المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التفكير والإسلام



أسامة نمر عبد القادر
04-11-2004, 08:23
تمهيد
أخبرنا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وآخرهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم أن ثمة إله لهذا الكون هو الله تعالى ، وأخبرونا أيضا أن علينا تكاليف ، وأخبرونا أن ثمة جنة أو نار ، لا بد من دخول أحدهما .
إن أي شخص تطرق مسامعه هذه الأخبار للمرة الأولى ، إذا كان عاقلا ، فإن قلبه وعقله لا بد أن يتحركان ، ويستحثاه للبحث والتفكر ، ويسلبان عنه الدعة والاستقرار ، ويحذراه مغبة التساهل والإهمال في التحقق من هذه الأخبار ، فإن الموت آت لا محالة ، وهو مستقر كل إنسان في خاتمة جولة الدنيا وموطنه .
ومثل هذا مثل أن يخبرك أخوك وأنت خارج بيتك وتريد أن تدخله فيقول لك محذرا : يوجد لص داخل البيت ، فخذ حذرك ، وانتبه لنفسك ، فما هو موقفك عندئذ ؟ إنك لن تقدم على الدخول إلى البيت وسوف تبالغ في الاحتراز حتى لا يصيبك مكروه وأذى .
ومثله أيضا مثل أن ترى إعلانا ، فيه : أنك لو ذهبت إلى مكان كذا وفعلت كذا وكذا فلك عشرة آلاف دينار ، وكان المطلوب مما يمكن أن تعمله ، فما هو موقفك عندئذ ؟ إنك سوف تسارع في الإقدام عليه ، وسوف تبالغ جهدك في الوصول إليه ، لأجل أن تنال ما ترجو من مال .
لقد أردت من هذا المثل تقريب الأمر ، حتى تتضح حقيقة الأمور :
× فكما أنك تخاف من الأذى المتوقع في الزمان القريب ، فلا بد أن تخاف من الأذى المتوقع في الزمان البعيد ، أعني النار .
× وكما أنك ترجو الخير المتوقع في الزمان القريب ، فلا بد ، كذلك ، أن ترجو الخير المتوقع في الزمان البعيد ، أعني الجنة .
وكما أنك تبذل كل وقتك وجهدك وحياتك لأجل بناء مستقبلك الدنيوي ، فلا بد أن تبذل أيضا كل وقتك وجهدك وحياتك لأجل بناء مستقبلك الأخروي .
وإن الذي يهمل آخرته ، ولا يفكر بما سوف يؤول إليه مصيره فيها ، إنما يخاطر بمستقبله الحقيقي كله ، لأن المستقبل الدنيوي فان ، سريعا ما يزول بموت صاحبه أو بإصابته بمرض عضال يمنعه الحركة نهائيا أو غير ذلك ، بينما المستقبل الأخروي باق أبدا ، لن يزول أبدا .
الأحكام العقلية
وأريد أن أنتهز الفرصة هاهنا لأبين قاعدة من قواعد التفكير العقلية .
إن العقل له ثلاثة أحكام ، هي : الواجب العقلي ، والممكن العقلي ، والمستحيل العقلي .
1 = أما الواجب العقلي ، فهو : ما لا يتصور العقل عدمه .
مثل : أن لكل فعل فاعل ، فإن العقل يحكم بأن ذلك واجب ، فيجب عقلا أن يكون لكل ضحكة ضاحك ، ولكل بكاء باك ، ويستحيل أن توجد ضحكة من غير ضاحك ، وأن يوجد بكاء من غير باك ، إن علم التاريخ كله ، وعلم الآثار كله ، وغيرها من العلوم قائمة على هذه القاعدة العقلية .
2 = أما الممكن العقلي ، فهو : ما يتصور العقل وجوده ويتصور عدمه .
مثل : نزول المطر بعد عشر دقائق ونحن الآن في فصل الشتاء ، فإن العقل يحكم بأن ذلك ممكن أن يوجد وممكن أن لا يوجد .
3 = أما المستحيل العقلي ، فهو : ما لا يتصور العقل وجوده .
مثل : وجود شخص واحد في مكانين في وقت واحد ، فإن العقل يحكم بأن ذلك مستحيل ، كما يستحيل عقلا أيضا أن يوجد جسمان في حيز واحد في وقت واحد .
إن هذه الأحكام العقلية الثلاثة يحتاجها كل عاقل ليفهم الموجودات ، ولينطلق بعدها في التفكير الذي يوصله إلى فهم حقائق الأشياء قدر جهده واستطاعته .
