المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرازي والحنابلة--في كتاب"أساس التقديس"



جمال حسني الشرباتي
03-11-2004, 03:29
األرازي رحمه الله يناقش مقولة ((الله لا داخل العالم ولا خارجه)) وذلك في مقدمة كتابه أساس التقديس

مبينا في دلائل أن حكم الوهم والخيال بإستبعاد هذه المقولة غلط واضح

وفي هذه الفقرة يبين أن الحنابلة يقولون بخصوصية ذات الله بما لا يستطيع الوهم والخيال إدراك كنهها


فيتسائل عن سبب استبعادهم للقول ((أن الله لا داخل العالم ولا خارجه)) لمجرد أن الوهم والخيال يستبعدها

أي أنكم أيها الحنابلة متناقضون باعترافكم بثبوت أمر على خلاف ما يقرر ه الوهم والخيال أحيانا وأخذكم بما يقرره الوهم والخيال في أمر القول((الله لا داخل العالم ولا خارجه))

((وأما الحنابلة الذين التزموا الأجزاء والأبعاض ، فهم أيضاً معترفون بأن ذاته تعالي مخالف لذوات هذه المحسوسات . فإنه تعالى لا يساوي هذه الذوات في قبول الاجتماع والافتراق والتغير والفناء ن والصحة والمرض ، والحياة والموت . إذا لو كانت ذاته – تعالى - مساوية لسائر الذوات في هذا الصفات ، لزم : إما افتقاره إلى خالق آخر – وعلى هذا يلزم التسلسل ) - أو يلزم القول بأن الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق – وذلك يلزم منه نفي الصانع – فثبت : أنه لابد لهم من الاعتراف بأن خصوصية ذاته – التي بها امتازت عن سائر الذوات - ) لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها – وذلك اعتراف بثبوت أمر على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به الخيال – وإذا كان الأمر كذلك ، فأي استبعاد في وجود موجود غير حال في العالم ولا مباين بالجهة للعالم ، وإن كان الوهم والخيال لا يمكنهما إدراك هذا الموجود ؟

جمال حسني الشرباتي
03-11-2004, 14:32
بعض ما قاله الإمام الرازي حول خلاف حكم الحس والخيال
===============================

أن معرفة أفعال الله تعالى وصفاته على خلاف حكم الحس والخيال.
===================================
أما تقرير هذا المعنى في أفعال الله تعالى فذلك من وجوه :أحدها :

إن الذي شاهدناه هو تغير الصفات ، مثل انقلاب الماء والتراب نباتاً، وانقلاب النبات جزء من بذر حيوان . فأما حدوث الدواب ابتداء ن من غير سبق مادة وطينة ، فهذا شيء ما شاهدناه البتة ، ولا يقضى بجوازه وهمنا وخيالنا ، مع أنا سلمنا أنه تعالى هو المحدث للدواب ابتداء ، من غير سبق مادة وطينة.

وثانيها

: إنا لا نعقل حدوث شيء وتكونه ، إلا في زمان مخصوص . ثم حكمنا بأن الزمان حدث لا في زمان البتة
.
وثالثها

: إنا لا نعقل فاعلاً يفعل ، بعد ما لم يكن فاعلاً ، إلا لتغير حالة وتبدل صفة ، ثم اعترفنا بأنه تعالى خلق العالم من غير شيء من ذلك


(ورابعها

: إنا لا نعقل فاعلاً يفعل فعلاً ، إلا لجلب منفعة ، أو لدفع مضرة . ثم إنا اعترفنا : بأنه تعالى خالق العالم لغير شيء من هذا
====================================
وأما تقرير هذا المعتى في الصفات . فذلك من وجوه
:أحدها :


إنا لا نعقل ذاتاً (تكون عالمة) ) بمعلومات لا نهاية لها على التفصيل دفعة (واحدة) ) فإنا إذا جربنا أنفسنا ، وجدناها متى اشتغلت باستحضار معلوم معين ، امتنع عليها ) في تلك الحالة ، استحضار معلوم آخر . ثم إنا مع ذلك نعتقد : أنه - تعالى – عالم بما لا نهاية له من المعلومات على التفصيل من غير أن يحصل فيه اشتباه والتباس . فكان كونه - تعالى – عالماً بجميع المعلومات : أمراً على خلاف مقتضى الوهم والخيال.

وثانيها

: إنا نرى أن كل من فعل فعلاً ، فلابد له من آلة وأداة ، وأن الأفعال الشاقة تكون سبباً للكلالة والمشقة لذلك الفاعل . ثم إنا نعتقد أنه – تعالى – يدبر من العرش إلى ما تحت الثرى ، مع أنه منزه عن المشقة واللغوب والكلالة .
وثالثها :
إنا نعتقد : أنه يسمع أصوات الخلق من العرش إلى ما تحت الثرى ن ويرى الصغير والكبير ، فوق اطباق السموات العلى ، وتحت الأرضين السفلى . ومعلوم : أن الوهم البشري ، والخيال الإنساني ، قاصران عن الاعتراف بهذا الموجود . مع أنا نعتقد أنه (سبحانه و ) ) تعالى : كذلك .
فثبت أن الوهم والخيال قاصران عن معرفة أفعال الله - سبحانه وتعالى – وصفاته

فيصل سيد القلاف
16-11-2004, 21:57
عجباً لكم تقرؤون لأئمتكم من غير تفكر في الذي يقولون!

ألا ترون أن ما زعم الرازي من تناقض عند الحنابلة قد وقع هو فيه! إذ قد نفى من صفات الله ما ثبت في الكتاب والسنة لأن خياله وتصوره لا يقبله! ثم أثبت من الصفات ما لا يقبله خيال ولا تصور، من غير كتاب ولا سنة!

ولست أكتب هنا لأبين عدم تناقض الحنابلة فيما زعمه الرازي تناقضاً، لكن فقط لأفتح لكم باب التفكر فيما تقرؤون من تناقضات المتكلمين.

كيف لا يتناقضون والله يقول: ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وقال تعالى: ( كتاب أحكمت آياته ).
فالحمد لله رب العالمين.

سامح يوسف
17-11-2004, 00:11
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل فيصل القلاف
لي تعقيب علي قولك"إذ قد نفى من صفات الله ما ثبت في الكتاب والسنة لأن خياله وتصوره لا يقبله! ثم أثبت من الصفات ما لا يقبله خيال ولا تصور، من غير كتاب ولا سنة! "
أقول هذا كلام من لم ير كتب الإمام الرازي ولا في المنام فهيا أبن للجميع أيها الفاضل:
1-صفات الله تعالي التي ثبتت في الكتاب والسنة ثم نفاها الإمام الرازي
2-صفات الله تعالي التي أثبتها الإمام الرازي وهي لم ترد في الكتاب والسنة
ولكي أقصر عليك وعلي الطريق فما تسمونه صفات كالعين واليد والوجه والقدم ونحوها هي عند الأشاعرة جميعا مثبتة مفسرة علي ما تقتضيه اللغة العربية لغة القرآن ونحن لا ننفيها وبنظرة سريعة إلي الجزء الثاني من أساس التقديس تجد مصداق قولي
وأيضا مسألة أن الله تعالي" ليس بداخل العالم ولا خارجه" تجد أدلتها من الكتاب والسنة والأدلة العقلية في هذا الكتاب لكبير الأشاعرة في هذا الزمان سيدي العلامة سعيد فودةhttp://www.al-razi.net/website/pages/muhajaja.htm
فهيا أخي الكريم أوضح للجميع مشكورا بيان ما ادعيته علي شيخ الإسلام الرازي رحمه الله تعالي

سامح يوسف
17-11-2004, 00:16
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل فيصل القلاف
لي تعقيب علي قولك"إذ قد نفى من صفات الله ما ثبت في الكتاب والسنة لأن خياله وتصوره لا يقبله! ثم أثبت من الصفات ما لا يقبله خيال ولا تصور، من غير كتاب ولا سنة! "
أقول هذا كلام من لم ير كتب الإمام الرازي ولا في المنام فهيا أبن للجميع أيها الفاضل:
1-صفات الله تعالي التي ثبتت في الكتاب والسنة ثم نفاها الإمام الرازي
2-صفات الله تعالي التي أثبتها الإمام الرازي وهي لم ترد في الكتاب والسنة
ولكي أقصر عليك وعليّ الطريق فما تسمونه صفات كالعين واليد والوجه والقدم ونحوها هي عند الأشاعرة جميعا مثبتة مفسرة علي ما تقتضيه اللغة العربية لغة القرآن ونحن لا ننفيها وبنظرة سريعة إلي الجزء الثاني من أساس التقديس تجد مصداق قولي
وأيضا مسألة أن الله تعالي" ليس بداخل العالم ولا خارجه" تجد أدلتها من الكتاب والسنة والأدلة العقلية في هذا الكتاب لكبير الأشاعرة في هذا الزمان سيدي العلامة سعيد فودةhttp://www.al-razi.net/website/pages/muhajaja.htm
فهيا أخي الكريم أوضح للجميع مشكورا بيان ما ادعيته علي شيخ الإسلام الرازي رحمه الله تعالي

فيصل سيد القلاف
17-11-2004, 01:35
أخي الكريم، الرازي وغيره من الأشاعرة نفوا من صفات الله تعالى ما لا يسع أحداً أن ينكره، أما كونهم يثبتون لفظة العين ثم ينفون المعنى، فهذا فعل الجهمية كذلك والمعتزلة، وهم نفاة باتفاق بيننا وبينكم.

وانظر رد الدارمي على بشر المريسي، لتعلم أن كلام الأشاعرة عينه هو كلام المريسي في تعطيل الصفات، التعطيل الذي اتفق أئمة السلف على ذمه والتحذير منه. وانظر كذلك رد الإمام أحمد على الجهمية، وغيرها مما صنفه السلف كالسنة لابن أبي حاتم وغيرها.

وأسهل من ذلك أن أقول لك: ما الذي حمل الرازي على تأويل تلك الصفات؟
ستقول: أنها مجاز.
أقول: نعم، لكن ما القرينة التي دلت على عدم إرادة الحقيقة، ودلت على تعيين المعنى المجازي المراد؟
ستقول: العقل.
فأقول لك: إذاً هو رأى أن إثبات هذه الصفات على حقائقها ممتنع.
ستقول: نعم.
فأقول: وهذا عين الذي أريد. فالحنابلة ادعوا أن كون الله ليس داخلاً ولا خارجاً ممتنع، وهذا من أدلتهم على بطلان ذلك.
فإن قلت: هم يثبتون أمراً ممتنعاً كاليد والعين، فلم ردوا هذا الممتنع!
فأجيبك بمثل ذلك: الرازي أثبت أمراً ممتنعاً وهو كون الله لا داخل ولا خارج، فلم نفى الممتنع الآخر - عنده - وهو اليد؟!
فمثل ما ادعى من تناقض، قد وقع هو فيه، غفر الله له ورحمه.

ثم يا أخي مثل ما تدعي أني أدعيه على الرازي أستطيع أن أدعيه فيما ادعاه الرازي غفر الله له على الحنابلة. فقد نسب إلى الحنابلة القول بإثبات البعضية والجزئية لله تعالى، وهم لا يقولون بذلك!
وأطالبك بمثل ما طالبتني أن تأتيني بنص لهم يقولون فيه بالبعضية والجزئية.
فإن قلت هم يثبتون العين واليد، وهذا تبعيض عندي.
قلت لك: وأنتم لا تثبتون العين واليد على وجه الحقيقة، وهذا نفي عندي.

لعل الأمر اتضح إن شاء الله تعالى. والله أسأل أن يشرح صدورنا للحق والسنة. اللهم آمين.

جلال علي الجهاني
17-11-2004, 23:08
تعليق موجز على كلمتك يا فيصل حيث قلت:

(الرازي وغيره من الأشاعرة نفوا من صفات الله تعالى ما لا يسع أحداً أن ينكره، أما كونهم يثبتون لفظة العين ثم ينفون المعنى، فهذا فعل الجهمية كذلك والمعتزلة، وهم نفاة باتفاق بيننا وبينكم).

أقول: عندما تقول: إن الأشاعرة نفوا، فهذا يستلزم أن الشيء الذي نفوه ثابت على وجه القطع بالدليل والبرهان الواضحين، ودون ذلك خرط القتاد فيما تثبته صفة لله على وجه الحقيقة المرادة في اللسان العربي ..

وأرجو أن تجل لسانك عن التعريض بالإمام فخر الدين، وإن كان لديك دليل على ما تقول أن تذكر دليلك، أما إطلاق الدعاوى بدون أدلة صحيحة غير مقبول ..

وأرجو أن يتسع وقتك فتقرأ ما كتبه فخر الدين في أساس التقديس، بتمعن، وبتعقل، وبتدبر ..

والله تعالى الموفق ...

سامح يوسف
17-11-2004, 23:43
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل فيصل
قولك"لكن ما القرينة التي دلت على عدم إرادة الحقيقة، ودلت على تعيين المعنى المجازي المراد؟ "
القرينة أخي الفاضل أن هذه الظاهر من هذه الأشياء "كاليد مثلا"
هو الجارحة فأول الأشاعرة هذا اللفظ لما ثبت بالدليل القطعي من امتناع اتصاف الله تعالي بالجوارح لقوله تعالي"ليس كمثله شئ"
ولقول المصطفي صلي الله عليه وسلم " لم يكن له شبه ولا عدل"
وتلك العقيدة الصافية ساقها الإمام الطحاوي قائلا:"وَتَعَالىَ عَنِ الـحُدُودِ وَالغَايَاتِ، وَالأَرْكَانِ وَالأَعْضَاءِ وَالأَدَوَاتِ، لاَ تَحْوِيهِ الـجِهَاتِ الستُّ كَسَائِرِ الـمُبْتَدَعَاتِ."
فالأشاعرة أخي الفاضل لم يتبعوا بدعا من القول وإنما ساروا علي ما يقتضيه صريح العقل والنقل فأولوا كل لفظ من هذه الألفاظ علي ما يقتضيه لسان العرب ووفقا للسياق الوارد في الآيات أو الأحاديث
وقولك أخي الفاضل:"وأطالبك بمثل ما طالبتني أن تأتيني بنص لهم يقولون فيه بالبعضية والجزئية. "
قلت الحنابلة علي قسمين منهم مفوض المعني وهذا لا يلزم من كلامه إثبات التبعيض ولا الجزئية
وبعضهم كابن تيمية رحمه الله ومن وافقه يقولون معني اليد معلوم والكيف مجهول وعلي هذا الوهابية حاليا فإن سألت بعضهم عن معني اليد قال هي يد فإن قلت ما تعني صراحة باليد قال" أليس الإنسان يد تختلف عن يد غيره كذلك الله تعالي له يد تختلف عن يد غيره"
وفي هذا غفلة عظيمة لان المعني المشترك في اليد عند الإنسان وغيره هو الجارحة والله تعالي منزه عن الجارحة
فمن كان هذا أسلوبه فلازم مذهبه إثبات التبعيض والجزئية وإن لم يصرح بذلك
واعلم أخي الكريم أني والله ما أريد إلا الحق وأسأله تعالي أن يهديني وإياك اما اختلف فيه من الحق بإذنه
آمين

فيصل سيد القلاف
18-11-2004, 03:52
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أخي الفاضل جلال وفقه الله، قد نفى الأشاعرة ما ثبت لله تعالى قطعاً من الصفات، مما جاء في الكتاب والسنة وتواتر عن السلف، كعلو الله تعالى على خلقه وإثبات العين واليد والوجه وإثبات الصفات الفعلية التي حدثت بعد أن لم تكن وغيرها لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه. وكنت قد أحلتك إلى رد الدارمي رحمه الله على بشر المريسي ورد الإمام أحمد على الجهمية وكتب السنة التي صنفها أئمة السلف، لتعلم أن عين الذي أنكروه من التعطيل على الجهمية تقول بكثير منه الأشاعرة. والله أعلم.
ويكفيني في إثبات ما أدعي ما ذكر أخي سامح في مشاركته، فقد صرح بنفي الصفات.
ولاحظ أخي أني قلت لكم أن ما تدعونه تأويلاً أدعيه أنا نفياً، كما أن ما أدعيه أنا إثباتاً تدعونه أنتم تبعيضاً.
وليس وجه مناقشتي لكم هنا إثبات نفيكم، لكن إثبات وقوع الرازي غفر الله له في ذات التناقض الذي رمى به الحنابلة. وهذا لا أرى أحداً منكم قد تعرض له.
أما عن التعريض بالرازي أخي فأنا أكثر الدعاء له، ولا أعرض به، فما أوهم من كلامي هذا فأوله أو اعتذر لي، فإني لم أقصده.

