المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قضية الكسب ومعنى مختار ظاهراً ومجبور باطناً ؟؟



ماهر محمد بركات
03-11-2004, 12:25
بسم الله الرحمن الرحيم :
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله :

في الحقيقة قضية الكسب من القضايا التي لما أصل فيها بعد الى مايسكن القلب ويرضي العقل .. ومازال فيها عندي بعض الاشكالات التي لما أجد لها جوابا شافياً حتى لآن ..
لذلك أرجو من الأستاذ العلامة الشيخ سعيد حفظه الله ذخراً لأهل السنة والجماعة ومن باقي المشايخ الكرام أن يساعدوني في الوصول الى حل هذا الاشكال مشكورين مأجورين ..

والاشكال هو التالي :

كلنا نؤمن بأن العبد له كسب في كل أعماله التكليفية وعلى هذا الكسب يدور الثواب والعقاب .. وأن أفعال العبد التكليفية هي من الله خلقاً وايجاداً ومن العبد ارادة واختياراً أو كسباً وعلى هذا فالعبد مختار محاسب بما كسب واكتسب ..
هذه عقيدتنا جميعا ندين الله بها

ولكن :
الكسب الذي هو نسبة الفعل للعبد من حيث ارادته واختياره من الذي خلقه .. هل هو شيء أم ليس بشيء ؟؟ ان كان الجواب : هو شيء فالله خالق كل شيء أي أن اختيار العبد أيضاً مخلوق من خلق الله..
اذاً فالأمر يؤول في النهاية الى الجبر لأن العبد عندما اختار لم يفعل في الحقيقة شيئاً بل ان الله هو الذي أوجد له اختياره فصار مجبوراً ؟؟

قد يقول قائل هنا : ولكن العبد يشعر بالضرورة بين أفعاله الجبرية (كالارتعاش ...) وبين أفعاله الاختيارية وبالتالي هناك فرق بين الجبر والاختيار في أفعال العبد : أقول أجل هناك فرق بين لا ينكره أحد ولكن هذا من حيث الأثر والنهاية لا من حيث البداية فالبداية أن كلا من الفعلين (الاختيار والفعل الجبري) هو من خلق الله .. وبمعنى آخر في الفعل الجبري : خلق الله الفعل مباشرة من غير خلق اختيار للعبد وفي الاختياري : خلق الله الارادة للعبد وقرنها بخلق الفعل فالنتيجة واحدة وان اختلف ظهورها وترتيبها وأثرها في فعل العبد

وأتساءل هنا : هل هذا هو معنى قول بعض الأشاعرة (أو كلهم لاأدري) العبد مختار ظاهراً ومجبور باطناً .. كما في شرح الجوهرة للشيخ الباجوري وفي شرح أم البراهين للدسوقي وفي أقوال معظم الصوفية الأشاعرة في كتبهم ؟؟

وأريد أن أذكر هنا أنني طرحت هذا الاشكال على أحد الشيوخ الماتوريدية الفضلاء : فقال لي ان الكسب عندنا ليس بشيء أصلاً حتى يكون مخلوقاً وانما هو أمر اعتباري لاوجودي .. والحقيقة أنني لم أفهم هذه النقطة كيف يكون الاختيار غير وجودي مع أننا نشعر به ونحن نختار !!
ثم قال لي : طيب افترض أنه شيء وأن العبد مختار ظاهراً مجبور باطناً فهل هذا يعني أن الأشاعرة عرفوا حقيقة القدر واطلعوا على سره .. بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان القدر سر لايكشف الا يوم القيامة ..

هذا هو باختصار جل مايدور بخاطري من استفهام واشكال حول هذه القضية فأرجو من الشيخ سعيد وباقي الأفاضل توضيح هذه المسألة بما يريح القلب ويقنع العقل راجيا الله سبحانه أن يثيبكم كل خير على هذا المنتدى اللامع المستنير المنير ..

أخوكم يرجو الدعاء فلا تبخلوا عليه ..

أسامة نمر عبد القادر
04-11-2004, 08:21
أستأذن السائل الكريم ماهر محمد بركات والمسؤول العلامة سعيد فودة في محاولة للإجابة على بعض جوانب هذا السؤال من خلال الكلام الآتي :


إنه إذا اعتمدنا النصوص الشرعية فقط من غير محاولة للبحث عن الأدلة العقلية فسوف نجد ما يلي :
1 / سوف نجد ما يدل على أن الله تعالى خالق كل شيء ، وبما أن أفعال الإنسان أشياء ، سواء كانت جواهر أو أعراض ، فإن الشيء هو الموجود ، فكل موجود أيا كانت ماهيته فهو شيء ، أقول : بما أن أفعال الإنسان أشياء ، فالله تعالى حتما ولا بد خالقها ، لأن هذه الأفعال كانت معدومة ، ثم خرجت إلى الوجود في لحظة ما ، وليس ذلك في قدرة أحد سوى الله تعالى ، فالله تعالى خلقها ، وهو خلقها بمشيئته سبحانه وتعالى .
2 / سوف نجد أيضا ما يدل على أن الإنسان يفعل أفعاله الاختيارية ، وأنه يفعلها بمشيئة خاصة .
هاذان أمران وردا في الشرع ، فما هو فهم المسلم تجاههما ؟؟
بكل بساطة وبكل سهولة نقول :
إذا تعارض نصان قرآنيان ، فلا بد من الجمع بينهما بطريقة من طرق الجمع التي نص عليها علماء أصول الفقه .
والذي وجدته أن الجمع هنا سائغ .
وذلك بأن يقال : بانفكاك الجهة .
أعني : أن الفعل له جهتان :
جهة لا تكون إلا بقدرة الله تعالى القديمة ، وبمشيئته القديمة .
وجهة لا تكون إلا بقدرة العبد الحادثة ، ومشيئته الحادثة .
ولأجل أن نفهم ذلك أكثر أضرب مثالا :
النوم !!!!
النوم له جهتان :
الأولى : لا تكون إلا بقدرة الله تعالى ومشيئته ، وهي أن الله يخلق النوم من العدم .
الثانية : لا تكون إلا بقدرة العبد ومشيئته ، وهي أن العبد ينام .
وهنا أسأل سؤال :
هل يمكن أن ينام الله تعالى ؟
الجواب : لا ، فإن النوم مستحيل في حق الله تعالى {لا تأخذه سنة ولا نوم} .
هل يمكن أن يخلق العبد النوم في غيره من الناس خلقا من عدم ، لا بمعالجة أدوية ونحوها ؟
الجواب : لا ، إذ يستحيل عقلا أن يخلق الإنسان شيئا من عدم ، لأنه مفتقر في وجوده من عدم إلى غيره ، فيستحيل أن يوجد غيره من عدم ، سواء كان ذلك الغير جواهر أو أعراض .
وهكذا يمكن أن نفهم القضية :
إن الفعل الصادر من الله تعالى هو بمعنى الخلق من عدم .
أما الفعل الصادر من العبد له معنى آخر ، لم أستطع التوصل إليه إلى الآن ، لكن ذلك لا يضر وجوده ، فإن إثبات شيء مع عدم معرفة حقيقته ممكن وإن كنت أعرف وجوده بالدليل الشرعي وبالدليل العقلي وببداهة الحس الباطني ، فإن الشرع أثبت أن للإنسان فعلا حقيقيا هو مكلف به ، وهو محاسب عليه ، ثوابا وعقابا ، وكذلك الدليل العقلي أثبت أن للإنسان فعلا حقيقيا بمعنى آخر غير الفعل الصادر من الله تعالى ، وكل إنسان يجد بديهة بإحساسه الباطني أنه يفعل أفعاله بمشيئته الخاصة ، ولا يمكن أن ينكر ذلك إلا مكابر معاند .

إذن ، هناك فعلان ، لكل منهما حقيقة ومعنى خاصا بها .
هناك فعل الله تعالى .
وهناك فعل العباد .
ويصح لغة كما قد صح شرعا تسمية كل منهما فعلا ، وإن اختلفا في المعنى والحقيقة .
لكن الأشاعرة استخدموا لفظة أخرى حتى لا يحصل الوهم لدى بعض الناس ، فيلتبس عليهم الأمر ، ويظنون أن تسمية ما كل ما يصدر عن الله تعالى وعن الإنسان فعلا يدل على أن لهما نفس المعنى والحقيقة ، فوجد الأشاعرة في القرآن لفظة أخرى ، لم تستخدم إلا في حق الإنسان ، وهي لفظة الكسب ، أخذوها من مثل قوله تعالى {جزاء بما كانوا يكسبون} ، ووجدوا أن القرآن لم يستخدم هذه اللفظة في حق الله تعالى ، فصاروا يستخدمونها للدلالة على الفعل الصادر من الإنسان ، مع عدم إنكارهم جواز إطلاق لفظة ( الفعل ) على ما يصدر عن الإنسان ، مع التنبيه على ذلك الفرق بين فعل الإنسان وفعل الله تعالى .
وهذا الفرق قد لا يستوعبه الشخص إلا بمثال النوم ، فإن الله تعالى يفعل النوم في الإنسان ، والإنسان يفعل النوم لنفسه ، والمعنى : أن الله تعالى يخلق النوم في الإنسان ، والإنسان يكتسب النوم لنفسه ، أرأيتم ما أسهل المسألة وأبسطها .
وكذلك الله تعالى يفعل الصلاة في الإنسان ، والإنسان يفعل الصلاة لنفسه ، بمعنى : أن الله تعالى يخلق الصلاة في الإنسان ، والإنسان يكتسب الصلاة لنفسه .

يبقى السؤال : إذا كان الله تعالى خلق أفعالي فلماذا يحاسبني عليها ثوابا وعقابا ؟
أقول : بعد الشرح السابق يتبين أن الله تعالى لا يحاسبني على الفعل من حيث هو مفعول له تعالى ، أي : مخلوق له تعالى ، ولكن يحاسبني على الفعل من حيث هو مفعول لي ، أي : مكسوب لي .
فإن قيل : إن (خلق الله تعالى الفعل في عبده) ينطوي على الجبر ؟
فنقول : إن فهمت ما سبق شرحه لم تسارع بمثل هذا السؤال ،
لأن تعلق قدرة الله تعالى بإيجاد الفعل من عدم لا تكون إلا مع تعلق قدرة العبد بفعله واكتسابه ، هكذا شاء الله تعالى ، بمعنى أن الله لا يخلق الفعل في العبد إذا لم يرد العبد أن يفعله ، بينما إذا أراد العبد أن يفعله خلقه الله تعالى فيه .
ولو شاء الله تعالى أن يخلق أفعالنا فينا من غير أن نكتسبها لفعل ذلك ، فإنه القادر على كل شيء ، وعندئذ نكون نحن مجبورين ، وعندئذ لا يتعلق الثواب والعقاب بأفعالنا البتة .
وقارن هذا مع قوله تعالى {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} .
ففي الآية ما يدل على أن الله تعالى لو شاء لجعل كل الناس مؤمنين ، لكنه لم يشأ ذلك ، لأنه لم يشأ أن يكرههم على ذلك ، فإذا لم يشأ الله أن يكرههم على ذلك ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ؟؟!!
وقد قال تعالى {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} .
لقد أثبتت الآية بكل صراحة للإنسان مشيئة ، إذن الإنسان له حرية وله اختيار في أفعاله وأكسابه ، وهي مشيئة حقيقية ، وبدونها لا يكون الإنسان محاسبا على أفعاله ، فقد ثبت أن المكره على الحرام لا يأثم ، فإذا رفع الله تعالى الإثم عن الإنسان إذا أكرهه إنسان آخر على الفعل ، أفترى بعد ذلك أن الله يجبر الإنسان على فعل ، ثم بعد ذلك يحاسبه عليه ؟؟؟!!!
أما قوله تعالى {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} فمعناها ، والله أعلم ، وما تشاءون شيئا إلا أن يشاء الله أن تشاءوا ، فالآية تريد أن تبين لنا منة الله وفضله علينا ، في أنه شاء لنا أن نشاء ، أي : شاء لنا أن تكون لنا مشيئة ، بخلاف الحجر والشجر ، فقد شاء الله تعالى أن لا تكون لهم مشيئة ، فليس في الآية ما يفيد الجبر ، نعم ، الله تعالى خلق مشيئتنا ، وشاء لنا ما شئناه ، لكن هذا من جهة الخلق من العدم ، ونحن من جهة أخرى نشاء حقيقة ما نشاءه ، وجهة مشيئنا ليست من جهة الخلق من العدم ، بل من جهة أخرى ، وكما أسلفت ، ليس في قدرتي الآن تفسير هذه الجهة الأخرى ، لكنني أثبتها وآومن بها بدلالة الشرع وبدلالة العقل وبدلالة الحس البديهي الذي في باطن كل إنسان .
وذلك مثل إيماننا كلنا بالجاذبية ، ونحن لا نعرف حقيقتها ولا ماهيتها ، وإني أتحدى أي شخص أن يشرح لي معنى الجاذبية ، أقول معناها لا أثرها ، أنا أعرف أن الجاذبية هي قوة في المعدن تجذب على نحوص خاص معادن الأخرى ، لكن هذا تعريف بالأثر ، وأنا أريد تعريف بالحقيقة والماهية ، إنك أيها القارئ الكريم لا تعرف ذلك ، ومع ذلك تؤمن به ، فكذلك أنا أومن بأني أفعل حقيقة فعلي ، وأشاؤه حقيقة ، من غير أن أستطيع بيان معناه ، وعدم معرفة معناه لا تدل على عدم وجوده ، لأن ثمة أدلة دلت على وجوده ، فلا سبيل بعد ذلك لإنكاره بسبب عدم فهم معناه .
ما رأيكم في ذلك ؟؟

ماهر محمد بركات
04-11-2004, 12:37
أخي الفاضل أسامة نمر عبد القادر بارك الله فيك:

أنا أتفق معك في كل ماقلت ولكن محل الاشكال أظن أنه لم يتضح بشكل جيد
أنت قلت : ( إنه إذا اعتمدنا النصوص الشرعية فقط من غير محاولة للبحث عن الأدلة العقلية فسوف نجد ما يلي :
1 / سوف نجد ما يدل على أن الله تعالى خالق كل شيء ، وبما أن أفعال الإنسان أشياء ، سواء كانت جواهر أو أعراض ، فإن الشيء هو الموجود ، فكل موجود أيا كانت ماهيته فهو شيء ، أقول : بما أن أفعال الإنسان أشياء ، فالله تعالى حتما ولا بد خالقها ، لأن هذه الأفعال كانت معدومة ، ثم خرجت إلى الوجود في لحظة ما ، وليس ذلك في قدرة أحد سوى الله تعالى ، فالله تعالى خلقها ، وهو خلقها بمشيئته سبحانه وتعالى .
2 / سوف نجد أيضا ما يدل على أن الإنسان يفعل أفعاله الاختيارية ، وأنه يفعلها بمشيئة خاصة . )
وهذا كلام متفق عليه ولذلك أنا ذكرت نفس المعنى في كلامي فقلت:
( كلنا نؤمن بأن العبد له كسب في كل أعماله التكليفية وعلى هذا الكسب يدور الثواب والعقاب .. وأن أفعال العبد التكليفية هي من الله خلقاً وايجاداً ومن العبد ارادة واختياراً أو كسباً وعلى هذا فالعبد مختار محاسب بما كسب واكتسب ..
هذه عقيدتنا جميعا ندين الله بها )
فنصوص الشرع تثبت أن الفعل من الله خلقا ومن العبد اكتساباً
والارادة عند الانسان ثابتة وموجودة لا يمكن أن ينكرها أحد

وأنت قلت: (إذن ، هناك فعلان ، لكل منهما حقيقة ومعنى خاصا بها .
هناك فعل الله تعالى .
وهناك فعل العباد .)
وهذا أيضا يدور على نفس المعنى السابق مع الانتباه الى أن فعل العبد هو منسوب له من دون تأثير له في خلقه وايجاده

وأنت قلت :(أما الفعل الصادر من العبد له معنى آخر ، لم أستطع التوصل إليه إلى الآن ، لكن ذلك لا يضر وجوده ، فإن إثبات شيء مع عدم معرفة حقيقته ممكن وإن كنت أعرف وجوده بالدليل الشرعي وبالدليل العقلي وببداهة الحس الباطني )
وهذا أيضا صحيح ولسنا بصدد البحث عن حقيقة وماهية الفعل المنسوب للعبد

أخي الكريم : أنا لااشكال عندي في أن فعل العبد له جهتان : خلق وايجاد من الله ونسبة ارادة واختيار من العبد
لكن أنا هنا لا أتحدث عن الفعل الصادر من العبد انما أتحدث عن ارادة العبد المقرونة بالفعل وهنا محل الاشكال عندي.

اذا فهمنا هذا علمت أخي الكريم أن قولك :
(يبقى السؤال : إذا كان الله تعالى خلق أفعالي فلماذا يحاسبني عليها ثوابا وعقابا ؟) ليس هو محل الاشكال على الاطلاق ..
انما يكون السؤال المشكل كالتالي :
اذا كان الله تعالى قد خلق لي ارادتي التي بها ينسب الفعل لي كسباً ....الخ؟؟)

دعني الآن ألخص ماسبق حتى نجمع المسألة ونحرر محل البحث فيها ويسهل تناولها :
نحن جميعاً متفقون على أن فعل العبد هو من الله خلقاً وايجاداً وليس للعبد فيه أي ثأثير سوى ارادته واختياره فهو منسوب له من هذه الجهة ولكن أنا لا أتحدث عن الفعل الصادر من العبد انما أتحدث عن ارادة العبد ذاتها ..
هي ثابتة بلا شك وموجودة ولايهمني ماهيتها ولكن أسأل ان كانت هي الأخرى مخلوقة فهذا يعني أنه بالنتيجة لا شيء للعبد سوى نسبتها اليه وبالتالي الى ماذا يؤول الأمر؟؟..


ودعني أصور المسألة كالتالي :
لنأخذ لحظة اختيار العبد:
أمامه الآن طريقان واحد يؤدي الى المسجد وآخر الى حانة الخمر هنا سيختار العبد ولنفرض أنه اختار الذهاب الى المسجد .. ماذا حصل الآن؟؟
في لحظة الاختيار نشأت ارادة الذهاب الى المسجد في العبد فخلق الله فعل الذهاب .. والسؤال : الارادة ذاتها كيف نشأت أليست هي أيضا من خلق الله فماذا بقي للعبد اذاً؟؟
هو اختار وأراد هذا صحيح .. لكن اذا كانت الارادة هي أيضاً حادثة ومخلوقة أوجدها الله تعالى في تلك اللحظة أفلا يؤول الأمر الى الجبر في النهاية ؟؟

اذاً الخلاصة: نحن نؤمن بأن للعبد ارادة واختيار وأن فعل العبد منسوب له من جهة اختياره وارادته من غيرتأثير له في خلق الفعل أو ايجاده.. اذا وقفنا عند هذا الحد نقول: هو مختار
لكن اذا نظرنا الى نشأة الارادة وايجادها من الله فهل نقول : انه مجبور باطناً ؟؟

وبقي السؤال الآخر : هل هذا هو المعنى المقصود الذي ذكره الأشاعرة في بعض كتبهم من أن العبد مختار ظاهراً مجبور باطناً ؟؟

أسامة نمر عبد القادر
04-11-2004, 16:58
أستأذن أخي الكريم الفاضل محمد ماهر بركات في أن أحاول الإجابة مرة أخرى ، فأقول :

الأمر الأول :
قولكم (وهذا أيضا يدور على نفس المعنى السابق مع الانتباه الى أن فعل العبد هو منسوب له من دون تأثير له في خلقه وايجاده) صحيح لكنه ملتبس ، فإن قدرة العبد وإن نفينا كونها مؤثرة في خلقه وإيجاده ، لكننا نثبت أنها مؤثرة في فعله واكتسابه ، فقدرة العبد لها تأثير حقيقي ، لكنه ليس التأثير بمعنى خلقه من عدم ، وإنما تأثير حقيقي آخر ، ولولا هذا التأثير لما كان الفعل مكسوبا له ، بل لما كان الفعل مخلوقا له ، بمعنى أنه لولا هذا التأثير لما اقترن به خلق الله تعالى للفعل .
وليس ذلك ـ كما أسلفت ـ إلا لأن الله تعالى شاء أن لا يخلق الفعل من العدم إلا إذا أثرت قدرة العبد في اكتسابه ، من باب الملازمة العادية لا العقلية ، وهو تعالى قادر على أن يخلق فعل العبد من غير أن تقترن قدرة العبد في اكتسابه ، وعندئذ فقط يكون العبد مجبورا .