لماذا التفكير ؟
ولنعد إلى التفكير ،،،
إن التفكير ليس مطلوبا لذاته ، وإنما هو مطلوب لأجل التوصل من خلال المعلومات اليقينية القطعية إلى الحقيقة التي سوف ينبني عليها مستقبلنا القريب في الدنيا ، ومستقبلنا البعيد في الآخرة .
ولذلك لا بد ابتداء من التأكد من أن المعلومات التي نحملها في عقولنا صحيحة يقينية قطعية .
ثم نربط بين هذه المعلومات ونستنتج منها ما يوصلنا إلى الحقيقة .
مبررات بحاجة من أصحابها إلى إعادة نظر
ومع كون التفكير بحد ذاته أمرا لامعا ، لكن بعض الناس يحاول التهرب من التفكير .
كأن يقول مثلا : التفكير عملية صعبة متعبة ، وهي ليست أمرا مسليا ، أنا أفضل أن أرى فلما على التلفزيون ، فهو أمتع لي وآنس لنفسي ، أو أن يقول مثلا : إن التفكير يأخذ الكثير من وقتي ، وقد ادخرت وقتي لأمور أثمن من ذلك وأنفع لي .
فيقال لمثل هذا : لو كان إنقاذ نفسك أو عائلتك من مصيبة آتية يتطلب منك التفكير المتواصل المجهد المتعب ، لسارعت إليه !! ولو كان إنقاذ نفسك أو عائلتك يتطلب الإعراض عن متع الدنيا التي من شأنها أن تلهيك عن ذلك ، لسارعت في الإعراض !!
وبعضهم يخشى من التفكير لئلا يوصله إلى صواب ما حكم عليه مسبقا بأنه لا يريده أصلا !!
وبعضهم يخشى من التفكير لأنه يورث أسئلة متعددة لا يستطيع إيجاد الأسئلة عليها فورا !!
إن المبررات السابقة ليست رجولية ولا عقلانية ، ولا يمكن أن تصدر مما يريد أن يكون فاعلا مؤثرا منتجا بان لمستقبله الشخصي ، ناهيك عن مستقبل أمته وحضارتها .
إنه يريد أن يظل في ذيل القافلة ، بينما عدوه يسارع ليكون في مقدمة الركب .
لقد استسهل لنفسه التخلف ، بينما عدوه يسلك كل صعب ليكون متقدما على سائر الأمم .
مثال للتفكير
ولنعد إلى التفكير .
وأطلب من الإخوة الكرام أن يتأملوا معي هذه الظاهرة :
نحن الآن ـ أعني أمة الإسلام ـ في الظاهر أمة ضعيفة سياسيا واقتصاديا ، بل نحن في ذيل الأمم حضاريا ، ومع ذلك نلاحظ أن أكثر الديانات التي يدخل فيها الداخلون هي : الإسلام ، بل تجد أن الإسلام قد دخله سفراء دول ، وقسس ، ومنظرين لمبادئ غير إسلامية ، وعلماء طبيعية ، وغيرهم ، وهذا يحدث ونحن في أضعف فترة مرت علينا في التاريخ ، فكيف لو كان بنا شيئا من قوة ؟!
فكر معي بما سبق ، الإسلام أكثر دين يدخل الناس فيه ، وفي الوقت نفسه أمة الإسلام أمة ضعيفة جدا !
ماذا تستنتج ؟
نعم ، إن في الإسلام شيئا يجذب الآخرين إليه .
نعم ، إن الإسلام قوي بنفسه ، لكنه لا يكتشفه إلا أصحاب الضمائر الحية والنفوس المشرقة والأخلاق العالية والعقول المتفكرة ، أما أصحاب الضمائر الميتة والنفوس المظلمة والأخلاق السيئة والعقول الجامدة فما زالوا بعيدين عنه ، أقول : وإن كانوا من أهله .
التفكير بعقيدة الإسلام
لنتعمق قليلا في التفكير ،،،
ولنقارن بين عقيدة الإسلام التي تؤمن بوجود الله تعالى ، وعقيدة الإلحاد التي تنكر وجود الله تعالى .
ابتداء نقول : العاقل يوقن أن الحق لا بد وأن يكون واحدا ، لا سيما في العقائد والحقائق ، فإن العاقل إذا طرح السؤال التالي، وهو : هل يوجد إله خالق مدبر لهذا الكون بأحيائه وجماداته أم لا يوجد له إله خالق مدبر، فلا بد أن يحصر الجواب في أحد احتمالين، الأول : أن للكون إلها خالقا، والثاني: أنه ليس للكون إلها خالقا، إذ يستحيل أن يوجد احتمال ثالث في الجواب عن ذلك السؤال .
