المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال مبتدئ عن: قوة الوهم وبعض الدلالات



احمد عبد الحميد فارس
28-07-2010, 20:18
السلام عليكم
أخواني الكرام عندي بعض الأسئلة في المنطق أرجو التكرم بالاجابة عليها لمن له باع طويل في المنطق
السؤال الأول :
ماهي قوة الوهم المقصودة في المنطق والتي يشار إليها في عملية التفكير ؟
وكيف أكون متوهماً للشيء ، وأكون ظاناً به من جهةٍ أخرى ؟
سؤال الثاني :
بالنسبة لدلالة التضمن ، في الحقيقة لم افهم جيدا هذه الدلالة أو على الأقل لم أجد لها مثالاً واضحاً ، فلقد ذكر في كتاب ما في المنطق: " فإذا كان اللفظ دالاً على جزء المعنى الذي وضع هذا اللفظ له سميت الدلالة دلالة تضمنية، لكون الجزء في ضمن كل المعنى الموضوع له.
وأريدك أن تلاحظ أن الدلالة التضمنية لا يمكن تصورها إلا في المعاني المركبة أي ذات الأجزاء، بخلاف المطابقية كما بينته لك " .
هل هناك مثالاً واضحاً أستطيع أن أعي هذه الدلالة ؟

السؤال الثالث :
عندما يحمر وجه زيد فإني أقول زيد خجل ، وهذه الدلالة هي دلالة طبعية ، لأنه حسب ما ذُكر أن الدلالة حسب الدال وليس حسب المدلول ، والحمرة هنا سببها هو طبيعة النفس أو الإنسان عند حدوث أمر مخجل ، بينما عندما أقول زيد حي لأني سمعته يتكلم ، هذه دلالة عقلية ، لأني عرفت ذلك بعقلي .
سؤالي هو ، دلالة زيد عندما يتكلم كيف اعرف أنها عقلية علما أن الدال هنا هو الكلام وانه من طباع أو طبيعة النفس عندما يختلج فيها أمر ما ؟


السؤال الرابع :
لماذا لم يُعد تصور الغراب من الدلالة اللزومية بالمعنى الأخص في الذهن والخارج معاً ؟ بالنسبة لي عندما أتصور الغراب فإن ذهني ينتقل إلى سواده دون واسطة ،فالتصور وجد في الذهن وهو في الحقيقة حاصل في الخارج ، لماذا عد ذاك المثال من الوجود الخارجي فقط ؟

ولكم مني خالص الدعاء والسلام عليكم

بلال النجار
28-07-2010, 22:53
هل السؤال موجه لمن له باع طويل في المنطق، أو أن الجواب مطلوب لذي الباع الطويل؟

احمد عبد الحميد فارس
29-07-2010, 19:22
:) شكرا لك اخي بلال على ردك ، لا أخي أنا كنت اريد جواباً شافياً في هذه المسألة لاني طرحتها قديماً في منتديات كثيرة ولكن لم احصل على الجواب السليم وكانت كلها آراء واجتهادات ، وبالنسبة لي أنا مبتدئ في علم المنطق ، واحبه كثيرا واحب ان اتعلمه كما هو ، لاني قرأت كتباً كثيرة وكانت قراءتي لتلك الكتب متعبة ولم استفد منها إلا القليل ، خاصة أن المسألة لا تخلو من حصول تساؤلات في النفس ولكن الكتاب لا يجيب عن تلك الاسئلة بل تحتاج إلى من يرشدك ويعلمك . إن كانت لديك المعرفة فهذا شرف لي أن أحوز عليها ، أنت تعرف أخي بلال أني جديد في هذا المنتدى ولم التقي بعد بالاساتذة ولا اعرفهم في الواقع ...
شكرا لك مرة أخرى

بلال النجار
29-07-2010, 23:48
لا عليك أردت فقط أن ألاطفك بالتدقيق على عبارتك، فاقرأ ما كتبتبه في منتدى المنطق في دروس المبتدئين ستجد جواب بعض ما سألت عنه. فانقل تلك الجوابات إلى هنا. ثمّ إن رأيت طول باعي مناسباً للجواب عن بقية أسئلتك وإلا واصلت بحثك عمّن يجيب عن سؤالاتك. فما رأيك؟

