تعالى عنهم جميعا.
ويفهم من قولي (مستخرجا أو مستنبطا) أن من الفوائد ما يقرب أن يكون نقلا مباشرا عن المصنف مع التعبير بصياغتي، ومنها ما يكون توضيحا لخطأ مشتهر منتشر أو حلا لمشكل وإنما يفهم أصل الصواب من المصنف ومما أورد في المسألة دون أن يكون هو البيان المباشر، وفي الحالة الأخيرة لا يشترط أن يكون الأصل محدود الموضع في المصنف؛ وإنما قد يكون من المفهوم المستنبط خلال استعراض الكتاب. والفائدة الأولى في هذه الكتابة هي من هذا النوع.
ومن طريقتي كلك في كتابة الفوائد أنني أختصر الأحداث إلى مراحلها، وذلك لبيان المقصود، أما تفصيل تلك المراحل فتؤخذ من المصنفات لمن يريدها وليست مرادة لبيان الفائدة المقصودة.
هذا وأسأل الله تعالى أن ينفع بتلك الكتابات، وأن يجعلها تلخيصا من وجه، لهذا المصنف جليل النفع، وأن لا يجعل لغير الله حاجة بها. والحمد لله رب العالمين.

خادم القرآن
محمد يوسف رشيد الحنفي الأزهري
1/10/2010 م

يشتهر عند الناس – العامة والطلبة غير المحققين – أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من نقط المصحف، ويقصدون من ذلك النقط الذي أصبح جزءا من الحروف بعد، ويسمى نقط الإعجام ( ب – ت – ث – ف – ق – ض – ظ - ... ) وهذا خطأ من هذا الوجه، وبيانه كالآتي :
يصح أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من نقط المصحف، ولكنه لم يكن نقط (الإعجام) الذي جعل النقاط جزءا من الحروف، وإنما هو نقط (الإعراب) والذي يظهر به الحرف المفتوح والحرف المضموم والحرف المكسور.
كان الإعراب في بداية أمره بالنقط، وهو أول ما حدث في المصحف، وخلاصة تأريخه أن زياد بن أبيه أمر به أبا الأسود الدؤلي المتوفى سنة 69هـ فانتخب رجل فقال له: ما فتحت شفتي فضع نقطة بأعلى الحرف، وما ضممتهما فضع نقطة أمام الحرف وما كسرتهما فضع نقطة تحت الحرف. ومن كلام أبي الأسود أخذنا قولنا (الفتحة) و (الضمة) و(الكسرة) فتح الشفة وضم الشفة وكسر الشفة.
ومن هنا نعلم أن أول خطأ وقع في القراءة هو خطأ الإعراب، وأن أول نقط وقع هو لضبط الإعراب، أي النحو، وليس كما يشتهر أنه نقط الحروف المعروف الآن، أن الخطأ لم يكن وقع في الحروف وإنما في الإعراب.
وربما سأل سائل فقال: كيف يقع الخطأ من الأعاجم الداخلين في الإسلام في الإعراب أي أواخر الكلام فقط ولا يقع في الحروف وقد كانت خالية من النقط؟!!
الجواب/ أقول – محمد يوسف - بعد التأمل والله تعالى الموفق للحق : تتضح منطقية ذلك بالتأمل التاريخي لمراحل وقوع اللحن، فالمسلمون الجدد من الأعاجم ورغم وقوع اللحن منهم ورغم ما نعرفه تاريخيا عن هذه الأحداث فإن تلقيهم للقرآن لم يكن كذلك يؤخذ من المصاحف ابتداء كما هو أغلب الناس في زماننا، إذا ما قرؤوا سطرا واحدا؛ وإنما هم يتلقون كما كان الصحابة يتلقون، ولكن التلقي لم يكفهم مع عجمتهم واعتمادهم النوعي – أي بنسبة – على المصاحف، فلم يخطئوا في الحروف نفسها أي في التاء الباء والثاء والقف والفاء والصاد والضاد والطاء والظاء.. ولكنهم أخطأوا كما نخطئ نحن اليوم في الإعراب، أي بسبب عدم علمنا بالنحو وعدم ممارستنا للنطق الصحيح، أما الحروف غير المنقوطة فقد كانوا يقرؤونها كما نقرأ نحن اليوم الحروف المنقوطة، لأنهم كانت لديهم نسبة من التقي تكفي لذلك. وعلى كل حال فإن الحال لم يدم على ذلك أكثر من سنوات قليلة، هي عشرون سنة بالتقريب الصوري لا بالتحديد، فوقع الخطأ في الحروف أيضا.
وقع نقط الحروف (نقط الإعجام) من خلال رجلين هما نصر بن عاصم الليثي المتوفى عام 89هـ ويحيى بن يعمر العدواني المتوفى عام 90هـ حيث أمرهما به الحجاج بن يوسف الثقفي امتثالا لأمر أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان.
