المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رأي الجويني في رواية المجهول



أسامة نمر عبد القادر
12-11-2004, 14:04
قال الجويني :
[مسألة : في رواية المستور (وقد عرفه بأنه) الذي لم يظهر منه نقيض عدالته ، ولم يتفق البحث الباطن عن عدالته] .
(قلت : المختار عندي أن المجهول قسمان ، الأول : مجهول العين والحال ، والثاني : مجهول الحال ، وإن كان معروف العين ، وهو الذي أطلق عليه بعضهم اسم المستور .
وسيأتي أن الجويني لا يقبل رواية المستور ، فإن كان يقصد بالمستور مجهول الحال ، فهذا يدل على أنه لا يقبل رواية مجهول العين من باب أولى) .

قال الجويني :
[تردد المحدثون في روايته .
والذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنه لا تقبل روايته ، وهو المقطوع به عندنا .
والمعتمد فيه : الرجوع إلى إجماع الصحابة ، فإنا نعلم منهم بمسلك الاستفاضة والتواتر : أنهم كانوا لا يقبلون روايات المجان والفسقة ، وأصحاب الخلاعة ، ولو ناداهم إنسان برواية لم يبتدروا العمل بروايته ، ما لم يبحثوا عن حالته ، ويطلعوا على باطن عدالته .
ومن ظن أنهم كانوا يعملون برواية كل مجهول الحال ، فقد ظن محالا .
وظهور ذلك مغن عن تقريره .
وإذا كنا نتعلق في العمل بالرواية بإجماعهم ، فلو لم نتحقق إجماعهم على التوقف في العمل برواية المستور ، لما وجدنا متعلقا نتمسك به في قبول روايته (يعني لو لم يدل إجماع الصحابة على عدم قبول المستور لما وجدنا دليلا يدل على قبول روايته) فكيف ، وقد استمر لنا قطعا منهم التوقف في المجهول المستور الحال] .

ثم قال الجويني :
[والذي أوثره في هذه المسألة : ألا نطلق رد رواية المستور ولا قبولها ، بل يقال :
رواية العدل : مقبولة .
ورواية الفاسق : مردودة .
ورواية المستور : موقوفة إلى استبانة حالته .
فلو كنا على اعتقاد في حل شيء ، فروى لنا مستور تحريمه ، فالذي أراه وجوب الانكفاف عما كنا نستحله إلى استتمام البحث عن حال الراوي .
وهذا هو المعلوم من عاداتهم وشيمهم .
وليس ذلك حكما منهم بالحظر المترتب على الرواية ، وإنما هو توقف في الأمر .
فالتوقف عن الإباحة يتضمن الانحجاز ، وهو في معنى الحظر ، فهو إذا حظر مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة ، وهي : التوقف عند بدء ظواهر الأمور إلى استبانتها .
فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذ ذاك .
ولو فرض فارض التباس حال الراوي ، واليأس من البحث عنها ، بأن يروي مجهول ، ثم يدخل في غمار الناس ، ويعسر العثور عليه ، فهذه مسألة اجتهادية عندي ، والظاهر أن الأمر إذا انتهى إلى اليأس لم يلزم الانكفاف ، وانقلبت الإباحة كراهية] .

ثم قال الجويني :
[فإن قيل : أليس روي أن أعرابيا شهد عند رسول الله على رؤية الهلال ، فأمر النبي بالصيام ، ولم يبحث عن حال الأعرابي ؟
قلنا : لعله علمه ، وأحاط به علما ، فلا يصح التمسك بمثل هذا مع تعارض الاحتمالات فيه ، والمطلوب القطع] .

ثم قال الجويني :
[فإن قالوا : الأصل نقيض الفسق (أي : أن الأصل في المسلم العدالة وعدم الفسق) ، فلنطرد قبول الرواية إلى تحقق الفسق ؟
قلنا : هذه (يعني أن الأصل نقيض الفسق) دعوى عرية عن البرهان ، وهو في التحقيق اقتصار على ترجمة المذهب ، فإنا نقول : الرواية قبولها موقوف على ظهور العدالة ، ومن يخالف يزعم أن الرد منوط بظهور الفسق .
وعلى الجملة : لسنا نرتضي التمسك بالتخييلات في مسالك القطعيات ، وفي كل أصل من الأصول قاعدة كلية معتبرة ، فكل تفصيل رجع إلى الأصل ، فهو جار على السبيل المطلوب ، وكل ما لم تجد مستندا فيه ، ومتعلقه تخييل ظن ، فهو مطرح ، والأصل في العمل بالأخبار إجماع الصحابة ، وقد قررنا سبيله ، فمات ذكروه ليس قادحا فيه ، فلا يحتفل به] .