ومن هنا فقولكم بعد ذلك (نحن جميعاً متفقون على أن فعل العبد هو من الله خلقاً وايجاداً وليس للعبد فيه أي ثأثير سوى ارادته واختياره فهو منسوب له من هذه الجهة) قد يكون غير دقيقا في نظري الضعيف ، ولعل الصواب : أن للعبد في الفعل ما هو أكثر من مجرد الإرادة الاختيار ، ألا وهو التأثير الحقيقي ، فإن القدرة الحادثة التي هي ثابتة للعبد لا بد لها من تأثير حقيقي في الفعل ، وإلا كانت هذه القدرة الحادثة لا شأن لها ولا قيمة لها .
لكن معنى التأثير في حق القدرة الحادثة غير معنى التأثير في حق القدرة القديمة .
قال عبد السلام المالكي في شرح الجوهرة : [(للعبد كسب) لأفعاله الاختيارية .
والكسب : ما يقع به المقدور بلا صحة انفراد القادر به .
أو ما يقع به المقدور في محل قدرته .
بخلاف الخلق ، فإنه : ما يقع به المقدور من صحة انفراد القادر به .
أو ما يقع به المقدور لا في محل قدرته .
فالكسب لا يوجب وجود المقدور ، وإن أوجب اتصاف الفاعل بذلك المقدور .
(كلفا به) العبد ، أي : ألزمه الله بسببه فعل ما فيه كلفة ، لأنا نعلم بالبرهان : أن لا خالق سواه تعالى ، وأن لا تأثير إلا للقدرة القديمة ، ونعلم بالضرورة : أن للقدرة الحادثة للعبد تعلق ببعض أفعاله ، كالصعود ، دون البعض ، كالسقوط ، فسمى أثر القدرة الحادثة : كسبا ، وإن لم نعرف حقيقته .
ويفهم من قوله (كلفا) رد مذهب الجبرية .
(ولم يكن) العبد (مؤثرا) في المقدور تأثير اختراع وإيجاد له ، ومراد الناظم : أن مذهب أهل السنة أن للعبد كسبا لأفعاله يتعلق به التكليف من غير أن يكون موجدا وخالقا ، لها ، وإنما له فيها نسبة الترجيح ، كالميل للفعل أو الترك] ، ص 105 .
لاحظ قوله فيما سبق [للقدرة الحادثة للعبد تعلق ببعض أفعاله دون بعض] وفي هذا إثبات أن لقدرة العبد تعلقا بفعله الاختياري ، لا الاضطراري .
ولاحظ قوله [فسمى أثر القدرة الحادثة] فهنا أثبت للقدرة الحادثة أثرا ، وهو كان قد نفى قبل ذلك أن يكون للقدرة الحادثة أثرا ، وذلك قوله [أن لا تاثير إلا للقدرة القديمة] ولذلك فهمت من كلامه أن الأثر المنفي عن القدرة الحادثة الثابت للقدرة القديمة هو غير الأثر المثبت للقدرة الحادثة المنفي عن القدرة القديمة .
لكن المحشي الأمير صرح بما قد يفهم البعض خلافه ، فقال [لا تصح للكسب المشاركة ، كما لا يصلح له الانفراد ، ولا تاثير له بوجه ما ، إنما هو مجرد مقارنة ، والخالق الحق منفرد بالفعل بعموم التأثير] .
ثم ذكر المحشي الأمير قائلا : [قوله (فسمى أثر القدرة الحادثة كسبا) أراد بالأثر : التأثير المجازي ، أو بالكسب المكتسب ، تدبر ، قوله (وإن لم نعرف حقيقته) فيه : أنا نعرفها بأنها : تعلق القدرة الحادثة ، ولعله أراد : لا نعرفها معرفة واضحة على التعيين ، فإن تعلق القدرة مجرد مقارنة ، ولا يكفي لكثرة لامقارنات ، فلا بد من مزيد خصوصية خالية عن التأثير ، وإن عجزت عن بيانها العبارة ، فيكفي الشعور بها إجمالا ، فلينظر] .
قلت : لعل الأمير يريد لا تصح للكسب المشاركة ، أي : في التأثير ، إذا كان التأثير بمعنى الإيجاد من العدم ، كما لا يصلح له الانفراد ، أي : في التأثير ، إذا كان التأثير بمعنى الإيجاد من عدم .
ولعله يريد بقوله [ولا تأثير له بوجه ما] التأثير بمعنى الإيجاد من عدم .
وإلا فإن للقدرة الحادثة تأثيرا ليس هو الإيجاد من عدم .
وقول المحشي الأمير [إنما هو مجرد مقارنة] فيه إشارة إلى أن للقدرة الحادثة تأثير ، لكنه تأثير عادي وليس عقلي ، وهذا مسلم .

وقال عبدالسلام المالكي أيضا : [ثم فرع على وجوب انفراده تعالى بخلق أفعال العباد ، وأنه لا تأثير لهم فيها سوى الكسب] ، إلى آخر كلامه ص 106 .
ولاحظ قوله هاهنا [لا تأثير لهم فيها سوى الكسب] فهذا يدل على أن الكسب تأثير ، لكنه ليس من جنس تأثير الخلق من العدم .



الأمر الثاني :
قولكم (ولكن أنا لا أتحدث عن الفعل الصادر من العبد انما أتحدث عن ارادة العبد ذاتها ، هي ثابتة بلا شك وموجودة ولايهمني ماهيتها ولكن أسأل ان كانت هي الأخرى مخلوقة فهذا يعني أنه بالنتيجة لا شيء للعبد سوى نسبتها اليه وبالتالي الى ماذا يؤول الأمر؟؟) .
وهذا هو محل البحث عندك أخي الكريم .
فقطعا إرادة العبد مخلوقة ، لكن تعلق قدرة الله تعالى بإرادة العبد تعلق إيجاد من عدم ، بينما تعلق إرادة العبد بأحد الضدين تعلق تخصيص أحدهما بالوقوع في حال دون حال .
فكيف يقال بعد ذلك (إن كانت الإرادة مخلوقة ، فهذا يعني أنه لا شيء للعبد) ؟!
فمع كون الإرادة مخلوقة ، لكن العبد له الاختيار .
أي : أن العبد يختار ويشاء حقيقة .
وانظر معي إلى قول السعد في شرح النسفية :
[فإن قيل : بعد تعميم علم الله تعالى وإرادته ؛ الجبر لازم قطعا ، لأنهما : إما أن يتعلقا بوجود الفعل ، فيجب ، أو بعدم الفعل ، فيمتنع ، ولا اختيار مع الوجوب والامتناع ؟
قلنا : يعلم ، ويريد أن العبد يفعله ، أو يتركه ، اختياره ، فلا إشكال .
فإن قيل : فيكون فعله الاختياري واجبا أو ممتنعا ، وهذا ينافي الاختيار ؟
قلنا :
1 / هذا ممنوع ، فإن الوجوب بالاختيار ؛ محقق للاختيار ، لا مناف .
2 / وأيضا : هو منقوض بأفعال الباري جل ذكره ، لأن علمه وإرادته متعلقان بأفعاله ، فيلزم أن يكون فعله واجبا عليه .
فإن قيل : لا معنى لكون العبد فاعلا بالاختيار إلا كونه موجدا لأفعاله بالقصد والإرادة ، وقد سبق أن الله تعالى مستقل بخلق الأفعال وإيجادها ، ومعلوم أن المقدور لا يدخل تحت قدرتين مستقلتين ؟
قلنا : لا كلام في قوة هذا الكلام ومتنانته ، إلا أنه لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله تعالى ، وثبت بالضرورة أن لقدرة العبد وإرادته مدخلا في بعض الأفعال ، كحركة البطش ، دون البعض ، كحركة الارتعاش ، احتجنا في التفصي عن هذا المضيق إلى القول بأن الله تعالى خالق كل شيء ، والعبد كاسب ، وتحقيقه : أن صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب ، وإيجاد الله تعالى الفعل عقيب ذلك خلق ، والمقدور الواحد داخل تحت القدرتين ، لكن بجهتين مختلفتين ، فالفعل مقدور الله تعالى بجهة الإيجاد ، ومقدور العبد بجهة الكسب .
وهذا القدر من المعنى ضروري ، وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله تعالى وإيجاده ، مع ما فيه للعبد من القدرة والاختيار] انتهى كلام السعد .
قلت : لاحظ ما تحته خط فيما نقلته عن السعد ، لعل فيه إشارات تساعد على الجواب .

واعذرني أخي الكريم إن كانت محاولتي للجواب قاصرة ، لكن هذا جهد المقل .

جمال حسني الشرباتي
04-11-2004, 17:34
الاخ اسامة والأخ ماهر


أنت او ماهر شابين لكما صبر وجلد أمام الشاشة


اما أنا فكهل في نهاية الاربعين



لذلك احب النقاش على راي المصريين حبة حبة


=====================================

أما مسالة خلق الله للافعال فليست محلا للنقاش من حيث المواد الأولية لتلك الافعال ومن حيث الخواص التي اودعها الله في الاشياء التي تحصل عليها وبها الأفعال

والافعال التي تحصل من الإنسان باختياره ليس له منها وفيها إلا القرار وهو الذي يحاسب عليه وينسب الفعل له لأنه هو الذي قرر وباقي تفصيلات الفعل تكون بسبب خواص الاشياء التي حصل عليها الفعل والمقدرة والمخلوقة لله تعالى


====================================

ولقد تبين لي أن المشكلة هي في إتخاذ القرار

والذي عبر عنه الاخ ماهر بالارادة---والذي عبرت عنه الآية((وهديناه النجدين))فما خلق في الإنسان ليس الإرادة ولا المشيئة ولا اي من هذا القبيل

ما خلق في االإنسان هو العقل أي القدرة على التفكير واتخاذ القرار


وجعل الله هذا العقل بمواصفات معينة تمكنه من إتخاذ القرار


ورتب الحساب على القرارات والتي على اساسها يتم إنجاز الافعال

ماهر محمد بركات
05-11-2004, 12:56
أخي الفاضل أسامة نمر عبد القادر :
جزاك الله خيراً على التوضيح الكريم:

ولكن دعني أوضح هنا بعض النقاط وأرجو أن يكون الحوار محصوراً في محل البحث منعاً من التشتت :

أما الأمر الأول :
فقد فهمت منك أن للعبد تأثير حادث حقيقي في فعله غير الخلق والايجاد وليس هذا التأثير هو الارادة والاختيار فقط بل شيء آخر وهذا مايسمى بالكسب ..
غير أن الذي علمه والذي يعرفه العبد الفقير :
أنه لايوجد من صفات التأثير في الأفعال الا صفتين عند الأشاعرة وهما : القدرة التي تخلق وتوجد من عدم , والارادة التي تخصص .. وعند الماتوريدية يضيفون صفة ثالثة هي التكوين ..
أقول : بناء على ذلك ان لم تكن قدرة العبد في فعله هي الخلق والايجاد فما بقي الا الارادة ...
والنصوص التي ذكرتها تثبت أن للعبد جهة تعلق بفعله غير الخلق والايجاد ولكن لا تثبت أنها شيء آخر غير الارادة .

على كل حال : وبغض النظر عن ماهية تأثير العبد في أفعاله هل هو الارادة أو شيء آخر لكن دعنا نتفق على تسميته كسباً..

فهنا يعود نفس السؤال : هذا التأثير من العبد الذي يسمى كسباً أليس من خلق الله وايجاده؟؟ .. واذا كان العبد يرجح بين أمرين أو يريد ويشاء بهذا التأثير الذي سميناه كسباً أليس هو مخلوق في لحظة الاختيار ..
نحن لاننكر وجوده وبناء عليه لاننكر أنه مختار به ويستطيع الترجيح به ولكن أليس هو قوة عقلية أودعها الله فيه لحظة ترجيحه وميله ؟؟

أعتذر ان لم أكن وصلت الى ماتريد أن توضحه لي لكن ماذكرته لم يغير شيئاً عما قررته أنا في البداية من أن فعل العبد له تعلقان : خلق وايجاد من الله وكسب من العبد .. مع اختلافنا في حقيقة الكسب هل هي الارادة والاختيار أم شيء آخر ..
ولكن هذا لايغير شيئاً من الاشكال لأن هذا الكسب في النهاية هو من ايجاد الله تعالى وخلقه ..

أما الأمر الثاني :
قولك :((فقطعا إرادة العبد مخلوقة ، لكن تعلق قدرة الله تعالى بإرادة العبد تعلق إيجاد من عدم ، بينما تعلق إرادة العبد بأحد الضدين تعلق تخصيص أحدهما بالوقوع في حال دون حال .
فكيف يقال بعد ذلك (إن كانت الإرادة مخلوقة ، فهذا يعني أنه لا شيء للعبد) ؟! )).
أنا أريد منك أن تستحضر معي( لحظة) اختيار العبد لفعله ووجود الفعل بعدها مباشرة : ماهي مركبات الفعل التي حدثت :المركب الأول هو ارادة العبد أو ترجيحه وهي قوة فكرية عقلية .. والمركب الثاني هو الفعل الصادر بعد ذلك ولا ثالث فيما أرى .. أما القوة الفكرية التي قرر بها العبد فقد خلقها الله في العبد في تلك اللحظة وأما الثاني : وهو الفعل فقد خلقه الله بعد ذلك ..فماذا بقي للعبد من تأثير ؟؟ أنا لا أقصد أنه ليس للعبد شيء مطلقاً بل هو له نسبة الفعل اليه من حيث هو اختاره انما أقصد ليس للعبد شيء حقيقة من حيث أن اختياره وفعله قد خلق فيه في تلك اللحظة ..
أرجو أن يكون الاشكال قد توضح.

وبالجملة :
ففي كل كلامك السابق أخي الفاضل : أنت تريد أن تقرر أن للعبد جهة تعلق في فعله من حيث كسبه وهذا لااشكال فيه وقد قررته أنا في كلامي الأول مع خلاف حول ماهية الكسب ..
ولكن اذا علمنا أن كسب العبد مخلوق أفلا يعني هذا أن ماينسب للعبد في فعله هو نسبة مجازية لاحقيقة
وتأمل معي ماذكرته أنت من كلام الأمير : ((قوله (فسمى أثر القدرة الحادثة كسبا) أراد بالأثر : التأثير المجازي))
وكتب الأشاعرة مليئة بهذا التعبير : التأثير المجازي

وهذا له ارتباط وثيق بسؤالي الآخر الذي لم تجبني عنه الى الآن ألا وهو :
ما المعنى المقصود من قول بعض الأشاعرة : العبد مختار ظاهراً مجبور باطناً ؟؟

وأعتذر مرة أخرى ان قصر فهمي عن شيء آخر أردت توضيحه لم يرتقي فهمي اليه ..

وجزاك الله خيراً مرة أخرى وبارك الله فيك ونفع بعلمك.

أخي الفاضل جمال شرباتي بارك الله فيك :
نعم لقد لخصت المسألة بكلمات قليلة وحصرت المشكلة تماماً كما ذكرت .. ولكن ماسميته أنت القدرة على التفكير واتخاذ القرار هي ذاتها التي قصدته أنا بارادة العبد وهي من نواتج وظيفة العقل وهي أيضاً مخلوقة للعبد في لحظة اختياره وارادته ؟؟

ولعل سيدي الشيخ سعيد حفظه الله يتحفنا بالمشاركة في هذه القضية ..

أسامة نمر عبد القادر
06-11-2004, 21:32
جزاك الله خيرا أخي الطيب على شرحكم الطيب ، وأنا في الحقيقة أستفيد منكم في هذا النقاش ، لا سيما وقد لاحظت أن كلامكم رصين وفهمكم دقيق ، فلا يضيقن صدرك على أمثالي ، إذ من غير محاورة لا ينكشف لي الحق من الباطل ، ولا الصواب من الخطأ .

على كل حال أنا معك في كثير مما قلت .
لكن أعقب على قولكم : [ أنه لايوجد من صفات التأثير في الأفعال الا صفتين عند الأشاعرة وهما : القدرة التي تخلق وتوجد من عدم , والارادة التي تخصص ..]
فالذي أعرفه أنا العبد الفقير أيضا عن الأشاعرة : أن الإرادة ليست من صفات التأثير ، بل ليس في صفات التأثير سوى القدرة ، سواء القديمة أو الحادثة .
أما الإرادة فليس مؤثرة بنفسها ، لا بالنسبة لله تعالى ، ولا بالنسبة للعبد ، وإنما الإرادة شرط للتأثير بالقدرة بالنسبة لله تعالى ، وهي كذلك شرط للتأثير بالقدرة بالنسبة للعبد .

وبناء على ما سبق فإن قولك [ أقول : بناء على ذلك ان لم تكن قدرة العبد في فعله هي الخلق والايجاد فما بقي الا الارادة ... ] لا يمكن أن يكون صحيحا على طريقة الأشاعرة ، واعذرني على التكرار الذي أرجو من العلامة سعيد فودة أن يتدخل بسرعة ، حتى يتبين لي وجه الصواب في المسألة فقد أعيتني ، اعذرني على التكرار فسأقول : إن العبد يؤثر في فعله حقيقة ، بواسطة قدرته الحادثة ، بشرط الإرادة الحادثة ، ومع ذلك كلاهما حاصل بخلق الله تعالى ، وهذا لا يستلزم كون الإنسان مجبورا البتة .

أما قولكم [ والنصوص التي ذكرتها تثبت أن للعبد جهة تعلق بفعله غير الخلق والايجاد ولكن لا تثبت أنها شيء آخر غير الارادة ] .
فالذي أراه أنها لا تثبت أن العبد يؤثر في فعله بواسطة الإرادة الحادثة من غير قدرة حادثة منه .
بل هذا محال عقلا ، فإنه إذا كان الفعل حاصل بقدرة الله تعالى ، فيستحيل أن تكون هذه القدرة بشرط الإرادة الحادثة في العبد ، بل يجب أن تكون بشرط الإرادة القديمة .
وإذا كان الفعل حاصل بقدرة الله تعالى وبإرادة الله تعالى ، ولم يكن لقدرة العبد تأثيرا بوجه من الوجوه ، ولا كان لإرادته تأثيرا بوجه من الوجوه ، فهذا عين الجبر .
أما عين الاختيار فهو أن العبد يؤثر في فعله بواسطة قدرته الحادثة بشرط الإرادة الحادثة ، وكل ذلك وجد من العدم بواسطة القدرة القديمة بشرط الإرادة القديمة .

هذا ما أحببت قوله ، واعذرني أخي الكريم على تكراري .

هاني علي الرضا
06-11-2004, 21:41
الإخوة الكرام ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

اضافة صغيرة عسى أن يكون فيها بعض خير إلى أن يفصل الشيخ سعيد حفظه الله في الموضوع .

ما سأل عنه الأخ ماهر دقيق جدا وينم عن فهم ثاقب للقضية وأبعادها وعدم وقوف عند الرسوم والعبارات وظلالها .

وهذه المسألة مما أقض مضجع العبد لله وأقلق باله ، وعلى قدر ما قرأت واطلعت في الكتب والمتون والحواشي والملخصات والمبسوطات على قدر ما ازدت حيرة وعجبا.

وحق لكل إنسان عاقل أن يحتار في المسألة ولا يصل فيها إلى قرار ويسلم بالعجز والقصور وإلا ماذا أبقى الإنسان لربه إن كان قد أحاط بسر القدر والقدر سر الله في خلقه !!

أسئلة كثيرة تتلاطم كموج البحر في خلدي .. هل يريد الإنسان إلا إن أراد الله له أن يريد !!!؟؟؟ وإن كانت إرادته بإردة الله فهو الجبر !! وإن كانت حرة مستقلة عن الله فهو العجز لله - سبحانه !!! أمران أحلاهما مر !!
وهل للإنسان كسب واختيار في غير الخير والشر مع ان كسبه للخير والشر يتأثر بغيرهما مما يحيط بالإنسان!!!؟؟
هل يختار الإنسان من هو وأين ولد والبيئة التي نشأ فيها والدين الذي لقن في صغره !!!؟؟
وأليس لهذه الأمور المحيطة بالإنسان منذ نشأته أثر كبير عميق في اختياراته وطريقة تفكيره ونظرته للحياة والإله ، وهل الإنسان إلا ابن بيئته !!!!؟؟؟
يعني الإنسان لا يختار بيئته تماما مثلما أنه لا يختار لونه وطوله وشكله ، إلا أنه يؤاخذ بكسبه وإرادته المتأثران لا محالة ببيئته التي وجد نفسه مغروسا مجبرا مكرها فيها !!!؟؟؟

وسألت هنا وهناك ولففت ودرت سائلا عباد الله وخلق الله :
هل إرادة الإنسان بإرادة الله أم بغير إرادة الله !!!؟؟
وهل يريد الإنسان إلا ما أراد الله له أن يريد !!!؟؟؟

وكل من سألت يردد عبارات قراها أو سمعها دون ان يسبر لب القضية ، بل هو للأسف لم يتجاوز طبقة القشرة الخارجية !!