أخي الفاضل سامح، أقول لك مثل ما قلت للأخ جلال: هذا الذي ذكرته هو الذي أسميه نفياً، لأنك صرفت ظاهر اللفظ إلى غيره من غير قرينة صالحة - عندي على الأقل -.
أما استدلالك بالعمومات كقوله تعالى: ( ليس كمثله شيء ) فهذا استدلال ضعيف، لأنه لا يدل على المراد، إذ غاية ما في الأمر أن نثبت لله تعالى يداً ليست كأيدي المخلوقات، وليس في الآية نفي اليد مطلقاً. بل نفي المثلية يدل على إثبات اليد، ألا ترى أنك لا تقول: ( الأصفر لا يشبه الطويل )! وإنما تقول: ( الأصفر لا يشبه الأحمر ) فلكليهما لون.
ثم أخي حديث: ( ليس له شبيه ولا عدل ) رواه الترمذي بسند حسن، فهل تقبلون مثله في العقائد؟! على أني أعتذر لك أنك ذكرته استئناساً لا اعتماداً.
ثم أخي أحب توضيح أمر، وهو أنا - السلفيين - ليس فينا مفوض، بل نخطئ المفوض كما نخطئ المؤول.
أما أن يلزم من الصفة الخبرية تبعيضاً فإني أقول لك أخي: لم يلزم منها تبعيض؟
تقول: ما رأينا ذا يد إلا وهي بعضه، وهو مركب.
أقول: هل تثبت لله تعالى علماً؟
تقول: نعم، ولا شك.
أقول: هل رأيت ذا علم إلا وهو ذا بعض، وهو مركب؟
تقول: لا، لم أر ذلك قط.
أقول: فأثبت لله تعالى التبعيض والتركيب كما فعلت مع اليد!
تقول: لا، الله تعالى له علم، لكن لا يلزم من إثبات علمه ما يلزم من إثبات علم المخلوق من الأبعاض.
أقول: وكذلك لله تعالى يد، لكن لا يلزم منها ما يلزم من أيدي المخلوقين من التبعيض. ومن فرق بين صفة وأخرى فقد تناقض.

على كل أخي، أنا لا أريد هنا النقاش في هذه المسائل، فالنقاش فيها على كثرتها ودقتها سيخرج الموضوع عن مساره، وهذا ما لا نريد.
لكن الشأن هنا كما قلت لك أني أريد أن أثبت أن الرازي رحمه الله والأشاعرة تبعاً وقعوا في مثل التناقض الذي نسبه للحنابلة. لعل الأمر الآن اتضح، وبيان وجه التناقض مر في المشاركة السابقة.

والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اشرف عمر طه
18-11-2004, 12:46
أخي القلاف وأصحابه السلفيين لاتدخلوا في مذهب اللإمام أحمد ما ليس فيه وما لا يدعيه فهو منزه بكل ما تحمل الكلمة من معنى
ولا يليق به ---رحمه الله --- أن يثبت لله الجوارح والأعضاء

فهو الذي كان يقول في القرآن:" كيف أقول ما لم يقل"؟؟؟

وها هو ابن الجوزي ينتقد بعض أتباع المذهب الحنبلي أمثال أبي يعلى وأبو عبد الله بن حامد حيث ألفوا كتبا شانوا فيها المذهب

وحملوا الصفات الربانية على مقتضى الحس

وكثير من السلف لم يتعرضوا للتشبيه منهم : مالك بن أنس وأحمد بن حنبل ، وسفيان الثوري ---رحمهم الله---- ، وغيرهم كثير

فلماذا يا أخي الكريم نصدق روايات الإخباريين والمتعصبين لرأي معين

وننسب لعلمائنا ما لم يقولوه حتى ندعم موقفنا


عافانا الله وإياك أخي القلاف وعصمك من الحيرة ونزع من قلبك حب الجدال والمراء فإنه والله يقسي القلوب اللينة ويورث العداوة والحقد
---- إذا لم يحسن استخدامه-----

والسلام عليكم أخي الفاضل

سامح يوسف
19-11-2004, 00:05
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل فيصل القلاف
هذه بعض التعليقات الموجزة علي ردك
قولك"الصفات الفعلية التي حدثت بعد أن لم تكن"
قلت هذ القول خطير جدا رحمك الله فالأمر كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله:"مَازَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيْماً قَبْلَ خَلْقِهِ، لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ.وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِياً، كَذَلِكَ لاَ يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِياً، لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الـخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ الـخَالِقِ، وَلاَ بِإحْدَاثِهِ البَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ البَارِئِ.
لَهُ مَعْنَى الرُبُوبِيَّةِ وَلاَ مَرْبُوبَ، وَمَعْنَى الـخَالِقِ وَلاَ مَخْلُوقَ"
وعقيدة الطحاوي عندنا وعندكم هي عقيدة السلف الصالح فلم تحيدون عنها؟!
فما لا يخلو من الحوادث فهو حادث و هذه القاعدة مستنبطة من قوله تعالي "فلما أفل قال لا أحب الآفلين" فالتغير من حال إلي حال شأن المخلوق لا الخالق سبحانه وتعالي
قولك:"ويكفيني في إثبات ما أدعي ما ذكر أخي سامح في مشاركته، فقد صرح بنفي الصفات. "قلت أين نفي الصفات يا فيصل أنا أفسر اليد في كل موضع علي ماتقتضيه لغة العرب وبالنظر للسياق ولكنك -كما أري أنا علي الأقل_ يرسخ في ذهنك المعني الحقيقي لليد وهو الجارحة فتعتبر كل تفسير غيره نفيا للصفات وإلا فاذكر لي معني يد الله عندك واعتبرني أعجميا فاشرح لي معناها عندك بوضوح تام
قولك:"لأنك صرفت ظاهر اللفظ إلى غيره من غير قرينة صالحة - عندي على الأقل -. " إذا كانت قرينة قطعية كاستحالة مشابهة الله تعالي خلقه غير صالحة لصرف اللفظ عن ظاهره فليس في الدنيا قرينة صالحة وما قولك إذن في قول نعيم بن حماد الشهير " والمتبادر إلي الأذهان منفي عن الله "
وأنتم تأولون النسيان في قوله تعالي "نسوا الله فنسيهم" بمعني الترك
وتقولون النسيان مستحيل علي الله لأنه صفة نقص فما بالكم لا تعتبرون الجارحة وهي ظاهر معني اليد صفة نقص أليس هذا هو التناقض بعينه؟!
قولك:"ثم أخي حديث: ( ليس له شبيه ولا عدل ) رواه الترمذي بسند حسن، فهل تقبلون مثله في العقائد؟! على أني أعتذر لك أنك ذكرته استئناساً لا اعتماداً"
نعم نقبل الحديث الحسن المحتف بالقرائن و ارجع لشروح النخبة إن أردت تفصيلا وأنا ذكرت الحديث اعتمادا عليه لا استئناسا

قولك:"أما أن يلزم من الصفة الخبرية تبعيضاً فإني أقول لك أخي: لم يلزم منها تبعيض؟
تقول: ما رأينا ذا يد إلا وهي بعضه، وهو مركب.
أقول: هل تثبت لله تعالى علماً؟
تقول: نعم، ولا شك.
أقول: هل رأيت ذا علم إلا وهو ذا بعض، وهو مركب؟
تقول: لا، لم أر ذلك قط.
أقول: فأثبت لله تعالى التبعيض والتركيب كما فعلت مع اليد!
تقول: لا، الله تعالى له علم، لكن لا يلزم من إثبات علمه ما يلزم من إثبات علم المخلوق من الأبعاض.
أقول: وكذلك لله تعالى يد، لكن لا يلزم منها ما يلزم من أيدي المخلوقين من التبعيض. ومن فرق بين صفة وأخرى فقد تناقض. "
أخي الفاضل تعريف العلم عند السادة الأشاعرة هو صفة أزلية لها تعلق بالمعلوم على وجه الإحاطة والشمول دون سبق خفاء
فأين هذا من علم المخلوق حتي يلزمنا ما قلته
والآن جاء دورك لتخبرني صراحة وبتفصيل تام ما معني اليد عندك حتي نري إن كان يلزم منها تبعيض أم لا
وختاما أنا في انتظار ردك وفقني الله وإياك

فيصل سيد القلاف
19-11-2004, 04:32
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخي الفاضل سامح سامحه الله وعامله بفضله، لي مع ما كتبت مناقشات، وأسأل الله أن تكون آخر مشاركة خارجة عن صلب الموضوع، الذي لم أر أحداً منكم تكلم عنه، وهو وقوع الرازي رحمه الله في مثل التناقض الذي ادعاه على الحنابلة.

أما قولي أني أثبت لله تعالى الصفات الفعلية، فنعم أثبتها لله تعالى، لكن لا ألتزم ما ترى أنه يلزم منها من الحدوث. فإن ذلك ثابت في الكتاب والسنة والإجماع، وما كان كذلك فهو حق لا يلزم عليه باطل.

أما من الكتاب فالله تعالى يقول: ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ) فيه أن استوى إليها بعد أن لم يكن ضرورة أن ثم تفيد الترتيب والتراخي.
وقال تعالى: ( قد سمع الله قول التي تجادلك ) فالسمع هنا ماضٍ، فتكلم الله تعالى بهذه الآية حاصل بعدما سمع لا قبل أن يسمع ضرورة أن الماضي هو السابق على زمن التكلم. لا يقال إن في الآية مجاز، لأن التوكيد ينفي احتمال المجاز.
وقال تعالى: ( سيقول السفاء من الناس ) فدل على أن الله تعالى تكلم بهذه الآية قبل أن يقولوا، ضرورة أن الفعل المستقبل يحدث بعد زمن التكلم.
وقال تعالى: ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو تأتي بعض آيات ربك ) فأثبت لله تعالى إتياناً يحدث في المستقبل ضرورة أن المنتظر لا يكون إلا في المستقبل.
وغير ذلك في كتاب الله تعالى كثير.

ومن السنة المتواترة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل فيقول ) الحديث. دل على أن النزول والكلام يحدثان في الثلث الآخر من الليل بعد أن لم يكن حادثاً في الثلث الأوسط. إلى غير ذلك من الأحاديث المتكاثرة المتضافرة، ولله الحمد.

أما كلام الطحاوي رحمه الله فليس في هذه المسألة، وراجع لفهمه شرح ابن أبي العز الحنفي رحمه الله.

أما استنباط أن ما يحل فيه الحوادث فهو حادث من قوله تعالى: ( فلما أفل قال لا أحب الآفلين ) فقد سبق نقاشها في ملتقى أهل التفسير فراجعه هناك ترى خطأ الرازي غفر الله له الذي استنبط ذلك. وإن شئت نقلت إليك الكلام هنا.
لكن ألخصه لك في كلمات: الأفول هو الغروب والزوال وليس مجرد الحدوث، وهذا فيه نقص بخلاف حدوث الفعل أي فعل. ثم لا يلزم من حدوث الفعل أن الفاعل مخلوق، لأنه لا يلزم من وجود الحدوث وجود الخلق، لأنه لا يلزم من وجود العام وجود الخاص. والله أعلم بمراده.

أما عن كونك أخي بارك الله فيك قد نفيت الصفات في مقالك السابق، فإني كنت قد كتبت فقرة لعلك لم تقرأها، فأعيدها بحذافيرها. قلت: ( ولاحظ أخي أني قلت لكم أن ما تدعونه تأويلاً أدعيه أنا نفياً، كما أن ما أدعيه أنا إثباتاً تدعونه أنتم تبعيضاً ).
ولا شك أن أحدنا محق في دعواه، ولا شك عندي أني محق في دعواي كما قد يكون لا شك عندك أنك محق في دعواك.

لكن نحن بين أمرين: نحن – السلفيين – نثبت ما أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه، ولا نقدم بين يدي الله ورسوله، ونمره على ظاهره كما أمره السلف رضوان الله عليهم. ثم كل ما يلزمنا به المخالف من باطل، نقول له: كلام الله حق لا يلزم عليه باطل، فما ألزمتنا به ليس بلازم. كيف؟
نقول: كيف عرفت تلازمه؟
يقول: لا أعقل من هذه الصفات إلا هذه الكيفيات، وهي كيفيات باطلة، فلزم نفي ما استلزمته من الصفات.
فنقول له: وهل تعقل أن لله تعالى ذاتاً؟
يقول: نعم ولا شك، ومن شك في وجوده تعالى كفر.
نقول له: فهل تعلم أن ذات الله تعالى لها كيفية تليق به؟
يقول: نعم، ولا شك.
نقول له: هل تعلم هذه الكيفية؟
يقول: لا ومن ادعى علمها كفر.
نقول له: هل يلزم عليها ما يلزم على ذوات المخلوقين؟
يقول: لا وكلا، ولا شك.
نقول له: إذن أجر ما أقررت به في الذات على كل الصفات، إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.
فقل: أعقل أن لله تعالى يداً، وأن هذه اليد لها كيفية تليق به تعالى، لكن لا أعلمها، وما لا أعلمه لا يصح أن أقيس عليه أو أن أقول يلزم عليه كذا وكذا.

وهذا واضح لا شك فيه، إذ طرق العلم بالكيفيات إما خبر أو قياس أو رؤية. وصفات الله تعالى لم يخبرنا معصوم بكيفياتها، ولا له مثل سبحانه لنقيس عليه، ولا رأيناه لنعرفها. وبذلك تكون قد سدت علينا أبواب العلم كلها. هذا مذهبنا.

أما أنتم أخي غفر الله لكم فتقولون: نثبت لله تعالى ما أثبت لنفسه من ألفاظ، أما المعاني فإن العقل لا يقبل أن تجرى على ظاهرها، فيلزم أن نؤولها بما يتفق مع العقل.
فنقول لكم: وكيف عرف العقل أن هذه الألفاظ تدل على معانٍ لا تليق بالله تعالى.
تقولون: لأنا لا نعقل وجود هذه الصفات التي ظاهرها في القرآن إلا بوجود لازمها الباطل.
فنقول لكم: ولماذا لا تعقلون انفكاك هذا التلازم؟
تقولون: لأنه يلزم من وجود نظيرها في المخلوق وجود ذلك اللازم.
فنقول لكم: ومن قال أنه يلزم على صفات الله تعالى ما يلزم على صفات المخلوقين؟ ثم نقول لكم ما مر من التماثل بين القول في الذات والقول في الصفات.
وهنا لا أظنكم تحيرون جواباً!

بل يا أخي إنا لا نقول أنه يلزم من وجود أطعمة الجنة نسائها وقصورها ما يلزم من نظائرها في الدنيا، هذا، وكلاهما مخلوق! فإذا امتنع قياس مخلوق على مخلوق لما بينهما من التفاوت، فكيف بقياس الخالق على المخلوق؟!

ثم يا أخي أنت قلت أنكم تفسرون اليد في كل موضع بما تقتضيه لغة العرب، وأنا أحييك على هذا الأصل، لكن أطالبك بالتزامه في التطبيق. قال تعالى: ( بل يداه مبسوطتان ) هل في لغة العرب من يقول: ( نعمتاه )؟! وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( يقبل ربنا الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها ) فهل في لغة العرب: ( يأخذها بقدرته أو برحمته )؟! وقال تعالى: ( الرحمن على العرش استوى ) هل في لغة العرب ( استوى يعني استولى )؟! وقال تعالى: ( وناديناه من جانب الطور ) هل في لغة العرب ( ناداه بكلام نفسي )؟! وقال تعالى: ( فسيأتي الله بقوم يحبهم ) هل في كلام العرب: ( يحبهم أي يريد بهم الخير )؟!
هذا يا أخي لا يقول به عربي!