ولقائل أن يقول : وهذا يعني أن الكلمة صارت مليئة بالنقاط، نقط أبي الأسود للإعراب ونقط الرجلين للإعجام. أقول: نعم قد كان بالفعل، ولأجل تحاشي تداخل النقط فقد استعملوا الألوان فيها، فجعلوا نقط أبي الأسود باللون الأحمر ليتميز، ثم تركوا نقط الإعجام على لون الحروف لأنه لم يلتبس بها، وقد صار هذا النقط جزءا من الحروف، وأنت الآن لا ترى في آخر المصحف أي ذكر لضبط الحروف كما يضعون لك ضبط التنوين والشدة والسكون.. إلخ لأن نقط الحروف قد صار جزءا من الحروف نفسها فلا تكتب إلا به، وحتى أن الأطفال يعلمون الحروف بنقاطها، وكثير من الناس بل من المثقفين أصحاب المؤهلات العالي لا يعلمون أن الحروف التي يقرؤون منها يوميا كميات كبيرة لسنوات طويلة كانت يوما دون تلك النقاط.
وقد استقر الوضع فترة أكبر على هذه الصورة لضبط المصاحف.. كلها نقاط.. ولكنها ملونة.. ويمكن الاطلاع على صور العديد من المصاحف الباقية من هذه الفترة.
ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى عام 170 هجرية، أي أنه بعيد نوعا عن فترة النقط سواء للإعراب أو للإعجام، ولا دخل له في هذا النقط بحال، بل الخليل بن أحمد لم يفعل أي شيء في المصاحف، وإنما جاء من بعده واستعملوا علمه وطوروه واستعملوه في المصاحف.
كان الخليل بن أحمد رضي الله عنه يستعمل إشارات خاص لإعراب في كتبه الخاصة وفي الشعر، فكان يجعل الفتحة ألفا صغيرة نائمة فوق الحرف، والضمة واوا صغيرة، والكسرة ياء صغيرة تحت الحرف.
وكان ما نسب للخليل من علاماته عشرة علامات :
1 - الفتحة : ألفا صغيرة مبطوحة فوق الحرف.
2 - الضمة : واوا صغيرة فوق الحرف أو بجواره. والمغربة حذفوا رأسها فصارت كالدال، وأبقى المشارقة عليها كما هي.
3 - الكسرة : ياء صغيرة تحت الحرف. ولكن أتباع الخليل طوروها وجعلوها كالألف في الفتحة، أي على صورتها لدينا الآن.
4 - الشدة : وهي رأس شين وهي أول حرف من كلمة (شدّد) جريا على طريقة العرب في الاختصار بأول حرف من الكلمة.
5 – علامة السكون : وهي رأس خاء وهي أول مرف من كلمة (خفّف)
6 – الهمزة : وهي رأس عين صغيرة، ولم تكن موجودة من قبل، بل كانت ترسم نقطة صفراء أو حمراء أو تكتب الفا وبما تؤول إليه (رشيد: عندي مصحف مغربي تكتب فيه الهمزة نقطة بالقلم الذهبي)
7 – علامة ألف الوصل : وهي رأس صاد (صـ) وهي معروفة ولكن قليل من يدرك أنها رأس صاد.
8 – علامة المد : وترسم كما هي على الألف بين القوسين (آ) وهي في أصلها كلمة (مد) ممطوطة بحرف ميم وجزء صغير من الدال، ثم حذفت الميم وابقي على المطة مع جزء الدال فصارت على تلك الهيئة.
9 _ الروم : وهو خط بين يدي الحرف
10 – الإشمام : وهو نقطة
ومما ينبغي أن نلاحظه أن هذه العلامات ليست خالصة صرفة للخليل بن أحمد، بل هو مؤسسها وقد قام أتباعه بتطويرها، ومن ذلك تحويل الياء الصغيرة إلى ألف مبطوحة تحت الكلمة كألف الفتح. ولذلك فلو فتحت التعريف بالمصحف المطبوع في آخر المصاحف المنتشرة لدينا في المشرق لا تجدهم يقتصرون على نسبة العلامات للخليل بن أحمد بل يقولون : (الخليل بن أحمد وأتباعه من المشاركة) ذلك أن العلامات المألوفة لدينا الآن هي له ولمدرسته المشرقية وليست له خالصة، ولو راعينا ما كان له خالصا لارتبك الناس.
وهكذا يكتمل لدينا إجمال المراحل التاريخية لضبط المصحف. (ملحوظة: لا أستسيغ عبارة ضبط المصحف، وإنما أفضل استعمال قولي وضع النقط أو وضع التشكيل أو الإضافة وما يشتق منها).