احمد عبد الحميد فارس
30-07-2010, 00:31
شكرا لك اخي بلال ، أنا معك إن شاء الله ، لاني مثل ما قلت لك تشتت أفكاري من كثرة الشروحات ، فقد قررت أن أقرأ من جهة واحدة فقط . ولكن تحملني أخي بلال حتى يشتد العود وتتفرع منه أغصان المعرفة ، لكي تزهر منه ورود العلم والفكر .
شكرا لك وأنا بانتظارك
ملاحظة: لقد قمت بقراءة المنطق للمبتدئين على موقعكم وأسئلتي منبثقة من تلك الشروحات ولكني اقرأ جزأ جزأ حتى استطيع أن اهضم المحتوى جيداً
والسلام عليكم

بلال النجار
30-07-2010, 16:54
السؤال الأول: الشق الأول
ماهي قوة الوهم المقصودة في المنطق والتي يشار إليها في عملية التفكير ؟

الجواب: هي قوة تدرك المعاني الجزئية غير المحسوسة المتعلقة بالمحسوسات. كإدراكك مثلاً محبة زيد أو قوته عند رؤيته، واستطابتك لرائحة وردة في يدك، انزعاجك من صوت عال تسمعه، وكراهتك لمرارة العلقم، وخوفك من حديدة محمرة من سخونتها أن تحرقك. وسواء كانت هذه الإدراكات مصاحبة لإحساسك للمحسوس الماثل أمامك أو مصاحباً لاستحضاره في خيالك، فإن أي إدراك جزئي غير محسوس متعلق بأمر محسوس بإحدى الحواس الخمس يحصل في النفس زائداً على الإدراك الحاصل بالحاسة يكون سببه قوة الوهم.

والمدركات الناتجة عن هذه القوة تسمى المتوهمات أو قضايا الوهم. وهي قسيمة المعقولات أي المدركات الكلية، والمحسوسات وهي المدركات الحسية أي صور المحسوسات دون أدنى تصرف فيها وتسمى الحسيات وقد يسميها البعض المشاهدات، وأيضاً قسيمة المخيلات وهي المدركات الحسية المتصرف فيها بالتحليل والتركيب ونحوهما.

ولا يطلق التفكير على هذا الاصطلاح الذي قدمناه إلا على حركة النفس في المعقولات أي حركة النفس حركة إرادية كيفية في مبادئ كلية (أعني مدركات كلية أبسط من المطلوب) بدءاً من المطلوب التصوري أو التصديقي وحتى آخر ما يتعلق بذلك المطلوب من المعلومات المخزونة في النفس، ثم حركتها من أول ما تضعه وترتبه من تلك المبادئ إلى آخر ما تضعه ليحصل لها إدراك مطلوبها التصوري أو التصديقي.

والنفس كما يمكنها أن تتحرك في المعقولات وتسمى حركتها فكراً، يمكنها أن تتحرك في المحسوسات ويسمى ذلك تخييلاً أو تخيلاً. فيعلم من ذلك أن كثيراً من الناس يتخيلون وهم يظنون أنهم يفكرون.

ونعود إلى القضايا الوهمية فهي أحكام قوة الوهم فإن كانت في امر محسوس سلمنا لها حكمها وما أدركته منها وأما إن كان في أمر غير محسوس قياساً له على المحسوسات فحكمها فيه يكون كاذباً أو لنقل لا يعتمد على قوة الوهم في مثل هذا الأمر لأنها ليس من شأنها أن تدرك شيئا يتعلق بغير المحسوس. فلا بدّ أن تعرض قضايا الوهم على العقل قبل استعمالها في القياسات فإما أن يردها أو يقرها.