فإن قلت لي: هذا مجاز أو كناية!
قلت لك: وما القرينة الصارفة عن الحقيقة.
ستقول: هذا ممتنع عقلاً.
أقول لك: وكيف؟
تقول: لأن نظير هذه الصفة في المخلوق يلزم عليها كيت وكيت.
أقول لك: وهل يلزم على صفة الخالق ما يلزم على صفة المخلوق؟! كيف والقياس بينهما ممنوع؟! ونعيد ما مر من التماثل بين الكلام في الذات والكلام في الصفات.

ثم لو كان تأويل هذه الصفات حق، لم تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبينه؟! لم قرأه على الأعراب والنساء والعجائز الذين لا يعرفون الفلسفات ولا يدركون إلا ظواهر الألفاظ؟! لم لم يأت ذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؟! لم لم يسألوا عن ذلك النبي، وهم أحرص الناس على الخير؟! لم لم يبينوا ذلك للأعاجم حديثي العهد بالوثنية؟! لا شك أن ذلك كله لأن ظواهر النصوصو مرادة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فنثبتها على ظاهرها من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.

أما قول نعيم بن حماد – على فرض ثبوته -: ( المتبادر منها منفي ) وقول غيره من السلف: ( نمرها بلا كيف ) ونحوه. فمعناه أنهم لا يؤمنون بما تبادر منها إلى أذهان المتكلمين ونحوهم من التمثيل والتشبيه! وأنهم لا يعلمون لها كيفاً، لا أنها هي ليس لها كيف. وهذا يعلم بتتبع أقوالهم واستقرائها. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ( كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل ).
وكنت قد أحلتك سابقاً لقراءة رد الإمام أحمد على الجهمية ورد الإمام الدارمي على بشر المريسي، لتعلم أن ما أنكره السلف على الجهمية قد وقعت الأشعرية في مثله. فإذا علمت ذلك انقطع نسبكم إلى السلف، ولم يكن لكم حق في الاستدلال بهم.

أما الحديث الحسن أخي فلا أعلم أحداً من متكلمي الأشاعرة يقبله في العقائد، وليت أنك تتكرم علي بالنقل عن مصدر معتمد عندكم.
ثم أخي يظهر أنك التبس عليك الصحيح بالحسن، فالذي في كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله وغيره أنه يفيد العلم النظري بالقرائن هو الصحيح لا الحسن.

ثم في آخر موضوعك أخي الفاضل أكدتَ ما أريد أن أقول في هذه المشاركة. وهو قولك بعد أن ذكرت تعريف علم الله تعالى عند الأشاعرة: ( فأين هذا من علم المخلوق حتى يلزمنا ما قلته )؟! وهذه بحق كلمة من ذهب، وهي أساس طريقة السلف.
فأنت تقول: لا قياس بين علم الخالق وعلم المخلوق، فلا يلزم على علم الخالق ما يلزم على علم المخلوق.
وبهذا أجيبك في اليد والوجه والإتيان والكلام وغيرها من الصفات التي " تنفونها " أقول لك: أين صفة الله ( يد الله أو وجه الله أو إتيان الله أو كلام الله ) من صفة المخلوق ( يد المخلوق أو وجه المخلوق أو إتيان المخلوق أو كلام المخلوق )؟! فلا يلزم على صفة الله ما يلزم على صفة المخلوق. والحمد لله رب العالمين.
هذه طريقة " السادة " السلفية رضوان الله تعالى عليهم.

والله أسأل أن يشرح صدورنا للحق، وأن يجمع كلمتنا على الحق، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه. قولوا: آمين. اللهم آمين.

والله سبحانه هو السيد، وهو أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه سادتنا أجمعين.

سامح يوسف
19-11-2004, 23:55
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل فيصل القلاف
لي تعقيبات كثيرة علي كل ما قلت أذكرها فيما بعد إن شاء الله
لكن لا بد من بيان نقطة لماذا تجاهلت طلبي الصريح مرتين
والآن أعيد ما قلت راجيا منك الإجابة بوضوح ودون مواربة:
قلت فيما سبق:

1- اذكر لي معني يد الله عندك واعتبرني أعجميا فاشرح لي معناها عندك بوضوح تام

2-والآن جاء دورك لتخبرني صراحة وبتفصيل تام ما معني اليد عندك حتي نري إن كان يلزم منها تبعيض أم لا

واعلم أخي الكريم أني أريد ردك علي هذه النقطة أولا حتي يكتمل ردك
ثم بعد ذلك أناقشك في كل ما قلت من أول ردك إلي آخره
والله الموفق لا رب غيره ولا يرتجي إلا خيره

فيصل سيد القلاف
20-11-2004, 14:01
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخي الفاضل سامح، بينت لك فيما سبق، لكن لعل عبارتي قصرت، فأزيد الأمر بسطاً.

يد الله تعالى صفة ذاتية خبرية له تعالى، تليق به. هذا ما نعتقد.
ما معنى اليد؟! اليد معناها معلوم، ونظيرها في البشر جارحة معروفة. ولا أعرف كيف أفسر الماء بغير أنه ماء!
ولا يمكن أن نفسر اليد بمعنى كلي يشمل كل ما تطلق عليه، لأن يد كلٍّ بحسبه، فيد الكرسي غير يدي الباب غير يد الجمل غير يد العقرب، وهكذا. ويد الله تعالى تليق بكماله وجلاله.
كيف هي يد الله؟ الله سبحانه أعلم، ولا سبيل لنا إلى معرفة ذلك، بل ولا يجوز هذا السؤال.

والأمر كما قال الإمام مالك لما سئل: ( الرحمن على العرش استوى. كيف استوى )؟ قال رحمه الله: ( الاستواء معلوم [ أي معناه في اللغة، وهو الارتفاع ] والكيف مجهول [ لأن طرق العلم به منفية ] والسؤال عنه بدعة [ لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يسألوا عنه ] وما أراك إلا رجل سوء ).

هذا، ولأني على سفر صباح الإثنين القادم إلى المدينة النبوية زادها الله شرفاً، لزم أن أتم مسألة التناقض التي هي مبحث هذا الموضوع.

فقد ثبت للمنصف ما وقع فيه الرازي رحمه الله من التناقض كما مر. بقي أن ما اتهم به الحنابلة [ السلفية ] من التناقض غير صحيح.
كيف؟
هو يقول أنهم يثبتون لله تعالى اليد مع أن ذلك مستحيل عقلاً عليه سبحانه - عنده - بينما ينفون كونه لا داخل العالم ولا خارجه لأن ذلك مستحيل عقلاً - عندهم -.

والرد عليه رحمه الله من وجوه:

الأول: أن نفيهم ذلك عن الله تعالى لا لأجل أن العقل لا يقبله، لكن لأجل أن الكتاب والسنة دلا على خلافه، دلا على علو الله تعالى على خلقه علواً حقيقياً، والنصوص على ذلك متكاثرة من أوضحها حديث الجارية وحديث المعراج.

الثاني: أنهم ما ذكروا ذلك الاستدلال العقلي إلا تنزلاً مع المعطلة، كأنهم يقولون لهم: أنتم تنفون كذا وكذا لاستحالته عقلاً، فلم تثبتون كذا وهو مستحيل عقلاً؟! هذا تناقض. وليس فيه أنهم يقيسون ما امتنع على البشر بأنه ممتنع على الله تعالى.

الثالث: أن امتناع اليد على الله تعالى غير مسلم به، فإنا لا نلتزمه. وعليه فنفينا كون الله لا داخل ولا خارج لامتناعه ليس بتناقض. لأنا لم ننفي شيئاً لسبب ثم نثبت شيئاً مع قيام مثل السبب، كما زعم الرازي غفر الله له. ولا يلزمنا ما يعتقد غيرنا بفلسفته ومنطقه!

هذا، وإني تارك الشبكة زمن بقائي في المدينة حتى عودتي إلى الكويت، أكثر من شهر، فليت أنك أخي إن رددت علي أن تذكر مراقبة الله تعالى، فتلتزم بالتجرد والإنصاف، ولو على نفسك ومذهبك، وأن تعلم أنك تتكلم في دين، بل في ذات الله تعالى وصفاته. وكفى بالله على ما نكتب شهيداً.

والله أعلى وأعلم، وأتوب إليه مما زل به القلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

سامح يوسف
21-11-2004, 01:33
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل فيصل القلاف
هذا هو ردي عليك والله ما أريد إلا الحق والإنصاف
أولا حول مسألة أن صفات الأفعال حادثة تأمل ما يلي من كلام العلامة سعيد فودة حفظه الله إيضاحا لهذه المسألة قال:
(
المقصود من صفات الأفعال أحد أمرين عند علمائنا
الأول: يراد به الصفات التي تصدر عنها الأفعال كالقدرة عند الأشاعرة، وكالتكوين عند السادة الماتريدية، وهذه الصفات قائمة بذات الله تعالى وهي ليست بحادثة قطعا، لأنه يستحيل قيام الحوادث بذات الله تعالى.
والثاني: يطلق هذا المصطلح ويراد به عين التعلق الثابت بين الذات وبين المخلوقات، كهذا العالم بما فيه، فإنه من المعلوم أن لولا دوام التعلق أي التأثير في المخلوقات لما استمر وجودها، لأنها لا بقاء لها إلا بإبقاء الله تعالى لها. فالتعلق، وهذا التعلق أقصد تعلق القدرة، يقسمه علماؤنا إلى قسمين، ألأول تعلق تنجيزي حادث، والثاني تعلق صلوحي قديم. والفرق بين الصلوحي والتنجيزي، أن الصلوحي متوقف فقط على ثبوت الذات والصفات، وهي حاصلة في الأزل، وأما التعلق التنجيزي فهو مع وجود المخلوقات، وأنت تعلم أن جميع المخلوقات حادثة، فلذلك يقولون إن التعلق من حيث هو تنجيز وتحصيل لما تعلق به فهو حادث ، لأن طرفه المخلوق حادث قطعا وليس قديما.
وبعض العلماء يقولون إن حقيقة فعل الله تعالى هو عين هذا التعلق، وأما المخلوق فهو مفعول، وليس عين الفعل حقيقة، ولكن لأن الترابط لازم بين التعلق التنجيزي وبين المفعول، لأنه يستحيل ثبوت التعلق بلا مخلوق، فإنهم قد يطلقون على عين المخلوق اسم الفعل. وعلى كل حال فإطلاق اسم الفعل على النسبة أو على المخلوق أي (المتعلَّق به) مجرد أمر لغوي.
وإذا تم تمييز الفرق بين هذه المفاهيم. فقد اتضح أن من قال بأن أفعال الله تعالى حادثة فإنه يريد هذه النسبة، وهي ليست قائمة بعين الذات، مطلقا، لأنه في الخارج ليس ثم إلا الخالق والمخلوق، والمخلوق ليس حالا في الخالق.
ومن قال إن صفات الأفعال قديمة، إنما قصد منشأ الفعل أعني إما القدرة نفسها أو صفة التكوين عند من يثبتها.
وعلى كل الأحوال فلا أحد يقول من أهل السنة بأن الأفعال الحادث حالة بذات الله تعالى كما يقول المجسمة وغيرهم.
وهذا التعلق المذكور، إذا كان أثره الإيجاد للذات من عدم، يسمى خلقا، وإذا كان أثره إيجاد الصورة لموجود، يسمى تصويرا، وإذا كان أثره إيجاد نعمة على المخلوق، يسمى رزقا، وإذا كان خلق العذاب يسمى انتقاما وهكذا، ومن هذه المصادر تشتق لله تعالى أسماءا حسنى فيقال الله تعالى هو المنتقم وهو الخالق وهو الرازق وهكذا. )
وعلي هذا اخي الكريم فالقول بان صفات الأفعال حادثة هو قول الأشاعرة مع التأكيد علي أنها غير قائمة بالذات مطلقا
إلي هنا أنا وأنت متفقان
لكنك عند تمثيلك لصفات الأفعال قلت:"يقول: ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ) فيه أن استوى إليها بعد أن لم يكن ضرورة أن ثم تفيد الترتيب والتراخي.
وقال تعالى: ( قد سمع الله قول التي تجادلك ) فالسمع هنا ماضٍ، فتكلم الله تعالى بهذه الآية حاصل بعدما سمع لا قبل أن يسمع ضرورة أن الماضي هو السابق على زمن التكلم. لا يقال إن في الآية مجاز، لأن التوكيد ينفي احتمال المجاز.
وقال تعالى: ( سيقول السفاء من الناس ) فدل على أن الله تعالى تكلم بهذه الآية قبل أن يقولوا، ضرورة أن الفعل المستقبل يحدث بعد زمن التكلم. "
قلت في هذا الكلام تخليط و عدم تفريق بين صفات الذات وصفات الأفعال
نعم الاستواء من صفات الأفعال ومعناه عند الأشاعرة تمام تدبير أمر الكائنات بدلالة الحالية في قوله تعالي "ثم استوي علي العرش يدبر الأمر"
أما تمثيلك بصفة السمع في قوله تعالي " قد سمع الله قول التي تجادلك " فخطأ لان السمع من صفات الذات لا الأفعال و صفات الذات قديمة
وأنا وأنت متفقان علي أن الله يعلم المخلوقات قبل خلقها فلم يمتنع أن يسمع الله ويبصر المخلوقات أزلا قبل خلقها
هذا ولا يلزم من قولنا بسمعه وبصره الحوادث قبل وجودها أن تكون الحوادث قديمة ، كما لم يلزم من قولنا بعلمه الأشياء قبل حدوثها أن تكون الحوادث قديمة
وإذا جاز في الشاهد أن يرى النائم حدثا ما فيعاينه بالصوت والصورة قبل وقوعه ثم يراه في اليقظة كما كان في الرؤيا على سبيل خرق العادة فكيف بالخالق ؟

-و كيف يظن أن الله قبل ساعة من الآن لم يسمع الأصوات التي حدثت بعد ساعة فلما حدثت سمعها لأنه على تجويز هذا يكون ـ سبحانه ـ لم يزل غير سامع لها ويعني ذلك بالضرورة أن مسموعاته بعد ساعة قد زادت على مسموعاته قبل ساعة ويلزم منه أن سمعه قبل ساعة كان ناقصا فازداد وفي هذا ما فيه
وهذا التعليق مستفاد من كتابات أخي الأزهري بارك الله فيه
وكذلك صفة الكلام يا أخي صفة ذات قديمة و ليست صفة فعل فتنبه
قولك" يا أخي أنت قلت أنكم تفسرون اليد في كل موضع بما تقتضيه لغة العرب، وأنا أحييك على هذا الأصل، لكن أطالبك بالتزامه في التطبيق. قال تعالى: ( بل يداه مبسوطتان ) هل في لغة العرب من يقول: ( نعمتاه )؟! وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( يقبل ربنا الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها ) فهل في لغة العرب: ( يأخذها بقدرته أو برحمته )؟! وقال تعالى: ( الرحمن على العرش استوى ) هل في لغة العرب ( استوى يعني استولى )؟! وقال تعالى: ( وناديناه من جانب الطور ) هل في لغة العرب ( ناداه بكلام نفسي )؟! وقال تعالى: ( فسيأتي الله بقوم يحبهم ) هل في كلام العرب: ( يحبهم أي يريد بهم الخير )؟!
هذا يا أخي لا يقول به عربي! "
قلت إليك البيان علي ما تقتضيه لغة العرب أيها الأخ الفاضل:
1-بل يداه مبسوطتان:معناها بل هو جواد كريم
2-( يقبل ربنا الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها ): معناه قبوله لها ومباركته لصاحبها وتكثير ثوابه