----------------


التفسير في تكرار الحركة في التنوين هو من وجهة نظر المؤلف – التنسي – كالآتي : النون إما أن تكون أصلية في الكلمة وهذه تكتب ظاهرة لا إشكال فيها، وإما أن تكون متولدة عن نطق التنوين، ولا ترسم نونا لأنها تنوين وليست بنون ولا تختلط بها، لما اختلفت عنها في التعبير اختلفت عنها في الخط كذلك، فرسمت الأولى ولم ترسم الثانية، فاحتاج أهل الضبط إلى ما يدل عليها لعدم رسمها بعينها، فكان الأصل فيها أن ترسم فوق حرفها علامة السكون لأنها ساكنة، ولكن لما كان ترك العلامة هو علامة السكون في الحروف فسينكسر الاطراد لو وضعت علامة السكون للدلالة على نون التنوين، فكان أن كرروا حركة الحرف للدلالة على نون التنوين الملاصقة.
قال التنسي : (هذا أشبه ما يوجه به...) ثو أورد غيره..


-------------


لما جعل الخليل بن أحمد علامة الضمة واوا صغيرة، فقد حذف المغاربة رأسها فصارت كالدال، بينما أبقاها المشارقة كما هي. (محمد : عندي مصحف مغربي ترسم فيه الضمة محذوفة الرأس قريبة من الدال وتؤدي إلى الاشتباه لدى المشارقة)


-------------


الأصل في مكان واو الضمة أن تكتب فوق الحرف أو أمامه على التخيير، واختار المبرد وجماعة أن تكتب فوق حتى لا تلتبس بالواو المتلوة، وهناك وجه ثالث ضعيف قد ضعفه أهل الضبط وهو أن توضع في نفس الكلمة، ووجه الضعف أنه يؤدي إلى الالتباس بكون الواو من ذات الكلمة.
وهناك قول كذلك ضعيف في وضع الفتحة أمام الحرف، وهو لشدة ضعفه لم يذكره الناظم.


-------------


وجه جعلهم علامة التنوين على الألف في التنوين بالفتح، هو أن التنوين ملازم للحرف المنون، والألف هو علامة التنوين في الوقف وأما علامة التنوين فهي علامته في الوصل، وكان إما أن نضع التنوين على الحرف المنون أو نضعه على الألف، فلو وضعناه على الحرف فهذا سيخلي الألف وقد يتوهم فيها الزيادة أي أنها زائدة إذ إنها لا وجود لها في الوصل مما يوهم زيادتها مطلقا، ولو وضعناها على الألف زال هذا الاحتمال وبقي الحرف خاليا عن العلامة أو الحركة، وإن أقصى ما يمكن أن يوهمه ذلك هو أن الحرف ساكن، ولكن يزول هذا الخطر بمنع التقاء الساكنين إذ يستحيل في لغة العرب أن يلتقي ساكن الحرف مع ساكن التنوين فسيتحرك الحرف حتما فزال الخطر، فوضعت العلامة على الألف، وهو اختيار الداني وأبي داوود وأبي محمد اليزيدي وعليه عمل الجمهور.


---------------


إذا كتبت الألف على صورة الياء كما في (ما هذا إلا سحر مفترى) فتوضع العلامة على الألف التي بصورة الياء، ولا تضاف ألف أخرى لأن النقط مبنيا على الوصل ولا يصلح هنا لعدم التقاء الساكنين.
وهذا الرسم هو بإجماع المصاحف فلا خلاف فيه، وإنما الخلاف هو في الألف الموجودة في اللفظ وقفا، فقال المازني هي ألف التنوين مطلقا، وقال الكسائي هي المنقلبة عن الياء مطلقا، وقال الكسائي بالتفصيل ففي المنصوب هي الف التنوين، وفي غيره هي المنقلبة عن الياء.