مثال قضايا الوهم: قول قائل كل موجود جسم أو حالّ فيه

فهذه قضية وهمية كاذبة لأنه ليس من شأن الوهم أن يدرك أمراً كلياً بل هو يدرك معاني جزئية متعلقة بما يقع تحت الحس، فمن أين له الحكم الكلي على كلّ موجود؛ وكل موجود يعمّ ما وقع تحت حسه وما غاب عنه. أي من أين له أن يعلم ذلك.
ويمكن أن يستعمل في القياس قضايا وهمية إما بقصد المغالطة أو بلا قصد للغفلة عن وهميتها. فإن الوهم يساعد العقل في مقدمات قياسه. وقد تكون النتيجة مناقضة لحكم العقل.

والوهم لا يخالف العقل في ضرورياته، وأما العقل فربما خالف حكم الوهم بالضرورة. فإن لم يكن الحكم الوهمي مما يخالف فيه العقل بالضرورة توقف وسكت إلى أن يؤلف قياسات بمقدمات ضرورية يعترف بها الوهم، فيبطل بتلك القياسات أحكام الوهم التي كانت عنده من الضروريات؛ فهكذا ينكص الوهم ويثبت حكم العقل في الوهم.

الشق الثاني:
وكيف أكون متوهماً للشيء ، وأكون ظاناً به من جهةٍ أخرى ؟

الجواب: الوهم قد يطلق يراد به المعنى الذي قدمناه، وقد يطلق ويراد به ما يقابل العلم والظنّ والشك والجهل البسيط والتكذيب (اعتقاد النقيض).
ومعناه هنا أنك تدرك نسبة معينة إدراكاً مرجوحاً لأنك تجوز نقيضها تجويزاً راجحاً.
مثلاً: لو أنك رأيت رجلاً غاضباً متوعداً حاملاً بيده عصا وامامه ولد يبكي، فإن الأمارات التي تراها تدلك على ان الرجل هو سبب بكاء الولد. فأنت تظنّ ذلك. ولكن عقلك يجيز أن يكون السبب في بكاء الولد هو شخص أو أمر آخر غير ذلك الرجل، ولكن تجويزه لذلك هو تجويز مرجوح لمخالفته الأمارات التي تشاهدها، فتكون متوهماً لان يكون السبب في بكاء الولد هو شخص آخر.
وعلى هذا المعنى الذي بيناه للوهم لا يجوز أن تكون متوهماً لنسبة وظاناً لها في آن معاً، بل الواقع أنك إن ظننت نسبة توهمت نقيضها والعكس صحيح.

واما على المعنى الأول الذي قدمناه أولاً للوهم أي إدراك المعنى المتعلق بالمحسوس فيجوز أن يظنّ الإنسان نسبة يتوهمها، مثل أن يظنّ إنسان صحّة أن كلّ موجود جسم. وقد يقطع يقيناً بما يتوهمه كقطعه بمحبته لمرئي أو مسموع أو مذوق أو محسوس أو مشموم إلخ.

السؤال الثاني :
بالنسبة لدلالة التضمن ، في الحقيقة لم افهم جيدا هذه الدلالة أو على الأقل لم أجد لها مثالاً واضحاً ، فلقد ذكر في كتاب ما في المنطق: " فإذا كان اللفظ دالاً على جزء المعنى الذي وضع هذا اللفظ له سميت الدلالة دلالة تضمنية، لكون الجزء في ضمن كل المعنى الموضوع له.
وأريدك أن تلاحظ أن الدلالة التضمنية لا يمكن تصورها إلا في المعاني المركبة أي ذات الأجزاء، بخلاف المطابقية كما بينته لك " .
هل هناك مثالاً واضحاً أستطيع أن أعي هذه الدلالة ؟


الجواب: الوضع للألفاظ هو جعل اللفظ بإزاء معنى معين بحيث إذا ذكر اللفظ فهم منه المعنى. وهذا المعنى الذي يوضع عليه اللفظ إما ان يكون بسيطاً لا تركيب فيه مثل الجزء الذي لا يتجزأ، أو النقطة، أو يكون مركباً مثل الإنسان المركب من الجنس الذي هو الحيوان والفصل الذي هو الناطق.