فإذا ثبت انحصار الجواب في هذين الاحتمالين ، لا بد أن ينتقل العاقل إلى مرتبة أخرى من التفكير .
يقول العاقل : يستحيل أن يكون كلا من هذين الاحتمالين صوابا ، لأنه يستحيل اجتماع النقيضين ، وفي هذه القضية بالذات يستحيل أن يكون للكون إلها خالقا ، وأن لا يكون له إلها خالقا ، في الوقت نفسه ، هذا تناقض ينأى عنه الشخص العاقل .
ويقول العاقل كذلك : يستحيل أن يكون كلا من هذين الاحتمالين خطأ ، لأنه يستحيل ارتفاع النقيضين ، أي : يستحيل عدم تحقق أحدهما .
ولنضرب على ذلك مثالا ، وهو : الوجود والعدم ، فإنهما نقيضان ، ويستحيل أن لا يتحقق أحدهما ، فأنت مثلا إما أن تكون موجودا وإما أن تكون معدوما ، ويستحيل أن لا تكون موجودا ولا معدوما في الوقت ذاته ، كما يستحيل أن تكون موجودا ومعدوما معا في الوقت ذاته ، ومن هنا نقول : لا بد إما أن يكون لهذا الكون إله ، وإما أن لا يكون لهذا الكون إله .
وبهذا التفكير المنطقي أثبتنا أن الحق لا بد أن يكون واحدا من الأمرين ، ويستحيل أن كون كلا منهما ، أو لا واحد منهما .
ولنعرف أي الأمرين هو الصحيح ، لننظر في الكون ، وسنجد فيه ما يلي : إن كل حركة في هذا الكون ، وكل توقف فيه أيضا ، له بداية ، ولنبدأ بالأرض التي مسكننا وموطننا ، فستجد أن كل نبتة فيها لها بداية ، وكل حيوان له بداية ، وكل إنسان له بداية ، والمطر له بداية، والقحط له بداية، بل إن البحار لها بداية ولذلك يدرسون تكون البحار ، وكذلك اليابسة لها بداية ولذلك يدرسون تكون اليابسة ، والنفط له بداية ولذلك يدرسون تكون النفط ، وهكذا لو عدنا إلى الوراء كثيرا لوجدنا أن الأرض لها بداية ولذلك يدرسون تكون الأرض .
فإذا خرجنا إلى الفضاء فسنجد الكواكب ، وهي مثل الأرض ، فكل كوكب بما عليه من موجودات له بداية .
فإذا نظرنا إلى النجوم ، استذكر القارئ أنهم يدرسون شيئا اسمه ( ولادة النجوم ) و ( وفاة النجوم ) ، فعلام يدلك هذا ؟ وإشارة سريعة أقول : إنه من المعلوم أن التفاعلات داخل النجوم اندماجية ، بمعنى أن كل ذرتي هيليوم تتفاعلان وتندمجان لينتج لنا ذرة هيدروجين وطاقة ، وهذه الطاقة تخرج على هيئة حرارة وأنواع من الأشعة خارج النجم ، إذن النجم يفقد من كتلته مع مرور الزمن ، وهذا يدل على أن النجوم ـ حتما ـ ستؤول إلى الفناء يوما ما .
ونقول : كل ما جاز عقلا عليه الفناء وجب عقلا له الابتداء ، أي : كل ما يفني لا بد أن يكون له بداية ، ولو لم يكن له بداية لاستحال أن يفنى ، لأنه يستمد قوته من نفسه ، وطالما هو يفنى فهو عاجز عن البقاء ، ومن كان عاجزا عن البقاء يستحيل أن يكون أزليا لا بداية لوجوده ، إذ الأزلي لا بد أن يكون أبديا .
والكون ما هو إلا عبارة عن هذه النجوم وهذه الكواكب ، فإذا ثبت أن هذه النجوم والكواكب لها بداية ، فلا بد أن يكون الكون له بداية .
والسؤال الآن : من هو مبدئ الكون ؟
بعضهم قال : بدأ الكون صدفة ، وهذا أمر لو تفكر القائل به ، لعلم مدى لا عقلانيته ، لأن الصدفة أمر معنوي يتحقق بين شيئين موجودين أصلا ، فإذا لم يكن شيء موجود أصلا ، فيستحيل أن تكون الصدفة نفسها موجودة .