ودائما كنت أخرج بنتيجة واحدة مؤداها : الجبر لا محالة ، وإلا فالشرك لا محالة !!!!

ولم تعني وتغني عني كل تلك العبارات المنمقة والجدلية المطولة ، فالأمر يعود إلى مستوى واحد ساذج لا تعقيد فيه ، ودائما ما كنت أسلم لمن أسأل من المشايخ وأنسحب من الحوار لأني أعرف أني بغيتي ليست عنده فأكتفي بالصمت حفظا لمقامه وبعدا عن تكدير صفو المجلس .

حتى أعثرني الله على شيخ وقور جليل يبدو النور في محيا وجهه ، فتوسمت فيه المعرفة وسألته ..

فتبسم وقال : يا ولدي هذا سر مصون لا يبلغ كنهه أحد ، غير أنه يكفيك أن تعرف أن الله حكيم عليم ، وأنك لا تحاسب إلا بما تريده أنت بحريتك واختيارك ، انت تختار وتريد الشيء ولكن ذلك لا يكون إلا بارادة الله سبحانه وتعالى لك ان تريد الشيء وتختاره .

فقلت له : وكيف أحاسب على أمر أردته باراداة الله لي ان أريده !!؟؟

فقال : بل أردته أنت وما أراده الله لك إلا لأنه علم في الأزل أنك تريده باختيارك !!
يا بني .. علم الله محيط بكل شيء في الأزل وهذا هو قدره سبحانه وتعالى الذي لا مفر منه فما علمه يكون وفق علمه ووفق ما أملاه في اللوح.
والله بعلمه الازلي علم أن نفسك بعد ان تخلق وتكون تريد وتختار مثلا في لحظة معينة في مكان معين ان تعصي الله معصية معينة وهذا اختيار منها حر دون املاء ، فكتب الله ذلك في اللوح وفق علمه فلا يكون إلا ما كتبه ، وأراد سبحانه وقوعه فلا يكون إلا ما أراده ، وأراد من نفسك أن تريد ما علم أنها تريده في الأزل فلا تريد الشيء وتوجد الإرادة إلا بارادة الله وجودها ، فأنت الذي اخترت وإن لم تكن عملية اختيار كالتي نعرفها في الدنيا إلا أنك اخترت أصلا كل دقائق حياتك وسكناتك وحركاتك وعلمها الله في الأزل وعلم ما ستختار فأراده وفق علمه فكان ما أراد ، فهو اختيار منك تم قبل أن تكون وعلم الله أن نفسك ستختاره فأراده ، فكل شيء معد سلفا وجاهر كالسيناريو مثلا وأنت تعيد فقط تمثيل كل الخطوات التي سبق لك أن اخترتها وأردتها في علم الله وكلنا نمشي ونعيد تمثيل السيناريو الموضوع لنا سلفا ولكن باختيارنا له قبل أن نوجد ويوجد في علم الله .

فقلت له : وكيف أريد الشيء وأنا لم أخلق بعد في العدم !!؟؟
فتبسم وأجاب : ذلك سر الحكيم العليم الذي هو ليس مثلي ولا مثلك ، هو أدرى بهذه النفوس إذ خلقها وهو أدرى بكوامنها وكنهها ، فبعلمه وحكمته البالغة علم اختيار نفسك الحر قبل ان تكون نفسك .

ولما راى معالم الإعياء على وجهي استطرد قائلا : يا ولدي ليس هذا مما تدركه العقول ولا أنت به مكلف ولا له مجعول ، فلا ترهق نفسك به وسلمه لله سبحانه مع الكف عن الخوض فيه وتنزيه الله عن كل ما لا يليق .
هو سر لله سبحانه وتعالى لا يطلع عليه خلقه ، وآلية عمله لا نعرفها ولا نستيطع التعبير عنها فنكتفي منها بما تصله عقولنا ونلجم العقل عن الخوض فيما لم نملك مفاتحه ، فالله يحاسبنا على كسبنا وأفعالنا الاختيارية وحاشاه عن الظلم ولا نريد شيئا إلا بارادته سبحانه لنا أن نريده ولا يكون إلا ما يريد ، أما كيف ولمَ ولعل وعسى فلن تقدم ولن تؤخر شيئا ومن من الخلق يستطيع أن يزعم أنه قد أحاط بكل شيء علما وفهما !!

أراحني جوابه والتزمت مقاله وآمنت بأن للعبد كسب واختيار يخلق الله بموجبه الأفعال ويحاسب العبد عليه دون أن أستطيع أن أفهم آلية الأمر في نفسه وكيف يكون ويتم ، فقط أعلم أن للعبد إرادة وأن الله أراده مريدا للشيء باختياره وارادته.

والله الموفق

وننتظر قول الشيخ سعيد حفظه الله .

ماهر محمد بركات
06-11-2004, 23:09
سادتي الكرام :
بارك الله فيكم وزاد في علمكم وفتح علينا وعليكم فتوح أهل الحق والعرفان..
ووالله ياسيدي أسامة أنا الذي استفدت وأستفيد من نقاشكم ولم أكن أتصور أنه مازال هناك طلاب علم على هذه الشاكلة من البيان والاتقان والعدل في ارجاع كل أمر الى أهله من غير تعد أو طغيان..في عصر ساد فيه الجهل المركب وصار العلم دعوى لكل مدعي من غير أهله ..
فبارك الله لكم وفيكم وأحمد الله الذي عرفني عليكم.

سيدي الفاضل أسامة :
نعم نحن أصبحنا جميعاً بحاجة الى سيدي الشيخ سعيد ليبت بالأمر خشية التمادي في الخطأ من غير برهان

لكن اسمح لي ببعض التعليقات راجياً من المولى السداد فيما أقول :
قولكم :( فالذي أعرفه أنا العبد الفقير أيضا عن الأشاعرة : أن الإرادة ليست من صفات التأثير ، بل ليس في صفات التأثير سوى القدرة ، سواء القديمة أو الحادثة .
أما الإرادة فليس مؤثرة بنفسها ، لا بالنسبة لله تعالى ، ولا بالنسبة للعبد ، وإنما الإرادة شرط للتأثير بالقدرة بالنسبة لله تعالى ، وهي كذلك شرط للتأثير بالقدرة بالنسبة للعبد .) أوافق عليه وأنا عندما قلت : ( أنه لايوجد من صفات التأثير في الأفعال الا صفتين عند الأشاعرة وهما : القدرة التي تخلق وتوجد من عدم , والارادة التي تخصص ) كان قصدي الصفات التي لها مدخل في التأثير في الأفعال ولم أقصد أن الارادة تستقل بالتأثير أو لها تأثير بنفسها بل لها مدخل في التأثير ولذلك فصلت فقلت : ( القدرة التي تخلق وتوجد من عدم , والارادة التي تخصص )
وقد أوضحته أنت جزاك الله خيراً بأنه شرط في التأثير .. وهاهنا نحن بحاجة الى الشيخ سعيد لاجلاء الأمر ..

وقولكم : ( بل ليس في صفات التأثير سوى القدرة ، سواء القديمة أو الحادثة. ) أعتقد فيما أرى أن هذه العبارة تحتاج الى توضيح كالتالي :
ان القدرة الحقيقية واحدة فلا يوجد مؤثرين على محل واحد فالقدرة واحدة لاتتعدد وهي قدرة المولى تبارك وتعالى وقدرته تعالى لها تعلقان : صلوحي قديم وتنجيزي حادث فكل مايحدث في الوجود من الأفعال هي بقدرة الله تعالى من غير أدنى مشاركة من أحد قطعاً

لذلك أرى -والله أعلم- أن تعبيرك بقدرة العبد الحادثة التي تسميها حقيقية ينبغي أن تدقق لأن كلمة حقيقية توهم أن لها تأثير بنفسها أو عن طريق المشاركة وهذا باطل قطعاً .. فقدرة العبد مجازية والا فهي في الحقيقة قدرة الله فقط والعبد محل لظهورها لاغير ..
واذا كنت ياسيدي تعترض على هذا المعنى وتقول بل هناك فعل حقيقي مؤثر للعبد فانه يلزمك أن تجيب على هذا السؤال :
ان قدرة العبد في فعله لاتتعدى أن تكون واحدة من ثلاث: اما أنها تستقل بالتأثير أو تشارك بالتأثير أو لا تأثير لها (وكل ذلك بمعنى التأثير على الحقيقة وليس المجاز) ولارابع ؟؟
فالأولان ظاهرا البطلان فما بقي الا الثالث لذلك لايصح أن تكون قدرة العبد حقيقية الا ان كان المقصود أنها حقيقية من حيث أنها تنسب للعبد لا غير وأنا أتكلم هنا على التأثير لا على النسبة.. وان كان عندك كلام في غير هذا المعنى أرجو توضيحه ..
هذا ماأردت أن أعقب عليه وهو كما قلت آنفاً ليس محور وجوهر الاشكال ولذلك أنا تجاوزت هذا الخلاف حول حقيقة الكسب والى ماذا يرجع أللارادة أم لغيرها فقلت :
( على كل حال : وبغض النظر عن ماهية تأثير العبد في أفعاله هل هو الارادة أو شيء آخر لكن دعنا نتفق على تسميته كسباً.. )

وهنا مكمن الاشكال ليس ماهية الكسب
ولكن الاشكال في كون الكسب بغض النظر عن ماهيته مخلوقاً وموجوداً من عدم لحظة الكسب ؟؟
والاشكال الثاني هو ماذكر في كتب بعض الأشاعرة : من أن العبد مختار ظاهراً مجبور باطناً ؟؟
فليحرر محل الاشكال ..
وبارك الله فيك سيدي على ماأبنت وأوضحت
ومازلنا بانتظار توضيح الشيخ سعيد حفظه الله..

سيدي هاني :
ماذكرته ثمين جداً يعض عليه بالنواجذ ولا شك أنه يكفي في عقيدة كل مسلم أن يعرفه دون مزيد بيان .. والشيخ الكريم الذي أوضح لك هذا المعنى الراقي اتبع معك طريقة التسليم من غير مشقة البحث في أمر غير مكلف فيه
ولذلك فالعبد الفقير أوضح من أول مشاركة أن عقيدة الحق التي نلقى الله عليها هي التالي : ( كلنا نؤمن بأن العبد له كسب في كل أعماله التكليفية وعلى هذا الكسب يدور الثواب والعقاب .. وأن أفعال العبد التكليفية هي من الله خلقاً وايجاداً ومن العبد ارادة واختياراً أو كسباً وعلى هذا فالعبد مختار محاسب بما كسب واكتسب ..
هذه عقيدتنا جميعا ندين الله بها )

وهذا يكفي في العقيدة ولكن لولا أن الأمر أقلق فؤادي وأشغل عقلي لتوقفت عند مايكفي اعتقاده غير أن الاشكال يأبى أن يغادر عقلي ولبي فما وجدت مفراً من السؤل والسؤال
ثم لا أدري ان كان سؤالي هذا مذموماً أو تنطعاً في الدين غير أني ألقيت الأمر أمام أهله ليفصلوا ويحكموا فيه
والله الموفق لكل خير

أسامة نمر عبد القادر
08-11-2004, 20:28
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدي المصطفى الأمين ، أما بعد ،،،

جزاك الله خيرا على ملاحظات أخي الأكرم ماهر بركات ، فلقد أوضحت عندي أمورا ، وبدأت أفهم المسألة بصورة أعمق من ذي قبل ، وشيئا فشيئا تتضح الأمور .

وليعذرني الأخ الطيب الكريم على محاولتي البحث في هذا الأمر مرة بعد مرة .

قال أخي الأكرم ماهر بركات :
الكسب الذي هو نسبة الفعل للعبد من حيث ارادته واختياره من الذي خلقه .. هل هو ـ أي الكسب ـ شيء أم ليس بشيء ؟؟
قلت :
الكسب ـ بمعنى الفعل المكتسب ـ مخلوق لله تعالى ، وهو شيء ، لأن الأفعال أعراض ، والأعراض وإن كانت قائمة بالغير لكنها موجودات ثابتة في الخارج ، فهي بهذا المعنى أشياء ، فالكسب شيء لأنه موجود ثابت في الخارج ، وإن كان غير قائم بنفسه بل قائم بغيره .
أما الكسب بمعنى الاكتساب : فإن فسرته بالتعلق والارتباط ، أي : تعلق القدرة بأحد الطرفين على وفق الإرادة ، كما فسرها عبدالحكيم السيالكوتي في حاشيته على شرح الجرجاني على المواقف 6/83 ، فقد ذكر الباجوري أن الكسب بهذا المعنى ليس مخلوقا ، لأنه من الأمور الاعتبارية ، انظر ص 104 .

وهذا يقودني إلى قول أخي الأكرم ماهر بركات :
وأريد أن أذكر هنا أنني طرحت هذا الاشكال على أحد الشيوخ الماتوريدية الفضلاء : فقال لي ان الكسب عندنا ليس بشيء أصلاً حتى يكون مخلوقاً ، وانما هو أمر اعتباري لاوجودي .. والحقيقة أنني لم أفهم هذه النقطة كيف يكون الاختيار غير وجودي مع أننا نشعر به ونحن نختار !!
قلت :
الإرادة والقدرة أمران وجوديان ، وما يفعله العبد أمر وجودي ، وتعلق هذه الأمور الوجودية بعضها ببعض أمر اعتباري ، أعني أن تعلق القدرة بالفعل المخلوق على وفق الإرادة : أمر اعتباري ، وكون التعلق أمرا اعتباريا لا يستلزم عدم الشعور به ، فإن النفس تدرك الأمور الاعتبارية ، وإن لم يكن لها تحققا خارج الذهن ، فإن ما تدركه النفس لا يشترط أن يكون له وجود في الخارج .

وعودة إلى قول أخي الطيب ماهر بركات :
ثم قال لي : طيب افترض أنه شيء وأن العبد مختار ظاهراً مجبور باطناً فهل هذا يعني أن الأشاعرة عرفوا حقيقة القدر واطلعوا على سره .. بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان القدر سر لايكشف الا يوم القيامة ..
قلت :
كلام هذا الشيخ هاهنا أظن أنه لا طائل وراءه :
× فسيأتي تفسير قولهم (مجبور باطنا ، مختار ظاهرا) تفسيرها معقولا مقبولا .
× أما أن الأشاعرة لم يعرفوا حقيقة القدر ولم يطلعوا على سره ، فهذا أمر بحاجة إلى النظر إلى حيثياته :
فإن كان المقصود معرفة أن العبد مختار حقيقة أم غير مختار ، قادر حقيقة أم غير قادر ، مريد حقيقة أم غير مريد ، فهذا أمر أدركه الأشاعرة وعرفوه ، وليس هو بسر أبدا أبدا .
وإن كان المقصود أن بعض جهات القدر سر لن تدرك ، فهذا أمر مسلم ، فمثلا : ما يعلمه الله تعالى مما سوف يقع سر لن يدركه الإنسان إلا بعد وقوعه ، أما قبل وقوعه فهو من أسرار القدر ، وبذلك فإن ما هو المستقبل سر من أسرار القدر ، وهكذا .
× ثم قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن القدر سر لا يكشف إلا يوم القيامة ، فهذا مرفوض مردود على قائله من ناحيتين :
الأولى : فليأتنا بسند يقبل به هذا الخبر ، وإلا لم يجز قبوله ، فقد قيل : إن كنت ناقلا فالصحة .
الثانية : لا يصح أن يكون القدر مطلقا سر ، فهو ركن من أركان الإيمان ، وقد تكلم القرآن في كثير من الآيات عن القدر وبيانه ، ولا يخلو كتاب من كتب الحديث الشريف من أحاديث كثيرة متعددة تشرح القدر ، أعني أن الكتاب والسنة شرحتا كثيرا من جوانب القدر ، فمنها أمور تفصيلية ومنها أمور إجمالية ، فنؤمن بالتفصيلي على ما فصله الشرع ، ولا يكون بذلك القدر سرا ، ونؤمن بالإجمالي على ما أجمله الشرع ، فمن حيث كونه إجماليا لا يكون القدر بذلك سرا ، ومن حيث التفاصيل التي لم يذكرها الشرع يكون القدر سرا .