وعليه فالدلالة المطابقية: هي أن تطلق اللفظ وتريد به تمام المعنى الذي وضع اللفظ بإزائه. فإذا قلت هذا إنسان وقصدت به الحيوان الناطق كانت الدلالة مطابقية. وأما إذا أطلقت الإنسان وأردت جزء المعنى كالحيوان مثلاً أو الناطق أي العاقل فإن ذلك هو الدلالة الضمنية. لأنك قصدت باللفظ بعض معناه الذي وضع له أي قصدت معنى في ضمن المعنى ككل.
مثاله لو أنّ المعلّم قال لتلميذ أنت لا تعقل. فقال له لا أنا إنسان. فإنه يريد بذلك أنه عاقل. فقد أطلق اللفظ ههنا وهو الإنسان وأريد المعنى الذي في ضمنه أي جز المعنى ككل وهو الناطق أو العاقل. وعلى هذا القياس.

والملاحظة المذكورة هي أن الدلالة الضمنية لا يمكن أن تتصور إلا إذا كان للفظ معنى مركب من أجزاء بحيث يطلق اللفظ ويراد به بعض ذلك المعنى. وأما إذا كان المعنى بسيطاً لا تركيب فيه فلن يكون له أجزاء يمكن أن تقصد من اللفظ. فلو كان أ بسيطاً وكان معناه ب. فإذا أطلق أ لم يفهم منه إلا ب بالمطابقة أو لازم ب باللزوم إذا كان لب لازم. ولا يمكن أن يفهم منه بعض معنى أ، لأن معنى أ هو ب، وب أمر واحد لا أجزاء له. فالمطابقة واقعة إذا قصد باللفظ معناه الوضعي سواء كان معنى اللفظ مركباً أو بسيطاً. وأما الدلالة الضمنية فغير متصورة إلا في الألفاظ ذات المعاني المركبة. هذه هي المسألة باختصار. وسأجيبك عن باقي أسئلتك عند فراغي إن شاء الله تعالى.

بلال النجار
30-07-2010, 21:44
السؤال الثالث :
عندما يحمر وجه زيد فإني أقول زيد خجل ، وهذه الدلالة هي دلالة طبعية ، لأنه حسب ما ذُكر أن الدلالة حسب الدال وليس حسب المدلول ، والحمرة هنا سببها هو طبيعة النفس أو الإنسان عند حدوث أمر مخجل ، بينما عندما أقول زيد حي لأني سمعته يتكلم ، هذه دلالة عقلية ، لأني عرفت ذلك بعقلي .
سؤالي هو ، دلالة زيد عندما يتكلم كيف اعرف أنها عقلية علما أن الدال هنا هو الكلام وانه من طباع أو طبيعة النفس عندما يختلج فيها أمر ما ؟

الجواب:
عندما يحمر وجه زيد نعرف أنه قد خجل لأن الإنسان بطبعه إذا خجل احمرّ وجهه. هذا صحيح. وأما إذا سمعنا صوت زيد من وراء جدار فإننا ندرك أنّ زيداً حي بعقلنا. لأنّ الصوت الذي أصدره زيد لا نستفيد منه بالوضع كونه حياً، ولا نستفيد منه بالطبع أنه حيّ لانّ زيداً لو كان دلالة صوته على حياته بالطبع لكان مصوتاً ما دام حياً، ولكنه أحياناً يصدر صوتاً وأحياناً لا يصدره فنعلم أن طبيعة الحياة لا تقتضي أن يكون مصوتاً. وبناء عليه لا يمكن أن يكون دلالة صوته على حياته بالطبع. إن صوته دلنا على حياته بالعقل لأنّ عقلنا يقول لنا إن الميت لا يصدر صوتاً، ولا يتكلم إلا الحيّ. هذا هو الجواب.

بلال النجار
30-07-2010, 21:56
السؤال الرابع :
لماذا لم يُعد تصور الغراب من الدلالة اللزومية بالمعنى الأخص في الذهن والخارج معاً ؟ بالنسبة لي عندما أتصور الغراب فإن ذهني ينتقل إلى سواده دون واسطة ،فالتصور وجد في الذهن وهو في الحقيقة حاصل في الخارج ، لماذا عد ذاك المثال من الوجود الخارجي فقط ؟

اللزوم المعتبر في المنطق هو اللزوم العقلي، أي عدم قبول الانفكاك في العقل بين اللازم وملزومه. فهل السواد لازم لزوماً ذهنياً للغراب في العقل، بمعنى أنّ العقل لا يمكنه أن يفك التلازم بين السواد والغراب؟

الجواب: لا. لأن العقل يمكنه أن يتصور غراباً أبيض اللون او أحمر ...إلخ. ومجرد أن يستطيع العقل أن يتصور غراباً ليس بأسود كاف في القطع بأن السواد ليس بلازم لزوماً عقلياً للغراب.