ثم قال الجويني :
[فإن قيل : ثبت في الشرع الأمر بتحسين الظن بآحاد المسلمين إلى أن يظهر ما يناقض ذلك ، وإذا رددنا رواية المستور ، كان ذلك منافيا لتحسين الظن به ؟
قلنا : هذا من الطراز الأول ، فلا احتفال به .
على أنا أمرنا بتحسين الظن حتى لا تطلق الألسنة بالمطاعن ، فهذا فائدة تحسين الظن ، فأما أن يقال : نبتدر إلى إراقة الدماء وتحليل الفروج برواية كل هاجم على الرواية ، بناء على تحسين الظن ، فهذا لا يتخيله إلا خلو من التحصيل ، والله الموفق] ، انتهى كلام الجويني في هذه المسألة من البرهان 2/فقرة رقم 553 فما بعدها .

وفيه من الفوائد ما فيه .
أهمها أن الأصل عند الجويني أن المجهول مردود الرواية .
ومنها : أن الأصل في قبول الرواية هو ظهور العدالة ، لا عدم ظهور الفسق كما ذهب إليه بعض الفقهاء وبعض المحدثين .
وهكذا أقول : إنه إذا تفرد راو مجهول بخبر ، فخبره ضعيف في نفسه ، إلا أن يكون له متابعا معتبرا ، أو شاهدا معتبرا ، وليس كل متابع أو شاهد ينفع تقوية الخبر به ، وراجع في ذلك رابطا بعنوان : ليس كل ضعيف يتقوى بمجيئه من طرق أخرى .

جمال حسني الشرباتي
13-11-2004, 12:01
الأخ اسامة


كلامك وكلامه يكتبان بماء الذهب



ولدي إستفسار بسيط ريما محله المسائل الأصولية


وهو ---إستشهاد عظام الفقهاء بخبر معاذ ---ألا يرفع من مستوى الحديث----على اساس أن لديهم مبرر لم يفصحوا عنه؟؟؟

أسامة نمر عبد القادر
13-11-2004, 20:37
أستاذي الأكرم جمال الشرباتي ،،،
سوف أدون الاستفسار ، وأحاول الإجابة عنه في موضع تخريجي لحديث معاذ .
وسلمتم أخي الكريم .

محمد صادق الحجازي
24-11-2004, 02:52
الأستاذ أسامة حفظه الله تعالى
قلتم ( وفيه من الفوائد ما فيه .
أهمها أن الأصل عند الجويني أن المجهول مردود الرواية . )

لعلي أختلف معكم في كون الجويني يرد رواية المستور مطلقا وذلك لما صرح به انتهاءا من انقلاب الحكم من الإباحة إلى الكراهية وإثبات هذا الحكم هو عمل بتلك الرواية وقد فسر الإمام الغزالي القبول للرواية بمعنى العمل بها وهنا نجد أن إمام الحرمين قد عمل بها حيث اثبت حكماً بمقتضاها ولعله رجح ذلك عملا بقاعدة الاحتياط ولم يسلك ذلك في رواية الضعيف ممن صرح أئمة الشأن بجرحه وهذا مما يدلنا أن رواية المستور لها حكم خاص عن إمام الحرمين والله أعلم

أسامة نمر عبد القادر
24-11-2004, 14:06
أخي الطيب الكريم محمد الصادق الحجازي ، وفقك وإياي ربي لما يرضيه ويدخلنا جنته ، أما بعد ،،
نعم ، الاحتمال كبير في أن أكون فهمت كلام الجويني خطأ ، لكنني أحاول أن أفهمه ، لا سيما من خلال النقاش من إخوة أذكياء مجتهدين أمثالكم ، فاعتبرني تلميذا ، واحتمل جهلي وقلة بضاعتي ، لعلي أصل إلى الصواب .
قولي (الأصل عند الجويني أن المجهول مردود الرواية) اعتمدت فيه على ما يلي :

1 / قول الجويني [والذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنه لا تقبل روايته ، وهو المقطوع به عندنا] .
فإذا كان المقطوع عنده عدم قبول روايته ، فهل تراجع في الصفحة نفسها عما قطع به في أولها ؟؟
2 / استدلاله بإجماع الصحابة على أنه [لو ناداهم إنسان برواية لم يبتدروا العمل بروايته ، ما لم يبحثوا عن حالته ، ويطلعوا على باطن عدالته] .
فهل يستدل بالإجماع على عدم العمل برواية المجهول ، ثم يخالف الإجماع بعد أسطر قليلة .
3 / ثم إن الجويني لما أوجب الانكفاف عما كانوا يستحلونه إلى استتمام البحث عن حال الراوي ، لم يستند على رواية المجهول ، وإنما استند بعض ورود رواية المجهول على قاعدة [التوقف في الأمر عند بدء ظواهر الأمور إلى استبانتها] ، فيكون إيجابه الانكفاف بمجموع رواية المجهول مع هذه القاعدة .
ما سبق هو معنى قول الجويني
[وليس ذلك حكما منهم بالحظر المترتب على الرواية ، وإنما هو توقف في الأمر .
فالتوقف عن الإباحة يتضمن الانحجاز ، وهو في معنى الحظر ، فهو إذا حظر مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة ، وهي : التوقف عند بدء ظواهر الأمور إلى استبانتها] .
فماذا نستفيد من ذلك في منهج الجويني ؟
نستفيد أن مذهب الجويني أن رواية المجهول في الأصل ليست بحجة ، إنما قد توجب الانكفاف عما ورد تحريمه مع انضمام قاعدة شرعية أخرى معها .
ووجوب الانكفاف عما روى المجهول تحريمه موقوف إلى استبانة حاله ، قال الجويني [ورواية المستور : موقوفة إلى استبانة حالته] ومعنى ذلك : أن المجهول لا يخلو من ثلاث حالات :