إن الصدفة ليست شيئا موجودا أصلا لتخلق الموجودات من العدم ، والصدفة أيضا لا مشيئة لها ، ولا قدرة لها ، ولا علم لها .
وبعضهم يقول : إن الطبيعة هي التي أوجدت الكون، وهنا نلاحظ أن القائل لم يتفكر فيما يقول، ولذلك جاء بهذا الاحتمال الذي ذكره سريعا بعيدا عن كل جانب من جوانب التفكير العلمي المنطقي ، لأن الطبيعية هي الكون نفسه ، إن الطبيعة هي الحجر والشجر والنجوم والكواكب ، فهل يمكن عقلا أن يخلق الشيء المعدوم نفسه ؟!
فلم يبق إلا أن شيئا ما غير هذا الكون هو الذي ابتدأ الكون وأوجده من العدم ، وهذا أمر عقلي منطقي لا غبار عليه ، إنه لا بد لهذا الكون من موجد يخلقه من العدم .
وهكذا يتضح لنا أن القول بأنه ليس للكون إله قول مناف للعلم والعقل والمنطق ، وأن القول العلمي العقلي المنطقي هو أن للكون إله .
ومن هاهنا نقول : إن أول ما يتضمنه قولنا ( الإسلام هو الدين الحق ) من معان : أن عقيدة الإسلام هي العقيدة الحقة الصحيحة في مواجهة العقائد الأخرى ، فلو قارن مقارن بين عقيدة الإسلام وبين عقائد اليهودية والنصرانية والوثنية والدهرية الملحدة وغيرها ، وبنى مقارنته على حقائق الوجود ومنطق التفكير ؛ لعلم يقينا أن عقيدة هذا الدين هي الصواب التي لا شك ولا مرية فيها ، ولعلم يقينا أن العقائد الأخرى مهازل وسذاجات واستغباء وجهالات ، بل هي ضياع عن الوجهة الحقيقية ، وتضييع لطريق البشرية .
التفكير بشريعة الإسلام
ولنأخذ زاوية أخرى من التفكير :
إن شركات التأمين منتشرة في العالم ، ومعلوم أن هدفها هو : التجارة بتأمين الناس من المصائب ، بمعنى أن شركات التأمين تأخذ قسطا شهريا أو سنويا من المال مقابل تأمينك على سبيل المثال من حوادث السيارات إن حدثت .
ولنتساءل : من هو الشخص الذي تزداد فرصه في الاستفادة من عروض شركات التأمين ؟ إن الشخص الذي يدفع قسطا أعلى هو الذي تزداد فرصه في الاستفادة من هذه الشركات ، أي أن شركات التأمين لا تقوم بتخليص كاهل الفقراء مما هم به من عوز ، بقدر ما تقوم بزيادة غنى الغني الذي لا يتضرر من أقساطه ، هذه الأقساط التي تكون في الغالب عبئا على الفقير مهما كان القسط الذي يدفعه ضئيلا ، ومهما استفاد منها إ، وقع عليه مصائب .
ولنقارن ذلك بنظام الزكاة ، إن بابا واحدا من أبواب الزكاة ، وهو باب الغارمين ، يقوم بما تقوم به شركات التأمين وزيادة ، لكن بناء على مبدأ مختلف .
فلو فرضنا أن رجلا لا يملك سوى سيارة ، وهو يعتمد عليها في طلب الرزق ، فلو أصابها حادثت ولم يبق منها ما يستصلح ، إن مسؤولية هذا الباب من نظام الزكاة أن يعيد له سيارة مثل تلك التي تلفت ، ومن غير أن يكون قد سبق منه دفع أقساط .
وكذلك لو فرضنا أن رجلا لا يملك سوى محل ، وهو يعتمد عليه في طلب الرزق ، فلو ذهب به حريق ، فإن مسؤولية باب الغارمين من نظام الزكاة : أن يعيد له المحل كما كان ، ومن غير أن يكون قد سبق منه دفع أقساط .
لكن لو فرضنا أن رجلا يملك سيارة ليس عليها اعتماده في طلب الرزق ، ثم هو قادر على أن يشتري غيرها من غير أن يتضرر ماليا ضررا بحيث لا يستطيع أن يأتي بمأكله ومشربه وملبسه هو وكل من يعولهم ، فإن مثل هذا الشخص لا يعوض من هذا الباب .