ملحوظة: إذا لم يكن لديك وقت للانتظام في الدراسة على شيخ، يمكنك أن تستمع للدروس الصوتية المسجلة وهي كثيرة. فيما يتعلق بالمنطق يمكنك البدء بسماع شرح السلم للدمنهوري، ستستفيد كثيراً وتفهم أساسيات المنطق إن شاء الله تعالى. وفقك الله تعالى لما يحب ويرضى

احمد عبد الحميد فارس
30-07-2010, 23:53
شكرا لك اخي بلال على ردك وأيضا على اهتمامك بي وجزاك الله خيرا .

اخي بلال لقد كان كلامك واضحاً ، وجديداً خاصة بما يتعلق بقوة الوهم ، لاني حسب ما اعرفه بأن الشعور المصاحب للنفس مثل الخوف والرأفة والمحبة ، هي من متعلقات العلم الحضوري ، لا العلم الحصولي ، فكيف تكون قوة الوهم خاص في عملية الادراكات الجزئية للمحسوسات ولها قضايا وأحكام وموطنها الذهن؟
وسؤال أخير : ماذا تقصد أخي بلال في عبارتك هذه " ونعود إلى القضايا الوهمية فهي أحكام قوة الوهم فإن كانت في امر محسوس سلمنا لها حكمها وما أدركته منها وأما إن كان في أمر غير محسوس قياساً له على المحسوسات فحكمها فيه يكون كاذباً " كيف يكون لقوة الوهم حكما في أمر غير محسوس ؟ هل عندك مثال أخر أخي بلال .
وشكرا لك مرة أخرى

بلال النجار
31-07-2010, 10:38
أخي أحمد،

اعلم أن الوهم قوة ليس من شأنها أن تدرك المعاني الكلية بالأصالة، فهي لا تدرك بنفسها الخوف والرأفة والمحبة... هذه معاني كلية. ولكنها تدرك الخوف من هذا الشيء ومحبة هذا الشيء والرأفة على هذا الشيء.... فلا بد أن يكون المدرك أمراً غير محسوس متعلقاً بمحسوس معين فتكون مسؤولة عن إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات. والمسؤول عن إدراك المعاني الكلية هو العقل، وإدراك الوهم للكليات بالانعكاس من العقل وبالتبع لا بالأصالة. والصور الحسية تدركها النفس بواسطة آلة الحواس، اما الوهم فهو يدرك أمراً غير محسوس متعلق بذلك المحسوس.

أما كون العلم حصولياً أو حضورياً فذلك بحث آخر، ولا ينافي ما قلناه على أي حال. فالفرق بين العلم الحضوري والحصولي لا يتنافى مع تعيين قوة ما في النفس أو آلة لها مسؤولة عن تحقيق العلم سواء الحضوري أو الحصولي. أي أنك قد تقول إن محبتك لزيد حاضرة في نفسك الآن، لكنك قبل معرفتك لزيد لم تكن تشعر بتلك المحبة. فحين رأيته وجدت في نفسك تلك المحبة المتعلقة به فهذا لا ينافي كون الوهم وهو إحدى القوى النفسية هو المسؤول عن إدراكك لتلك المحبة وحضورها في نفسك.

واما السؤال الأخير فإذا قال قائل مثلاً الإله جسم، فموضوع هذا الحكم وهو الإله ليس محسوساً بل هو غيب أي غائب عن الحس. والعقل لا يقول مثل هذا القول. فمن أين جاءه هذا الحكم؟ نقول جاءه من الوهم. وبما أنه ليس من شأن الوهم أن يدرك أموراً تتعلق بموضوع غير محسوس. فهنا حكم الوهم عليه غير مقبول، لأنه اعتبره محسوساً كسائر الموجودات التي يحسّ بها وقاس الغائب على الشاهد. هذا ما يمكن أن يقال هنا على عجل.