الأولى : أن يظهر لنا عدالته ، فعندئذ يصير الانكفاف مبنيا على مجرد خبر هذا الراوي الذي ظهرت عدالته ، وهذا معنى قول الجويني [فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذ ذاك] ، يعني : فالحكم بالتحريم عندئذ مترتب على رواية المجهول الذي ظهرت عدالته من غير حاجة إلى تلك القاعدة الشرعية .

الثانية : ولم يذكرها الجويني ، لكنها تفهم من السياق ، أن يظهر لنا جرحه ، فعندئذ نعود إلى اعتقاد حل الأمر ، ولا يجب بشأنه انكفاف البتة ، لما ظهر لنا من جرح في الراوي الذي كان مجهولا .

الثالثة : أن تستمر الجهالة بحاله ، فأفهم من نص الجويني أن وجوب الانكفاف يبقى مستمرا ، لكنه انكفاف ليس بمعنى التحريم المترتب على رواية المجهول ، ولكنه انكفاف بمعنى التوقف عند بدء ظواهر الأمور إلى استبانتها ، أي هو انكفاف مبني على مجموع رواية المجهول وتلك القاعدة الشرعية .
هذا ما فهمته بشأن هذه الحالة من كلام الجويني ، لكن يظهر أنه لم يلتزم الاستمرار بالحكم بوجوب الانكفاف أبدا ما دام الراوي مجهولا ، لذلك قال لاحقا :
[والظاهر أن الأمر إذا انتهى إلى اليأس لم يلزم الانكفاف ، وانقلبت الإباحة كراهية] .
وهاهنا يتبين ما أريد قوله ، فإن الجويني لم يحكم بالكراهية بناء على رواية المجهول فقط ، وإنما حكم بالكراهية بناء على رواية المجهول بانضمام تلك القاعدة إليه .
ولذلك قلت : إن الأصل عند الجويني أن رواية المجهول مردودة ، أعني مردودة في نفسها .
ثم هاهنا تساؤل :
وهو أن الأصل بحسب كلام الجويني أنه ما دام الراوي المجهول لم يتبين حاله ، فلا بد من استمرار لزوم الانكفاف ، إذ ما أوجب الانكفاف في أول الأزمان باق مع استمرار الأزمان ، فلماذا قلب الأمر إلى الكراهية ؟
وهو قد ذكر دليله على لزوم الانكفاف بخبر المجهول في أول الأزمان ، فما دليله على قلب الحكم إلى الكراهية مع استمرار الأزمان ؟
أقصد أن الأصل بحسب ظاهر كلام الجويني وبحسب ما استند عليه أن يبقى التحريم المبني على قاعدة [التوقف] مستمرة إلى أن يتبين حال الراوي تعديلا أو جرحا ، ولما لم يتبين حال الراوي ، فلا بد من استصحاب حالة لزوم الانكفاف التي أوجبها الجويني مع جهالة حال الراوي .

4 / ثم الجويني بعد ذلك التفصيل رجع إلى مناقشة أدلة الحنفية على قبول رواية المستور ، فناقش ثلاثة أدلة :
قال في الجواب عن ثاني الأدلة [فإنا نقول : الرواية قبولها موقوف على ظهور العدالة] .
فماذا تفيد هذه العبارة إذا كان المستور مقبول الرواية ؟
إن عبارته تلك صريحة في أن (قبول الرواية) أي (العمل بها) أي (الاحتجاج بها) متوقف على ظهور العدالة ، والمجهول لم تظهر عدالته .
فإذا لم يكن ذلك مراد الجويني ، فما مراده ؟
وقال في تقرير دليل الحنفية الثالث [فإن قيل : ثبت في الشرع الأمر بتحسين الظن بآحاد المسلمين إلى أن يظهر ما يناقض ذلك ، وإذا رددنا رواية المستور ، كان ذلك منافيا لتحسين الظن به ؟]
وهذا يدل على أن الجويني يرد رواية المجهول ، ثم جوابه يدل على أنه لا يرى أن وجوب تحسين الظن بآحاد المسلمين يستلزم (قبول رواية المجهول) ، فقد قال [فأما أن يقال : نبتدر إلى إراقة الدماء وتحليل الفروج برواية كل هاجم على الرواية ، بناء على تحسين الظن ، فهذا لا يتخيله إلا خلو من التحصيل] .
فما وجه استدلال الحنفية وما وجه كلام الجويني إذا كان الجويني يقبل في الأصل رواية المجهول ؟
وماذا يقصد الجويني بقوله [برواية كل هاجم على الرواية] ؟

هذا ما ظهر لي ، وأسأل الله تعالى أن يهدني والإخوة الكرم للحق والصواب ، اللهم آمين .