----------------


وضع علامة التنوين على الألف هو مذهب الجمهور والداني وأبي داوود وابي محمد اليزيد والكتّاب، ولخليل وسيبويه والنحاة مذهب آخر هو وضع العلامة على الحرف لا على الألف. ووجه هذا القول هو أن الحرف محرك فلزم وضع حركته عليه وهي نصف ما نعرفه بعلامة التنوين، ثم يلزم إلحاق حركة التنوين بحركة الحرف حيث لا يفترقا، فيستأثر الحرف بعلامة التنوين كاملة ويخلو منها الألف. وهذا القول هو الذي يجري به العمل في المصاحف.
وفي المسألة قولان آخران أحدهما الفصل بين الحركتين في علامة التنوين، فتوضع إحداهما على الحرف والأخرى على الألف، والثاني توضع حركة الفتح على الحرف ويتوضع علامة التنوين كلاملة بالحركتين على الألف. وفي هذين القولين يقول أبو عمرو الداني: "وذهب إلى هذين المذهبين قوم من متاخري النقاط، لا إمام لهم فيما علمناه" .

نصر الدين أحمد العثماني
08-10-2010, 15:36
برك الله فيك على هذه التخليصلت المفيدة

محمد يوسف رشيد
14-10-2010, 01:33
8 - التنوين في (لنسفعا...) (وليكونا...) هو في أصله نون توكيد خفيفة تتصل بالأفعال، ولكن لما كانت ساكنة في طرف الكلمة ملازمة للحركة ويوقف عليها بالألف بعد الفتح فأشبهت التنوين فرسمت تنوينا في المصاحف.


9 - كلمة (إذا) اختلف في تحريرها أهل العربية مع اتفاقهم أنها تكتبت في القرآن ألفا لمجيء رسم القرآن على هذا، ولكنهم اختلفوا في كتبها خارج القرآن أتكتب بالنون هكذا (إذن) أم تكتب بالألف هكذا (إذا)
فمن كتبها بالنون – أي في غير القرآن – فهو يرى أن هذه الكلمة حرف ، وأن نونها أصلية وأن التنوين لا مكان له هنا أصلا، وينبغي أن تكتب نونا، ولكنها كتبت في القرآن فقط بالتنوين لأنها أشبهت النون الخفيفة في كونها ساكنة في الطرف ومفتوحا ما قبلها ويوقف عليها بالألف، وعلى هذا يستثنون كتابتها في القرآن فقط، أما في غير القرآن فتكتب على نونها الأصلية هكذا (إذن). وهذا مذهب الجمهور.
وأما من كتبها بالألف – أي في القرآن وفي غير القرآن – فهو لا يرى فيها النون أصلا وإنما هو تنوين العوض، لأن الكلمة عنده ظرف لازم للإضافة ولما حذف ما أضيف إليه لحقه تنوين العوض، فكانت الكلمة منونة فتكتب بتنوينها كأية كلمة منونة هكذا (إذا).
وقد نقل الإمام السيوطي في كتبه الإتقان هذا القول عن شيخه الكافيجي واستحسنه. وقد رجح كتابتها بالألف خلافا للجمهور فقال: (الإجماع في القرآن على الوقف عليها وكتابتها بالألف دليل على أنها اسم منون لا حرف آخره نون).


10 - التنوين مع الحركة – أي الحركة المكررة – إما أن يأتي متراكبا أي حركة فوق الأخرى بشكل رأسي، وإما أن يأتي متتابعا أي الحركة الثانية منحرفة عن الأولى متأخرة عنها كأنها تتبعها، أما التراكب فهو يأتي لو كان بعد التنوين حرف حروف الحلق الستة مع الخلاف في الغين والخاء حيث قرأ أبو جعفر بالإخفاء عندهما، وأما التتابع فيأتي لو كان بعد التنوين غير حروف الحلق، وواضح هنا قصد موافقة الخط للفظ، حيث لما بعد مخرج حروف الحلق عن مخرج التنوين فقد تباعدت الحركة عن الحرف التالي للتنوين فجاءت راسية فوق حركتها لا شأن لها بحرف الحلق، ولما قرب مخرج غير حروف الحلق من مخرج التنوين انسحبت الحركة لتقترب من الحرف فجاءت متتابعة مع أختها غير مستقرة عليها رأسيا ضرورة الاقتراب من الحرف.
ولكن لو كان ما سوى الحلقي ساكنا نحو قوله تعالى (محظورا * انظر كيف) فليس للمتقدمين فيه كلام، والمحققون من المتأخرين جعلوها متراكبة، قياسا على ما تحرك بنقل الحركة، فالتنوين متحصن بالحركة التي تبعده عما بعده، والدلالة على البعد إنما تحصل بالتركيب، ويستثنى من ذلك قوله تعالى (عادا الأولى) فجعلوا فيها الإتباع لأنه لم يتحرك فيها التنوين وجاء مدغما فلم يتحصن كسابقه.