3-( الرحمن على العرش استوى):معناه كناية عن تدبير الامر كما مر
4- وناديناه من (جانب الطور ) هل في لغة العرب ( ناداه بكلام نفسي )؟!
قلت مذهبنا أن سيدنا موسي عليه وعلي نبينا الصلاة والسلام سمع كلام الله النفسي من غير حرف ولا صوت لأن الكلام كما مر صفة ذاتية والحرف والصوت حادثان ولا يمكن أن يحل الحادث في القديم (ذات الله تعالي)
لأن الحدوث والقدم إشارة إلى رتبتين من مراتب الوجود، الأولى الفقر الذاتي، وهو صفة لازمة لها بالذات، والثانية غنية بالذات عن كل ما هو غيرها.
فيتحصل أن قيام الحادث بالقديم معناه قيام الفقر في الغنى، أي كون الغني فقيراً، وهو محالٌ.كما أفاده الشيخ سعيد حفظه الله
قولك"
ثم لو كان تأويل هذه الصفات حق، لم تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبينه؟! لم قرأه على الأعراب والنساء والعجائز الذين لا يعرفون الفلسفات ولا يدركون إلا ظواهر الألفاظ؟! لم لم يأت ذلك عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؟! لم لم يسألوا عن ذلك النبي، وهم أحرص الناس على الخير؟! لم لم يبينوا ذلك للأعاجم حديثي العهد بالوثنية؟! لا شك أن ذلك كله لأن ظواهر النصوص مرادة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم"
اخي الكريم الصحابة الكرام هم صفوة الأمة وهم عرب بلغاء فهموا من كل آية وحديث ما يليق بالله تعالي في إطار معرفتهم بالله وتنزيهه واستحالة مشابهته لمخلوقاته
وكذلك الأعراب والنساء والعجائز كلهم بالسليقة يدركون مقصود الآيات فالعرب أبلغ الناس فيفهمون الكنايات والمجازات وهذا مستفيض في لغة العرب
والصحابة قد أتي عنهم تأويل الصفات كما فعل ابن عباس رضي الله عنه في تفسيره لقول الله تعالي (يوم يكشف عن ساق) قال عن شدة من الأمر أليس هذا تأويلا ؟!!
أما عن تبيينهم للأعاجم فأول ما يبين كان عقيدة التنزيه
ثم قل لي أيها الفاضل أجمع الرسول الناس يوما فقال اعلموا أن لله صفات هي
يد الله وعين الله و قدم الله وأصابع الله وحقو الله وو جه الله
والله الذي لا إله غيره ما حدث هذا أبدا ومشايخ الوهابية يجمعون هذه الأحاديث جمعا ويلقونها للعامة حتي لا يبقي عامي إلا اعتقد التجسيم وهو يظن أنه علي عقيدة السلف
فليتهم اقتصروا علي الكلام الإجمالي
أذكر رسول الله صلي الله عليه والسلام هذه الأشياء معا ؟!
لا والله وانتم عندكم ترك النبي صلي الله عليه وسلم حجة فلم لم يكن هنا تركه حجة؟!!
قولك:"يد الله تعالى صفة ذاتية خبرية له تعالى، تليق به. هذا ما نعتقد.
ما معنى اليد؟! اليد معناها معلوم، ونظيرها في البشر جارحة معروفة. ولا أعرف كيف أفسر الماء بغير أنه ماء!
ولا يمكن أن نفسر اليد بمعنى كلي يشمل كل ما تطلق عليه، لأن يد كلٍّ بحسبه، فيد الكرسي غير يدي الباب غير يد الجمل غير يد العقرب، وهكذا. ويد الله تعالى تليق بكماله وجلاله.
كيف هي يد الله؟ الله سبحانه أعلم، ولا سبيل لنا إلى معرفة ذلك، بل ولا يجوز هذا السؤال. "
قلت لا حول ولا قوة إلا بالله آل المعني عندك في النهاية إلي أن يد الله
هي نظير جارحة البشر ونظير يد الكرسي ونظير يد الجمل ونظير يد العقرب و الفارق الوحيد بين الجميع هو الكيفيات فنحن نعلم كيفية الكائنات ولا نعلم كيفية الله ! إنا لله وإنا إليه راجعونقلت هذا تبعيض وتجزئة للذات الإلهية وفي هذا من التجسيم ما فيه
واعلم أخي الكريم أن لو قلت هي صفة لله بلا كيف ليست بجزء ولا عضو ولا جارحة لقلت الحق الصراح ولوافقت أقوال المفوضين المنزهين من السلف و الأشاعرة فهم يثبتون اليد صفة بلا كيف
تأمل لا النافية للجنس يعني لا كيف أبدا لا أن الكيف له وجود لكنا لا نعلمهوقول الإمام مالك أقوي رواياته "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" لا كما قلت"الاستواء معلوم والكيف مجهول " فتنبه
وبهذا أخي الفاضل بان للجميع صحة اتهام الإمام الرازي لبعض الحنابلة من أنهم يثبتون ما يستحيل عقلا علي الله
وذلك انهم يثبتون اليد ويعنون بها الجارحة وإن لم يصرحوا بذلك
وهذا واضح بين إن شاء الله تعالي وهذا يبين أن هؤلاء هم المتناقضون لا الإمام الرازي رحمه الله
قولك :"هذا، وإني تارك الشبكة زمن بقائي في المدينة حتى عودتي إلى الكويت، أكثر من شهر، فليت أنك أخي إن رددت علي أن تذكر مراقبة الله تعالى، فتلتزم بالتجرد والإنصاف، ولو على نفسك ومذهبك، وأن تعلم أنك تتكلم في دين، بل في ذات الله تعالى وصفاته. وكفى بالله على ما نكتب شهيداً.

والله أعلى وأعلم، وأتوب إليه مما زل به القلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. "قلت والله يا أخي فيصل ما سطرت بيميني إلا ما أعلمه حقا و الله شهيد علينا
وأنا أعلم خطورة ما نتحدث فبه لكني والله ما كتبت شيئا برأيي بل كل ما سطرته قال به وحققه رجال الواحد منهم بآلاف
وختاما أقول والله إني لأظن بك خيرا و إنصافا في الحكم علي ما نتناقش فيه
والله الموفق والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلامعلي سيد الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين

فيصل سيد القلاف
21-11-2004, 05:46
السلام عليكم أخي سامح ورحمة الله وبركاته،
أعلق على ما ذكرت على عجل لضيق الوقت، واللبيب تكفيه الإشارة.

أخي الفاضل ظهر من كلامك أنك لم تفهم ما قصدتُ بالأفعال الحادثة، فلعل عبارتي قصرت، فأزيدها بسطاً.
فالصفة الحادثة هي التي حدثت بعد أن لم تكن. مثالها الاستواء على العرش في قوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى ).
ومن الصفات الفعلية باعتبار آحادها ما هي ذاتية باعتبار نوعها. وهذا النوع هو الذي أشكل عليك أخي الفاضل. مثاله الكلام، فنوع الكلام قديم، واتصاف الله تعالى بالمتكلم وصف ذاتي، أما باعتبار آحاد الكلام فالله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، فهي فعلية تحدث بعد أن لم تكن. وكذلك سمع الله تعالى، هو صفة ذاتيه باعتبار النوع، أما باعتبار آحاد المسموعات فهو صفة فعلية.
وسيأتي زيادة بيان لذلك خلال هذه المشاركة إن شاء الله تعالى.

أما كون الصفات الفعلية حدثت في ذات الله تعالى أو في الخارج، فلا مانع من أنها قائمة بذات الله تعالى ضرورة أن الصفة تقوم بالموصوف لا خارجه، أما أثر الصفة فنعم قد يظهر خارجاً عنها.
ويدل على قيام الصفات بذات الله تعالى وليس خارجاً عنها أنه تعالى يتصف بأمور لازمة غير متعدية. كالضحك كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ) رواه أحمد والنسائي وهو صحيح. والفرح كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة ) متفق عليه. والمحبة قال تعالى: ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ). والغضب قال تعالى: ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) وغيرها.
فهذه وإن لزم من بعضها حدوث صفة أخرى إلا أنها هي في ذاتها لا أثر لها في المخلوق، وإنما الأثر من الصفة التي لزمت منها. فالضحك مثلاً لا يلزم منه أثر في المخلوق، بل ربما لم يستلزم صفة أخرى لها أثر في المخلوق أصلاً. والمحبة صفة لا أثر لها في ذاتها على المخلوق، لكن يلزم منها الإكرام والنصر، والإكرام ليس هو المحبة ولكنه لازم ينشأ عنها. والله أعلم.

ثم أخي هذه مناقشات في بعض ما ذكرت من صفات:

أولاً الاستواء ليس هو تمام التدبير، ذلك أن فعل ( استوى ) لا يعرف في لغة العرب متعدياً بحرف ( على ) إلا بمعنى اعتلى وارتفع. وتعلم أخي أن معنى الفعل يختلف باختلاف الحرف الذي يتعدى به، كما تقول رغبت في كذا إن أحببته ورغبت عنه إن كرهته.

ثانياً السمع كما قلتُ لك ذاتي باعتبار تمكن الله تعالى من السمع، فهو سميع قبل أن يخلق الأصوات. أما باعتبار آحاد السمع، فهي صفة فعلية، إذ يسمع الله تعالى الصوت بعد صدوره من المتكلم.
ودليل ذلك من السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( اللهم إني أعوذ بك من الأربع ) ومنها: ( ومن دعاء لا يسمع ) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم وهو صحيح، وهو هكذا في كل طرقه - والله أعلم - بالمضارع، والمضارع يدل على التجدد والاستمرار كما تعلم، ولو كان الله تعالى سمع الأصوات أزلاً ولا يحدث منه سماع جديد لقال: ( من دعاء لم يسمع )! وهذا نص في محل نزاعنا، لا يصح أن نقابله إلا بالسمع والطاعة. اللهم سمعت عن رسولك وأطعت.

أما قياسك أخي السمع على العلم فقياس مع الفارق الكبير، إذ العلم لا يتعلق بوجود المعلوم، فيمكن أن يوجد من غير وجود المعلوم، بخلاف السمع. فالعلم تصور الشيء، ويمكن تصور ما لم يقع لعلمنا به كيف سيقع. أما السمع فهو إدراك المسموع، ولا يكون إلا بوجود الصوت، إذ لا يمكن أن يدرك ويحس بما هو معدوم. فالعلم ليس بحس، أما السمع فهو حس.
والذي يشابه السمع هو الخلق لا العلم، فكما أن الخلق – باعتبار آحاده – صفة فعلية حادثة لتعلقها بوجود المخلوق الحادث، فكذلك السمع والله أعلم، لأن كليهما متعلق بالحادث، فلزم أن يكون حادثاً.

أما استدلالك أخي بالمنام يرى فيه النائم ويسمع ثم يقع الذي رآه وسمعه، هذا استدلال عجيب! إذ الذي قد سمعه النائم أوهام ليست هي الأصوات التي حدثت بعد ذلك! والأمور التي رآها خيالات وليست هي الذوات التي وجدت بعد ذلك! فراجع الأمر أخي وتأمله.

أما قولك أخي أن مسموعات الله تعالى بعد صدور صوت معين زادت على ما كان قد سمع قبل ذلك، يدل على نقص.
أقول بل هو كمال ولا نقص فيه. وهذا هو معنى قوله تعالى: ( تبارك الذي بيده الملك ) والبركة الزيادة كما هو معلوم، والمعنى أنه يزداد كمال الله تعالى أن يكون في كل حال على أكمل حال، فيغضب لكفر الكافر ثم يفرح بتوبته ثم يجزيه على إحسانه وهكذا، وهذا كله ازدياد لأفعال حدثت منه سبحانه بعد أن لم تكن، وهي كلها كمال لا نقص فيها، وحاله سبحانه قبل حدوثها كان كمالاً مطلقاً كذلك، إذ لكل حال كمال يناسبه.

ثم الكلام أخي كما بينت لك سابقاً صفة ذات باعتبار تمكن الله تعالى من التكلم، بمعنى أنه تعالى متكلم أزلاً، أما باعتبار آحاد الكلام فهي صفة فعلية يتكلم الله تعالى متى شاء بما شاء.
دليله كما قلت لك سابقاً أنه تعالى قال: ( قد سمع الله ) فكون الفعل ماضي يدل على أن تكلمه سبحانه بهذه الآية حدث منه سبحانه وتعالى بعد أن سمع، فهذه الآية محدثة. والله تعالى يقول: ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) أي أحدثه الله تعالى بعد أن لم يكن.
ثم الله تعالى يقول: ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) فلو كان الكلام أزلياً لزم أن كل شيء خلق أزلاً، لأن الآية نص في أن وجود المخلوق معلق على قوله تعالى: ( كن ) بحيث يوجد بمجرد النطق بها، ضرورة أن الفاء تفيد التعقيب، والله أعلم.

ثم أخي قوله تعالى: ( بل يداه مبسوطتان ) لا يعني فقط أنه جواد كريم، بل يعني أنه من جوده وكرمه بسط يداه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ) رواه مسلم. فدل على أن البسط حادث ضرورة أن المضارع يفيد التجدد والاستمرار.
ولأوضح المراد أقول لك هب أن رجلاً كريماً مقطوع اليدين بذل ماله وأعطى، هل تقول العرب أنه مبسوطة يداه؟! اللهم لا.
ثم لو لم يكن لله تعالى يدان لكان الأبلغ في ذم مقولة اليهود عليهم لعائن الله: ( يد الله مغلولة ) أن يقول لهم: ( ليس لله يدان ) لا أن يقول: ( يداه مبسوطتان )، إذ نسبة اليد إلى الله لو كانت نقصاً لا تقل جرماً عن نسبة البخل إليه إذ هو نقص.
ونحن العرب نقول: ( فلان كثير الرماد ) نعني أنه كريم لكثرة ما يحرق الحطب في الضيافة، فهل يصح أن نقول: ( الله تعالى كثير الرماد )؟! اللهم لا، لا يصح.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( يأخذ ربنا الصدقة بيمينه ) ليس معناها أنه يقبلها فقط. فلو أنك أهديت لرجل مقطوع اليمين هدية فقبلها، لم تقل العرب أنه أخذها بيمينه! ونقول فيها كل ما مر في التي قبلها، ولله الحمد.

وقوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى ) يمتنع أن يراد بها الرحمن اكتمل تدبيره! لأن تدبير الله تعالى كامل أزلاً أبداً.
ثم إن فعل استوى لا يتعدى بحرف ( على ) في لغة العرب إلى بمعنى اعتلى وارتفع كما مر. أما بيت: ( استوى بشر على العراق .. من غير سيف ولا دم مهراق ) فمصنوع مخترع لا يعرف له قائل.

ثم قوله تعالى: ( وناديناه من جانب الطور ) ليس معناه أن موسى سمع كلاماً نفسياً، لأمور:

أولاً: الكلام النفسي لا يقال أنه مناداة، لأن المناداة رفع الصوت، فهل أحد ينادي أحد بمخافتة؟! اللهم لا، فضلاً عن أن يكون من غير صوت!

ثانياً موسى عليه السلام سمع ربنا باتفاق بيننا وبينكم كما صرحتَ أنت به مشكوراً، والسماع هو إدراك الأصوات، فكيف يقال أن موسى سمعه من غير صوت؟! هل أدرك صوته من غير أن يكون له صوت؟! هذا جمع للنقيضين! بل كان كلامه سبحانه بصوت وحرف.
أما الصوت فدليله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ثم يناديهم [ أي الله تعالى ] بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الديان أنا الملك ) رواه مسلم، وهذا نص في إثبات صفة الصوت.
وأما الحرف فلقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة ) الحديث رواه الترمذي وصححه العلامة الألباني رحمه الله. فيه أنه جعل القرآن الذي هو كلام الله حروفاً.

ثالثاً حديث النفس لا يسمى كلاماً في لغة العرب أبداً إلا مقيداً، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما تتكلم به أو تعمل ) أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي. فلو كان حديث النفس كلاماً ما صح أن يكونوا معذورين به حتى يتكلموا، إذ يكون الكلام قد وقع منهم أصلاً.

أما كون الحادث يفتقر إلى غيره، نقول هذا يلزم في الحادث من المخلوقات أما الحادث من الصفات فلا، وهذا الذي أفاده سعيد فودة عفا الله عنه هو عينه الذي أخطأ فيه الرازي رحمه الله في تفسير آية أفول الشمس كما قلتُ لك سابقاً، وهو الخلط بين مجرد الحدوث والحدوث الخاص الذي هو الخلق، وأن الخلق أخص من الحدوث، ولا يلزم من وجود العام وجود الخاص، والله أعلم.