قال أستاذي الأكرم ماهر بركات :
× ان كان الجواب : هو شيء ، فالله خالق كل شيء ، أي أن اختيار العبد أيضاً مخلوق من خلق الله ..
اذاً فالأمر يؤول في النهاية الى الجبر لأن العبد عندما اختار لم يفعل في الحقيقة شيئاً بل ان الله هو الذي أوجد له اختياره فصار مجبوراً ؟؟
قلت :
يريد أخري الكريم أن يقول : لما كان الله خالق كل شيء ، فالله تعالى خالق لكسب العبد ، وهو تعالى أيضا خالق لإرادته ، ولما كان الله تعالى خالق لكسب العبد وخالق لإرادته أيضا ، لم يعد للعبد دور في أفعاله ، وجاء في عبارة أخي الكريم [لم يفعل في الحقيقة شيئا ، بل إن الله هو الذي أوجد له اختياره فصار مبجورا] .
فهذا هو محل الإشكال عند أخي الكريم وعندي أيضا .
قلت :
نعم ، أصاب أخي الكريم عندما قال [العبد عندما اختار لم يفعل في الحقيقة شيئا] .
وهذا ما نقله ابن فورك عن الأشعري عندما قال : [كان يذهب إلى أن الفاعل على الحقيقة هو الله عز وجل ، ومعناه معنى المحدث ، وهو : المخرج من العدم إلى الوجود ، وكان يسوي في الحقيقة بين قول القائل : خلق ، وفعل ، وأحدث ، وأبدع ، وأنشأ ، واخترع ، وذرأ ، وبرأ ، وابتدع ، وفطر ، ويخص الله تعالى بهذه الأوصاف على الحقيقة ، ويقول : إنها إذا أجريت على المحدث ـ يعني على العبد ـ فتوسع] أي : مجاز ، ( مجرد مقالات الأشعري : 91 ) .
فهذه عبارة صريحة في أن الأشعري يعتقد أن إطلاق الفعل بمعنى الإيجاد من العدم هو حقيقة في حق الله تعالى ، وإذا أطلق الفعل في حق العبد كان مجازا ، أي يكون له معنى آخر غير معنى الإيجاد من العدم ، واستخدام الفعل بذلك المعنى الآخر يكون على سبيل المجاز لا الحقيقة .
لكن الأشعري لم يسكت بعد ذلك ، فقد أردف الفقرة السابقة بكلام هام ، وسوف أنقل بعض آخر الفقرة السابقة ثم أردفه بما قاله :
[ويقول إنها إذا أجريت على المحدث فتوسع ، والحقيقة من ذلك يرجع إلى معنى الاكتساب ، وكان ـ يعني الأشعري ـ يصف المحدَث ـ أي العبد ـ على الحقيقة أنه مكتسب ، ويحيل وصف الله تعالى بذلك ] .
وهذا صريح من الأشعري في أن إطلاق الفعل في حق الله تعالى حقيقة ، وفي حق العبد مجاز ، كما بينته سابقا .
لكه قال بعد ذلك "وكان يصف المحدث ـ أي العبد ـ على الحقيقة أنه مكتسب" .
وهذا صريح في أن الأشعري يثبت أن العبد له دور في فعله فوصف الأشعري العبد بأنه مكتسب على الحقيقة ، إما أن يكون له حقيقة ما ، وإما أن لا يكون له حقيقة ما :
× فإن كان له حقيقة ما : ثبت بذلك أن العبد له دور ما في فعله ، به يثاب وبه يعاقب ، وبه يكون مختارا غير مجبور ،
× وإن لم يكن له حقيقة ما : صار قول الأشعري السابق لغوا لا فائدة منه ، ومثل هذا اللغو لا بد أن ينـزه عنه العقلاء .
وهكذا فإن ما يفعله العبد له وإن كان عينا واحدة ، لكنه يتعلق بصفتين تعلقا حقيقيا :
الأول : ما يفعله العبد يتعلق بصفة القدرة القديمة تعلقا حقيقيا ، ويكون ذلك على سبيل الإيجاد من العدم ، وبهذا المعنى يكون فعل العبد مخلوق الله تعالى ومفعوله .
الثاني : وكذلك هو يتعلق بصفة القدرة الحادثة تعلقا حقيقيا ، ويكون ذلك على سبيل الاكتساب ، وبهذا المعنى يكون فعل العبد مكتسبه .
ثم ينقل ابن فورك عن الأشعري [ويقول : إن كسب العبد :
× فعل الله تعالى ومفعوله ، وخلقه ومخلوقه ، وإحداثه ومحدثه .
× وكسب العبد ومكتسبه
وإن ذلك وصفان يرجعان إلى عين واحدة ، يوصف بإحدهما القديم ـ يعني الله تعالى ـ ويوصف بالآخر المحدث ـ يعني العبد ـ .
فما للمحدث من ذلك لا يصلح للقديم .
وما للقديم من ذلك لا يصلح للمحدث .
وكان يجري ذلك مجرى خلقه للحركة في أنه عين الحركة ، فيتصف الله تعالى منها بوصف الخلق ، ويتصف المحدث منها بوصف التحرك ، فتكون : حركة للمحدث ، خلقا لله تعالى ، ولا يصلح أن تكون : حركة لله تعالى ، وخلقا للمحدث] .
ثم ينقل ابن فورك عن الأشعري [كان يذهب في تحقيق معنى الكسب والعبارة عنه أنه : ما وقع بقدرة محدثة ، وكان لا يعدل عن هذه العبارة في كتبه ، ولا يختار غيرها من العبارات عن ذلك .
وكان يقول : إن عين الكسب وقع على الحقيقة بقدرة محدثة ، ووقع على الحقيقة بقدرة قديمة .
فيختلف معنى الوقوع .
فيكون وقوعه من الله بقدرته القديمة إحداثا .
ويكون وقوعه من المحدث بقدرته المحدثة اكتسابا .
وكان لا يمنع من إطلاق القول بمقدور بين قادرين ، أحدهما خالقه ، والآخر مكتسبه .
وكان يمنع من إطلاق القول بفعل بين فاعلين حقيقة] .
قلت : كل ذلك يؤيد ما سبق من أن الأشعري يرى أن تعلق قدرة العبد بمقدوره هو تعلق حقيقي ، به صار مكتسبا حقيقة ، وبه صار مثابا معاقبا .
ثم ينقل ابن فورك عن الأشعري كلاما هما في التفريق بين تعلق العلم بمعلومه وتعلق القدرة بمقدورها ، يفيد جدا في إثبات أن تعلق قدرة العبد في مقدوره هو تعلق حقيقي ، فيقول :
[وكان يفرق بين هذا التعلق ـ أي تعلق المعلوم بالعلم ـ وبين تعلق المقدور بالقدرة ، ويقول :
إن تعلق القدرة يختلف دون تعلق العلم والسمع والبصر ، لأن تعلقها مختص بأن يحصل المقدور بها على صفة ، فيحصل بقدرة الله على صفة الحدوث ، ويحصل بقدرة المحدث على صفة الاكتساب .
وكان يفرق بينهما أيضا : بأن العلم لا يختص معلوما ـ أي أنها تشمل الواجبات والمستحيلات والجائزات ـ والقدرة تختص مقدورا ـ أي أنها تختص بالجائزات فقط ـ فوجب أن لها ـ أي للقدرة ـ من الحكم ما ليس للعلم من التساوي في التعلق ، كما لم يكن لها التساوي في تعميم الجنس والنوع] ( مجرد مقالات الأشعري : 92 ) .
قلت : معلوم أن تعلق العلم بالمعلوم من غير تأثير مطلقا بالمعلوم ، والأشعري ـ كما قرأت ـ يفرق بين تعلق القدرة بالمقدور ، سواء القدرة القديمة أو المحدثة ، وبين تعلق العلم بالمعلوم ، وبهذا نقول إن تعلق القدرة المحدثة بمقدورها تعلق حقيقي ، أي : له حقيقة ما ، وليس هو كمجرد تعلق العلم بالمعلوم .
ولننظر الآن إلى النص الآتي :
[وكان ـ أي الأشعري ـ يقول : إن ما استحق هذه العين المكتسبة من وصف الاكتساب ، فلأجل تعلق القدرة المحدثة بها .
واختلف جوابه ـ يعني الأشعري ـ في أن العين المكتسبة صارت مكتسبة : بتعلق القدرة المحدثة فقط ، أم باقتران أوصاف أخر إليها (يعني : صفتي العلم والإرادة) :-
1 = فدار أكثر كلامه على أن التأثر في ذلك للقدرة المحدثة .
2 = وربما قال : إنه لا بد معها من إرادة المكتسب وعلمه ، لأنه كان يأبى في جل كتبه القول بإجازة إضافة الاكتساب إلى الساهي .
وكذلك اختلف جوابه في خلوها ـ يعني القدرة المحدثة ـ عن العلم في اكتساب الفعل المحكم بها :
1 = فقال في بعض كتبه : إن ذلك سائغ ، ولو وجدت القدرة على الفعل المحكم مع عدم العلم من القادر عليه لم ينكر ووجد فعله محكما ، وهو ما ذكره في كتاب اللمع في قوله "ولو وجدت قدرة الحياكة مع عدم الإحسان لها لوجدت مع قدرتها لا محالة" .
2 = وذكر في النقض على أصول الجبائي : أن ذلك محال ، فإنه إذا كان مكتسبا لفعل محكم فلا بد أن يكون عالما به قادرا عليه .
وهذا هو الأولى والأثبت في النظر والأشبه بأصوله وقواعده ، لأن أكثر ما يجري عليه كلامه في إثبات البارئ تعالى عالما : بالاستدلال عليه بأفعاله المحكمة ، وأن ذلك يتعذر في الشاهد إلا من العالم ، وفي استطراق هذه الطريقة في إثبات لابارئ تعالى عالما ما يوجب إحالة ذلك] ( مجرد مقالات الأشعري : 93 ) .
قلت : في هذا النقل بطوله ما يدل على أن ثمة تعلق حقيقي بين القدرة المحدثة ومقدورها المخلوق لله تعالى ، ولولا ذلك لما كان لكل ذلك النص من معنى ، فتأمله وقارن .
إذ لو لم يكن للقدرة المحدثة تعلق بمقدورها لكان البحث في اقترانها بالعلم والإرادة عبثا ، ووجه ذلك : أنه سواء اقترنت بهما أم لم تقترن بهما ، فليس للقدرة دور البتة .
وبما أن الأشعري أثبت أن العين المكتسبة صارت مكتسبة إما بتعلق القدرة المحدثة أو بتعلق القدرة المحدثة باقتران أوصاف أخر إليها ، دل ذلك على أن للقدرة المحدثة تعلقا حقيقيا في الخارج ، وليس شيء مجازيا لا حقيقة له في الخارج .
ونقل ابن فورك عن الأشعري [ويأبى أيضا أن يقول : إن الكسب يوجد بالقدرة المحدثة ، أو يحدث بها ، ويعبر عن ذلك بعبارة الوقوع ، ويقول : إنه يقع بالقدرة المحدثة كسبا ، ويقع بالقدرة القديمة خلقا] ص 94 .
قلت : إذن العين المكتسبة لها وقوع بالقدرة المحدثة ، كما أن لها وقوع بالقدرة القديمة ، لكن معنى (وقوع العين المكتسبة بالقدرة المحدثة) غير معنى (وقوع العين المكتسبة بالقدرة القديمة) .
ونقل ابن فورك عن الأشعري : [ وكان إذا سئل فقيل : إذا كان لا جاعل للعين ـ أي المكتسبة ـ على ما هي عليه إلا من أحدثها ، فقل أيضا إنه لا قادر عليها إلا من يجعلها كذلك ؟
أجاب بأنه :
× إن أردتم أنه لا قادر على إيجادها كذلك إلا الله عز وجل ، فهو كذلك ، وهو الذي أبدع العين على ذلك .
× وإن أردتم أنه لا قادر على اكتسابها إلا من جعلها كذلك ، فمحال من قبل أن الوصف بالاكتساب يمتنع عليه ـ أي على الله تعالى ـ بكل وجه .
وشبه ذلك بالإيجاد والتحرك في أن المختص بالإيجاد لحركة الضرورة غير المتحرك بها ، والمتحرك بها غير الموجد لها ، وليس إذا كان المتحرك بها غير موجد لها خرج من أن يكون متحركا بها ، وكذلك صفة الاكتساب : ليس إذا خرج الموجد لها من أن يتصف باكتسابها ، وخرج المكتسب لها من أن يتصف بإيجادها خرج من أن يتصف باكتسابها] ص 95-96 .
ونقل ابن فورك عن الأشعري [وكان يفرق كثيرا بين الكسب وبين ما ليس بكسب :
1 ) لأن الكسب هو الواقع بالقدرة المحدثة .
وحالة المكتسب فيه : أنه لو أراد الخروج منه إلى ضده لم يمتنع ذلك عليه ، كحالة أحدنا في قيامه وقعوده ، وذهابه يمينا وشمالا .
2 ) وحالة العجز والضرورة ، كحالة المرتعش والمرتعد ، وهو : أن يكون بحالة لو أراد الانفكاك منها لم يقع مراده بحسب إرادته .
وذلك : كالمقعد والقاعد ، وكحركات العروق الباطنة ، وحركات الجسد ، في أن حركات الظاهر مكتسبة تقع بحسب القدر والإرادات والاختيار لها ، دون حركات الباطن ، فإنها تقع لا على حسب القصد ، ولا تنقطع عند اختيار الانقطاع ، ولا تتغير بحسب تغير الإرادة لها ، وكل ما جرى هذا المجرى فليس بكسب .
وما جرى المجرى الأول فكسب .
وكل ما صح أن يجري المجرى الأولى ، وهو الذي يصح أن يكتسب جنسه ، وإن كان في الوقت ضرورة لم يتصف به] ص100-101 .
قلت : تأمل قوله " إنه لو أراد الخروج منه إلى ضده لم يمتنع ذلك عليه" ، فهذا صريح في أن للإرادة المحدثة والقدرة المحدثة دور حقيقي ، أعني : دور ثابت في الخارج .
وتأمل قوله "حركات الظاهر مكتسبة تقع بحسب القدر والإرادات والاختيار لها" فهو صريح في أن للقدرة والإرادة وقوعا حقيقيا له تحقق في الخارج .
ونقل ابن فورك عن الأشعري [وكان يقول : الإنسان مستطيع باستطاعة هي غيره ، وإنه يوصف بذلك على الحقيقة ، كما يوصف بأنه قادر على الحقيقية ، وإن كانت استطاعته تتعلق بما يصح أن يتصف به من نعت الاكتساب ، دون نعت الإحداث] ص 107-108 .
ونقل ابن فورك عن الأشعري [وقد كان يطلق كثيرا في مواضع من كتبه : أن الاستطاعة سبب للكسب ، وأ، السبب لا يتقدم المسبب] ص 110 .

ثم قال أخي الكريم :
قد يقول قائل هنا : ولكن العبد يشعر بالضرورة بين أفعاله الجبرية (كالارتعاش ...) وبين أفعاله الاختيارية ، وبالتالي هناك فرق بين الجبر والاختيار في أفعال العبد ؛ أقول : أجل هناك فرق بين ، لا ينكره أحد ، ولكن هذا من حيث الأثر والنهاية لا من حيث البداية ، فالبداية أن كلا من الفعلين (الاختيار والفعل الجبري) هو من خلق الله ..
وبمعنى آخر :
في الفعل الجبري : خلق الله الفعل مباشرة من غير خلق اختيار للعبد .
وفي الاختياري : خلق الله الارادة للعبد وقرنها بخلق الفعل .
فالنتيجة واحدة وان اختلف ظهورها وترتيبها وأثرها في فعل العبد .
قلت :
شرح أخي الكريم الفرق بأنه من حيث الأثر والنهاية ، لا من حيث البداية ، لا أظنه دقيقا ، ولعل الصواب أن يقول :
لا فرق بينهما من حيث كون كل منهما بخلق الله تعالى .
وثمة فرق بينهما من حيث كون الجبري بفعل الله تعالى من غير تعلق إرادة وقدرة للعبد به ، وكون الفعل الاختياري بفعل الله تعالى مع تعلق إرادة وقدرة العبد به .
فلعل الصواب أن يقال :
في الفعل الاختياري : خلق الله في العبد إرادة وقدرة ، وخلق في العبد الفعل ، وتعلقت إرادة وقدرة العبد بالفعل على سبيل الاكتساب ، وهذا التعلق هو الذي صار به العبد مريدا قادرا ، وبه صار العبد مكلفا مثابا معاقبا ، مع كون كل من الإرادة والقدرة والفعل بخلق الله تعالى .
وفي الفعل الجبري : خلق الله الفعل في العبد ، ولم يخلق معه إرادة ولا قدرة ، وبالتالي يستحيل أن يصير هنا تعلق بالفعل الذي خلقه الله تعالى ، وبالتالي صار العبد مجبورا لا إرادة له ولا قدرة له ، مع حدوث الفعل فيه .
أما قول أخي الكريم "فالنتيجة واحدة وان اختلف ظهورها وترتيبها وأثرها في فعل العبد" فغير مفهوم ، إذ ماذا يقصد بالنتيجة ؟ وماذا يقصد بظهورها ؟ وماذا يقصد بترتيبها ؟ وماذا يقصد بأثرها في فعل العبد ؟ لم أفهم كل ذلك .
لكن أقول بحسب ما وصل إليه فهمي :
× إننا نبحث عن حقيقة كل من الفعل الجبري والاختياري بالنسبة للعبد ، وقد ظهر لنا أن حقيقة كل منهما مختلفة
فالفعل الجبري ليس فيه إرادة ولا قدرة محدثة ، وبالتالي لا وجود لتعلق من إرادة وقدرة العبد بفعل الله تعالى المخلوق فيه .
والفعل اللاختياري فيه إرادة وقدرة محدثتين ، وقد تعلقتا بالفعل الذي خلقه الله على سبيل الاكتساب .
فالحقيقة مختلفة .
وقد رتب الله تعالى على كل حقيقة من هاتين حكمين مختلفين ترتيبا عاديا ، وليس عقليا ، فرتب على الفعل الاختياري الثواب والعقاب ، ولم يرتب على الفعل الجبري ثوابا ولا عقابا .
ولو شاء لجعل لكل منهما حكما واحدا ، ولو شاء لم يجعل لأي منهما حكما .

أما قول الباجوري : [فهو مجبورا باطنا ، مختار ظاهرا] .
فقد يفهم بعض الناس منه أن الإنسان مجبور في الحقيقة ، وأن نسبة الاختيار له مجاز ، وهذا خطأ في فهم مقصد الباجوري .
فإننا نلاحظ أن الباجوري ساق العبارة هكذا :
[وبالجملة فليس للعبد تأثير ما ، فهو مجبور باطنا ، مختار ظاهرا] .
فقوله "وبالجملة فليس للعبد تأثير ما" أي : ليس للعبد تأثير بوجه من الوجوه في إيجاد فعله من العدم .
وتفيد هذه الملاحظة في أن سياق الكلام يتعلق بخلق الأفعال أساسا .
فقوله (مجبور باطنا) معناه : أن أفعاله مخلوقة لله تعالى .
وقوله (مختار ظاهرا) معناه : أن أفعاله مكسوبة له حقيقة ، كما شرحناه من كلام الأشعري سابقا .
وقوله (ظاهرا) لا يعني أنه مختار مجازا ، بل هو مختار حقيقة ، لكن اختياره ظاهري ، يعني أن فعله وإن كان في الباطن بخلق الله تعالى حقيقة ، لكنه في الوقت نفسه في الظاهر باختيار العبد حقيقة .
وقد قال الباجوري بعد ذلك :
[والصوفية يشيرون للجبر كثيرا ، وحاشاهم من الجبر الظاهري ، وإنما مرادهم الجبر الباطني] .
فانظر معي كيف نزه الباجوري الصوفية عن الجبر الظاهري .
وصريح كلام الباجوري هنا أنه ينفي الجبر الظاهري الذي يكون فيه العبد مسلوب الاختيار ، ويثبت الاختيار الظاهري الذي يكون فيه العبد مختارا حقيقة .
فالباجوري يثبت الجبر الباطني الذي يكون فعل العبد فيه بخلق الله تعالى حقيقة ، وأن هذا الجبر الباطني لا يتعارض مع الاختيار الظاهري الذي يكون فيه العبد مختارا حقيقة ، بل يجتمع الأمران على الحقيقة .
ويؤكد هذا قول الباجوري قبل ذلك بصفحتين :
[مذهب أهل السنة : وهو أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب ، فليس مجبورا ، كما تقول الجبرية ، وليس خالقا لها ، كما تقول المعتزلة] .
فهي صريحة في نفي الجبر عن أفعال العباد الاختيارية .
فيستبعد أن ينفي الجبر في أول كلامه ، ثم يثبته في آخر كلامه .
بل نفسر آخر كلامه بأوله .
وأول كلامه أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، مكسوبة للعبد .
فيكون قوله (مجبور باطنا) مقصود به أن الأفعال الاختيارية مخلوقة لله تعالى .
ويكون قوله (مختار ظاهرا) مقصود به أن الأفعال الاختيارية مكسوبة للعبد .
ويؤكد هذا أييضا قوله بعد ذلك :
[لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى ، وبالضرورة أن لقدرة العبد مدخلا في بعض الأفعال ، كحركة البطش ، دون البعض ، كحركة الارتعاش ، احتجنا في التخلص عن هذا المضيق : بأن الله خالق للفعل ، لكن للعبد في الاختياري منه كسب] .
أقول : لاحظ قوله "لقدرة العبد مدخلا في بعض الأفعال" .
ثم لاحظ أنه أثبت ذلك بالضرورة ، بخلاف أن الله تعالى هو الخالق فقد أثبته بالبرهان أي النظري .
وهذا يعني أن ثبوت اختيار الإنسان حقيقة ضرورية وعلم بديهي لا يحتاج إلى برهان لإثباته ، فإذا لم يكن لاختيار الإنسان تحصيل لأفعاله ، لم يكن أمرا ضروريا ولا برهانيا أصلا .
ويؤكد هذا أيضا قوله بعد ذلك :
[إذا علمت أن للعبد كسبا في أفعاله الاختيارية ، فاعتقد أن العبد ليس مجبورا ، وليس لا اختيار له في صدور أفعاله عنه ، بل له اختيار .. والواجب اعتقاده : أن بعض أفعاله صدار باختياره ، ولابعض الآخر باضطراره ، لما يجده كل عاقد من لافرق الضروري بين حركة البطش وحركة المرتعش] انتهى بتصرف ص 105-106 .

عبارة شبيهة للجرجاني
وقد ذكر الجرجاني في شرح المواقف 6/83 أن الحق : التوسط بين الجبر والتفويض ، ولعل هذه العبارة أوضح في المراد .
لأن المقصود أن الحق ليس هو الجبر المحض الذي يسلب عن العبد الاختيار ، الذي هو تعلق القدرة بأحد الطرفين على وفق الإرادة .
وكذلك ليس الحق هو التفويض المحض الذي يثبت للعبد خلق أفعله من العدم .
بل الحق التوسط ، وهو أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى حقيقة ، مكسوبة للعباد حقيقة .
ولو لم تكن أفعال العباد الاختيارية مكسوبة لهم حقيقة ، لكان قول الجرجاني بأن الحق التوسط بين الجبر والتفويض لا طائل وراءه ، ولا فائدة منه ! ولا معنى له !
والحمد لله رب العالمين .

ماهر محمد بركات
09-11-2004, 11:25
أخي الكريم الفاضل أسامة :

أثابك الله يا أخي الفاضل على شرحك المسهب وقد اقتربت في شرحك هذا من لب المشكلة .. فقد انجلت عندي أمور وبقيت أمور ..
ولست أستطيع أن أقف عند كل نقطة من شرحك المطول فان هذا سيزيد المشكلة تفريعاً وتعقيداً بالنسبة الي والحال أني أريد جمع الأمر لا تشعيبه وتعقيده..