11 - يؤثر التنوين في بعض الحروف بعده بالإدغام التام وذلك لو كانت اللام والميم والنون والراء وهي المجموعة في قوله (لم نر) وفي هذه الحال نرسم الشدة على الحرف التالي للتنوين، ولا نرسمه على ما سواه أي الحروف التي تظهر أو تخفى أو حرف الإقلاب وهو الباء أو حروف الإدغام الناقص وهي الياء والواو، فتتعرى كلها من رسمة الشدة وتبقى الحركة الخاصة بها.
والنحاة يخالفون النقاط في الواو والياء فيرون أنه لا فرق بين الإدغام والإخفاء إلا فقط وضع علامة الشدة، فمذهبهم يستلزم وضع الشدة على المدغم والمخفي على السواء، ولكن النقاط يرون أن المساواة في وضع الشدة يلبس بين الإدغام الكامل والإدغام الناقص، فيظن أن إدغامهما – أي الواو والياء – كامل، أما لو لم توضع الشدة كما هو فعل نقاط المصاحف فأقصى ما يمكن أن يظن هو أن الياء والواو حكهما الإخفاء كحروف الإخفاء وليس الإدغام الناقص كما هو حكمهما الصحيح، ولكن يمكن اجتنابه بشهرة حروف الإخفاء وحروف الإدغام الناقص لمن يدرسون التجويد ويتلقون القراءة الصحيحة من أفواه المشايخ مع معرفتهم بالتجويد النظري. ولأجل الالتباس الواقع قطعا من مذهب النحاة فقد اقتصر الداني في المحكم على مذهب النقاط ولم يعرج على مذهب النحاة.
أقول – محمد يوسف رشيد - : يغلب على الظن أن هذا ليس من الخلاف الحقيقي، وإلا – أي لو كان خلافا حقيقيا - فيرد قول النحاة لو كانوا يقصدون به التدخل في ذات ضبط المصحف، لأن الالتباس الواقع بين الإدغام الكامل والناقص هم لم يتناولوه في كلامهم، ولأجل أنه صنعة كتاب المصاحف وأهل الإقراء فقد راعوه في مذهبهم، ولا شك هنا من تقديم مذهب نقاط المصاحف لتناولهم ما يجب تناوله وهو صحة النطق من المصحف، وأنه لو قدم مذهب النحاة لفسد النطق الصحيح بالتمييز بين الإدغام الكامل والناقص. إلا أن الذي يغلب على الظن هو أنهم لا يتدخلون بكلامهم في نقط المصحف، وإنما الخلاف في الاستعمال الاصطلاحي في تشديد هذه الحروف جميعا أي حروف (لم تر) و الواو والياء، وهذا لا نختلف فيه جميعا من الناحية التلفظية، لذا لا خلاف حقيقي. والله تعالى أعلم.


12 - في رسم حكم إقلاب التنوين إلى الميم الساكنة مذهبان: الأول هو رسم التنوين على حاله والثاني هو قلبه ميما في الرسم ليوافق الميم في النطق، وقد ذكر أبو داوود المذهبين واختار الثاني، وكذا الداني في كتابه النقط. ويسمى هذا المذهب بـ (التعويض) وهو الجاري في نقط المصاحف.
13 - النون الساكنة التي تظهر بعد حرف من حروف الحلق ترسم فوقها علامة السكون لبعد النون عن مخارج الحلق، فيقرعها اللسان مظهرة واضحة، فتكون علامة السكون في النون الساكنة بمثابة تركيب الحركتين في التنوين. أما غيرها مما له حكم الإخفاء أو الإدغام أو الإقلاب حيث لا يقرعها اللسان فلا ترسم علامة السكون، وبذلك يكون النقط موافقا للفظ. وبذا تكون تعرية النون بمثابة تتابع الحركتين في التنوين.


14 - النون الساكنة التي تليها الباء فتقلب ميما اختلف أبو داوود والداني فيها، أتترك معراة أم تسم فوقها الميم الصغيرة؟ فاختار أبو داوود أن ترسم الميم الصغيرة، واختار الداني تركها معراة، هذا ما استحسانه لوضع الميم وعدم ممانعته.