أما عن سبب عدم بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاني آيات الصفات لو لم يكن يريد بها ظاهرها أنه فصاحة الصحابة، فهذا غير صحيح.
لأن الفصاحة لا توصل صاحبها إلى ما تدعيه الأشاعرة، إذ الأشاعرة ما ادعت المعاني التي تقولها بفصاحتها، وإنما بعلوم الكلام والفلسفة كما لا يخفى، فدل على أن الذي يقولون به ليس هو الذي قالت به الصحابة رضوان الله عليهم.
ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا حديثي عهد بعبادة أوثان، وتجسيم للمعبود، فهم أحرى بهذا أن يبين لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلى فرض أنهم فهموا المرادات بفصاحتهم ألم يعلم الله تعالى أنه يحدث أقوام أعاجم لا يفهمون؟! لم لم يبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لهم؟! وقد بين حدوث أقوام لا يحتجون بالسنة مع أن الصحابة لم يكونوا كذلك، وبين حدوث قوم يخرجون على الحكام وغير ذلك.

أما أن الحبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أول قوله تعالى: ( يوم يكشف عن ساق ) فقال: ( يكشف عن شدة ) فيؤخذ منه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يؤولون، هذا لا يصح.
لأنه رضي الله عنه لم يؤول صفة لله تعالى، فأين في الآية: ( ساق الله )؟! هذه الساق هنا نكرة غير مضافة إلى شيء، فصح تأويلها وفقاً لما تفهمه العرب.
ثم لا يصح لكم أن تتعلقوا بمثل هذا، لأن هذا أخذ من الفصاحة لا من علوم الكلام والفلسفة، ثم هذا مما تحتمله اللغة، بخلاف ما أولتم به الاستواء واليد وغيرها مما لا مساغ له في اللغة كما سبق بيانه.

ومع ذلك فإن هذا التفسير منه رضي الله عنه غير صحيح، والصواب ما فسرها به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ( يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعةً فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً ) متفق عليه. فأضاف الساق إلى الله تعالى. ونقول أن ابن عباس رضي الله عنهما لعله لم يبلغه هذا الحديث أو ذهل عنه، ولو علم به لم يتجاوزه إلى قول يحدثه، فقد كان سنياً بحق رضي الله عنه. ولا يمكن أن يفسر هذا الحديث بما فسرت به الآية، لما مر سابقاً في الكلام عن صفة اليد في أول الموضوع فراجعه مشكوراً.

أما عن سبب جمع مشايخ أهل السنة " الوهابية " رضي الله عنهم للصفات الخبرية أمام العوام مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجمعها أمامهم، فهو خوف هؤلاء المشايخ على عقائد هؤلاء العوام أن يلبس عليهم بعض " المعطلة ". وبالتالي فالمقتضي الذي دفعهم لهذا الفعل – وهو الخوف من تلبيس المعطلة - لم يكن موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو بمثابة إحداث عثمان الأذان الأول للجمعة لما استعت المدينة إذ لم يكن الداعي موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا فرق بين الصورتين ولله الحمد.

هذا تسليماً مني لك بصحة ذلك، ويعلم الله أن مشايخي " الوهابية " رحم ميتهم وحفظ حيهم ما سمعتهم يجمعون هكذا أمام العوام! ولو قالوا فهو كما مر، ولهم في أئمة السلف الذين صنفوا العقائد التي قرأها العالم والجاهل أسوة حسنة، واطلع إن شئتَ على كتب السنة لابن أبي عاصم وأحمد وغيرهما.

هذا، على أن عوام بلادنا لا يجسمون ولا يمثلون وإنما يمرون، بل هذا شأن العوام في كل البلاد، لسلامة فطرهم من الفسلفة. لذلك نحن نقول أن أهل السنة المثبتة للصفات هم أكثر المسلمين. ويكفينا في ذلك تصريح أبو المعالي الجويني لما تاب من مذهب الأشاعرة، قال: ( أنا على عقيدة عجائز نيسابور ) أو كما قال. دل على أن عقائدهن تخالف عقائد الأشاعرة.

أما عن صفة اليد أخي فنعم أعتقد فيها الذي قلت لك، وما تلزمنا به أقول لك فيه مثل ما قلت لك سابقاً: أن التلازم بين صفة الله وتعالى وما يلزم على نظيرها من المخلوق منقطع، لأنه لا يصح قياس الخالق على المخلوق.

ويكفينا قوله تعالى: ( لما خلقت بيدي ) فتعدية فعل الخلق بالباء، لا يطلق إلا ويراد به اليد الحقيقية في لغة العرب. بمعنى أنه تعالى يقول: ( ذلك بما قدمت أيديكم ) مع أن العصيان يكون بالقلب واليد والرجل وغيرها، وإنما ذكر اليد وأراد صاحبها، هذا صحيح لكن اليد هنا لم تعد بالباء، فلو قال قائل: ( ذلك بما قدمتم بأيديكم ) لم يصح إلا أن يكونوا قدموا ذلك بأيديهم نفسها لا بغير الأيدي. والله أعلم.

ثم أخي لا يصح أن يراد بقول السلف: ( بلا كيف ) أنهم يريدون أن صفة الله تعالى لا كيف لها، إذ لكل موجود كيفية ضرورةً، لكن هم أرادوا أن معرفتهم بالكيفية ممتنعة.

وأشكرك أخي الفاضل على ما تكرمت به من البيان للفظ الإمام مالك رحمه الله تعالى، وبالذي قلتَ يقول أهل العلم رضوان الله عليهم أن هذا هو المشهور عن الإمام مالك: ( الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ).
المهم أن فيه: ( الكيف غير معقول ) ولم يقل: ( غير موجود ). بل أثبت الكيف، لكنه قال أنه لا يمكن لنا أن نعقله لانتفاء طرق علمنا به.

وبعد كل هذا الكلام الطويل، لم أر كيف " بان للجميع " أن الرازي رحمه الله لم يتناقض!! رجع أخي إلى ما سبق وتأمله، وأنصف. بل التناقض لازم له لا انفكاك له عنه، وملخصه أنه ينفي عن الله تعالى اليد والعين والوجه لأنها ممتنعة عقلاً قياساً لها على ما يلزم على نظيرها عند المخلوق، ثم يثبت أنه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه مع أنه ممتنع عقلاً لأنه لا قياس بينها وبين ما يلزم على مثلها عند المخلوق! هذا هو التناقض بعينه.
أما الحنابلة " الوهابية " السلفية رضي الله عنهم فقد بينتُ في المشاركة السابقة انفصالهم عن التناقض الذي رماهم به الرازي رحمه الله.

هذا، والله سبحانه أعلى وأعلم. وإياه أسأل أن يزيد قلوبنا تعظيماً للكتاب والسنة، فلا نقدم عليهما عقلاً ولا فلسفة، ولا هوىً ولا مذهباً.
والحمد لله في الأولى والآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

سامح يوسف
22-11-2004, 02:44
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل فيصل القلاف
هذا رد علي ما جاء في مقالك من أشياء
قولك"فالصفة الحادثة هي التي حدثت بعد أن لم تكن. مثالها الاستواء على العرش في قوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى ). ومن الصفات الفعلية باعتبار آحادها ما هي ذاتية باعتبار نوعها. وهذا النوع هو الذي أشكل عليك أخي الفاضل. مثاله الكلام، فنوع الكلام قديم، واتصاف الله تعالى بالمتكلم وصف ذاتي، أما باعتبار آحاد الكلام فالله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، فهي فعلية تحدث بعد أن لم تكن. وكذلك سمع الله تعالى، هو صفة ذاتيه باعتبار النوع، أما باعتبار آحاد المسموعات فهو صفة فعلية. "
قلت بل انت اخي الفاضل الذي التبس عليك الأمر لا شك نعم الاستواء صفة فعلية أما السمع والكلام فكل منهما صفة ذاتية أزلية لا تتوقف علي المشيئة
أما تلك القاعدة العجيبة التي تدعونها من أن صفات الله قديمة النوع حادثة الأفراد فهي مما اتفق العقلاء علي بطلانه فصفات الله كاملة مطلقا أزلا فكيف يستسيغ عاقل أن يقول إن الصفة القديمة الأزلية الكاملة مكونة من آحاد حادثة متجددة؟!!
حتي إن شيخكم خليل هراس في كتابه عن ابن تيمية انتبه لهذا ونقد تلك القاعدة المزعومة
قولك"أما كون الصفات الفعلية حدثت في ذات الله تعالى أو في الخارج، فلا مانع من أنها قائمة بذات الله تعالى ضرورة أن الصفة تقوم بالموصوف لا خارجه، أما أثر الصفة فنعم قد يظهر خارجاً عنها. "قلت رحمك الله الصفات الفعلية هي كالخلق والرزق والتكوين وهذه كما قلت من قبل حادثة باعتبار تعلقها بالمخلوق الحادث قطعا أما أصل هذه الصفات فهي القدرة القديمة الأزلية
وهذا التعلق أمر نسبي لغوي ولا يمكن أبدا أن تحل الحوادث بذات الله تعالي فانتبه للفرق
قولك"ويدل على قيام الصفات بذات الله تعالى وليس خارجاً عنها أنه تعالى يتصف بأمور لازمة غير متعدية. كالضحك كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة ) رواه أحمد والنسائي وهو صحيح. والفرح كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة ) متفق عليه. والمحبة قال تعالى: ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ). والغضب قال تعالى: ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) وغيرها.
فهذه وإن لزم من بعضها حدوث صفة أخرى إلا أنها هي في ذاتها لا أثر لها في المخلوق، وإنما الأثر من الصفة التي لزمت منها. فالضحك مثلاً لا يلزم منه أثر في المخلوق، بل ربما لم يستلزم صفة أخرى لها أثر في المخلوق أصلاً. والمحبة صفة لا أثر لها في ذاتها على المخلوق، لكن يلزم منها الإكرام والنصر، والإكرام ليس هو المحبة ولكنه لازم ينشأ عنها. والله أعلم."قلت حقيقة الضحك يتولد من التعجب والتعجب حالة تحدث بسبب الجهل وهذا كله محال في حق الملك العلام سبحانه وتعالي فتفسير الضحك هو حصول الرضا وكذلك الفرح
أما حب الله للعبد فهو الإكرام والإنعام و الإثابة علي حب العبد لربه
وأما (آسفونا) فمعناها فلما فعلوا ما يوجب عقابنا (انتقمنا منهم)
وهذه الصفات كلها كما تري راجعة إلي الإرادة والقدرة وهما صفتان ذاتيتان أزليتان فليس هناك وجه بحال إلي دعوي حلول الحوادث بذات الله تعالي
والقاعدة الكلية في ذلك عند الأشاعرة هي:
"أن الله إذا وصف بشئ من الانفعالات فهذا الوصف محمول علي نهايات الأغراض لا بدايات الأعراض"
قولك"أولاً الاستواء ليس هو تمام التدبير، ذلك أن فعل ( استوى ) لا يعرف في لغة العرب متعدياً بحرف ( على ) إلا بمعنى اعتلى وارتفع"
قلت هذا الكلام فيه مصادرة علي المطلوب فالاستواء يأتي متعديا بعلي في معان أخري
كقول الشاعر إذا ما علونا واستوينا عليهم جعلناهم مرعى لنسر وطائر
فالفعل هنا معدي بعلي ومعناه تمام الامر لهم كما هو بين
و حتي لو سلمنا أن استوي متعديا بعلي لم يأت إلا بمعني اعتلي وارتفع
_ رغم أن الأمر ليس كذلك_فعلو وارتفاع الخالق والمخلوق فعلو الخالق هو العظمة والتعالي والقهر
اما علو المخلوق فهو العلو الحسي
أما عندكم فكلاهما علو حسي والفارق الوحيد هو اختلاف المسافات
تعالي الله عن ذلك

قولك:"ثانياً السمع كما قلتُ لك ذاتي باعتبار تمكن الله تعالى من السمع، فهو سميع قبل أن يخلق الأصوات. أما باعتبار آحاد السمع، فهي صفة فعلية، إذ يسمع الله تعالى الصوت بعد صدوره من المتكلم." كلامك في قدم النوع وحدوث الآحاد سبق الرد عليه فالله تعالي سمعه أزلي لكل الموجودات
قولك:"ودليل ذلك من السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( اللهم إني أعوذ بك من الأربع ) ومنها: ( ومن دعاء لا يسمع ) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم وهو صحيح، وهو هكذا في كل طرقه - والله أعلم - بالمضارع، والمضارع يدل على التجدد والاستمرار كما تعلم، ولو كان الله تعالى سمع الأصوات أزلاً ولا يحدث منه سماع جديد لقال: ( من دعاء لم يسمع )!"قلت هذا كلام خطير جدا لا ينبغي أن يصدر عنك أبدا فهل تعتقد حقا أخي الفاضل ان هناك داعيا يدعو الله تعالي ولا يسمعه الله لا حول ولا قوة إلا بالله هذه والله سقطة شنيعة وزلة قلم رهيبة
ومعني الحديث واضح جلي فالسمع هنا بمعني الإجابة فالمعني (أعوذ بك من دعاء لا يجاب) فالسمع هنا بمعني الإجابة ومما يؤكد ذلك ورود بعض الروايات بلفظ( ومن دعوة لا يستجاب لها) فانتبه جيدا فالأمر والله جلل فالله تعالي يسمع كل دعاء وقد يجيب وقد لا يجيب هذا معني الحديث فتنبه هداك الله إلي الحق
قولك:"وهذا نص في محل نزاعنا، لا يصح أن نقابله إلا بالسمع والطاعة. اللهم سمعت عن رسولك وأطعت. "قلت: وضح جليا أن الحديث في واد وانت في واد
وأنا أقول اللهم سمعت عن رسولك صلي الله عليه وسلم وعقلت وأطعت
قولك :"أما قياسك أخي السمع على العلم فقياس مع الفارق الكبير، إذ العلم لا يتعلق بوجود المعلوم، فيمكن أن يوجد من غير وجود المعلوم، بخلاف السمع. فالعلم تصور الشيء، ويمكن تصور ما لم يقع لعلمنا به كيف سيقع. أما السمع فهو إدراك المسموع، ولا يكون إلا بوجود الصوت، إذ لا يمكن أن يدرك ويحس بما هو معدوم. فالعلم ليس بحس، أما السمع فهو حس.
والذي يشابه السمع هو الخلق لا العلم، فكما أن الخلق – باعتبار آحاده – صفة فعلية حادثة لتعلقها بوجود المخلوق الحادث، فكذلك السمع والله أعلم، لأن كليهما متعلق بالحادث، فلزم أن يكون حادثاً. "
قلت :الجامع بين السمع والعلم أن كلا منهما صفة أزلية ذاتية لله عز وجل فالعلم عندنا هو صفة أزلية قائمة بذات الله تعالي لها تعلق بالمعلوم على وجه الإحاطة والشمول دون سبق خفاء
والسمع هو صفة أزلية قائمة بذات الله تعالي تتعلق بالموجودات فتنكشف بها الموجودات لله تعالي
أما كلامك عن الفرق بين العلم والسمع بأن الأول لا يتوقف علي وجود المعلوم والثاني يتوقف علي وجود الصوت فهذا في حقنا نحن أما الله عز وجل فعلمه أزلي وكذلك سمعه أزلي
وأين التراب من رب الأرباب
أما قياسك السمع علي الخلق فلا يصح لأن السمع صفة ذات والخلق صفة فعل فلا يصح القياس
قولك:"
أما استدلالك أخي بالمنام يرى فيه النائم ويسمع ثم يقع الذي رآه وسمعه، هذا استدلال عجيب! إذ الذي قد سمعه النائم أوهام ليست هي الأصوات التي حدثت بعد ذلك! والأمور التي رآها خيالات وليست هي الذوات التي وجدت بعد ذلك! فراجع الأمر أخي وتأمله."
ما قصدته هو المطابقة بين ما سمع في المنام والواقع علي وجه خرق العادة لا غير وأقصد ان هذا يحدث في الإنسان الضعيف فما بالنا بالخالق
عز وجل ما المانع أن يسمع الأشياء قبل خلقها ؟
ولكني أوافقك علي ضعف هذا الاستدلال
قولك:"أما قولك أخي أن مسموعات الله تعالى بعد صدور صوت معين زادت على ما كان قد سمع قبل ذلك، يدل على نقص.
أقول بل هو كمال ولا نقص فيه"قلت بل هو نقص لا محالة تنزه الله عن ذلك فصفات الله الذاتية قديمة أزلية كاملة لا تتغير ولا تتبدل ألم تقرأ ما ورد في الحديث " ولا تغيره الحوادث" رواه الطبراني في الأوسط
قولك:"وهذا هو معنى قوله تعالى: ( تبارك الذي بيده الملك ) والبركة الزيادة كما هو معلوم، والمعنى أنه يزداد كمال الله تعالى أن يكون في كل حال على أكمل حال،"
قلت بل معناه تعالي وعظم الذي بيده الملك
وتأمل قولك "يزداد كمال الله" هل يستقيم لغة هذا الكلام ؟ الله صفاته كاملة أزلا لا تنقص ولا تزيد لأنها لا تحصر أصلا فـتأمل كلامك أخي الفاضل
قولك:" فيغضب لكفر الكافر ثم يفرح بتوبته ثم يجزيه على إحسانه وهكذا، وهذا كله ازدياد لأفعال حدثت منه سبحانه بعد أن لم تكن، وهي كلها كمال لا نقص فيها، وحاله سبحانه قبل حدوثها كان كمالاً مطلقاً كذلك، إذ لكل حال كمال يناسبه."
قلت هذا الكلام باطل فرضا الله أو غضبه علي العبد متحقق أزلا لا يتغير
وقد دل علي ذلك حديث النبي صلي الله عليه وسلم :"اللهم أعز الإسلام بأحب العمرين إليك " فشهد لعمر بن الخطاب بأنه حبيب إلى الله قبل إسلامه
و جاء بإسناد صحيح عن سفيان الثوري فيما رواه اللالكائي وأبو نعيم في الحلية وغيرهما أنه قال : ( ما أحب الله عبدا فأبغضه ، وما أبغض عبدا فأحبه ، وإن الرجل ليعبد الأوثان وهوعبد الله) وفي رواية حبيب الله
فعل هذا فالرضا والغضب لا يتبدلان أبدا
قال العلامة ابن رسلان:
لم يَزَلِ الصِّدِّيقُ فيما قَد مَضَى ...... عند إلهِه بِحَالَةِ الرِّضَا