لا أريد أن أقول إن شركات التأمين حرام ، إذ يوجد بعض العلماء المعاصرين ممن أجازوا شركات التأمين ، وإن لم أتفق معهم في هذا الرأي الفقهي .
لكن الذي أريد قوله أن هذا المثال يكشف لك الفرق بين النظام الاقتصادي الرأسمالي مثلا والنظام الاقتصادي الإسلامي ، فترى في الاقتصاد الإسلامي ذلك التوازن الذي يفتقده الاقتصاد الرأسمالي .
وصدق الله تعالى ، فقد قال {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ، ويبشر المؤمنين الذي يعلمون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا} الإسراء/9 .
لقد جاءني أحدهم وكان قد درس في روسيا في عهد الشيوعية وكان قد اكتسب من أفكارها ، بالإضافة إلى نشأته نشأة غير محافظة ، فسألني : ما الدليل على وجود الله تعالى ؟
فابتسمت وأجبته على البديهة قائلا : الدليل على وجود الله تعالى : تشريع تعدد الزوجات ، وتشريع الميراث ، وتشريع الرقاب ( وهو المصطلح القرآني الدقيق بدلا من لفظ الرقيق أو العبيد ) .
فما كان من ذلك الشاب إلا أن تفاجأ بالجواب قائلا : لكن هذه شبهات ضد الإسلام ؟!
فعلقت قائلا : لا ، بل هي لمن تفكر وتدبر وتعقل أدلة على أن هذا الدين بما انطوى عليه من تشريعات حكيمة لا يمكن أن يكون إلا من عند خالق الإنسان .
وما زلت أقول : إن ما يظنه كثير من أعداء الإسلام وبعض المسلمين شبهات ضد الإسلام ، هي في واقع الأمر أدلة على هداية وحكمة الإسلام في التشريع ، وبالتالي فهي أدلة على أن هذا الدين من السماء ، وليس من الأرض ، وأنه الدين المناسب الملائم لحياة الجنس البشري على هذه الأرض .

القرآن يدعو إلى التفكير
وعودا على بدء لنقول لكم :
لقد ذكر الله تعالى في كتابه أن الكافرين سوف يندمون على أمرين :
الأول : عدم سماعهم لدعوة الإسلام .
الثاني : عدم تعقلهم وتفكرهم بما تضمنته هذه الدعوة من أفكار .
يذكر الله في سورة الملك أن الكافرين سوف يقولون بعد دخول النار {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} .
وهاهنا يبرز تحدي القرآن للناس أجمعين .
وهاهنا تظهر ثقة القرآن بنفسه .
إن القرآن يبحث عن الأرضية المشتركة مع الذين لا يؤمنون به ، وليس ثمة أرضية مشتركة سوى : العقل ، والحس ، فذهب القرآن بنفسه مع غير المؤمنين إلى هذه الأرضية المشتركة ، ورضي منهم أن يحتكموا إليها ، وفي هذا من الثقة بحكم العقل ما فيه ، وفيه من الثقة بما سيوصل من النتائج التي تتفق مع القرآن الكريم فيما يطرحه من عقائد أو فيما يطلبه من تكاليف .
إن هذه الثقة لتزيد من افتخار المسلم بدينه واعتداده بأحقيته وصحته وثبوته .
ونحن لو تتبعنا الآيات التي تطالبنا باستخدام العقل لوجدناها كثيرة العدد متعددة التعبيرات والأساليب .
وقد اخترت من ذلك نموذجا ، وهو لفظة (أولي الألباب) ، فهو أسلوب ينبه الناس إلى التفكر بعمق والتأمل في لب الأمور وحقائقها ، وعدم الاكتفاء بالقشور والسطحيات والظواهر .
1 / أولوا الألباب : يدركون الحكمة من القصاص وأن القصاص سبب للحياة
قال تعالى {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} البقرة/179 .
قال المفسر الألمعي ابن عاشور : طمأن القرآن بهذه الآية نفوس الفريقين : أولياء الدم ، والقاتلين ، في قبول أحكام القصاص ، فبين أن في القصاص حياة لنفوسكم ، فإن فيه ارتداع الناس عن قتل النفوس ، فلو أهمل حكم القصاص لما ارتدع الناس ، لأن أشد ما تتوقاه نفوس البشر عن الحوادث هو الموت ، فلو علم القاتل أنه يسلم من الموت لأقدم على القتل مستخفا بالعقوبات ، ولو ترك الأمر للأخذ بالثأر كما كان عليه في الجاهلية لأفرطوا في القتل وتسلسل الأمر ، فكان في مشروعية القصاص حياة عظيمة من الجانبين ، وليس الترغيب في أخذا مال الصلح ، والعفو بناقض لحكمة القصاص ، لأن الازدجار يحصل بتخيير الولي في قبول الدية ، فلا يطمئن مضمر القتل إلى عفو الولي إلا ندار ، وكفى بهذا في الانزجار .