15 - تؤثر النون الساكنة في بعض الحروف بعده بالإدغام التام وذلك لو كانت اللام والميم والنون والراء وهي المجموعة في قوله (لم نر) وفي هذه الحال نرسم الشدة على الحرف التالي للنون الساكنة، ولا نرسمه على ما سواها أي الحروف التي تظهر أو تخفى أو حرف الإقلاب وهو الباء أو حروف الإدغام الناقص وهي الياء والواو، فتتعرى كلها من رسمة الشدة وتبقى الحركة الخاصة بها.


16 - إذا ما كان بعد النون الساكنة واو أو ياء فيكون الإدغام ناقصا، ويكون لرسم الضبط هنا وجهان:
الأول هو وضع السكون على النون و وضع الشدة على الواو أو الياء، وهو اختيار الداني وأبي داوود. ووجهه أن النون لما بقي صوتها أشبهت المظهرة فوضع السكون عليها، ولما لم تقرع فذهب لفظها فقد اشبهت المدغمة إدغاما خالصا فشدد ما بعدها.
والثاني هو تعرية النون من السكون وتعرية الواو أو الياء من الشدة مع إثبات حركة الواو أو الياء. ووجهه أن النون لما ذهب لفظها جعلنا التعرية دالة على ذلك، ولما لم تدغم إدغاما خالصا فيما بعدها جعلنا تعرية ما بعدها دالة على ذلك. وهذا القول يؤدي إلى الالتباس بالإخفاء إلا أن يقال إن معرفة حروف الإخفاء في التجويد تزيل هذا الالتباس، تماما كما قلناه في التنوين.
أقول - محمد يوسف رشيد - : ومصاحف المشارقة تكتب بالوجه الثاني وأما الوجه الأول الذي قال به الداني وأبو داوود فهو المستعمل في مصاحف المغاربة، ولذلك نجد في المصحف الذي كتبه الخطاط السوري أحمد الباري والذي عدلته وطبعته دار الفكر الدمشقية ليوافق الرواية التي يقرأ بها ورش، أن مشرف اللجنة قد قال في التعريف بالمصحف في باب الضبط : ( مع مراعاة ما جرى به العمل عند المغاربة ) مع اعتمادهم في الضبط على تقرر في الطراز في شرح ضبط الخراز للإمام التنسي.
ومما يؤخذ على اللجنة التي أشرفت على طباعة مصحف مجمع الملك فهد أنهم ذكروا – كغيرهم – اعتمادهم على الطراز للإمام التنسي، ولكنهم لم ينبهوا على أنهم قد راعوا ما جرى به العمل عند المشارقة؛ فهذا قد يوهم اعتماد كل ما ذكره الإمام التنسي ترجيحا، والصحيح أن ما جرى به العمل لدى المشارقة يفارق ما يرجح أو يمال لترجيحه في الطراز.
ومما يثبت ضرورة أهمية علم الضبط وتعميمه في الناس أنه ربما يؤدي الجهل به إلى الارتباك وظن ما ليس من باب اختلاف القراءات أنه من اختلاف القراءات، فمصاحف المغاربة أغلبها برواية ورش عن نافع، ومصاحف المشارقة أغلبها برواية حفص عن عاصم، والعمل لدى المغاربة على رسم السكون والشدة كما عرفنا والعمل لدى المشارقة على حذفهما كما عرفنا كذلك، فتأتي المصاحف برواية ورش بالسكون والتنوين وتأتي المصاحف برواية حفص بدونهما فيظن الشخص أنه من باب اختلاف القراءات ويذهب يحاول أن يجد لكل رسم منهما نطقا مختلفا عن الآخر! في حين أن النطق واحد وإنما هو اختلاف رسم الضبط لهذا النطق الواحد وأنه لا علاقة بين هذا الرسم وبين اختلاف القراءات التي تختلف فعليا باختلاف الأقطار.


17 - الخليل بن أحمد وضع علامة للإشمام والاختلاس هي النقطة المشهورة في المصحف المكتوب على الرواية التي يقرأ بها ورش عن نافع، وهي علامة من وضع الخليل وليست إحداثا لقول ثالث من قبل المتأخرين كما ظنه البعض. فهي علامة قديمة أصلية. وهيئتها نقطة كنقط الإعجام في الصورة لا في اللون، فتكتب فوق الحرف في حال الفتح وتكتب تحت الحرف في حال الكسر.