لذلك أستسمحك عذراً أخي الفاضل في أن ألخص كل ماسبق ذكره في نقاط حصراً للموضوع.. وأريد منك تكرماً أن تجيبني أنت على هذه النقاط من مفهومك من غير ذكر النصوص لا لشيء الا لأن النص قد نختلف في فهمه وتفسيره فدعني أسمع جوابك على هذه النقاط من مفهومك الخاص :

النقطة الأولى : :
أؤكد فيها مرة أخرى على لب الاشكال لتحرير محل الاشكال مجدداً :
فالاشكال ليس في اثبات كسب أو اختيار للعبد فهذا ثابت لايمكن انكاره .. لكن الاشكال في كون هذا الكسب مخلوقاً لحظةالكسب وهذا هو الذي يوهم الجبر وان كان الكسب ينسب للعبد .. بمعنى آخر : الكسب له جهة من العبد يقال فيها هو مكتسب وجهة من الله تعالى يقال فيها هو خالق الكسب وهذا المعنى تجده واضحاً في قول ابن فورك في مانقلته عنه : ([ويقول : إن كسب العبد :
× فعل الله تعالى ومفعوله ، وخلقه ومخلوقه ، وإحداثه ومحدثه .
× وكسب العبد ومكتسبه
وإن ذلك وصفان يرجعان إلى عين واحدة ، يوصف بإحدهما القديم ـ يعني الله تعالى ـ ويوصف بالآخر المحدث ـ يعني العبد ـ .
فما للمحدث من ذلك لا يصلح للقديم .
وما للقديم من ذلك لا يصلح للمحدث .
وكان يجري ذلك مجرى خلقه للحركة في أنه عين الحركة ، فيتصف الله تعالى منها بوصف الخلق ، ويتصف المحدث منها بوصف التحرك ، فتكون : حركة للمحدث ، خلقا لله تعالى ، ولا يصلح أن تكون : حركة لله تعالى ، وخلقا للمحدث] . )
اذاً دعنا نقول مرة أخرى أن الكسب مخلوق .. له تعلق بالعبد يصح وصفه فيه بأنه مكتسب وتعلق بالله تعالى يصح أن يقال فيه خالق الكسب كالنوم والتفكير مثلاً يقال فيه : العبد نائم ومفكر والله خالق النوم والتفكير في العبد ولا يقال الله نائم ومفكر ..
ولكن الاشكال: أليس العبد في الحقيقة مجبور على التفكير والنوم وماينجم عن تفكيره من فعل لاتأثير له في الحقيقة لأن التفكير وماينتج عنه كله من خلق الله وان كان ينسب للعبد نسبة يصح فيها أن يقال هو مفكر ؟؟ ومثل ذلك يقا في الكسب فهذا هو محل الاشكال أرجو أن يحرر جيداً.

النقطة الثانية :
وهي تتعلق بتعلق كسب العبد بفعله
نحن متفقان على أن قدرة العبد لاتأثير لها في ايجاد الفعل وخلقه من عدم بل هو فعل الله تعالى قطعاً..
لكنك ترى - حسب مافهمت - أن هناك دور حقيقي مؤثر لقدرة العبد الحادثة في فعله غير الايجاد من عدم .. بهذا الدور يصبح العبد مكتسباً..

وهنا أتوقف قليلاً لأسألك : هل هناك دور أو فعل لصفة القدرة غير الايجاد من عدم ؟؟ ان كان هناك فعل للقدرة غير الايجاد من عدم فأوضحه لي .. وان لم يكن فان التعلق الحقيقي الذي تثبته للعبد في فعله لايرجع اذاً الى قدرته بل الى صفة أخرى فيه (كارادته مثلاً)
وبعبارة أخرى:
الى أي صفة في العبد يرجع هذا التعلق الحقيقي الذي يصبح به مكتسباً ؟؟ هل الى القدرة ؟ وهل للقدرة تعلق في الفعل غير ايجاده من العدم ؟؟ ان كان نعم فماهو تعلق القدرة في الفعل غير الايجاد من عدم؟ وان كان لا فمعنى ذلك أن تعلقه يعود لصفة أخرى فيه فماهي هذه الصفة ؟؟
ثم بغض النظر عن مرجع التعلق الى أي صفة تكون في العبد :

ماذا تقصد من كون الكسب له تعلق حقيقي ؟؟ ماذا يعني حقيقي؟ هل يعني أنه موجود أم أنه مؤثر في الفعل الصادر من العبد ؟؟ ان كان القصد أنه حقيقي بمعنى أنه موجود فلا اشكال لأننا اتفقنا على وجود الكسب وهذا المعنى هو الذي أرجحه في معنى ماذكرت من النصوص السابقة في اثبات أن الكسب حقيقي للعبد ..
أما ان كان القصد أن الكسب حقيقي بمعنى أنه مؤثر تأثيراً حقيقياً بحيث يكون الفعل متوقفاً على وجوده فهذا أراه لايصح مطلقاً لأن التأثير الحقيقي في الفعل اما أن يكون باستقلال بالفعل أو بمشاركة فيه وهو لايصح .. فاذا ثبت أنه لم يكن مستقلاً أو مشاركاً لم يكن مؤثراً وبالتالي لم يكن حقيقياً بمعنى كونه مؤثراً وان كان موجوداً..

النقطة الثالثة :
شرحك لقول الباجوري ( مختار ظاهراً مجبور باطناً ) :
قولك : ((أما قول الباجوري : [فهو مجبورا باطنا ، مختار ظاهرا] .
فقد يفهم بعض الناس منه أن الإنسان مجبور في الحقيقة ، وأن نسبة الاختيار له مجاز ، وهذا خطأ في فهم مقصد الباجوري .
فإننا نلاحظ أن الباجوري ساق العبارة هكذا :
[وبالجملة فليس للعبد تأثير ما ، فهو مجبور باطنا ، مختار ظاهرا] .
فقوله "وبالجملة فليس للعبد تأثير ما" أي :ليس للعبد تأثير بوجه من الوجوه في إيجاد فعله من العدم .
وتفيد هذه الملاحظة في أن سياق الكلام يتعلق بخلق الأفعال أساسا .
فقوله (مجبور باطنا) معناه : أن أفعاله مخلوقة لله تعالى .))

فيه أن الباجوري رحمه الله نفى أي تأثير للعبد فقال (ليس للعبد تأثير ما)هكذا بصيغة العموم وهي واضحة جلية فلماذا خصصته أنت بالايجاد من عدم ؟؟وما دليلك على هذا التخصيص ؟
فان كان دليلك اثباته للاختيار والكسب في موضع آخر فهذا ليس بدليل لأن اثبات الاختيار لايعني اثبات التأثير حتى يخصص نفي التأثير ببعض الوجوه .. فالباجوري يثبت الاختيار من حيث كونه ظاهراً موجوداً وينفي أي تأثير للعبد في فعله فيكون مجبوراً باطناً وهذا هو الأكثر توافقاً مع عبارته
بل أرى أن مفاد عبارة الباجوري نفي أي تأثير للعبد مطلقا من كل الوجوه فيكون مفسراً لمعنى أنه مجبور باطناًُ بما يشكل أنه مجبور حقيقة وان كان مختاراً ظاهراًً
ثم قولك :((وقد قال الباجوري بعد ذلك :
[والصوفية يشيرون للجبر كثيرا ، وحاشاهم من الجبر الظاهري ، وإنما مرادهم الجبر الباطني] .
فانظر معي كيف نزه الباجوري الصوفية عن الجبر الظاهري .
وصريح كلام الباجوري هنا أنه ينفي الجبر الظاهري الذي يكون فيه العبد مسلوب الاختيار ، ويثبت الاختيار الظاهري الذي يكون فيه العبد مختارا حقيقة . ))
هذا لا جديد فيه اذ أنه نفى الجبر الظاهري وأثبت الاختيار الظاهري ونحن متفقون على نفي الجبر الظاهري وثبوت الاختيار الظاهري..
ولا أحد يقول بأن الصوفية نفوا الاختيار الظاهري وأثبتوا الجبر الظاهري
انما موطن الاشكال هو في معنى الجبر الباطني والذي فسره هو بنفي أي تأثير للعبد في فعله بصيغة العموم وخصصته أنت بالايجاد من عدم فقط فتأمل ..
وقولك : (فيستبعد أن ينفي الجبر في أول كلامه ، ثم يثبته في آخر كلامه .)
فيه أنه لم ينفي ويثبت نفس الجبر بل نفى الظاهري وأثبت الباطني فلا تناقض ..

سأتوقف هنا لأنتظر تعليقك على كل نقطة ثم نتابع
وأرجو مرة أخرى أن تعذرني على فهمي السقيم وعقلي البليد فهذه هي طاقتي وهذا هو وسعي ..
أرجو أن تترك النصوص قليلاً وتجيبني على هذه النقاط من مفهومك أنت وأن نتقيد بها حصراً للمشكلة
وماقصدته من ابعاد النصوص هو أن هذه النصوص أحياناً تكون محتملة لأكثر من معنى قد نختلف في فهمها فدعنا نتحاور مباشرة حتى ينجلي الأمر ان شاء الله
وبارك الله فيك .. مع رجاء المسامحة على اتعابك معي

ولست أدري لماذا لم يتحفنا فضيلة الشيخ الجليل بتعليقاته الثمينة ؟؟
على كل حال عذره معه وهو أدرى بالأصلح ..

أسامة نمر عبد القادر
09-11-2004, 14:35
والله يا أخي الكريم الطيب ماهر بركات أنا الذي هو ذو الفهم السقيم وذو العقل البليد ، لكنني أحاول فهم هذا الموضوع ، من خلال كلامك وشرحك الطيب ، وبالرجوع إلى كتب أهل العلم المعتمدة ، وصدقا فإني أقرأ الموضوع في الكتاب منها مرة تلو المرة لأفهم وأفهم ، لأستطيع أن أصوغ كلمات تثلج صدري في حل هذا الإشكال .

ولي ملاحظة ابتداء ، وهي قولك : من غير ذكر النصوص ، لا لشيء الا لأن النص قد نختلف في فهمه وتفسيره ، فأقول : إذا استبعدنا نصوص العلماء لأنه قد نختلف في فهمها وتفسيرها ، فكذلك لا بد أن نستبعد نصوص الكتاب والسنة لأننا قد نختلف في تفسيرها ، ثم لا بد أن نسكت ولا نتكلم ، لأنه قد نختلف أنا وأنت في تفسير ما أقوله أنا ، وفي تفسير ما تقوله أنت ، لأن ذلك كله كلام .
لا أقول هذا لأنه يجب الاعتماد على نصوص العلماء فقط وتقليدها تقليدا أعمى ، لكن الاسترشاد بها وفهمها والرجوع إليها يعين الباحث في الوصول إلى النتيجة وفي توسيع أفقه ، وفي تكثير معارفه ، وفي دقة بحثه ، لا سيما إذا كان المرجوع إليهم هم الأئمة الأعلام .


النقطة الأولى
أريد أن أصوغ ما فهمته من النقطة الأولى على الصورة التالية ، فهل هو صحيح في تحرير الإشكال :
1 = كيف نثبت للعبد اختيارا في كسبه ، مع كون كسبه مخلوقا لله تعالى ؟ وبتفصيل أكثر : مع كون إرادته وقدرته وفعله كلها مخلوقة لله تعالى .
يوضحه قولك (أن العبد في الحقيقة مجبور على التفكير ، وما ينجم عن تفكيره من فعل لا تأثير له في الحقيقة ، لأن التفكير وما ينتج عنه كله من خلق الله) .
فكأن الإنسان مجبور على الكسب ، ومجبور على ما ينتج عن الكسب .
2 = وكيف نثبت للعبد اختيارا في كسبه ، مع كون الكسب ما هو إلا مجرد نسبة الفعل للعبد من غير أن يكون له تأثير فيه .
فكأنك المستشكل يرى أن الكسب ما هو إلا نسبة لغوية أو نسبة وصفية ، أي : من باب وصف الشيء بالشيء .قلت :
إن تعلق الإرادة والقدرة القديمتان بالفعل الحادث هو خلق الله تعالى .
و إن تعلق الإرادة والقدرة الحادثتان بالفعل الحادث هو كسب الإنسان .
وكون إرادة وقدرة الإنسان هما أيضا خلق الله لا ينفي وجود تعلق بينهما وبين الفعل الحادث .
فهاهنا تعلقان ، يختلف أحدهما عن الآخر ، وكلاهما حقيقي :
الأول : التعلق الذي بين الإرادة والقدرة الحادثتين وبين الفعل الحادث .
وهذا تعلق عادي ، وليس عقلي ، بمعنى أنه يمكن أن يتخلف ، لكن شاء الله تعالى أن يخلقه على هذا الترتيب ، فيكون الإنسان به مريدا قادرا ، اختبارا للإنسان وامتحانا له .
وهذا التعلق ممكن في حق الإنسان ، مستحيل في حق الله تعالى .
وليس من شأن القدرة الحادثة التعلق بالفعل الحادث على سبيل الخلق من عدم ، بل هذا من شأن القدرة القديمة فقط .
لكن من شأن القدرة الحادثة أن تتعلق بالفعل الحادث على سبيل الكتسابها لصاحبها ، ولولا هذا التعلق لما وقع الفعل مكسوبا للعبد باختياره ، وإن قد يقع للعبد جبرا عنه بخلق الله تعالى ، وعندئذ لا يكون الفعل باختياره ولا بكسبه .

الثاني : التعلق الذي بين الإرادة والقدرة القديمة وبين الفعل الحادث .
وهذا تعلق عقلي ، وليس عادي ، بمعنى أنه إذا كان ثمة فعل حادث ، فلا بد أن الإرادة والقدرة القديمة هي التي تعلقت به لإيجاده من العدم .
وهذا التعلق ليس إلا لله تعالى ، وهو مستحيل في حق الإنسان .

النقطة الثانية
قال أخي الأكرم ماهر بركات :
وهنا أتوقف قليلاً لأسألك : هل هناك دور أو فعل لصفة القدرة غير الايجاد من عدم ؟؟
× ان كان هناك فعل للقدرة غير الايجاد من عدم فأوضحه لي ..
× وان لم يكن ، فان التعلق الحقيقي الذي تثبته للعبد في فعله لا يرجع اذاً الى قدرته بل الى صفة أخرى فيه (كارادته مثلاً) .
وبعبارة أخرى:
الى أي صفة في العبد يرجع هذا التعلق الحقيقي الذي يصبح به مكتسباً ؟؟ هل الى القدرة ؟ وهل للقدرة تعلق في الفعل غير ايجاده من العدم ؟؟
× ان كان نعم فما هو تعلق القدرة في الفعل غير الايجاد من عدم؟
× وان كان لا ، فمعنى ذلك أن تعلقه يعود لصفة أخرى فيه ، فما هي هذه الصفة ؟؟
قلت :
نعم هناك دور لصفة القدرة غير الإيجاد من العدم ، ولا أستطيع أن أوضحه لك ، كما لا أستطيع أن أوضح لك ما هو الحب وما هو الكره ، لكنني أعلم وجودهما بالحس البديهي ، فكذلك أعلم وجود قدرة لي بالحس البديهي ، وجاءت ظواهر الشرع بإثبات ذلك ، بل بإقامة الثواب والعقاب على ضوئه .
والقول بأن التعلق الحقيقي يرجع إلى صفة الإرادة ، نقل للبحث نفسه من مكان إلى مكان ، فمن لا يستطيع تفسير حقيقة التعلق بين القدرة والفعل المخلوق لله تعالى ، كذلك لن يستطيع أن يفسر حقيقة التعلق بين الإرادة والمراد المخلوق لله تعالى .
وذلك أقول إن التعلق الحقيقي يرجع إلى صفة القدرة لا الإرادة ولا غيرها من الصفات .
والذي أقوله أنه يمكن تعقل كون الإنسان مريدا حقيقة قادرا حقيقة ، على معنى آخر غير الإيجاد من العدم ، من غير أن نفم حقيقة إرادة الإنسان ، وحقيقة قدرته .
ووجه إمكانية ، بل وجوب تعقل ذلك : ثبوت الأدلة العقلية والنقلية القاطعات في إثبات الأمرين .
فما يكون بعد ذلك التعقل ، لا يسمى إشكالا ، لكن يسمى جهلا .
لأن الإستشكال تعارض الكلامين على وجه لا يمكن الجمع بينهما فيه ، أما إذا أمكن الجمع بين الكلامين بانفكاك الجهة ، لم يعد هنا ثمة استشكال .
بل غاية مراد السائل أن يقول : كيف هي صفة إرادة الإنسان ، وأوضح لي صفة قدرته ؟ وهذا عندي مثل سؤال السائل : كيف هي صفة الحب عند الإنسان ، وأوضح لي صفة البغض عند الإنسان ، ولن يستطيع أحد تفسير حقيقة هاتين الصفتين الإنسانيتين إلا بآثارهما ، أما ماهيتهما فلا ، وكذلك لا يستطيع أحد تفسير حقيقة صفة القدرة الإنسانية إلا بآثارها الظاهرة فحسب ، أما ماهيتها ، وكيفية تصرفها فلا .
بل إن صفة القدرة القديمة ، لا أحد يعرف ماهيتها ، ولا أحد يعرف ماهية تعلقها بالمحدثات البتة ، ولو استوضح سائل عن ذلك لما أجابه أحد إلا بقوله : نؤمن بها لدلالة الآثار عليها ، وإن لم نعرف حقيقتها ، فليس من شرط الإيمان بالشيء إدراك حقيقته .

ثم قال أخي الأكرم ماهر بركات :
ماذا تقصد من كون الكسب له تعلق حقيقي ؟؟ ماذا يعني حقيقي؟ هل يعني أنه موجود ، أم أنه مؤثر في الفعل الصادر من العبد ؟؟
× ان كان القصد أنه حقيقي ، بمعنى أنه موجود ، فلا اشكال ، لأننا اتفقنا على وجود الكسب ، وهذا المعنى هو الذي أرجحه في معنى ماذكرت من النصوص السابقة في اثبات أن الكسب حقيقي للعبد ..
× أما ان كان القصد : أن الكسب حقيقي ، بمعنى أنه مؤثر تأثيراً حقيقياً بحيث يكون الفعل متوقفاً على وجوده ، فهذا أراه لايصح مطلقاً ، لأن التأثير الحقيقي في الفعل : اما أن يكون باستقلال بالفعل ، أو بمشاركة فيه ، وهو لايصح .. فاذا ثبت أنه لم يكن مستقلاً أو مشاركاً لم يكن مؤثراً ، وبالتالي لم يكن حقيقياً ، بمعنى كونه مؤثراً وان كان موجوداً .
قلت :
أعني بالحقيقي : أنه مؤثر تأثيرا حقيقيا بحيث يكون الفعل متوقفا في اكتسابه (لا في وجوده من العدم) على وجود هذا التعلق ، وهذا لا يتعارض مع أن قدرة العبد لا تشارك الخالق سبحانه في إيجاد الفعل من العدم .
ولولا هذا التأثير ، لما وقع هذا الفعل من العبد على سبيل الاكتساب ، لأن من شرط هذا الاكتساب هذه القدرة الحادثة ، لكن قد يقع الفعل في العبد على سبيل أنه مخلوق لله تعالى ، لأنه الخلق يتفرد به الله تعالى ، ويحدثه حيثما أراد من الأمكنة .


النقطة الثالثة :
قال أخي الأكرم ماهر بركات :
فيه أن الباجوري رحمه الله نفى أي تأثير للعبد فقال (ليس للعبد تأثير ما)هكذا بصيغة العموم وهي واضحة جلية فلماذا خصصته أنت بالايجاد من عدم ؟؟وما دليلك على هذا التخصيص ؟
قلت :
دليلي على هذا التخصيص : استقراء كتب عقائد الأشاعرة ، فإنهم إذا نفوا التأثير للعبد في سياق هذا الموضوع ، يكون مقصودهم نفي الإيجاد من العدم ، ومن المستبعد جدا أن يكون للباجوري معنى آخر أعم من ذلك ، فإنه تابع للأشاعرة .

قال أخي الأكرم ماهر بركات :
فان كان دليلك اثباته للاختيار والكسب في موضع آخر ، فهذا ليس بدليل ، لأن اثبات الاختيار ، لا يعني اثبات التأثير حتى يخصص نفي التأثير ببعض الوجوه ..
قلت :
بل إثبات الاختيار يدل على إثبات التأثير على سبيل الكسب ، لأنه إذا لم يثبت التأثير على سبيل الكسب ، فماذا يقصد بالتفريق بين الأفعال الاختيارية وبين الأفعال الجبرية ؟ هل يريد أن ثمة فرقا حقيقيا بينهما جعل الأول اختياري ، والثاني جبري ، أم يقصد الباجوري التلبيس على الناس بتزويق عبارات ترضي الذين يقولون بأن الإنسان مختار مع أن هذه العبارات في الحقيقة تؤدي إلى الجبر ؟
وإني أسألك هذا السؤال : ما الفرق بين الأفعال الاختيارية والجبرية ؟
فإنهم يقولون أن الفرق بينهما ضروري بدهي لا حاجة إلى إثباته .
فكل ما يقال في التفريق بين هذين النوعين من الأفعال سيكون هو جوابي على هذه النقطة .
وإذا أجيب بأنه لا فرق بينهما ، ناقض المجيب البداهة والشرع معا .
إذن أقول : أن إثبات الاختيار ، وإثبات أن ثمة فرقا بين الأفعال الاختيارية والجبرية يعني أن اختيار العبد مؤثر في فعله تأثيرا بحيث وقع هذا الفعل اختياريا ، ولم يقع جبريا ، ولولا هذا الاختيار ، لكان وقوع الفعل منه جبريا لا اختيارا .