احمد عبد الحميد فارس
31-07-2010, 12:01
شكرا لك أخي بلال ، وجزاك الله خيرا ، لقد إتضحت المسألة بالنسة لي وحصل تصوري لمفهوم قوة الوهم ، وكي اضعك أخي أمام ما رأيته : إن قوة الوهم ، هي قوة من قوة النفس حالها حال قوة الحس والتي - أي قوة الحس - مسؤولة عن ادراك المحسوسات مثل الصلابة والحرارة والبرودة ... الخ بينما قوة الوهم هي ادراك المعاني الغير محسوسة والمصاحبة لهذا المحسوس مثل الخوف منه إذا كانا حاداً مثلا ، أو انقباض نفسي عند رؤية من ضرب امه ، ... الخ إذا هي آلة من آلات النفس تدرك المعاني الجزئية المصاحبة للمحسوس ، حسناً ولكن أخي بلال ، بالنسبة لمسألة الجسمية عندما يقول قائل بأن الإله جسم ، لماذا عدت الجسمية من متعلقات قوة الوهم ، أليست الجسمية من متعلقات قوة الحس والتي لا يدركها إلى الحس ؟ طبعاً المشكلة في هذا السؤال هي معنى الجسمية وبالنسبة لمشكلة قوة الوهم إتضحت والحمد لله.
سؤال آخر : لقد ذكرت أخي بلال " وإدراك الوهم للكليات بالانعكاس من العقل وبالتبع لا بالأصالة " كيف تدرك قوة الوهم الكليات بالانعكاس من العقل ؟ هل تقصد بأني عندما أتأمل الكليات مثل الأنسانية والفرسية ، وأيضاً الوحشية ، قد ينتابني خوفُ من تأملي للوحشية ، هل هذا هو المقصوج من الأنعكاس في كلامك سابقاً ؟ خاصة إذا اعتبرنا الكليات السالفة هي معاني جزئية بالنسبة لما فوقها .
ملاحظة : أشكرك أخي بلال على اهتمامك ، وأرجو أن لا تكون كثرة أسئلتي مزعجة لك ، وأنا أظنك واسع الصدر ، ولكن دائما من كان في الطريق الأول في أي علم تكثر أسئلته ، ولا اريد ان اخجل من كثرة سؤالي ، لان كثرة السؤال هي المورثة للفهم " سئل عالم : من أين أتيت بهذا العلم ؟ قال من كثرة سؤالي "
وشكرا لك

بلال النجار
31-07-2010, 23:37
بسم الله الرحمن الرحيم

قولك: (شكرا لك أخي بلال ، وجزاك الله خيرا ، لقد إتضحت المسألة بالنسة لي وحصل تصوري لمفهوم قوة الوهم ، وكي اضعك أخي أمام ما رأيته : إن قوة الوهم ، هي قوة من قوة النفس حالها حال قوة الحس والتي - أي قوة الحس - مسؤولة عن ادراك المحسوسات مثل الصلابة والحرارة والبرودة ... الخ بينما قوة الوهم هي ادراك المعاني الغير محسوسة والمصاحبة لهذا المحسوس مثل الخوف منه إذا كانا حاداً مثلا ، أو انقباض نفسي عند رؤية من ضرب امه ، ... الخ إذا هي آلة من آلات النفس تدرك المعاني الجزئية المصاحبة للمحسوس )

أقول: ينبغي أن تلاحظ ان الحواس خمس، وقوة الوهم من شأنها أن تدرك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوس سواء كان مسموعاً أو مرئياً أو ملموساً او مشموماً أو مذوقاً. هذا القدر ينبغي ان يكون واضحاً.
ولا يشترط أن يكون المحسوس حاضراً لإدراك ذلك، فيمكن أن تستحضر صورة المحسوس المخزونة في النفس ويقع للنفس بعض الإدراكات بقوة الوهم.