18 - يظهر أن أبا داوود يخالف شيخه الداني في وضع حركة الإشمام والاختلاس التي هي النقطة، فيظهر أن أبا داوود يمنع من وضعها وأن أن أبا عمرو الداني يقول بوضعها. وحجة أبي داوود في هذا أن الغاية من الضبط هي أن يقرأ قارئ القرآن قراءة صحيحة، ولما كان الإشمام والاختلاس لا يعرفان إلا من سماع المشايخ فلن تتحقق الغاية من وضع الضبط هنا، لأنه لن يؤدي إلى أن ينطق القارئ نطقا صحيحا.
وذهب بعض المحققين إلى أنه لا تعارض بين كلام أبي داوود وشيخه أبي عمرو الداني لأن المقصود هو عدم كتابة الحركة السابقة والاكتفاء بعلامة الإشمام أو الاختلاس. وإلى هذا القول ذهب الشارح التنسي، وذهب من المتأخرين الشيخ الضباع، وعلى هذا جرى ضبطهم المصاحف حيث اعتبر لا خلاف بين أبي داوود والداني.
أقول – محمد يوسف - : في هذا الكلام نظر كبير! لأن أبا داوود قد صرح بمخالفته لشيخه الداني، فقال : (وأنا أخالفه في هذا الباب، وأختار ترك الضبط؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يتلفظ بها مخفاة ولا مختلسة حتى يأخذ ذلك مشافهة من الشيخ في رياضة وتفهم، إذن فلا معنى لضبطهن، لأنه لا يوقف على حقيقة اللفظ بها إلا بالمشافهة من فم المقرئ دون الخط) ا.هـ
فكيف يجمعون هذا الجمع مع هذا النص؟
هذا علاوة على بعد مرادهم وأنه متكلف؛ لأنهم يقولون إن المراد هو الحركة السابقة أي الفتحة أو الكسرة، وهذا بعيد جدا، لأنه يلزم منه أن يقول الداني بوضع الحركة التامة التي هي الفتحة والكسرة وبوضع نقطة الإشمام أو الاختلاس معها، أي أنه يجمع بين الحركتين التامة والناقصة!
ولكن لا بأس أن يقال إن العمل في ضبط الإشمام والاختلاس هو بتقديم قول أبي عمرو الداني على قول أبي داوود في مسألة اختلفوا فيها، أي على غير المعهود من تقديم قول أبي داوود على قول شيخه الداني.
وأنبه إلى أن هذا النقط الآن هو بذات لون نقط الإعجام الذي هو لون الحروف ولكنه يتميز بكبره وثخانته واستدارته الواضحة، وإنما كانوا قديما يميزون لونه حتى لا يختلط بنقط الإعجام – نقط الحروف – ولكنه الآن متميز بغير اللون.
ونقط الإشمام يختلف في الموضع عن نقط الاختلاس؛ إذ نقط الإشمام يكون أمام الحرف، تنبيها على الإشمام بالضم الذي مكانه في نقط أبي الأسود الدؤلي هو أمام الحرف.


19 - الإمالة وضعت لها كذلك علامة النقطة التي هي كنقط الإعجام في الشكل دون اللون، وهو الآن كذلك متميز بما ذكرته في نقط الإشمام والاختلاس. وهناك قول آخر بتعرية الحرف وتركه للتلقي من أفواه المقرئين كما هو مذهب أبي داوود، ولكن أبا داوود لم يتكلم على نقط الإمالة، ولكن يمكن معرف مذهبه فيه بمعرفة مذهبه في نقط الإشمام والاختلاس، حيث الصورة قريبة والعلة متحدة.
وأما ما يمال وقفا فقط دون الوصل فالصواب ضبطه بفتحة لا بإمالة لإجماعهم على أن الضبط مبني على الوصل دون الوقف.


نهاية باب أحكام وضع الحركة

محمد يوسف رشيد
14-10-2010, 01:39
الباب الثاني : السكون والتشديد والمد


1 – في علامة السكون مذاهب:
فالمشارقة الخليليون جعلوها رأس خاء كما جعلها الخليل الفراهيدي، وهي أول حرف من كلمة (خفف) . وعلى هذا جرى الضبط عند المشارقة.
والمغاربة وهو اختيار أبي داوود وعليه عمل أكثر نقاط مدينة النبي صلى الله عليه وسلم جعلوها دائرة فارغة (دارة) ، وقد أخذوها من أهل الحساب، حيث يجعلون دائرة فارغة كعلامة على الخانة الخالية من العدد. فكان خلو الحرف من الحركة شبيها بخلو الخانة من العدد. وعليه عمل المتأخرين بالمغرب.
وهناك نقاط الأندلس حيث حذفوا رأس الخاء من علامة الخليل وابقوا مطتها.
وهناك بعض النحاة والقليل جدا من نقاط المدينة حيث جعلوها حرف هاء.
وبعض نقاط العراق لم يجعلوا للسكون علامة أصلا.