وفي قوله (يا أولي الألباب) تنبيه بحرف النداء على التأمل في حكمة القصاص ، ولذلك جيء في التعريف بطريق الإضافة الدالة على أنهم من أهل العقول الكاملة ، لأن حكمة القصاص لا يدركها إلا أهل النظر الصحيح ، إذ هو في بادئ الرأي كأنه عقوبة بمثل الجناية ، لأن في القصاص رزية ثانية ن لكنه عند التأمل هو حياة لا رزية للوجهين المتقدمين .
2 / أولوا الألباب : يجتنبون الرفث والفسوق والجدال المذموم، ويفعلون الخير، ويتزودون من التقوى
قال تعالى {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقون يا أولي الألباب}البقرة/197
3 / أولوا الألباب : ينفقون أموالهم بحكمة
قال تعالى {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وما يذكر إلا أولوا الألباب}البقرة/269 .
4 / أولوا الألباب : يحسنون فهم كتاب ربهم ، بإرجاع المتشابه إلى المحكم
قال تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب} آل عمران/7 .
5 / أولوا الألباب : يرون في مخلوقات الله آيات ودلائل تزيد في إيمانهم ومعرفتهم بالله تعالى
قال تعالى {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} آل عمران/190-191 .
6 / أولوا الألباب : لا يقيسون الأمور بالكثرة بل يقيسون الأمور بطيبها ولو كانت قليلة
قال تعالى {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ، فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} المائدة/100 .
الكيف أعظم من الكم ، وقد أثبت تاريخ الحياة إلى هذا اليوم أن القلة المنظمة تغلب الكثرة الفوضوية ، وأن القلة العاملة تغلب الكثرة العاطلة ، وأن الناس ليسوا بالأعداد ، قال رجل لخالد بن الوليد : ما أكثر الروم وأقل المسلمين ، فقال خالد : بل ما أقل الروم وأكثر المسلمين ، إنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان .
7 / أولوا الألباب : يرون في قصص الأنبياء عبرة وعظة ؛ يقيسون به الحاضر على الماضي
قال تعالى {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} يوسف/111 .
8 / أولوا الألباب : يعلمون أن ما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق
قال تعالى {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق ؛ كمن هو أعمى ، إنما يتذكر أولو الألباب} الرعد/19 .
9 / أولوا الألباب : يرون في كتاب ربهم بلاغا وإنذارا وتعليما فيستجيبون له
قال تعالى {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب} إبراهيم/52 .
10 / أولوا الألباب : يتدبرون آيات الكتاب
قال تعالى {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ، وليتذكر أولوا الألباب} ص/29 .
11 / أولوا الألباب : إذا أصابهم ضر يلجأون إلى ربهم ، ويعلمون أن بعد الضر يأتي العطاء مضاعفا
قال تعالى {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ، ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا ، وذكرى لأولي الألباب}ص/41-43 .
12 / أولوا الألباب : هم القانتون آناء الليل ، حذر الآخرة ، ورجاء رحمة الله تعالى
قال تعالى {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، إنما يتذكر أولوا الألباب} الزمر/9 .
13 / أولوا الألباب : هم الذين يحسنون تمييز ما يسمعون ، فيتبعون الحسن ويدعون السيء
قال تعالى {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله ، وأولئك هم أولوا الألباب}الزمر/17-18 .
14 / أولو الألباب : يرون في دورة المياه والنبات ما يذكرهم بالله تعالى
قال تعالى {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ، ثم يهيج فتراه مصفرا ، ثم يجعله حطاما ، إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} الزمر/21 .
15 / أولوا الألباب من بني إسرائيل : هم الذين ورثوا الكتاب فعملوا به ودعوا إليه
قال تعالى {ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ، هدى وذكرى لأولي الألباب} غافر/53-54 .
16 / أولوا الألباب : يذكرون أن العتو عن أمر الله وراءه حساب شديد وعذاب نكر
قال تعالى {وكأين من قرينة عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا ، فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ، أعد الله لهم عذابا شديدا ، فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا} الطلاق/8-10 .