إنَّ الشَّقِيَّ لَشَقِيُّ الأَزَلِ ...... وعَكْسُهُ السَّعِيدُ لَم يُبَدَّلِ
قولك:"أنه تعالى قال: ( قد سمع الله ) فكون الفعل ماضي يدل على أن تكلمه سبحانه بهذه الآية حدث منه سبحانه وتعالى بعد أن سمع، فهذه الآية محدثة. والله تعالى يقول: ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) أي أحدثه الله تعالى بعد أن لم يكن."
قلت كما سبق كلام الله صفة ذاتية لله أزلية قديمة قائمة بذات الله تعالي الله أن تكون محدثة
قال الإمام أحمد رحمه الله : القرآن من علم الله. فهل علم الله محدث يا أخي فيصل؟!!
أما قوله تعالي(ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) فالمحدث هو إنزال الذكر لا الذكر فتنبه أخي الكريم


قال الحافظ الذهبي رحمه الله : " قال محمد بن خلف الخراز : سمعت هشاما بن عبيد الله الرازي يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق ، فقال له رجل : أليس الله يقول : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) فقال : محدث إلينا ، وليس عند الله بمحدث .قلت : لانه من علم الله ، وعلم الله لا يوصف بالحدوث " انتهى كلام الحافظ الذهبي .
وهشام بن عبيد الله وصفه الذهبي بقوله هو الرازي السني الفقيه ، أحد أئمة السنة " توفي سنة ( 221 ) ه‍ .
فالحمد لله علي توفيقه
قولك:"هب أن رجلاً كريماً مقطوع اليدين بذل ماله وأعطى، هل تقول العرب أنه مبسوطة يداه؟! اللهم لا"
قلت اللهم نعم كما يقال إن البلد في يد الأمير وإن كان أقطع اليد فما الفارق؟!
قولك:"ونحن العرب نقول: ( فلان كثير الرماد ) نعني أنه كريم لكثرة ما يحرق الحطب في الضيافة، فهل يصح أن نقول: ( الله تعالى كثير الرماد )؟! اللهم لا، لا يصح. "
قلت نعم لا يصح لأننا نقف في وصف الله تعالي عند ما وردت به النصوص لا غير فـتأمل المانع أخي الكريم
قولك:"وقوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى ) يمتنع أن يراد بها الرحمن اكتمل تدبيره! لأن تدبير الله تعالى كامل أزلاً أبداً. "نعم تدبير الله كامل أزلا تأمل الآية يا أخي" استوي علي العرش يدبر الأمر" أي استوي علي العرش مدبرا أمر الكائنات أزلا فهل في هذا الكلام أن التدبير كان ناقصا ثم اكتمل ! حاشا لله
قولك:"ثم إن فعل استوى لا يتعدى بحرف ( على ) في لغة العرب إلى بمعنى اعتلى وارتفع كما مر. أما بيت: ( استوى بشر على العراق .. من غير سيف ولا دم مهراق ) فمصنوع مخترع لا يعرف له قائل"
قلت سبق رد هذه الدعوي وقد أتيتك ببيت آخر فيما سبق فما رأيك؟
قولك:"موسى عليه السلام سمع ربنا باتفاق بيننا وبينكم كما صرحتَ أنت به مشكوراً، والسماع هو إدراك الأصوات، فكيف يقال أن موسى سمعه من غير صوت؟! هل أدرك صوته من غير أن يكون له صوت؟! هذا جمع للنقيضين! بل كان كلامه سبحانه بصوت وحرف.
أما الصوت فدليله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( ثم يناديهم [ أي الله تعالى ] بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الديان أنا الملك ) رواه مسلم، وهذا نص في إثبات صفة الصوت"
قلت نعم سمع موسي عليه السلام كلام الله من غير حرف ولا صوت
فكما قلت سابقا الحرف والصوت حادثان لا محالة و لا تحل الحوادث في ذات الله تعالي عن ذلك
أما الحديث المذكور فقد ورد بلفظ فينادي مبنيا للمجهول وهو مفسر للحديث الذي ذكرته أنت والمنادي هو ملك من الملائكة يقول:يقول ربكم:
أنا الملك أنا الديان"
قولك:"وأما الحرف فلقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة ) الحديث رواه الترمذي "
قلت ذلك باعتبار قراءتنا نحن فنحن نقرا بالحرف والصوت أما كلام الله الذاتي الأزلي فليس بحرف ولا صوت
قولك:" فلو كان حديث النفس كلاماً ما صح أن يكونوا معذورين به حتى يتكلموا، إذ يكون الكلام قد وقع منهم أصلاً. "
قلت اخي الكريم هنا امران :
1-يقول الله تعالي( ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله) فسماه قولا
وفي قصة السقيفة يقول عمر بن الخطاب(فزورت في نفسي مقالة"
فسماه مقالة
2-أتظن أننا نقول إن كلام الله النفسي ككلامنا النفسي لا والله فالامر كما قال الإمام السنوسي رحمه الله:"وما يوجد في كتب علماء الكلام من التمثيل بالكلام النّفسيّ في الشّاهد عند ردّهم على المعتزلة القائلين بانحصار الكلام في الحروف والأصوات، لا يفهم منه تشبيه كلامه جلّ وعزّ بكلامنا النّفسيّ في الكنه تعالى وجلّ عن أن يكون له شريك في ذاته أو صفاته أو أفعاله .

وكيف يتوهّم أنّ كلامه تعالى مماثل لكلامنا النّفسيّ، وكلامنا النّفسيّ أعراض حادثة يوجد فيها التقديم والتأخير وطروّ البعض بعد عدم البعض الذي يتقدّمه، ويترتّب وينعدم بحسب وجود جميع ذلك في الكلام اللّفظيّ؟!!

فمن توهّم هذا في كلامه تعالى فليس بينه وبين الحشويّة ونحوهم من المبتدعة القائلين بأنّ كلامه تعالى حروف وأصوات، فرق .

وإنّما مقصد العلماء بذكر الكلام النّفسيّ في الشّاهد النّقض على المعتزلة في حصرهم الكلام في الحروف والأصوات، فقيل لهم: ينتقض حصركم ذلك بكلامنا النّفسيّ فإنّه كلام حقيقة وليس بحرف ولا صوت، فقيل لهم: ينتقض حصركم ذلك بكلامنا النّفسيّ فإنّه كلام حقيقة وليس بحرف ولا صوت، وإذا صحّ ذلك فكلام مولانا أيضا كلام ليس بحرف ولا صوت، فلم يقع الاشتراك بينهما إلاّ في هذه الصّفة السّلبيّة، وهي أنّ كلام مولانا جلّ وعزّ ليس بحرف ولا صوت، كما أنّ كلامنا النّفسيّ ليس بحرف ولا صوت. أمّا الحقيقة فمباينة للحقيقة كلّ المباينة.

فاعرف هذا فقد زلّت هنا أقدام لم تؤيّد بنور من الملك العلاّم. اهـ.
قولك:" أما عن سبب عدم بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاني آيات الصفات لو لم يكن يريد بها ظاهرها أنه فصاحة الصحابة، فهذا غير صحيح.
لأن الفصاحة لا توصل صاحبها إلى ما تدعيه الأشاعرة، إذ الأشاعرة ما ادعت المعاني التي تقولها بفصاحتها، وإنما بعلوم الكلام والفلسفة كما لا يخفى، فدل على أن الذي يقولون به ليس هو الذي قالت به الصحابة رضوان الله عليهم. "قلت بل كل مافسر به الأشاعرة الآيات والأحاديث مطابق للغة العرب وفهم أهل اللغة وليس للفلسفة دخل فيه ومن ادعي فعليه البيان فأين خالف الأشاعرة اللغة؟!
أما قولك "إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا حديثي عهد بعبادة أوثان، وتجسيم للمعبود"فهم أحرى بهذا أن يبين لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم"قلت قد بين لهم ذلك صلي الله عليه وسلم من خلال العمومات التي تدل علي التنزيه
كقول الله تعالي(ليس كمثله شئ) وقوله (ولم يكن له كفوا أحد) وكقول النبي( لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء")
وفي هذا الحديث الرائع نفي للتشبيه والتمثيل كليهما
وكذلك يقال في مسألة الأعاجم

قولك:"أما أن الحبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أول قوله تعالى: ( يوم يكشف عن ساق ) فقال: ( يكشف عن شدة ) فيؤخذ منه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يؤولون، هذا لا يصح.
لأنه رضي الله عنه لم يؤول صفة لله تعالى، فأين في الآية: ( ساق الله )؟! هذه الساق هنا نكرة غير مضافة إلى شيء، فصح تأويلها وفقاً لما تفهمه العرب. "ثم قلت بعد ذلك أنه اخطأ وان الصواب أنها ساق الله وأن الحديث (يكشف ربنا عن ساقه)لم يبلغه
وكلامك يناقض بعضه يا فيصل فحبر الأمة أول الآية علي وجهها
وكلمة ساقه في الحديث شاذة كما هو معلوم والأصح منها (يكشف ربنا عن ساق) بلا هاء
قولك:"عن سبب جمع مشايخ أهل السنة " الوهابية " رضي الله عنهم للصفات الخبرية أمام العوام مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجمعها أمامهم، فهو خوف هؤلاء المشايخ على عقائد هؤلاء العوام أن يلبس عليهم بعض " المعطلة ". وبالتالي فالمقتضي الذي دفعهم لهذا الفعل – وهو الخوف من تلبيس المعطلة - لم يكن موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهو بمثابة إحداث عثمان الأذان الأول للجمعة لما استعت المدينة إذ لم يكن الداعي موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا فرق بين الصورتين ولله الحمد."
قلت بلي والله فهم لا يدفعهم ما قلت فالعوام طبعهم التفويض والتسليم لله والرسول ونتج من فعل مشايخكم التجسيم وتفويض العوام هو مذهب السلف تفويض الكيف والمعني لا الكيف فقط كما تقولون فما أحدثه الوهابية بدعة وأي بدعة نسأل الله السلامة
قولك:"
هذا، على أن عوام بلادنا لا يجسمون ولا يمثلون وإنما يمرون، بل هذا شأن العوام في كل البلاد، لسلامة فطرهم من الفسلفة. لذلك نحن نقول أن أهل السنة المثبتة للصفات هم أكثر المسلمين"
نعم هم مفوضون كيفا ومعني ولو صرحت لهم بمعني يد الله عندك كما صرحت لي من أنها نظير جارحة البشر مع اختلاف الكيفية لنفروا منك و تحاشوك و حذروا منك
قولك:"ويكفينا في ذلك تصريح أبو المعالي الجويني لما تاب من مذهب الأشاعرة، قال: ( أنا على عقيدة عجائز نيسابور ) أو كما قال. دل على أن عقائدهن تخالف عقائد الأشاعرة."أولا هذه الحكاية قال عنها التاج السبكي يشبه ان تكون مكذوبة
ثانيا:عقيدة عجائز نيسابور هي التفويض كيفا ومعني كسائر العوام وكقول الأشاعرة بالتفويض
وتفويض إمام الحرمين كيفا ومعني واضح في النظامية فأين أنتم منه؟!!!!
قولك:"
أما عن صفة اليد أخي فنعم أعتقد فيها الذي قلت لك، وما تلزمنا به أقول لك فيه مثل ما قلت لك سابقاً: أن التلازم بين صفة الله وتعالى وما يلزم على نظيرها من المخلوق منقطع، لأنه لا يصح قياس الخالق على المخلوق. "انت قلت سابقا هي نظير جارحة البشر ويد الجمل و العقرب وغيرهما والفارق هو الكيفيات وهذا تجسيم لا فكاك منه واعلم أنك لو قلت هي صفة لله بلا كيف ليست بعضو ولا حزء ولا جارحة لوافقت المفوضين المنزهين من السلف والأشاعرة ولانمحي الخلاف بيننا
أما كلامك عن أن الكيف موجود لكن لا تعلم حقيقته فلا دليل له من أقوال السلف إطلاقا هم قالوا بلا كيف بلا كيف وقالوا لا كيف
فلم تحيد عن الظاهر هنا والأخذ بالظاهر مذهبكم لا كيف تعني لا كيف موجود علي الإطلاق والله الموفق
وجميل أنك صححت الاثر عن الإمام مالك فهو (الاستواء غير مجهول واللكيف غير معقول)
اما قولك"
الكيف غير معقول ) ولم يقل: ( غير موجود ). بل أثبت الكيف، لكنه قال أنه لا يمكن لنا أن نعقله لانتفاء طرق علمنا به."
قلت المعني أخي الفاضل من (الكيف غير معقول) هو انه يستحيل أن تعقل النفوس السنية وجود كيف لله عز وجل يعني أنه لا كيف لله وهذا واضح جلي ويدل عليه ما رواه الإمام البيهقي عن الإمام مالك قوله" وكيف عنه مرفوع"
فتأمل وأنصف أخي الفاضل
قولك"
وبعد كل هذا الكلام الطويل، لم أر كيف " بان للجميع " أن الرازي رحمه الله لم يتناقض!! رجع أخي إلى ما سبق وتأمله، وأنصف. بل التناقض لازم له لا انفكاك له عنه، وملخصه أنه ينفي عن الله تعالى اليد والعين والوجه لأنها ممتنعة عقلاً قياساً لها على ما يلزم على نظيرها عند المخلوق، ثم يثبت أنه سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه مع أنه ممتنع عقلاً لأنه لا قياس بينها وبين ما يلزم على مثلها عند المخلوق! هذا هو التناقض بعينه"قلت من ردي عليك يعلم ن الرازي رحمه الله في الصفات الخبرية كاليد والعين والوجه ما بين مفوض ومؤؤل وكلاهما طريق للسلف
أما الحنابلة فبان من كلامك عن معني اليد أنها نظير جارحة البشر ويد الجما والعقرب كما قلت مع الاختلاف في الكيفية وهذا تبعيض وتجزئ وتجسيم لا انفكاك عنه وهو ما ألزم الرازي بعض الحنابلة به
فالموضوع من شقين أخي الكريم الأول الصفات الخبرية والثاني مسألة أن الله لا داخل العالم ولا خارجه
وكلامي معك حتي الآن في الشق الاول فقط وقد بان حتي الآن صدق الرازي في ما ادعاه
وبعد ما ننهي الشق الأول ننتقل إلي الثاني لننري إن كان الرازي أصاب أم أخطأ
وبعدها نحكم من المتناقض
وإن كان الشق الأول حتي الآن مطابق لما وصفه الرازي فتأمل وأنصف
أخي الفاضل
هذا ما أردت بيانه والله الموفق

فيصل سيد القلاف
31-01-2005, 22:03
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخي سامح بن يوسف، قرأت مشاركتك منذ زمن لكن لم يتسن لي أن أكتب عليها إلا الساعة، ثم لن أزال أكتب الرد لطوله، وكثرة المشاغل. فالله أسأل أن يوفقني إلى الحق.