2 - علامة الشدة هي رأس شين من غير نقط ولا تعريق ولا مط، وهو مذهب الخليل الفراهيدي وأتباعه المشارقة، سوى بعض العراقيين الذين أخلوا الحرف من هذه العلامة ولكنهم اكتفوا عنها بوضع حركة الحرف عليه ولم يضعوا الحركات على سائر الحروف، فكان وضع الحركة علامة تشديد الحرف.
البعض جعل علامة الشدة حرف الدال (د) لأنه المكرر في الكلمة فكان أظهر في استعماله، وعليه نقاط المدينة النبوية الشريعة وتبعهم عليه نقاط الأندلس وهو اختيار الداني. وفي هذا المذهب تتحرك الشدة بتحرك حركة الحرف ولا تلزم الفوق كما في رأس الشين للخليل. ولدال لتشديد تلك هيئة توضع بها فوق أو أسفل أو أمام الحرف وهل يجمع بينه وبين الحركة أو لا، فلا نطيل بذكرها لعدم شديد الأهمية لنا كمشارق ولاستقرار رأس الشين عندنا، فتراجع في شرح التنسي لمن أرادها.


3 – الشين التي هي للتشديد هي تدل على شيئين: على أن الحرف محرّك وعلى أنه مشدد، وبذلك فهي تفوق الحركة من حيث دلالتها، لذلك كانت أقرب من الحركة في وضعها على الحرف المشدد، فتوضع الحركة فوقها.


4 – محمد يوسف : لاحظت مما يذهب إليه أبو داوود سليمان بن نجاح في علامات الضبط أنه يميل بشدة أكثر من غيره إلى تجريد القرآن كلما تسنى ذلك، فلا يضع من علامات إلا ما يستلزمه البيان، فأما ما لا يتحقق به البيان أو ما اعتيض بغيره في البيان فإنه يميل إلى عدم رسمه. ومن تتبع ماهبه في العلامات بان له ذلك جليا.


5 – قال التجيبي بأن تبدأ علامة المد بدء من حرف المد ويمر بها على الهمزة أو السكون، وقال أبو داوود توضع العلامة فوق الحرف الممدود فيكون حرف المد في وسطها وهذا المختار وما جرى به العمل.


6 – نقاط العراق لم يجعلوا سببا للمد ورأوا أن وجود سبب المد وهو الهمز أو السكون كاف في ذلك.
محمد يوسف : ولا يشكل على مذهبهم أنهم أسقطوا المد كذلك مع حروف المد المحذوفة من رسم القرآن – الرسم العثماني – لأن تلك الحروف تنطق وإن لم تكتب، فيكون وجودها نطقا مع وجود سببها من الهمز أو السكون علامة على المد، أما من لم ينطق بها لعدم كتابتها فمشكلته ليست في المد اقتصارا وإنما هو لم يأت بجنس الحرف أصلا وهو خطأ أعظم.


7 – ينبه المؤلف إلى أن المصنفين يمثلون عادة لسبب المد بالهمز ولكن الكلام يجري كذلك على ما كان سببه السكون.


8 – حروف المد التي في فواتح السور لم يرد عن المتقدمين شيء فيها، فاختلف المتأخرون فيها، فمنهم من يضع عليها المد لتحققه ولا عبرة عنده بعدم كتابة عوامل المد كما كتبناها في الكلمات التي حذفت منها حروف المد لأجل الرسم المصحفي، ومنهم من لا يضعه نظرا لعدم كتابة هذه العوامل، والتنسي يجرح عدم الكتابة لأن الأقدمين المقتدى بهم ما تناولوها وأنها لو كانت محتاجة للبيان لكتبوها كما كتبوا غيرها من المدود.


9 – هناك وجه آخر في وضع علامة المد خلاصته أن توضع علامة المد دون رسم حرف المد المحذوف من الرسم القرآني، وذلك لدلالة علامة المد على هذا الحرف. وقد ذكر الإمامان – أقصد بهما أبا داوود والداني حيث سأختصر لتكرارهما ومعرفتهما - هذا الوجه مع الوجه الأول، واختار أبو داوود الأول، ويؤخذ اختياره من الداني لتصديره به.