قولك: (حسناً ولكن أخي بلال ، بالنسبة لمسألة الجسمية عندما يقول قائل بأن الإله جسم، لماذا عدت الجسمية من متعلقات قوة الوهم، أليست الجسمية من متعلقات قوة الحس والتي لا يدركها إلى الحس؟ طبعاً المشكلة في هذا السؤال هي معنى الجسمية وبالنسبة لمشكلة قوة الوهم إتضحت والحمد لله)

أقول: الجسم هو المادة الممتدة في الأبعاد الثلاثة أي الطويل العريض العميق. وهذا المعنى كلي قطعاً انتزعه العقل من المحسوسات. فإذا رأى الإنسان المواد ممتدة في الأبعاد الثلاثة ولاحظ هذا القدر المشترك بينها، حصل عنده معنى الجسم الكليّ الذي بيناه ثمّ وضع له لفظاً يدل عليه ألا وهو الجسم. فالعقل هو الذي انتزع معنى الجسمية من الصور الحسية التي نقلت إليه من الحواس.

في مثالنا وهو قول القائل: (الإله جسم)
فليس ثمة صورة محسوسة عند النفس للإله لكي يلاحظ العقل انطباق معنى الجسم عليها ومن ثمّ يحمل عليه الجسمية، لأن الإله تعالى منزّه عن صفات المادة، ولا صورة حسيّة له عند النفس. بل هنالك معانٍ تتعلق به مثل أنه موجود وقدير وعليم... إلخ من صفاته. ولكننا قلنا إن الحكم السابق هو حكم الوهم، فكيف يكون ذلك؟
يستحضر الوهم معنى الجسم الذي حدده العقل ويدركه إما على نحو جزئي أي متعلقاً ببعض المحسوسات، مثل أن هذا المحسوس جسم أو على نحو كليّ منعكساً عن العقل، ويستحضر بعض المعاني المتعلّقة بالإله مثل أنه موجود. والوهم لا يعلم من الموجودات إلا المحسوسات، ويستحضر أن كلّ موجود منها هو جسم، فيقيس الإله الذي هو موجود غائب على ما أدركه من الموجودة المشاهدة، هكذا:
الإله موجود، وكلّ موجود جسم، فالإله جسم.
والوهم يمكنه أن يجري القياس مستعملاً القوة المتصرفة، تماماً مثلما يستعملها العقل في فكره. وخطأ الوهم هنا في المقدمة الثانية، وهو ما أدى إلى فساد النتيجة. فالوهم اعتبر كل موجود جسماً، والواقع أن الوهم أدرك أن كلّ موجود اطلع عليه جسم وهذا القدر الذي اطلع عليه هو في الحقيقة بعض الموجود لا كلّ موجود، ولم يطّلع على كلّ موجود مطلقاً، فعمّم القضية بلا موجب للتعميم وهذا شأن الوهم من غلطه في الحكم على غير المحسوس بحكم المحسوس.

قولك: (سؤال آخر: لقد ذكرت أخي بلال " وإدراك الوهم للكليات بالانعكاس من العقل وبالتبع لا بالأصالة " كيف تدرك قوة الوهم الكليات بالانعكاس من العقل؟ هل تقصد بأني عندما أتأمل الكليات مثل الأنسانية والفرسية ، وأيضاً الوحشية ، قد ينتابني خوفُ من تأملي للوحشية ، هل هذا هو المقصود من الأنعكاس في كلامك سابقاً ؟ خاصة إذا اعتبرنا الكليات السالفة هي معاني جزئية بالنسبة لما فوقها(