قال أخي الأكرم ماهر بركات :
فالباجوري يثبت الاختيار من حيث كونه ظاهراً موجوداً وينفي أي تأثير للعبد في فعله فيكون مجبوراً باطناً ، وهذا هو الأكثر توافقاً مع عبارته .
قلت :
ما الفرق بين المجبور باطنا المختار ظاهرا ، وبين المجبور باطنا وظاهرا ؟؟
إذا كان مؤدى الاثنين واحد ، فما معنى أن ينـزه الباجوري مشايخ الصوفية عن المعنى الثاني .
وإذا كان ثمة اختلاف حقيقي بين الأمرين ، فليس هو سوى ما يلي :
الأول : المجبور باطنا المختار ظاهرا ، هو الذي وقع الفعل فيه بقدرة الله تعالى القديمة على سبيل الخلق ، وبقدرته المحدثة على سبيل الاكتساب ، وكل من القدرتين مؤثر في الفعل تأثيرا حقيقيا ، كل واحد على حقيقة غير الأخرى
الثاني : المجبور باطنا وظاهرا ، هو الذي وقع الفعل فيه بقدرة الله تعالى القديمة على سبيل الخلق فحسب ، ففي هذه الحالة لا إرادة ولا قدرة عند العبد .
وهذا المعنى هو الذي نزه الباجوري الصوفية عنه .


قال أخي الأكرم ماهر بركات :
بل أرى أن مفاد عبارة الباجوري نفي أي تأثير للعبد مطلقا من كل الوجوه ، فيكون مفسراً لمعنى أنه مجبور باطناًُ بما يشكل أنه مجبور حقيقة وان كان مختاراً ظاهراًً .
قلت :
نعم ، أراد الباجوري بقوله [وبالجملة فليس للعبد تأثير ما] نفي أي تأثير للعبد مطلقا من كل الوجوه ، لكنه أراد التأثير الذي بمعنى الخلق من العدم ، لا التأثير بمعنى الكسب .
فيكون مفسرا لقوله (مجبور باطنا) بأنه ليس للعبد تأثير ما على سبيل الخلق من العدم .
ولا يؤدي ذلك إلى القول بأنه مجبور حقيقة ، لأن المجبور حقيقة ، هو المجبور ظاهرا وباطنا ، وهو الذي تقع أفعاله من غير اختيار وكسب .
والباجوري أبطل القول بالجبر الحقيقي ، وعد القول بأن الإنسان مجبور ظاهرا وباطنا من أقوال أهل البدع والضلالة .
وهكذا يكون قول الباجوري بأنه مجبور باطنا ، مختار ظاهرا ، لا يفيد معنى الجبر الحقيقي .
لا سيما إذا علمت أن وصفه بالجبر الباطني كما وصفه بالاختيار الظاهري كلاهما له حقيقة ما .
وقوله (ظاهرا) لا يعني أنه لا حقيقة له ، بل يعني أن هذا الفعل الواحد له تعلقان :
× تعلق ظاهر للناس مكشوف لهم ، وهو تعلق قدرة العبد به اختيارا وكسبا ، فإن العبد يختار فعله ويوقعه بقدرته ، وهذا تعلق حقيقي وليس مجازي .
× وتعلق آخر غير ظاهر للناس ولا يلحظونه ، وهو تعلق قدرة الله تعالى به إيجادا من العدم ، وهذا أيضا تعلق حقيقي .
فليس المراد من عبارة الباجوري التهوين من شأن اختيار الإنسان ، بل مراده بيان أن تعلق قدرة العبد بالفعل أمر ظاهر للعيان بين مكشوف ، يدرك بعلم البداهة ويقين الضرورة .
وتعلق قدرة الله تعالى بالفعل أمر خفي غير ظاهر للعيان مستور ، وهو لا يعرف إلا بالدليل العقلي ، لا بالحس والدليل التجريبي .

ثم قال أخي الطيب ماهر بركات أيضا :
هذا لا جديد فيه اذ أنه نفى الجبر الظاهري وأثبت الاختيار الظاهري ونحن متفقون على نفي الجبر الظاهري وثبوت الاختيار الظاهري..
قلت :
إذا كنا متفقين على نفي الجبر الظاهري وعلى ثبوت الاختيار الظاهري ، فأنا أسأل ما الفرق بينهما ؟؟
إن الفرق بينهما هو الفرق نفسه بين شخص مسلوب الإرادة والقدرة وشخص آخر بإرادة وقدرة ،
فإذا كان هذا هو الفرق بينهما ، فحتما تكون إرادة العبد وقدرته مؤثرة في فعله على سبيل الاكتساب ، وإذا قيل : هما غير مؤثرتان في فعله ، فلا فرق حقيقي بين الجبر الظاهري والاختيار الظاهري ، وبالتالي لا فرق بين الأفعال الاختيارية والأفعال الجبرية .

ثم قال أخي الكريم :
ولا أحد يقول بأن الصوفية نفوا الاختيار الظاهري وأثبتوا الجبر الظاهري ،
انما موطن الاشكال هو في معنى الجبر الباطني والذي فسره هو بنفي أي تأثير للعبد في فعله بصيغة العموم وخصصته أنت بالايجاد من عدم فقط فتأمل ..
قلت :
أسلفت أن الجبر الباطني هو : نفي التأثير الذي بمعنى الإيجاد من العدم .
وأؤيد كلامي هنا بأن أقول : يستحيل في حق الله تعالى أن تتعلق قدرته بالفعل على سبيل الاكتساب .
والذي لا يكون إلا لله تعالى هو التأثير بمعنى الخلق من العدم .
فليس هاهنا إلا تأثيران :
أحدهما لا يكون إلا لله تعالى ، وهو التأثير بمعنى الخلق من العدم .
الثاني لا يكون إلا للعبد ، وهو التأثير بمعنى الاكتساب .
وهذا تقرر في كلام الأشعري فيما نقله عنه ابن فورك .
فإذا كان الأمر كذلك ، ونفى الباجوري التأثير جملة عن العبد ، فإنما يقصد قطعا المعنى الأول الذي لا يكون إلا لله ، ولا يصح أن يقصد المعنى الثاني لأن الباجوري أشعري ، وهو يثبت التأثير بمعنى الاكتساب .
وبناء عليه لا يصح القول بأنه نفى أي تأثير للعبد بصيغة العموم بما يشمل النوعين ، بل نفاه بصيغة العموم بما يشمل أفراد النوع الأول فقط .
وكما أقول : هذا التخصيص ليس من عندي ، بل من استقراء كتب الأشاعرة .

قال أخي الأكرم ماهر بركات :
وقولك : (فيستبعد أن ينفي الجبر في أول كلامه ، ثم يثبته في آخر كلامه .)
فيه أنه لم ينفي ويثبت نفس الجبر بل نفى الظاهري وأثبت الباطني فلا تناقض ..
قلت : مقصود كلامي أنه لا يصح من الباجوري أن ينفي الجبر الظاهري في أول كلامه ، ثم يثبته في آخر كلامه .
وأعني بذلك : أنه يستبعد من الباجوري أن يثبت في أول كلامه للإنسان إرادة وقدرة لأفعاله الاختيارية ، بها يفارق من وقع منه أفعال جبرية ، ثم ينفي في آخر كلامه ما به تميز الإنسان المختار عن المجبر .
فلما ذم الباجوري الجبرية في أول كلامه ، فإنما ذمهم لأنهم يسلبون عن الإنسان الإرادة والقدرة مطلقا ، فكيف يثبت الباجوري بعد ذلك للإنسان إرادة وقدرة لا حقيقة لهما ولا دور لهما ، ألا يكون ذلك إلا تلاعبا في الألفاظ ينأى عنه العقلاء ؟؟
إن الذي أفهمه من كلام الأشاعرة عموما ، ومن كلام الباجوري خصوصا أن للإرادة والقدرة الحادثتان تأثيرا حقيقيا له دور ، وهو الذي يتناسب مع مجموع كلامه في خلق الأفعال ، وفي الكسب ، وفي ذم الجبر .
والحمد لله رب العالمين .

ماهر محمد بركات
10-11-2004, 12:30
أخي الفاضل أسامة عبد القادر حفظه الله :

أقول جزاك الله خيراً على توضيحاتك وقد ظهر لي الآن تماماً ماتريد أن تقوله في موضوع الكسب ..والأمر كما قلت أنت يتوضح شيئاً فشيئاً.. وقد توضح لي جانب كبير من المسألة فأسأل الله تعالى أن يثيبك كل خير ..
وأعتقد الآن أنه بذلك تم حصر المسألة في نقطة واحدة بالنسبة لي فأرجو أن تكون واضحة عندك ..

لكن قبلها أحب أن أضع بعض التعليقات على بعض كلامك الأخير
قلت ياسيدي : (ولي ملاحظة ابتداء ، وهي قولك : من غير ذكر النصوص ، لا لشيء الا لأن النص قد نختلف في فهمه وتفسيره ، فأقول : إذا استبعدنا نصوص العلماء لأنه قد نختلف في فهمها وتفسيرها ، فكذلك لا بد أن نستبعد نصوص الكتاب والسنة لأننا قد نختلف في تفسيرها ، ثم لا بد أن نسكت ولا نتكلم ، لأنه قد نختلف أنا وأنت في تفسير ما أقوله أنا ، وفي تفسير ما تقوله أنت ، لأن ذلك كله كلام .)
لقد أسأت فهمي تماماً ياأخي الكريم فأنا لاأنكر ضرورة الاعتماد على نصوص العلماء في استخلاص العلم والعمل به وأنى لمثلي أن يتأتى منه ذلك بل كلام العلماء عندنا دين يجب الأخذ به والعمل به قولاً واحداً .. وهذا أمر بديهي لايمكن الاختلاف فيه.
انما قصدت عدم سرد النصوص في هذا الوقت من الحوار بيني وبينك لكي آخذ منك مفهومك أنت عن النصوص مباشرة لأني ارتأيت أن هذا سيساعدني في فهم القضية أكثر على اعتبار أن فهمي للنصوص التي تذكرها فهماً مخالفاً لفهمك سيشوش المسألة عندي أكثر فأحببت أن آخذ منك خلاصة فهمك لتسهيل النقاش وفهم الموضوع عندي .. واذا خانني التعبير فمعذرة انما هذا ماقصدته يشهد الله على ذلك ..

وقلت أيضاً حفظك الله :
(أريد أن أصوغ ما فهمته من النقطة الأولى على الصورة التالية ، فهل هو صحيح في تحرير الإشكال :
1 = كيف نثبت للعبد اختيارا في كسبه ، مع كون كسبه مخلوقا لله تعالى ؟ وبتفصيل أكثر : مع كون إرادته وقدرته وفعله كلها مخلوقة لله تعالى .
يوضحه قولك (أن العبد في الحقيقة مجبور على التفكير ، وما ينجم عن تفكيره من فعل لا تأثير له في الحقيقة ، لأن التفكير وما ينتج عنه كله من خلق الله) .
فكأن الإنسان مجبور على الكسب ، ومجبور على ما ينتج عن الكسب .
2 = وكيف نثبت للعبد اختيارا في كسبه ، مع كون الكسب ما هو إلا مجرد نسبة الفعل للعبد من غير أن يكون له تأثير فيه .)

ليس تماماً فليس الاشكال كيف نثبت للعبد اختياراً في كسبه فانه لااشكال في كون اختياره وكسبه ثابت من حيث أنه موجود ينسب للعبد ..
ولكن الاشكال :كيف يحاسب العبد على اختيار وكسب هما مخلوقان فيه لحظة الكسب ؟؟

دعني أحصر البحث الآن في نقطة واحدة :

الآن نتفق على مايلي :
فعل العبد له تعلقان : تعلق بارادة الله وقدرته القديمتين وتعلق بارادة الانسان وقدرته الحادثتين فالكسب هو عبارة عن التعلق الثاني وهو من خلق الله أيضاً وبه يكتسب الانسان ويصبح محل الثواب والعقاب
و أن كونهما مخلوقان لاينفي أن الانسان له كسب على الحقيقة.
هذا مجمل القول أليس هذا صحيح ؟؟

لو تأملت أقوالي السابقة لتبين لك أنني أثبت هذا التعلق وأنني أقول لااشكال في كونه موجود وبالتالي فانني أثبت أن للانسان كسب على الحقيقة بمعنى الوجود ..
لكن اختلفنا في ماهية هذا التعلق وقد حاولت سابقاً تجاوز هذا الخلاف على اعتبار أن الاشكال الأساسي ليس هنا.. وطالما أننا نثبت هذا التعلق (الذي هو الكسب) فلا يهم ماهيته ..
واختلفنا في كونه مؤثراً أو لا.. والذي قصدته أنا بنفي كونه مؤثراً هو التأثير الذي يكون العبد فيه مستقلاً أو مشاركاً لفعل الله تعالى في انتاج الفعل ..
وأنت تثبت تأثيراً من غير استقلال أو مشاركة لقدرة الله تعالى فلنتجاوز هذه النقطة الى النقطة الأخيرة المهمة التي سأحصر فيها السؤال الأخير :

اذا كان للعبد كسب على الحقيقة والذي هو تعلق قدرة العبد وارادته الحادثتان بفعله .. و يمكن بموجب هذا وصف العبد بكونه مكتسباً ..
واذا كان هذا الكسب وهذا التعلق هو مخلوق لحظة الكسب أفلا هذا يعني هذا أن العبد لم يوجد شيئاً ينسب اليه ولم يستقل أو يشارك بشيء ينسب اليه فكيف يحاسب عليه ؟؟
فالأمر اذاً كما يظهر لي في تصوري كالتالي :
أن كل شيء قد خلقه الله : الكسب وتعلق العبد بفعله وفعله أيضاً وهذا مايشكل علي بأنه يظهر مجبوراً وان كان مختاراً من حيث اثباتنا لوجود الكسب أو التعلق والذي يظهر فيه العبد مختاراً .. لكن العبد في باطن الأمر لم يكن الا محلاً لظهور ماخلق وأودع الله فيه ..

وجوابك أخي الفاضل هنا في اثبات وجود تعلق حقيقي لقدرة العبد بفعله وبالتالي اثبات وجود الكسب ليس هو المطلوب عندي لأني معتقد بوجود هذا التعلق (مع خلاف في الماهية كما أسلفت) لكنه بالنهاية من خلق الله فلم ينسب للعبد شيء استقل به أو أوجده بل هو موجد فيه فكيف يحاسب عليه ؟؟

أرجو الآن أن تكون النقطة واضحة ..

ولي الآن كلام أخير :
الذي دفعني لذكر ماذكرته من تأويل كلام الباجوري :
هو أنني قرأت في بعض كتب الصوفية الأشاعرة وفي أكثر من مرة وأكثر من موضع وبعبارة واضحة أن (كسب العبد مجازي لاحقيقي وأنه مكتسب مجازاً لا حقيقة) هكذا بعبارة واضحة والذي فهمته أنا وقتها من عبارتهم هو هذا المعنى الذي أقوله:
وهو أن الاختيار والكسب وان كان موجوداً(وعليه يقال مختار ظاهراً) لكنه في النهاية موجود بخلق الله فلا يعود للعبد شيء ينسب اليه من فعله أو تأثيره تأثيراً يكون مستقلاً فيه أو مشاركاً (وعليه يقال مجبور باطناً).. هذا مافهمته وربما كنت مخطئاًً في الفهم ..

والمشكلة أنني الآن في الغربة بعيد عن كتبي ولو كانت كتبي عندي لسردت لك عبارتهم الواضحة في كون الكسب مجازي وهذا ماجعلني أربط بين قولهم هذا وقول الباجوري والدسوقي وآخرين في أن العبد مجبور باطناً بمعنى أن اختياره مجازي اذاً ..
على كل عندما أعود في الاجازة ان شاء الله تعالى سأنقل لك أقوالاً واضحة في المعنى الذي ذكرته وربما أكون مخطئاً في الفهم .

هذا آخر ماعندي في هذا الموضوع ..
فأرجو أن تسامحني في ماقد بدر مني من اساءة غير مقصودة وفهم سقيم لم يرتق الى فهم كلام الأكابر من أمثالكم
ومرة أخرى جزاك الله خيراً أخي الفاضل وبارك الله فيك ..

أسامة نمر عبد القادر
10-11-2004, 13:25
جزاك الله خيرا أخي الأكرم ماهر ،،،
وأنا أعتذر جدا إن أسأت فهمك بالنسبة لموضوع : عدم ذكر النصوص ، فأرجوك أن تقبل اعتذاري .

أما بالنسبة لموضوع كلام بعض الصوفية في التصريح بأن (كسب العبد مجازي لاحقيقي وأنه مكتسب مجازاً لا حقيقة) :
فإن قصد به هذا الصوفي معنى صحيحا ، فيحتاج كلامه إلى تأويل .
وإن قصد معنى باطلا ، فكلامه يرد عليه ، وإن كان أشعريا ، فكونه أشعريا لا يعصمه من الخطأ البتة .
والذي أراه أن عبارة الباجوري سليمة لغة واعتقادا ، وتتفق مع نظرة الأشاعرة إلى كون الإنسان غير مجبور ، وتفسيرها بما يتفق مع هذه النظرة قريب جدا لا تكلف فيه ، كما أسلفته .

وأخيرا ، فإنه يشهد الله ، لم أر منك إلا كل خير وتواضع وسعة صدر ورحابة أخلاق .
وإنني إذ أحاول النقاش معكم في هذا الموضوع ، فقصدي مثل قصدكم ، ألا وهو فهمه قدر الطاقة البشرية ، وبحسب ما يفتح الله به علينا ، أنا وأنت معا ، ولست أرى نفسي كبيرا ، ولكن أرى أن الله تعالى فرض علينا التعلم ، فأنا أحاول أن أتعلم بشتى الوسائل .
والمذاكرة في العلم قد حض عليها أهل العلم سلفا وخلفا ، فأنا أعد ما سبق من باب المذاكرة .
وجزاك الله خيرا

أسامة نمر عبد القادر
11-11-2004, 09:42
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدي محمد وآله وصحبه .

اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا عملا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما .

أما بعد ،،،

فقد سبق أن تكلمت عن عبارة الباجوري ( مجبور باطنا مختار ظاهرا ) .
وتتميما للفائدة أحببت الكلام هاهنا حول قول السنوسي في السنوسية الكبرى : ( والحق أن العبد مجبور في قالب مختار ) .
ويساعدني في فهم هذه العبارة أمران :

الأمر الأول الذي يساعدني في فهم هذه العبارة
لقد ذكر السنوسي هذه العبارة ص 295-296 .
ويلاحظ أنه قد ذكر هذا المعنى سابقا في شرحه على السنوسية الكبرى بلفظ آخر في صفحة 290 بعد تفسيره لمعنى الكسب في السنوسية الكبرى فقال : [هذا تفسير للكسب الذي قال به أهل السنة رضي الله عنهم ، وهو : درجة وسطى بين مذهبي الجبرية والقدرية] .

وهذه العبارة قد تكون قريبة في المعنى مع عبارة الجرجاني في شرح المواقف : "الحق التوسط بين الجبر والتفويض" ، لكن أرى عبارة الجرجاني أدق من عبارة السنوسي ، والله أعلم .

على كل حال فلننظر إلى قول السنوسي الذي أتى به أولا في شرحه ، أعني قوله : "وهو درجة وسطى بين مذهبي الجبرية والقدرية" ، فإنني أرى أنه سوف يساعدنا في فهم قوله "والحق أن العبد مجبور في قالب مختار" .

قال السنوسي في السنوسية الكبرى :
[وعن "تعلق هذه القدرة الحادثة بالمقدور في محلها مقارنة له من غير تأثير" عبر أهل السنة رضي الله عنهم بالكسب .
وهو متعلق التكليف الشرعي ، وأمارة الثواب والعقاب .
فيبطل إذن :
× مذهب الجبرية ، وهو إنكار القدرة الحادثة ، لما فيه من جحد الضرورة ، وإبطال محل التكليف وأمارة الثواب والعقاب ، ومن هنا كان بدعة .
× ومذهب القدرية ، وهو : كون العبد يخترع أفعاله على وفق مراده بالقدرة التي خلق الله له ، لما علمت من دليل الوحدانية ، واستحالة شريك مع الله تعالى أيا كان]
ثم قال السنوسي في شرحه : [هذا تفسير للكسب الذي قال به أهل السنة ، وهو درجة وسطى بين مذهبي الجبرية والقدرية] .