أولاً: أخي صفتا السمع والكلام ذاتيتان باعتبار النوع نعم، أما باعتبار الآحاد فهما فعليتان تحدثان بعد عدم.
كيف؟ الله تعالى سميع قبل أن يخلق الأصوات، بمعنى أنه يسمع صوتاً لو كان، كما أن الإنسان سميع حال كونه في الهدوء في غير صوت، ثم لما خلق الله تعالى الأصوات سمعها، فهذا الإدراك للأصوات حادث، إذ لا يكون إلا بعد صدور الصوت، وهذا واضح.

وأوضح منه أن أسألك: هل أدرك الله تعالى الصوت بعد صدوره أم لا؟
إن قلت: نعم، فهو المطلوب.
وإن قلت: لا، كان نقصاً محضاً ينزه الله عنه، إذ الذي لا يدرك الصوت ليس إلا أصم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ولا يصح أن تقول لي: كان يعلم الصوت قبل أن يصدر، إذ السؤال هنا عن السمع، والعلم غير السمع.

والكلام كذلك، فباعتبار أن الله تعالى قادر على الكلام، هو صفة ذاتية، وباعتبار آحاد الكلام، كالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك، فهذا حادث بعد أن لم يكن، فهي صفات فعلية بهذا الاعتبار. وبهذا لعل المقام قد اتضح.

ثم لو قلتَ أن الله تعالى سمع كل الأصوات أزلاً.
أسألك: هل كانت الأصوات موجودة حين سمعها أم لم تكن؟
إن قلتَ: كانت، لزمك تعدد القدماء، وهو باطل لا تقول به.
وإن قلتَ: لم تكن، سألتُ: ما هو السمع؟
تقول: هو إدراك الأصوات.
فأقول لك: إدراك الشيء فرع عن وجوده، فلا يدرك المعدوم إذ ذلك جمع للنقيضين.
قد تقول: بل السمع علم بالأصوات.
أقول لك: ليس السمع هو العلم، وإنما قد ينتج عن السمع علم. وقد مر فرق ظاهر بين السمع والعلم، وهو أن السمع لا يكون إلا لموجود والعلم يكون بالمعدوم. وعليه فسمع الله تعالى للأصوات الحادثة حاصل بعد أن لم يكن. وهو المطلوب ولله الحمد.

وتأمل في هذا قوله تعالى: ( والله يسمع تحاوركما ) فيه الفعل ( يسمع ) مضارع، والمضارع يفيد التجدد والاستمرار، ولله الحمد. وتأمل قول عائشة رضي الله عنها في هذه الآية: ( تبارك الذي وسع سمعه كل شيء ) تأمل كلمة ( شيء ) للمعدوم هي أم للموجود؟ للموجود قطعاً، إذ المعدوم ليس بشيء أصلاً. فيكون سمع الله تعالى واسعاً للموجود الحادث، والله تعالى أعلم.

ثانياً: أخي، من نقل إجماع العقلاء على أن الصفات ليس فيها ما هو ذاتي باعتبار فعلي باعتبار؟! هذا لا يكون، إذ في العقلاء – بل رأس العقلاء – علماء أهل السنة على مر العصور، يثبتون ما أثبت الله تعالى لنفسه من ذلك.

ثم يا أخي كل منا يجد ذلك من نفسه ضرورة، فسمعي صفة ذاتية لي لا تنفك عني، وجدت فيّ مذ كنت في بطن أمي، ثم إني لم أزل أسمع وأسمع شيئاً بعد شيء، فالسمع لي ذاتي بالاعتبار الأول فعلي بالاعتبار الثاني. ولله سبحانه المثل الأعلى.

ثم أنت تتفق معي أخي الكريم أن الله تعالى خالق أزلاً، حتى قبل أن يخلق الخلق، فالخلق بهذا الاعتبار صفة ذاتية، وهي التمكن من إيجاد المعدوم. ثم إن الله تعالى لم يزل يخلق الموجودات شيئاً بعد شيء كما قال تعالى: ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات )، فالخلق بهذا الاعتبار حدث بعد أن لم يكن، فهو صفة فعلية. وهذا – إن شاء الله تعالى – ينبغي أن يكون محل اتفاق، ويقال مثله في الكلام والسمع والبصر وغيرها.

ثالثاً: أخي الفاضل الخلق والرزق والتكوين وغيرها صفات مستقلة لله تعالى، وليست هي الإرادة ولا القدرة. هذا مقتضى العقل، وهو ظاهر لغة العرب.
مقتضى العقل إذ القدرة شرط في الخلق والرزق والتكوين، وليس هو هي، إذ كم قادر على الصنع لم يصنع لجهل مثلاً أو لحكمة؟!
وهو المتبادر من لغة العرب، إذ لا تقول العرب لشيء خلقه الرجل: ( هذا قدرة الرجل )! فيفرقون بين الخلق والقدرة. ويكفي في إثبات هذا نظرة سريعة في أي معجم من معاجم اللغة. ولله الحمد.

رابعاً: أخي – عفا الله عنك – تأولت الضحك بأنه الرضا والفرح، وذلك لأن الضحك – عندك – ينتج عن العجب، والعجب - عندك - لا يكون إلا من جهل، وهذا ممتنع على الله تعالى.
وهذا كله لا يصح.
لأن الضحك لا يلزم أن يكون عن عجب، ألا ترى أنا نضحك من تذكر أمور نعرفها لا نعجب منها، مثل ضحك الرجل عندما يتذكر موقفاً حصل له سابقاً!
ثم العجب لا يلزم أن يكون عن جهل، ألا ترى أن الأستاذ يعجب من ذكاء طالبه إكباراً له، مع معرفته به زمناً واختباره له!
وعليه فلا تلازم بين الضحك والعجب، ولا بين العجب والجهل. ومن ثم ينتقض السبب الذي له نفيت صفة الضحك عن الله تعالى، وبزوال السبب يزول المسبَّب، ولله الحمد.

ثم أخي ليس الضحك هو الرضا ولا هو الفرح. بل الرضا والفرح قد ينتجان عن الضحك، وقد لا ينتجان. وليس في لسان العرب أن الضحك هو الرضا ولا أنه الفرح. فقد تضحك من عدوك استهزاء، وقد تضحك من هول المصيبة عجباً.
ولو قلتَ أن الضحك في الحديث استلزم فرحاً ورضاً.
أقول لك: الحمد لله، واللازم غير الملزوم، فالضحك غير الفرح غير الرضا.
فإن قلتَ: كناية عنهما.
قلتُ: الأصل الحقيقة، وللقول بالكناية لا بد من صارف، ولا صارف كما قد تبين، ولله الحمد.
ثم القول بالمجاز والكناية من غير دليل واضح إنما هو فتح لباب الزندقة، ذلك الباب الذي ولج منه القرامطة ونحوهم فأجروا التآويل في أدلة الأحكام مثل ما أجريتموها في أدلة العقائد، والاطراد خير من التحكم. فالله المستعان. ولذا يسمى التأويل من غير دليل لعباً.

ثم ما تقول في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله ليضحك من رجلين يقتل أحدهما صاحبه ثم يدخلان الجنة ). فهل الضحك هنا هو الفرح أو الرضا؟! هذا لا يستقيم من غير شك. ولله الحمد.

ثم تأمل أخي قول الله تعالى في الحديث المشهور عند مسلم: ( يا ابن آدم مرضتُ فلم تعدني... استطعمتُك فلم تطعمني... استسقيتُك فلم تسقني... ) فهنا لما كان ظاهر الكلام قد يوهم النقص، أتبعه صلى الله عليه وآله وسلم ببيانه، فقال: ( قال [ أي الله تعالى ] أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما إنك لو عدته لوجدتني عنده ) ثم ذكر نحو ذلك في الاستطعام والاستسقاء.
يتبين من هذا الحديث العظيم أن ما أوهم باطلاً من نصوص الوحيين، فلا بد أن يوضح المراد الحق منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولا غرو، فالدين كامل: ( اليوم أكملت لكم دينكم ) والبيان حاصل: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ). والحمد لله رب العالمين.
ثم تأمل في الحديث أن الله يقول يوم القيامة كذا ثم يقول العبد كذا ثم يقول الله كذا. فهو نص في إثبات الكلام لله تعالى، وأنه كلام يحدث بعد أن لم يكن، ولله الحمد.

خامساً: ذكرت أخي قاعدة كلية عند الأشاعرة، وهي: ( أن الله إذا وصف بشيء من الانفعالات، فهذا الوصف محمول على نهايات الأغراض لا بدايات الأعراض ).
أولاً: لا يصح أن تستدل علي أخي بقواعدكم، إذ هي عندي باطلة غير معتبرة.
ثم هذا صريح منك في نفي الصفات. فأنت تقول أن الله إذا وصف نفسه بشيء فأنت تحمله على شيء آخر، هو يصف نفسه بـ( الانفعالات ) ثم أنت تحملها على ( نهايات الأغراض ). سبحان الله! هل نحن أكثر تنزيهاً لله تعالى منه سبحانه لنفسه؟! لا والله، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم - وهو أعلم الناس بربه وأكثرهم له تنزيهاً - يقول: ( لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ) الحديث رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.

ثم هذه القاعدة أخي لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، ثم لا نسلم عليها دليلاً صالحاً من عقل.
كيف والله تعالى يصف كتابه بقوله: ( بلسان عربي مبين ) أي بين واضح لا خفاء فيه؟! هذا مقتضاه أن نحمل كلامه على ظاهر ما خاطبنا به، إذ قد نص على أن مراده بين واضح من كلامه، فله الحمد والمنة.
أما على مذهبكم - الذي فيه أن ظواهر كتاب الله تعالى كفر، وأن المراد منها خفي لا يعلمه بشر ( عند المفوضة ) أو لا يعلم إلا بتكلف التأويل وتعمق الكلام ( عند المؤولة ) - على هذا المذهب، فليس كلام الله تعالى بواضح ولا بين! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وبالمناسبة أذكر هنا قصة لأبي المعالي الجويني الأشعري رحمه الله، قال الحافظ الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء في ترجمته:
وفي فنون ابن عقيل قال عميد الملك: قدم أبو المعالي فكلم أبا القاسم بن برهان في العباد: هل لهم أفعال؟
فقال أبو المعالي: إن وجدت آية تقتضي ذا فالحجة لك.
فتلا: ( ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ) ومد بها صوته، وكرر: ( هم لها عاملون )، وقوله: ( لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ) أي كانوا مستطيعين.
فأخذ أبو المعالي يستروح إلى التأويل.
فقال: والله إنك بارد! تتأول صريح كلام الله لتصحح بتأويلك كلام الأشعري؟!
وأكله ابن برهان بالحجة فبهت. انتهى.

والعجيب أنه ما الفائدة إن أصاب الأشعري؟! وما الضرر إن أخطأ الأشعري؟! بينما إن كان القرآن ظاهر المعنى فالمصلحة ظاهرة لا تخفى، وإن كان مشكلاً فالمفسدة كذلك لا تخفى. فما بالنا نراعي ما لا فائدة لنا منه، بتضييع فائدة ما لنا فيه فائدة؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله.

سادساً: استدللت أخي بقول "الشاعر": ( إذا ما علونا واستوينا عليهم .. جعلناهم مرعى لنسر وطائر ).
فمن هذا الشاعر؟! وهل هو ممن يحتج به في اللغة؟! أم بيته مصنوع كبيت: ( استوى بشر على العراق .. بغير سيف أو دم مهراق )؟! أم هل هو لرجل كافر لا يحتج بلغته كبيت: ( إن الكلام لفي الفؤاد وإنما .. جعل اللسان على الفؤاد دليلا )؟!
فلا أزال أؤكد أن الاستواء إن عدي بـ( على ) اختص بالعلو الذاتي، كما قال تعالى: ( لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) وقال تعالى: ( فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله ). فالحمد لله.

سابعاً: أخي الفاضل هولتَ علي أني قد استدللت بحديث: ( اللهم إني أعوذ بك من.. دعاء لا يسمع )، ولم أر في كلامي ما يدل على أن من الدعاء ما لا يسمعه الله تعالى! بل الله تعالى يسمع كل دعاء، كما قالت عائشة: ( تبارك الذي وسع سمعه كل شيء ).
لكن السمع الثابت لله تعالى منه سمع يقتضي إجابة ومنه سمع مجرد عن الإجابة، والمستعاذ من عدمه في دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الأول دون الثاني.

ومثل ذلك معية الله تعالى، منها معية عامة ثابتة في حق كل أحد مؤمناً كان أو كافراً، وهي التي مقتضاها العلم والإحاطة، ومنها معية خاصة بالمؤمن دون الكافر، وهي التي مقتضاها النصر والتأييد والمحبة. فيصح أن أقول: ( الله مع المؤمن، وليس مع الكافر ) فأنفي باعتبار المعية الخاصة. وكذلك هنا، أقول: ( الله يسمع لمن حمده، ولا يسمع لمن أشرك به ) أي سما ع الإجابة، كما نقول في الصلاة: ( سمع الله لمن حمده ). ولا إشكال، والحمد لله.

لكن المهم في الأمر أن وجه الدلالة الذي أردته من الحديث وهو إثبات حدوث السمع وتجدده لله تعالى ثابت، لأنه عبر عنه بالمضارع، ولله الحمد.

أما ما ذكرت أخي من أن السمع هنا هو الإجابة، فغير صحيح، بل الإجابة هي لازم من لوازم هذا السمع، الذي هو سمع الإجابة، واللازم غير الملزوم.
أما ثبوت الدعاء بالاستجابة في بعض طرق الحديث، فلا ينفي ثبوت السمع في الطرق الأخرى، ولا نؤول أحدهما بالآخر، بل كل على حاله، فالأول دعاء بالسبب، والثاني بالنتيجة، والحمد لله. وإن فسرنا أحدهما بالآخر، قلنا: المعنى اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يسمع ثم لا يستجاب له لأنه لم يسمع أصلاً، فلله الحمد.

الثامن: اعترضتَ أخي على ما ذكرتُ لك من فرق ظاهر بين السمع والعلم، وما اعترضتَ علي إلا بالنتيجة التي تقول أنت بها، ولم تدلل على اعتراضك! فغفر الله لك.

وأضيف إلى ذلك الفارق المؤثر، فارقاً آخر ينقض ذلك القياس الذي كنتَ قسته لإلحاق السمع بالعلم، ثم أقررتَ مشكوراً بضعفه.
فالفارق الثاني هو ما يجد الإنسان في نفسه ضرورةً من بون كبير بين السمع والعلم.
وليتضح هذا البون أضرب لك مثالاً نراه ونعايشه. هب أن ولداً بذيء اللسان، ويعلم تماماً أن أباه يعلم بذاءة لسانه مع رفاقه وجيرانه، فتجده مع ذلك لا يستحيي من علم أبيه فلا يزال على بذاءته معهم، فإذا حضر أبوه لم يتفوّه بكلمة بذيئة قط، لم؟ لأنه يستحيي من سمع أبيه. فالحاصل أنه وجد من نفسه فرقاً ضرورياً بين السمع والعلم. ومثل هذا يقال في الفرق بين الرؤية والعلم.
بل مثال أوضح من هذا: رجل أصم لا يسمع شيئاً، سلم عليه رجل، فأشار إليه صاحبه أن فلاناً يقول: ( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ) فرد عليه السلام. هنا قد علم الأصم بذاك الصوت الذي لم يسمعه أنه السلام، لكن هل سمعه؟ لا. وبهذا فشتان بين العلم والسمع.