أقول: ليس هذا هو المقصود. فالحكماء أي الفلاسفة المتقدمون قالوا إن للنفس قوى إدراك باطنة سموها الحواس الباطنة، وكلّ ما مضى من الكلام والتفسير مبني ومخرّج على نظريتهم هذه. فأساس هذه النظرية أنه لمّا كانت المدركات بفتح الراء متغايرة كالجزئي والكلّي .. إلخ كان لا بدّ من اختلاف آلة الإدراك، فقالوا الكليّات تدرك بقوة هي القوة العاقلة أو العقل، والمحسوسات تدرك بالحواس الخمس الظاهرة، الجزئيات تدرك بالوهم. وهنالك قوة هي الخيال تحلل وتركب الصور المحسوسة وهي مخزن المعلومات، أي أنها تعمل عمل الذاكرة. بقي قوتان المتصرفة التي أشرنا إليها سابقاً وهي التي يتعملها العقل أو الوهم، والحس المشترك، وهو الوعاء الذي تستحضر فيه الصور للنظر فيها سواء القادمة من الحواس الخمس، أو المستحضرة من الذاكرة أو الخيال.
فإذا رأيت زيداً انطبعت صورته في الحس المشترك، حتى لو غاب عن عينك أمكنك استحضار صورته والتأمل فيها كما تريد، فإذا أردت أن تحلل صورته وتركبها استعملت قوة الخيال، وإذا تركت النظر فيها انحفظت في الذاكرة، فإذا أردت أن استحضارها مرّة أخرى استجلبتها بالتذكر من الخيال إلى الحسّ المشترك، وهي في الحس المشترك يمكن لقوى العقل والوهم والخيال التأمل فيها فالوهم يدرك المعاني المتعلّقة بتلك الصورة، والعقل ينتزع المعاني الكليّة المتعلّقة بها والخيال يحللها ويركبها ويتصرف فيها بأنواع التصرف كتصغيرها وتكبيرها ومطها وتلوينها وتغييرها....إلخ. ويمكن للوهم أن تنعكس صورة معنى كلّي من العقل فيه، فهذا ما يقصدونه حين يقولون إن الوهم يدرك الكليات بانعكاس صورتها من مرآة العقل على مرآته. فهم يشبهون هذه القوى أحياناً بالمرآة.
وهذه النظرية وإن استحسنها بعض علماء المنطق والكلام وتكلموا فيها، إلا أنها مقبولة عندهم مقيدة لا على إطلاقها، وهم يستعرضون دلائل الفلاسفة عليها وينقدونها، وينبهون على انّ دلائل الفلاسفة عليها لا تتمّ على الأصول الإسلامية كما هو معلوم في محلّه.

ولعلماء المسلمين نظريّة أبسط من هذه، ويمكن أن تستعمل فيها بعض مصطلحات الحكماء ههنا بلا إشكال، وهو ما أظنه الظاهر في استعمالات المتكلمين والمناطقة، فهم يقولون النفس هي المدركة لجميع المدركات سواء الكلية والجزئية، وللنفس لا شك حافظة تختزن فيها المعلومات والصور سواء القادمة من نوافذ الحواس أو الناتجة من الفكر والخيال والوهم. فإذا تقرر ذلك فلا ضير حينئذ أن نسمي إدراك النفس للكليات تعقلاً وإدراكها للجزئيات المتعلقة بالمحسوسات وهماً، إلخ.

والحق أن هذا الموضوع شائك للغاية، لاعتماده على التأمل، ولم اكن أريد الحديث فيه لولا شغفك الظاهر. أما أنك تزعجني فلا ابداً، ما انزعجت يوماً من باحث عن معرفة، ولكن الوقت يقصم ظهري، وأحب للمبتدي أن يتدرج في الدراسة، لأنه سيجد كلّ ما يبحث عنه شيئاً فشيئاً، وفي الوقت المناسب، فكلّ كتاب يرشدك إلى كتاب آخر. وهكذا. فأرجو منك أن تستمع للدروس المسموعة فكثير مما تسأل عنه مشروح فيها. فإذا لم تجد مطلوبك في المادة المكتوبة أو المسموعة فاسأل عنه. ويمكنك مراسلتي على الخاص أعطيك رقم هاتفي إذا كان لديكم سؤال اجبتك عنه فذلك أسهل عليّ من الكتابة. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

احمد عبد الحميد فارس
02-08-2010, 21:02
السلام عليكم
أشكرك أخي بلال ، وجزاك الله خيرا ، إن شاء الله سأقوم بدراسة ملفات الصوت ، والبحث في مصادر أخرى ، وإن شاء الله تتم هذه العملية بالتدريج ، والله يعطيك العافية ، وإن شاء الله تكون ردودك في هذا المنتدى هي مرجع لكل باحث أو دارس .
شكرا لك مرة أخرى أخي بلال