والسؤال : كيف يكون الكسب درجة وسطى بين المذهبين ؟

وأقول في الجواب : لو نظرنا إلى تعريف الكسب ـ كما ساقه السنوسي ـ لاتضح ذلك .
فالكسب عنده (تعلق القدرة الحادثة بالمقدور في محلها مقارنة له ، من غير تأثير) .
[ 1 ] أما الجبرية ، فتنكر القسم الأول من التعريف ، وهو (تعلق القدرة الحادثة بالمقدور في محلها مقارنة له) ، وذلك أنهم يقولون : الإنسان مجبور على أفعاله الاختيارية ، كما هو مجبور على أفعاله الاضطرارية ، ولا يرون فرقا بين أفعال العباد الاختيارية والاضطرارية ، في أن كلا منهما لا يقارنه قدرة حادثة تتعلق به في محلها .
[ 2 ] وأما القدرية ، فتنكر القسم الثاني من التعريف ، وهو (من غير تأثير) ، فهم يرون أن العبد يؤثر في فعله ، بمعنى أنه يخلقه من عدم .
[ 3 ] أما أهل السنة فهو يؤمنون باجتماع الأمرين (التعلق) و (عدم التأثير) .
فهو وإن كانت أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وحده ، لكن ثمة تعلق لقدرة العبد الحادثة بمقدوره في محلها مقارنة له .
وبسبب هذا التعلق يدرك الإنسان ضرورة الفرق بين الأفعال الاختيارية والأفعال الاضطرارية ، فمن ينكره يكون جاحدا للضروريات .
واقتضت إرادة الله تعالى أنه بسبب هذا التعلق يكون الإنسان مكلفا ، وأيضا بسببه يكون مثابا ومعاقبا ، فمن ينكر هذا التعلق يلزمه إبطال التكليف وإبطال كون الأفعال سببا للثواب والعقاب بحسب ما أراده الله تعالى ، وبذلك يكون مبتدعا .

وهكذا نكون قد فهمنا معنى قول السنوسي "وهو درجة وسطى بين مذهبي الجبرية والقدرية" .
وفي الحقيقة ، فهو يريد بهذه العبارة : نفي الجبر ، مع نفي كون الإنسان خالقا لأفعاله .
وبكلمات أخرى هو يريد بهذه العبارة : إثبات الاختيار للعبد ، مع إثبات كون أفعاله بخلق الله تعالى .

وبعد ذلك التفصيل ، فإنه من الظلم الشنيع للسنوسي أن يفسر قوله الآخر "والحق أن العبد مجبور في قالب مختار" على خلاف التفسير الأول .
لأنه لا يخرج تفسير هذه العبارة عن أحد احتمالين :
الاحتمال الأول : أن يكون تفسيرها أن الإنسان مجبور مطلقا .
وهذا المعنى منافي لكلامه السابق في المتن والشرح ، وهنا يكون من الظلم للسنوسي تفسير هذه العبارة على خلاف المعنى الذي أطال في تقريره والاستدلال له سابقا .
ولذلك لا أجيز لنفسي أن أقول "وعلى كل حال ، فلو أراد هذا المعنى ، فيكون مردودا عليه ، لأنه مناف للحق الثابت بالدليل الذي عليه أهل السنة والجماعة" ، لأن هذا الاحتمال لا واقع له عند السنوسي ، ولا دليل عليه من كلامه في الشرح والتقرير ، ولا أجيز لنفسي أن أفسر عبارة من أربع كلمات ساقها عرضا بما يخالف ما شرحه في أربعة صفحات ، أليس هذا تحكما بعبارة الرجل .
وأنا إذ أستبعد تفسير عبارة السنوسي بما يوهم الجبر مطلقا ، لأقول : لعله يمكن أن نعترض على لفظ هذه العبارة ، بأن يقال : إن في عبارته إيهاما ،
لذلك ، فإنه لا ينبغي أن تقال هذه العبارة إلا مع المنتهين في هذا العلم ، ومع المدققين والمحققين ، ولا ينبغي أن تطلق إلا مع البيان والشرح والتفسير على مقتضى شرح السنوسي نفسه ، الذي هو مطابق للدليل ، ومطابق لمعتقد أهل السنة والجماعة .
الاحتمال الثاني : أن يكون تفسير عبارة السنوسي كما يلي :
(أن العبد مجبور) بمعنى : أن الله تعالى خلق فعله .
(في قالب مختار) بمعنى : أن إرادته وقدرته الحادثة تتعلقان بالمقدور تعلقا ، به يصير العبد مكلفا ، وبه يصير مثابا ومعاقبا ، وبه يفرق العبد عن ضرورة بين فعله الاختياري و فعله الاضطراري .
وهذا المعنى هو الذي قرره واستدل له السنوسي سابقا ، فيجب حمل هذه العبارة عليه .

على كل حال ليس مرادي من كل الشرح السابق تخريج هذه العبارة ، بل مرادي بيان مقصود السنوسي منها ، حتى لا يغتر بعض الجهلة فينسب للسنوسي معنى لم يقصده ولم يرده ، فإن تلك العبارة في نفسها ليست دينا يتبع ، لكن لما أرشدنا الله تعالى إلى سؤال أهل العلم والاستفادة منهم ، ولما خرج من بعضهم عبارات قد يفهمها بعض الناس على غير مقصودهم ، كان لا بد لنا من تفسيرها على مقصودهم ، لئلا يتخذها بعض الضالين والمبتدعة تكأة يتكئ عليها في عقائده الفاسدة ، عن طريق اقتطاعها من سياقها ، وإلصاق معاني بها لم تكون في مقصود قائليها .

الأمر الثاني الذي يساعدني في فهم هذه العبارة

إنه لا بد من النظر في سياق هذه العبارة نفسها ، ففيه قرينة ظاهرة تدل على مراد السنوسي بها .
فقد ذكر السنوسي في السنوسية الكبرى ما يلي :
[قالوا (يعني القدرية) : كيف يمدح العبد أو يذم على غير ما فعل ، ويلزم أن تكون للعباد الحجة في الآخرة ، وقد قال تعالى {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} .
قلنا : من معنى ما قبله ، وأيضا ، فيبطل بمسألة خلق الداعي ، والقدرة الحادثة ، وبعلمه القديم المحيط بكل شيء ، والحق : أن العبد مجبور في قالب مختار ، فحسن فيه رضى الأمرين ، على تقدير تسليم أصل التحسين والتقبيح العقليين] ص295-296 .
إن من تأمل سياق هذا النص قطع بأن مقصود السنوسي من هذه العبارة إثبات الأمرين معا ، أعني : إثبات أن الإنسان مختار غير مجبور ، وإثبات أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى .
والدليل أنك تراه ساقها في سياق المناظرة مع القدرية .
فقد عد هذه العبارة مما "حسن فيه رضى الأمرين" ، فماذا تراه عنى بالأمرين الذين حسن في هذه العبارة رضاهما ؟؟!!
إن القدرية اعترضوا على الأشاعرة في قولهم بأن أفعال العباد مخلوقة : بأنه يلزم من ذلك أن لا يمدح الإنسان ولا يذم على الأفعال لأنها ليست أفعاله ، بل هي أفعال الله تعالى .
فاعتراضهم على أن التكليف والثواب والعقاب لا يحسن ، بل يقبح إذا كانت أفعال العباد مخلوقة لله تعالى .
فأجاب السنوسي بأنه على تقدير الحسن والقبح ، فإن التكليف والثواب والعقاب يحسن ولا يقبح ، وإن كانت أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ، لأن التكليف والثواب والعقاب متعلقة بأفعال العباد لا من حيث كونها مخلوقة لله تعالى ، بل من حيث كونها مكسوبة للعبد باختياره .
وهكذا ، حسن في مذهب أهل الحق رضى الأمرين :
الأمر الأول : إثبات أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بإرادته وقدرته القديمة ، ومن هذه الحيثية لا يتعلق التكليف ولا الثواب ولا العقاب ، بدليل أن الأفعال الاضطرارية أيضا مخلوقة لله تعالى ، ومع ذلك لا يتعلق بها تكليف ولا ثواب ولا عقاب .
الأمر الثاني : إثبات أن أفعال العباد مكسوبة بإرادة العبد وقدرته الحادثتين ، ومن هذه الحيثية يتعلق التكليف والثواب والعقاب .

وفي الختام أحب أن أنقل هذين النصين :

النص الأول :
أحب أن أنقل كلام إبراهيم بن أحمد المارغني في طالع البشرى على العقيدة السنوسية الصغرى :
[وعليه ، فليس للحي كالعبد في الأفعال الاختيارية إلا الاختيار في الظاهر والكسب ، وإنما قلنا (في الظاهر) لأ،ه في الباطن مجبور ، لأ، الله تعالى هو الذي خلق فيه الاختيار ، كما خلق الفعل والقدرة المقارنة له ، فهو مجبور في صورة مختار ، كالقم في يد الكاتب ، وقد رتب الله تعالى على الاختيار في الظاهر ، وعلى الكسب التكليف ولاثواب والعقاب ، ولله التصرف في خلقه كيف شاء ، لا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه ، لا يسأل عما يفعل ، فلله الحجة البالغة ] .
نقلت الفقرة السابقة من شرح السنوسية للعلامة سعيد فودة الذي قال بعدها :
[ولنا على هذه الفقرة تعليق ، ولذلك لم نثبته في الأصل ، فقوله "إن العبد مجبور في الباطن" غير مسلم ، لأن الجبر معناه : "صدور الفعل على خلاف الإرادة" ، فإذا كنا نقول أصلا بأن الفعل الاختياري لا يخلقه الله تعالى في العبد إلا موافقا لإرادة العبد المخلوقة فيه نتيجة لعلم الله تعالى ، كما وضحناه في تعليقاتنا أعلاه ، فكيف يقال : إن العبد مجبور باطنا ، مختار ظاهرا ، بل هذا الكلام غير مستقيم ، فكون الله تعالى خالقا في العبد إرادته وفعله وقدرته لا يستلزم مطلقا أن يكون العبد مجبورا ، بل هذا هو الاختيار ، لأنه تابع لإرادة العبد التي علمها الله تعالى منذ الأزل .
وقد نبه إلى هذا العلامة المحقق الإمام السعد التفتازاني في شرح العقائد النسفية ، فقال :
"فإن قيل : بعد تعميم علم الله تعالى وإرادته ، الجبر لازم قطعا ، لأنهما : إما أن يتعلقا بوجود الفعل ، فيجب ، أو بعدمه ، فيمتنع ، ولا اختيار مع الوجوب والامتناع ؟
قلنا : يعلم ويريد أن العبد يفعله أو يتركه باختياره ، فلا إشكال .
فإن قيل : فيكون فعله الاختياري واجبا أو ممتنعا ، وهذا ينافي الاختيار ؟
قلنا : ممنوع ، فإن الوجوب بالاختيار محقق للاختيار ، لا مناف .
وأيضا منقوض بأفعال الباري جل ذكره ، لأن علمه وإرادته متعلقان بأفعاله ، فيلزم أن يكون فعله واجبا" انتهى كلامه ، وهو في غاية الإفادة ، ومعنى عبارته الأخيرة : أي : ومعلوم أن فعله غير واجب عليه ، فيبطل كلامكم] ص80-81 .
قال الفقير أسامة : نلاحظ أن العلامة سعيد فودة لا يرتضي هاهنا هذه العبارة بحسب سياق شرح المارغني ، وقد اعتمد في نقضها على تعريف الجبر ، إذ عرفه بأنه "وقوع الفعل على خلاف الإرادة" ، ولما كانت الأفعال الاختيارية صادرة من العباد على وفق إرادتهم ، فلا يوجد جبر البتة ، وبذلك حكم بأن تلك العبارة غير مسلمة .
وكأني بالعلامة سعيد فودة لا يرتضي تقسيم الجبر إلى جبر باطني وجبر ظاهري ، وذلك لأن الجبر في نفسه إذا كان على خلاف الإرادة ، فلا يعقل أن يكون ثمة جبر باطني وجبر ظاهري ، بل إما أن أفعال الإنسان تكون على وفق إرادته فهو مختار ، وإما أنها تكون على خلاف إرادته فهو مجبر ، فهو إما مختار وإما مجبر .
بينما الذي صنعته في جوابي السابق أني فرقت بين الجبر الباطني والجبر الظاهري ، فذكرت أن "الجبر الباطني" هو خلق أفعال العباد ، سواء وجدت الإرادة أم لم توجد ، فهذا المعنى ثابت على أصول الأشاعرة ، بينما "الجبر الظاهري" هو : "وقوع الفعل على خلاف الإرادة" ، وهذا المعنى منتف على أصول الأشاعرة ، فيكون الثابت هو "الاختيار الظاهري" الذي هو : "وقوع الفعل على وفق الإرادة" ، وبهذا التفسير لكل من الجبر الباطني والتفسير الظاهري صححت مقصود السنوسي من عبارته .
وصنيع العلامة سعيد فودة لا يستلزم أنه يرى أن السنوسي أو غيره ممن أطلق هذه العبارة أراد أن الإنسان مجبور ، وحتما فإن العلامة سعيد فودة يتأول لهم ما قالوه على المعنى الذي تأولته لهم ، أو على غيرها من المعاني الصحيحة ، كما يدل عليه استحسانه لجواب الشيخ محمد عليش ، كما سيأتي في النص الثاني ، لكنه في الوقت نفسه يرفض إطلاق هذه العبارة ، لأنه وإن كان مقصودهم صحيحا ، لكن الألفاظ التي استخدموها خطأ ، وذلك بالنظر إلى تعريف الجبر .


النص الثاني :
أحب أن أنقل كلام الشيخ محمد عليش في شرحه على شرح السنوسي على السنوسية الكبرى ، فقد قال :
[الرابع : قوله "والحق أن العبد مجبور في قالب مختار" إلى آخره ، جواب آخر في حسن ترتيب الثواب والعقاب والمدح والذم على فعل العبد الاختياري على مذهب أهل السنة لو وافقنا القدرية على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين .
وجه ذلك : أن الله تعالى لما أجرى عادته الشريفة بإمداد العبد بالإرادة والقدرة والمقدور على وجه التوالي بحيث لا يحس أنه أكره على الفعل وألجئ إليه .
ومهما صمم العبد عزمه على فعل : أمده الله تعالى بخلقه (يعني خلق الفعل) وخلق القدرة عليه ، طاعة كان الفعل أو معصية .
كما قال تعالى {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ، فأولئك كان سعيهم مشكورا ، كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورا} .
فرتب الله تعالى الإمداد على الإرادة منهم ، إذا شاءوا .
وهذا الإمداد هو المعبر عنه بالتوفيق والخذلان .
فصار العبد بحسب الظاهر كأنه موجد لفعله ، حتى أن الوهم والخيال لا يشكان في ذلك .
وقد ضل بهما كثير من الناس ، ولولا أن الله تعالى أيد عقول أهل السنة فخرقوا حجب التوهمات المظلمة ، وبرزوا إلى شموس المعرفة ، فأدركوا بها الأمر ، كيف هو على حقيقته ، لكانوا كغيرهم .
ولما كان العبد بحسب الظاهر كأنه موجد لفعله : كان تعليق الثواب والعقاب على فعله حسنا ؛ شرعا ، وعقلا ، وعرفا ، وكان مدحه وذمه عليه حسنا فيها .
ولما كان النظر إلى الباطن وحقيقة الأمر : لم يصح جعل فعله سببا للثواب والعقاب .
وإذا أطلق عليه (أي على الفعل) لفظ سبب ، فالمراد : الأمارة الشرعية] ص 130 ، يعني أن السببية هنا عادية بجعل الشارع ، وقد يمكن تخلفها ، لا عقلية ، أي : بذاتها ، بحيث لا يمكن تخلفها .
وقد نقل العلامة سعيد فودة في شرح السنوسية ص 81 حاصل هذا القول للشيخ محمد عليش ووصفه بأنه معنى حسن ولطيف .
ثم قال الشيخ محمد عليش :
[وقد جاء القرآن العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والسنة الصحيحة بملاحظة الأفعال تارة ، نحو قوله تعالى {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} وتارة بلغوها (أي إلغاء الأفعال) ، نحو قوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يدخل الجنة أحد بعمله )) .
ولعل ذلك لملاحظة الجبر في نفس الأمر ، والاختيار في الظاهر ، وهو المراد بقول السنوسي : "فصح فيه رعي الأمرين" .
ويحتمل أن ذلك لملاحظة كونه أمارة شرعية ، وملاحظة كونه ليس سببا عقليا ، والله سبحانه تعالى أعلم] ص130-131 .

ماهر محمد بركات
12-11-2004, 01:55
أخي الشيخ أسامة بارك الله فيك :

لقد أحسنت بنقلك لهذه النقول الأخيرة وخاصة تعليق الشيخ سعيد فودة فقد انجلى الأمر عندي الآن جلاء تاماً وتوضح الأمر أيما وضوح فجزاك الله كل خير .
غير أني بعد هذه النقول الأخيرة أجد نفسي مخالفاً لك قليلاً في تأويلك للمعنى المقصود من عبارة (مختار ظاهراً مجبور باطناً ) أو عبارة (مجبور في قالب مختار) وسأذكر شواهد على ماأقول ..

لو تأملت أخي في تعليقات الشيخ سعيد فودة والشيخ المارغني لوجدت أن معنى عبارة (مختار ظاهراً مجبور باطناً ) على مقصود قائليها هو التالي :
أننا اذا نظرنا الى ثبوت الاختيار وتعلق القدرة والارادة الحادثة للعبد بفعله قلنا (مختار ظاهراً)
واذا نظرنا الى كون أن هذا الاختيار وهذا التعلق هو مخلوق أيضاً قلنا (مجبور باطنا )
فليس معنى مجبور باطناً أن الله تعالى خلق أفعال العبد من غير تأثير من العبد في ايجادها من العدم فحسب بل معناها أن الله خلق ارادة العبد واختياره وتعلقه في فعله بالاضافة الى فعله ..
وهذا لايعني طبعاً انكار الاختيار عند قائليها كما فعل الجبرية ولايعني أن الفعل الاختياري مساو للفعل الجبري اذ الفرق بينهما هو ثبوت الاختيار من حيث أنه تعلق الارادة والقدرة الحادثتين بفعل العبد (والسنوسي يقول انه - أي التعلق - مقارن لامؤثر).. لكن كون هذا الاختيار مخلوق أيضاً يجعل العبد مجبوراً باطناً ..
هذا هو المعنى الذي فهمته وأجزم به الآن جزماً تاماً بأن هذا هو المعنى المراد عند قائليه ..

واليك شواهد على ما أقول من كلام الشيخ سعيد والمارغني :

الشاهد الأول :
استشكال الشيخ سعيد فودة واعتراضه على العبارة ولو كان معنى مجبور باطناً هو خلق فعل العبد فقط لما كان هناك اشكال أصلاً ..
فان قلت : بل اعترض على العبارة لكونها مخالفة لتعريف الجبر بما ذكره أنه :( صدور الفعل على خلاف الارادة ) أقول : نعم صحيح لكن ليس هو محل الاعتراض الوحيد بل له اعتراض آخر على معنى الجبر الباطني ولو تأملت فيما ذكره من الشرح بعد ذلك لتبين لك ذلك اذ يقول: (( فكيف يقال : إن العبد مجبور باطنا ، مختار ظاهرا ، بل هذا الكلام غير مستقيم ، فكون الله تعالى خالقا في العبد إرادته وفعله وقدرته لا يستلزم مطلقا أن يكون العبد مجبورا ، بل هذا هو الاختيار ، لأنه تابع لإرادة العبد التي علمها الله تعالى منذ الأزل . ))
فتأمل معي قوله : (فكون الله تعالى خالقا في العبد إرادته وفعله وقدرته لا يستلزم مطلقا أن يكون العبد مجبورا ) فهذا واضح جلي في أن الشيخ حفظه الله فهم معنى الجبر الباطني عند من قاله بمعنى خلق الارادة والاختيار والفعل وليس الفعل فقط ..لذلك يقول لايستلزم من خلق هذه الأشياء أن يكون مجبوراً .
والشيخ سعيد موجود بيننا يمكن سؤاله لتجلية الأمر وكم كنت أتمنى لو أوضح لنا هذا الاشكال منذ البداية وساعدنا على فهم القضية ..

الشاهد الثاني :
قول المارغني: ((وعليه ، فليس للحي كالعبد في الأفعال الاختيارية إلا الاختيار في الظاهر والكسب ، وإنما قلنا (في الظاهر) لأنه في الباطن مجبور ، لأن الله تعالى هو الذي خلق فيه الاختيار ، كما خلق الفعل والقدرة المقارنة له ، فهو مجبور في صورة مختار))
وتأمل معي هنا قوله : (وإنما قلنا في الظاهر لأنه في الباطن مجبور ، لأن الله تعالى هو الذي خلق فيه الاختيار ، كما خلق الفعل والقدرة المقارنة له ، فهو مجبور في صورة مختار)
فهذا واضح وضوح الشمس في دلالته على أن معنى الجبر باطناً عند قائليه هو خلق اختيار العبد وارادته وكسبه بالاضافة الى فعله

فيكون السؤال المشكل بعد ذلك :
فكيف يحاسب الله العبد على اختياره واختياره مخلوق أيضاً ؟؟ هنا تأتي تتمة كلام المارغني موضحاً: ( ولله التصرف في خلقه كيف شاء ، لا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه ، لا يسأل عما يفعل ، فلله الحجة البالغة ) وكأنه يريد أن يقول ان العبد هنا ينبغي أن يسلم ويقول لله الحجة البالغة وأن الله حكيم لايسأل عما يفعل ..
وهناك جواب آخر : وهو قول الشيخ سعيد : (فكون الله تعالى خالقا في العبد إرادته وفعله وقدرته لا يستلزم مطلقا أن يكون العبد مجبورا ، بل هذا هو الاختيار ، لأنه تابع لإرادة العبد التي علمها الله تعالى منذ الأزل .
) فالجواب كما يقول الشيخ : أن الله تعالى خلق اختيار العبد على وفق علمه من الأزل في اختياره.. فخلقه لاختياره وارادته لاتعني أنه مجبور طالما أنه خلق له اختياره على وفق علمه الأزلي فيما سيختار وهو جواب مريح مقنع يحل الاشكال أيضاً..

وهذا ماأجزم به الآن في هذه المسألة

واسمح لي أخيراً بتلخيص ماخلصت فيها :
ان الكسب الذي يثاب العبد ويعاقب عليه هو تعلق الارادة والقدرة الحادثة فيه بفعله الذي خلقه الله له على موجب اختياره وارادته فهو هاهنا (مختار ظاهراً)
لكن الاشكال يقع عندما ننظر الى أن هذه الارادة والاختيار هي من خلق الله أيضاً فصار العبد بذلك( مجبور باطناً) على اعتبار أنه لم يكن الا محلاً لخلق الله تعالى لهذه الأشياء فيه ..
لكن يجاب على هذا الاشكال وينفى عن العبد الجبر بما ذكره العلامة الشيخ سعيد من أن الله صحيح أنه خلق له اختياره وارادته لكنه خلقها وفق علمه الأزلي بارادته واختياره ..
ويجاب أيضاً بقول المارغني : الله تعالى حكيم له الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل ..

هذا ماظهر لي في هذه المسألة والله أعلم.

وان كنت أخي الفاضل مازلت ترى مخالفتي في فهم هذا المعنى فمابقي الا أن نحتكم الى الشيخ سعيد ليين لنا الصواب في هذا الأمر

وجزاك الله كل خير أخي الكريم المجد المعطاء الشيخ أسامة
ونفعنا الله بعلمك وعملك..

أسامة نمر عبد القادر
12-11-2004, 03:46
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاةوالسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، وآله وصحبه أجمعين ،،،

أخي الأكرم ماهر بركات حفظه الله تعالى ورعاه وأيده بالحق ووفقه .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،
أما بعد ،،،


أما قولكم الكريم (لقد أحسنت بنقلك لهذه النقول الأخيرة) فوجه استحسانك لنقله ظاهر جدا ، لأن في كلام المارغني ما يخدم تفسيرك لتلك العبارة بما هو الجبر ، أما كلام سيدي محمد عليش ، فوالله لا أجد فيه ما يخدم ذلك .

أما قولكم (وخاصة تعليق الشيخ سعيد فودة فقد انجلى الأمر عندي الآن جلاء تاماً وتوضح الأمر أيما وضوح فجزاك الله كل خير) فهذا يدل على أن سبب انجلاء الأمر هو تعليق العلامة سعيد فودة ، فأستميحكم عذرا وأستأذنكم بأن أتجاوز قدري وأقول : كلام الشيخ سعيد مشرق وأنت مغرب .
وهذا لا يعني بالضرورة أني مشرق معه ، بل قد أكون مغربا معك ، لكن في طريق غير طريقك .

أما كونك مغربا ، فلأن الشيخ سعيد استند في اعتراضه على كلام المارغني على أمور جوهرية ، لم أرك نبهت إلى وجهها ولا استثمرتها في شرح القضية ، منها قوله (بأن الفعل الاختياري لا يخلقه الله تعالى في العبد إلا موافقا لإرادة العبد المخلوقة فيه نتيجة لعلم الله تعالى) ، ومنها تعريفه للجبر ، ومنها نقله لكلام السعد ، فهذه ثلاثة أمور استند عليها الشيخ في اعتراضه .
أما بيان وجه هذه الأمور فسأتركه لتسأل الشيخ سعيد عنه ، وطبعا لن نجد في كلام الشيخ سعيد ما نختلف عليه ، لأن ألفاظه قطعية الثبوت والدلالة ، واضحة بينة ظاهرة بنفسها ، محكمة لا مجال للنسخ فيها ، بينما نصوص السنوسي والباجوري ، فهي مشكلة جدا لدرجة أننا لا نجد فيها موطنا واحدا يساعدني أو يساعدك على حل الإشكال ، وكذلك نصوص الأشعري والسعد فهي مشكلة أيضا لا تساعد على حل الإشكال .

أما بيانكم معنى العبارة من خلال كلام المارغني وسعيد فودة ثم قولكم (هذا هو المعنى الذي فهمته وأجزم به الآن جزماً تاماً بأن هذا هو المعنى المراد عند قائليه) :
أما كلام المارغني فقد أسلمه لكم فإنه قد يكون ظاهرا فيما تريده أنت .
أما كلام سعيد فودة ، فأذن لي أيضا بأن أقول : إنه لا علاقة له بما تريده أنت ، فإن سعيد فودة اعترض على كلام المارغني ، ولا يستلزم ذلك أن يكون اعتراضه على المعنى الذي أراده ، فقد يكون اعتراضه على ألفاظ العبارة فقط ، مع تأويله المعنى الذي أراده بما ينسجم مع عقيدة الأشاعرة بقرينة نصوص أخرى للمارغني .
وأيضا لا يستلزم اعتراض سعيد فودة على كلام المارغني إن كان المقصود به ظاهرا ما ذكرته أنت : أن يكون معنى كلام السنوسي أو الباجوري من العبارة هو نفس معنى كلام المارغني .
وهذا واضح جدا من تعليق الشيخ سعيد فودة على كلام محمد عليش فيما نقلته في النص الثاني ، فإن استحسانه تأويل عليش لعبارتهم تلك ، يؤكد أنه لا يعترض على مقصودهم للعبارة بقدر ما يعترض على ألفاظ العبارة وأنها توهم خلاف المقصود ، أو على الأكثر يعترض على كلام المارغني فإنه يوهم خلاف المقصود .

أما ما فهمتموه من قول سعيد فودة (بل هذا الكلام غير مستقيم ، فكون الله تعالى خالقا في العبد إرادته وفعله وقدرته لا يستلزم مطلقا أن يكون العبد مجبورا ، بل هذا هو الاختيار ، لأنه تابع لإرادة العبد التي علمها الله تعالى منذ الأزل) فينقضه استشهاده بكلام سعد الملة والدين التفتازاني ، وهذا هو الذي ينبغي أن يجلي الموضوع ، أما وجه النقض ووجه كلام السعد ؛ فسأتركهما لتسأل الشيخ سعيد عنهما .


أما قولكم (والشيخ سعيد موجود بيننا يمكن سؤاله لتجلية الأمر وكم كنت أتمنى لو أوضح لنا هذا الاشكال منذ البداية وساعدنا على فهم القضية) فهل هذا يعني أن كل كلمة يقولها الشيخ سعيد سوف تحل الإشكال عندكم !! بينما عبارة سعد الدين التفتازاني التي نقلها الشيخ سعيد لم تحل الإشكال عندكم ؟؟ وفي هذه العبارة من المعاني ما لو رحل طالبه إلى القطب الجنوبي ، ثم شمأل نحو القطب الشمالي ، ثم اتخذ رحلة حول العالم في ثمانين يوما ، لأجل أن يتعلم معنى هذه العبارة لكان غير مسرف ولا مضيع .

أما قولكم (لكن يجاب على هذا الاشكال وينفى عن العبد الجبر بما ذكره العلامة الشيخ سعيد من أن الله صحيح أنه خلق له اختياره وارادته لكنه خلقها وفق علمه الأزلي بارادته واختياره .. ) فإني أسألك أين وجه الجواب فيما ذكرته ، لأنني ـ وأذن لي وليسع صدرك كلامي ـ لم أتنبه لوجه الجواب فيه ، وأنا ألتمس منك أن تبين لي هذا الأمر بخصوصه ، إذ ما وجه كون خلق الله تعالى اختيار العبد وإرادته وفق علمه تعالى الأزلي ينفي عن العبد الجبر ، فإن هذا ـ من حيث الظاهر ـ لا يحل الإشكال البتة ، إلا أن تبين لي وجها معقولا يكون معه هذا الجواب نافيا للجبر عن العباد ؟

أما قولكم (ويجاب أيضاً بقول المارغني : الله تعالى حكيم له الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل) فأيضا أسألك ما وجه الجواب في هذا ، فإني أرى أن هذا الجواب يزيد الأمر تعقيدا عند من يدعي أن مفهوم الكسب عند الأشاعرة يوهم الجبر ، ولا يحل أصل الإشكال ، وهذا أيضا سؤال ألتمس منكم الإجابة عنه ، وهو : ما وجه دلالة هذا الجواب على نفي الجبر عن العباد ؟؟

أما قولكم أخي الطيب (وان كنت أخي الفاضل مازلت ترى مخالفتي في فهم هذا المعنى) فإن كنت تقصد أنني ما زلت أرى أن فهمينا مختلف في تفسير عبارة السنوسي والباجوري ، فنعم .

أما قولكم (فما بقي الا أن نحتكم الى الشيخ سعيد ليين لنا الصواب في هذا الأمر) ففيه نظر ، لأن الشيخ سعيد قد يجيب بما لا يزيل الإشكال عندكم ، إلا إذا كان للقائل أثرا في نفس السامع أكثر من المقول ، ومثل هذه الأمور ليس فيها تحكيم ، ولكن فيها شرح وتوضيح ، وقرائن وأدلة وبراهين .
ثم إنه إن كان اختلافنا ، أنت وأنا ، حول تفسير عبارة السنوسي والباجوري ، فما نقلته من شرح السنوسية عن الشيخ سعيد كاف جدا في بيان أنه يرى عدم صحة ظاهر معنى هذه العبارة ، وهذا دليل على أن الشيخ سعيد يرى أن ظاهرها الذي فهمته أنت أخي الكريم مخالف للمذهب الأشعري ، بمعنى أن المذهب ـ فيما يرى الشيخ سعيد ـ لا يقول بالجبر لا الباطني ولا الظاهري ، وهذا صريح جدا في كلامه ، وقد علم القاصي والداني أن سعيد فودة فقيه المذهب الأشعري في هذا الزمان .
ثم أيضا كلام الشيخ سعيد الذين نقلته عقب كلام سيدي محمد عليش كاف جدا في بيان أن الشيخ سعيد يرى حمل عبارة السنوسي على معنى غير الذي يوهم الجبر ، سواء الباطني أو الظاهري .
وطريقة الشيخ سعيد هي إحدى الطريقتين في حل إشكال هذه العبارة ، ولعلها تكون الطريقة الأعلم .

وسلمت أخي ماهر .

ماهر محمد بركات
12-11-2004, 13:11
بسم الله الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد ناصر الحق بالحق الهادي الى الصراط المستقيم وعلى آله الطيبين الطاهرين :
اللهم افتح علينا فتوح العارفين وأكرمنا اكرام الصالحين وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه
وبعد :

أخي الفاضل الشيخ أسامة عبد القادر حفظه الله:
أرجو يا أخي الفاضل أن يتسع صدرك لما أقول فأنا لا أدعي الصحة المطلقة بل خطئي ربما أكثر من صوابي ونحن كما أشرت بارك الله فيك نتذاكر العلم فتارة نخطئ وتارة نصيب فنسأل الله السداد والتوفيق.

قولكم ياسيدي : ( فوجه استحسانك لنقله ظاهر جدا ، لأن في كلام المارغني ما يخدم تفسيرك لتلك العبارة بما هو الجبر ، أما كلام سيدي محمد عليش ، فوالله لا أجد فيه ما يخدم ذلك . )
كما تعلم أخي وكما ذكرت ذلك بنفسك أن كلام السنوسي والباجوري مشكل جداً ونحن نبحث عن قرينة لترجيح أحد المعاني المحتملة لعبارتهم فكلام المارغني وتفسيره الواضح لمعنى مجبور باطناً هو أحد القرائن على معنى هذه العبارة عندهم ..
أقول هي قرينة ولايلزم منها أن تكون هي المقصودة جزماً وها أنا أتراجع عن قولي أجزم بأن هذا هو المقصود في كلامهم بل هو قرينة مرجحة له .. كما أن ماكنت قرأته سابقاً في كتب الصوفية الأشاعرة ولاأستطيع نقله هنا لبعدي عن الكتب يسير في مسار واحد مع هذا المعنى مما يعزز هذا المعنى عندي ويكون أقرب للجزم..
أما كلام سيدي عليش فالحقيقة لم أفهم عبارته ولم يتضح لي معناها ولذلك لم أنبه عليها..
وها أنا أسألك عن معنى عبارته وتوضيح مايريد قوله فماذا تعني هذه العبارة : (ولما كان العبد بحسب الظاهر كأنه موجد لفعله : كان تعليق الثواب والعقاب على فعله حسنا ؛ شرعا ، وعقلا ، وعرفا ، وكان مدحه وذمه عليه حسنا فيها .
ولما كان النظر إلى الباطن وحقيقة الأمر : لم يصح جعل فعله سببا للثواب والعقاب .)
ماذا يعني بقوله: بحسب الظاهر كأنه موجد لفعله ؟ ولماذا لم يقل : (ولما كان فعله وفق ارادته ...الخ )؟ وهل يصح ترتيب الثواب والعقاب على شيء متوهم غير حقيقي وهو أن العبد كأنه موجد لفعله؟؟
وماذا يعني الشق الثاني من عبارته وماهو الباطن وحقيقة الأمر التي لم يصح عليها بناء الثواب والعقاب ؟؟
أرجو منك شرح هذه العبارة لأني لم أفهم مراد الشيخ عليش من تعليقه مطلقاً

قولك ياسيدي: ((أما كونك مغربا ، فلأن الشيخ سعيد استند في اعتراضه على كلام المارغني على أمور جوهرية ، لم أرك نبهت إلى وجهها ولا استثمرتها في شرح القضية ، منها قوله (بأن الفعل الاختياري لا يخلقه الله تعالى في العبد إلا موافقا لإرادة العبد المخلوقة فيه نتيجة لعلم الله تعالى) ، ومنها تعريفه للجبر ، ومنها نقله لكلام السعد ، فهذه ثلاثة أمور استند عليها الشيخ في اعتراضه .))
أحب أن أقول لك أولاً أني لا أقول بالجبر معاذ الله ولا أوافق المارغني فيما يقوله وأني موافق للشيخ سعيد فودة في اعتراضه ..
لكني فقط استندت على اعتراض الشيخ سعيد في فهم معنى الجبر الباطني عند قائليه بأنه خلق الارادة والاختيار مع الفعل وأراه واضحاً في كلامه كما أشرت سابقاً ولايعني ذلك اعتقاده ..
أما قولك أني لم أنبه لقول الشيخ سعيد فودة ( (بأن الفعل الاختياري لا يخلقه الله تعالى في العبد إلا موافقا لإرادة العبد المخلوقة فيه نتيجة لعلم الله تعالى ، كما وضحناه في تعليقاتنا أعلاه ، فكيف يقال : إن العبد مجبور باطنا ، مختار ظاهرا )
فلأني أراه في نفس المعنى الذي استكمله فيما بعد ونقلته عنه أنا في توضيح معنى الجبر الباطني عند قائليه حيث قال:( فكيف يقال : إن العبد مجبور باطنا ، مختار ظاهرا ، بل هذا الكلام غير مستقيم ، فكون الله تعالى خالقا في العبد إرادته وفعله وقدرته لا يستلزم مطلقا أن يكون العبد مجبورا ، بل هذا هو الاختيار ، لأنه تابع لإرادة العبد التي علمها الله تعالى منذ الأزل .) وأنت تقول أني أغفلت التنبيه الى القول الأول وأراه في نفس معنى القول الثاني .
وتعريف الشيخ سعيد فودة للجبر موافق عليه أيضاً ولاينافي صنيعي ..
فالذي فعلته أني برهنت من كلام الشيخ سعيد أن الجبر باطناً عند من قاله هو كون الله تعالى خلق الارادة والاختيار بالاضافة الى الفعل
فهو يوهم أن العبد مجبور ووجهت الاجابة على هذاالايهام من كلام المارغني نفسه ومن كلام الشيخ سعيد فماهي المشكلة في ذلك ؟؟

قولك ياسيدي :(أما ما فهمتموه من قول سعيد فودة ....... فينقضه استشهاده بكلام سعد الملة والدين التفتازاني ، وهذا هو الذي ينبغي أن يجلي الموضوع ، أما وجه النقض ووجه كلام السعد ؛ فسأتركهما لتسأل الشيخ سعيد عنهما . )
نعم ننتظر الشيخ أن يجلي الأمر ..

قولك ياسيدي : ( فإني أسألك أين وجه الجواب فيما ذكرته )
وجه الجواب فيما أرى : أن ارادة العبد لابد وأن تكون مخلوقة فيوهم ذلك الجبر .. ويندفع الاشكال بأن نعلم أن الله خلق الارادة على وفق علمه الأزلي فيما أراد العبد .. فماخلق له الا ماكان يريد في علم الله الأزلي ..وهذا الوجه في دفع الجبر مشابه لوجه دفع الجبر في أن الله قد كتب على العباد ماذا سيعملون و أنهم من أهل الجنة أم من أهل النار قبل خلقهم بعلمه الأزلي بما سوف يفعلون ..

وقولك أيضاً: (فأيضا أسألك ما وجه الجواب في هذا ، فإني أرى أن هذا الجواب يزيد الأمر تعقيدا عند من يدعي أن مفهوم الكسب عند الأشاعرة يوهم الجبر )
وجه الجواب فيما فهمته :أنه وان كان الأمر يوهم الجبر فاننا ينبغي أن نعلم أن الله له الحجة والحكمة البالغة قد أثاب بحكمة وعاقب بحكمة
فينبغي التسليم لحكمة الله وان لم تظهر لنا ..
ودعني أنقل هنا كلاماً بالمعنى قاله الدكتور سعيد رمضان البوطي في كتابه (هل هو مسير أم مخير) بعد أن بين أن العبد مختار :
لنفرض أن العبد حقيقة مجبور وأن الله رتب عليه الثواب والعقاب فهل هذا يعني الظلم ؟؟
الجواب : قطعاً لا .. لأن الملك ملكه والخلق خلقه يفعل مايشاء ولايسأل عما يفعل .. الظلم هو التعدي على ملك الغير بغير حق وهنا الملك كله لله فلا يسمى ظالماً لأنه يتصرف في ملكه حتى ولو فرضنا أن العبد مجبور حقيقة ..انتهى بالمعنى

قولك ياسيدي : ((أما قولكم (فما بقي الا أن نحتكم الى الشيخ سعيد ليين لنا الصواب في هذا الأمر) ففيه نظر ، لأن الشيخ سعيد قد يجيب بما لا يزيل الإشكال عندكم ، إلا إذا كان للقائل أثرا في نفس السامع أكثر من المقول ، ومثل هذه الأمور ليس فيها تحكيم ، ولكن فيها شرح وتوضيح ، وقرائن وأدلة وبراهين . ))
أوافقك أخي أن هذه الأمور فيها شرح وتوضيح وليس تحكيم..
ولكن ماقصدته هو أن الشيخ سعيد هو أقدر الناس على فهم المعنى المراد بعبارتهم (مختار ظاهراً مجبور باطناً ) على اعتبار أنه كماقلت : ( قد علم القاصي والداني أن سعيد فودة فقيه المذهب الأشعري في هذا الزمان .) فهو لذلك أقدر الناس على تحرير المعنى ..

وفي النهاية أخي الفاضل :
أنبهك الى أمر مهم أني لم أضع هذا البحث وأستقصيه لأني أعتقد بالجبر ولا لكي أقيم معناه بل لكي يتحرر اشكال عندي فيه
فأنا الآن لاأعتقد بالجبر وقد كررت مراراً وتكراراً أننا نثبت للعبد الكسب والاختيار ولكن كون هذا الكسب والاختيار مخلوق يوهم أنه مجبور باطناً (ومازلت مقتنع وان لم أجزم بأن هذا هو المقصود عند القائلين بالجبر الباطني) ولكن انجلى الأمر عندي بتعليق الشيخ سعيد وهو أن هذا الكسب والاختيار وان كان مخلوقاً لكنه لايعني الجبر على اعتبار أن الله خلق الكسب والاختيار بموجب علمه الأزلي بكسب العبد واختياره
وهذا هو المعنى الذي أرتاح له الآن وأجده الأقرب الى الصواب

وبارك الله فيك أخي الكريم.