التاسع: ذكرت أخي حديث: ( ولا تغيره الحوادث ) وعزوته للطبراني في الأوسط، وبحثتُ عنه فلم أجده فيه ولا في غيره.

ثم هب أنه موجود فيه، هل هذا كاف للاحتجاج به؟! هل الحديث صحيح أم ضعيف؟! هذا وأنتم لا تقبلون الصحيح الآحادي في العقائد! فالله المستعان.

وعلى كلٍّ، فالحديث – إن صح – يجب أن يفسر بما يتفق مع النصوص الكثيرة جداً الصريحة جداً في إثبات أفعال الله تعالى وأنها حادثة، فيقال: إن الحوادث لا تغير الله تعالى عن كماله، أو أن الحوادث لا تؤثر في الله تعالى تغيراً، إذ هي لا تملك فعل نفسها فضلاً عن فعل الله تعالى، فالله سبحانه هو الذي يحدث من أفعاله ما يناسب تجدد الحوادث. فإن لم يمكن تفسير الحديث بما يتفق مع غيره من النصوص، فالواجب – اتفاقاً – الترجيح، ولا شك أن ترجيح الأكثر والأوضح في الدلالة أولى، فيحكم بضعف الحديث. والله أعلم.

ثم تأمل قول أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه:
بابٌ: قول الله تعالى: ( كل يوم هو في شأن ) و ( ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث ) وقوله تعالى: ( لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ) وأنَّ حدثه [ أي حدث الله تعالى ] لا يشبه حدث المخلوقين، لقوله تعالى: ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ).
انتهى، وفيه أنه أضاف لله تعالى حدثاً.

العاشر: فسرتَ قوله تعالى: ( تبارك ) بقولك: ( تعالى وعظم )، فأين هذا في لغة العرب؟!
ثم أخي كلمة ( تعالى ) التي فسرتَ أنت بها تدل على الزيادة في العلو، أي في الكمال. وذلك لأنها على وزن ( تفاعل )، كما تقول: ( تعاظم ) ازداد عظمة وتقول ( تكاثر ) ازداد كثرة وتقول: ( تجاسر ) ازداد جسرة وهكذا.

وقولي الذي نقلتَ عني – عفا الله عنك – ثم شنعت علي به، هو: ( يزداد كمال الله تعالى ) متبوع مباشرة بقولي: ( أن يكون في كل حال على أكمل حال ). فصار المعنى واضحاً لا لبس فيه إن شاء الله تعالى، أي أن زيادة الكمال هي استمرار الله تعالى على كماله، فكلما مر زمن والله على كماله كان ذلك كمالاً وكمالاً، والله أعلى وأعلم.
ثم إني أكدت هذا المعنى فقلتُ: ( وهذا كله ازدياد لأفعال حدثت منه سبحانه بعد أن لم تكن، وهي كلها كمال لا نقص فيها، وحاله سبحانه قبل حدوثها كان كمالاً مطلقاً كذلك، إذ لكل حال كمال يناسبه ). فكان الأولى أخي أن تقرأ الكلام كاملاً لا مبتوراً.

الحادي عشر: قلت أخي أن الله يحب الكافر حال كفره إن كان مآله إلى الإيمان، وهذا معارض لما تضافرت عليه الأدلة من كتاب الله تعالى ومن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
بل هو معارض لمذهب السلف في الإيمان. إذ لو كان الإيمان هو ما يكون عليه المرء عند وفاته وجب الاستثناء، لأنه غيب، وهذا باطل.

ومن الأدلة على بطلان ما ذكرتَ أخي قوله تعالى: ( والله لا يحب الكافرين ) فعلق الله كرهه بوصف، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
وقال تعالى: ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ) فيه أن الانتقام حدث مع الغضب لأن ( لما ) تفيد الظرفية، فدل على حدوث الغضب.
وقال تعالى: ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) فيه أن الرضا حصل عند المبايعة، لأن ( إذ يبايعونك ) ظرف للفعل.
وقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) فيه أن المرتد كان يحب الله ويحبه الله، فلما حصلت منه الردة صار لا يحب الله ولا يحبه، ولو كان الله لا يحبه قبل الردة لأتى بالقوم الذين يحبهم ويحبونه قبلها.
وقال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم... عسى الله أن يجعل بينكم وربين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير ). فأخبر سبحانه أنهم أعداؤه حال كفرهم ثم بشر بأنهم يسلمون، وأسلموا فعلاً بعد الفتح.
وقال تعالى: ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ) فأخبر سبحانه أن الأعمال أسخطته عليهم.

ثم من السنة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه ) فيه أن السخط حصل بعد أن لم يكن ثم زال بعدما حصل، ضرورة ما تفيده ( لم يزل ) من الاستمرار وما تفيده ( حتى ) من انتهاء الغاية.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( الصدقة تطفئ غضب الرب ) فيه أن غضبه تعالى يزول عن العبد بعد أن كان، وفيه أن الله قد يغضب على المؤمن، إذ الصدقة لا تطفئ غضب الله على الكافر إجماعاً، وإنما تطفئ غضبه على المؤمن.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله غضب على سبطين من بني إسرائيل فمسخهم دواب ) الحديث، فيه أن الغضب حدث بعد أن لم يكن، إذ الفاء في ( مسخ ) للترتيب والتعقيب، أي أن المسخ حصل مباشرة بعد الغضب، ولو كان الغضب أزلاً لكان المسخ معه.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها ) فيه أن الرضى يحدث، إذ لو كان أزلاً ما كان لحمده أثر.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ) الحديث، فيه أن الله يحبه حباً بعد أن لم يكن أحبه إياه، لأن ( إذا ) للظرفية، فوقت الرضا هو وقت النداء، ويليه حب جبريل لما تفيده الفاء من الترتيب.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك. فيقول هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً ). فيه أنه يرضى عنهم رضىً لم يكن قد رضيه بعد، فهذا الرضى الخاص حادث قطعاً.
وفي حديث طلب أهل المحشر الشفاعة من الأنبياء يقول كل منهم: ( إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ) فهذا الغضب يحدث يوم القيامة لأن كلمة ( يوم ) ظرف للفعل ( غضب )، ثم يزول بانتهائه لأن ( بعده ) ظرف لنفي الفعل ( يغضب ).

وغير هذا كثير جداً، قد يبلغ التواتر من حيث المعنى. ولاحظ أخي أن كل الأحاديث التي ذكرتُها هنا صحيحة إن شاء الله تعالى.

فهل يعارض هذا كله بحديث: ( اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين أليك )؟!
وأصل الحديث صحيح إن شاء الله، لكن لفظ المحبة فيه نظر، إذ قد أخرجه أحمد والترمذي كلاهما من طريق خارجة بن عبد الله الأنصاري، وقد ضعفه أحمد والدارقطني وقال الحافظ: ( صدوق له أوهام ). ورواه غيره من طرق أخرى ليس فيها ذكر المحبة. وله شاهد عند البيهقي في الدلائل من حديث إسحاق بن إبراهيم الحنيني ( قال الحافظ: ضعيف ) عن أسامة بن زيد بن أسلم ( قال الحافظ: ضعيف من قبل حفظه )، فهو شاهد كلا شيء، والله أعلم.
والبحث في ذلك يطول، فليت الأخ الكريم سامح يحقق صحة الحديث قبل أن يحتج به، لا سيما وأن الأشاعرة لا يقبلون في العقائد إلا القطعيات!

ثم على فرض صحة لفظة ( أحب الرجلين )، فهي لا تدل على الحب، ألا ترى قوله تعالى: ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) مع أن النصارى لا يودون المسلمين كما قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ). فهذا من باب قولك: ( أمران أحلاهما مر )، والله أعلم.
فإن قال: هذا خلاف الأصل.
قلنا: لا بد من ذلك ليوافق غيره من الأدلة، وإلا لكان معارضاً، ولزم بذلك تضعيفه.
ثم لو أخذنا اللفظة على أصلها، للزم أن يكون الله تعالى قد أحب أبا جهل بن هشام مع أنه مات كافراً، لأن لفظة ( أحب ) تدل في الأصل على تفاضل بين اثنين كلاهما محبوب.
فإن قال: هذا الحديث من باب قوله تعالى: ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ) وليس في مستقر أهل النار لهم خير ولا في مقيلها لهم حسن.
قلنا: إذن صرفت اللفظ عن أصله، فعلمنا أن هذا اللفظ لا يصح أخذ ظاهره، بل لا بد من تأويله بما يوافق غيره، وكذلك فعلنا ولله الحمد.

بقي في المسألة الأثر الذي نقلت عن سفيان الثوري أنه قال: ( ما أحب الله عبداً فأبغضه، وما أبغض عبداً فأحبه، وإن الرجل ليعبد الأصنام وهو حبيب الله ). فعلى فرض صحته، يقدم هو أم ما تضافر من نصوص الكتاب والسنة؟! لا والله لا يقدم بين يدي الله ورسوله شيء.

فيصل سيد القلاف
31-01-2005, 22:06
الثاني عشر: قوله تعالى: ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) فيه أسند الله تعالى الإحداث إلى الذكر، ضرورة أن ( محدث ) صفة لـ( ذكر )، وعليه فالذكر ذاته هو المحدث لا إنزاله، وما جاء كلام ربنا بالألغاز والإخفاء، بل هو كما قال تعالى: ( بلسان عربي مبين ) أي واضح لا لبس فيه ولا خفاء.

ثم يا أخي قد بينت لك وجه استدلالي بآية المجادلة، فكيف تعارضه بقول هشام بن عبيد الله؟! ألا تسمع قول ابن عباس رضي الله عنهما وقد تكلم بالحديث فعارضه بعضهم بقول عمر وأبي بكر، وهما من هما جلالةً وعلماً: ( تكاد تمطركم السماء حجارة أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقولون قال أبو بكر وقال عمر )! فالله المستعان.

أما عن الأثر أخي فالإحداث الذي نفاه هشام وأقره عليه الذهبي رحمهما الله هو الخلق، فيكونا نفيا عن كلام الله تعالى أن يكون مخلوقاً. ويدل على ذلك كلامه أولاً: ( كلام الله غير مخلوق ). وبهذا يتفق قوله مع الآية، وهو أولى من إبطال دلالتها بكلامه.
ثم تعلم أخي أن مراده بكلام الله تعالى اللفظ والمعنى جميعاً، خلافاً لما تدعيه الأشاعرة من أن اللفظ – الذي هو القرآن – مخلوق، فيقولون: القرآن مخلوق، وهو ليس إلا ( عبارة ) عن كلام الله. فيكون الأثر لي عليك أخي، لا لك علي، ولله الحمد.

ثم أذكرك أخي بكثرة ما في الكتاب والسنة من دليل على أن الله يتكلم بالأمر بعد الأمر، ومن ذلك: ( قد سمع الله قول التي تجادلك ) فيه أن السماع ماضٍ، ومقتضى الفعل الماضي أنه حدث قبل زمن التكلم، فيكون التكلم وقع بعد السماع، وهو المراد.
وقال تعالى: ( غلبت الروم ) فيه أن الله تعالى تكلم بهذا بعد هزيمتهم.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ) فيه أن النداء حدث بعد أن لم يكن ضرورة ما تفيد الفاء من الترتيب والتعقيب.
وقال تعالى: ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( وأحسن الحديث كلام الله ) فيهما أن كلام الله حديث، وإنما يسمى الكلام حديثاً لحدوثه، والله أعلم.
وغير ذلك من الأدلة كثير. فلله الحمد.

ثم أوضح من هذا أن الله تعالى قال: ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) فيه أن التكوين يحصل مباشرة بعد أن يقول الله تعالى: ( كن ) ضرورة أن الفاء للترتيب والتعقيب، فلو كان كلام الله تعالى قديم الآحاد، كانت كلمات ( كن ) قديمة، ولوجد كل مخلوق بها أزلاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

الثالث عشر: كابرت إخي إذ قلت أن أقطع اليدين يقال فيه: ( يداه مبسوطتان )! واستدللت علي بأن العرب تقول: ( البلد في يد الأمير ) ولو كان أقطعهما. فأقول لك: بل هذا تعيير له، أن تذكر اليد عنده وليس له يد!
وأهون عليّ من هذا أن أقول لك: من من العرب قال بهذا؟! البينة على من ادعى!

ثم لما ألزمتك بمثال: ( كثير الرماد ) أجبت بما أحب أن تجاوب به في كل صفة من صفات الله تعالى، فقلتَ: ( نعم لا يصح لأننا نقف في وصف الله تعالى عند ما وردت به النصوص لا غير ). وتعلم أخي أن وصف الله يكون بالإثبات والنفي، فلا تثبت لله إلا ما أثبت سبحانه لنفسه، ولا تنف عنه إلا ما نفى سبحانه عن نفسه، فإن فعلتَ فهذا – والله – الذي نريد. لم يقولون: ليس لله يد، وقد قال الله أن له يداً؟! ولم يقولون ليس الله بفوق، وقد قال الله أنه فوق؟! ولم ولم؟! لم لا نقف عند النصوص في كل شيء؟! أم أنا نقف عند بعض ونتقدم على بعض؟!

الرابع عشر: قلتَ أخي: ( استوى على العرش مدبراً أمر الكائنات أزلاً ) تريد بذلك تفسير قوله تعالى: ( ثم استوى على العرش يدبر الأمر ).
فأسألك أخي: ما إعراب ( مدبراً ) في كلامك هذا؟
ستقول: هي حال للفاعل سبحانه وتعالى.
فأقول لك: إذن الاستواء ليس هو التدبير، إذ التدبير حال لله عند الاستواء، وليس الحال هي ذات الفعل قطعاً، وإنما هي وصف يصاحبه. كما تقول: ( جاء محمد مسروراً ) فليس المجيء هو السرور، وتقول: ( ذهبت إلى المدرسة راكباً ) ليس الذهاب هو الركوب، وهكذا. وهذه شهادة منك فالحمد لله.

ثم يا أخي استواء الله تعالى على عرشه ثابت له سبحانه في سبعة مواضع من كتابه، إن كان عقب إحداها بقوله تعالى: ( يدبر الأمر ) فكيف تفعل بغيرها؟!
قال تعالى: ( ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً ) فهل كان الليل يطلب النهار أزلاً؟!
وقال تعالى: ( ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر ).
وقال تعالى: ( ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيراً ).
وقال تعالى: ( ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ) فهل كنا أزلاً عاطلين عن ولي أو شفيع سوى الله؟!
وقال تعالى: ( ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض ) فهل كان ثم والجاً في الأرض مع الله أزلاً؟!
وقال تعالى: ( الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات ) فهل كانت السماوات موجودة أزلاً يملكها الله؟!
فالحاصل أن كون جملة: ( يدبر الأمر ) تفسيراً للاستواء لمجيئها بعدها لا يصح، إذ لم يصح تفسير الاستواء بما بعدها في الآيات الأخرى كما مر، ولله الحمد.

ثم الاستواء أخي لا يمكن أن يفسر بالاستيلاء أو تمام التدبير أو غير ذلك مما تدعون من الصفات الذاتية. لم؟ لأن الاستواء صفة فعلية قطعاً، لقوله تعالى: ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ) فالاستواء حاصل بعد خلق السماوت والأرض، لما تفيده ( ثم ) من الترتيب والتراخي. فالاستواء إذاً ممنوع يكون كما فسرتم، بل هو ممنوع أصلاً بلغة العرب، وممنوع كذلك بأن الظاهر من الاستواء هنا العلو الخاص، ولا صارف له، فلله الحمد.

الخامس عشر: في حديث: ( فينادي ربكم بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد ) قلتَ أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث: ( فينادى ) بالمبني لما لم يسم فاعله، فتحمل رواية المسمى فاعله على الأخرى.
وهذه منك عجيبة أخي!
أولاً محل اتفاق بيننا صحة لفظ مسلم، فهل يعني ترجيحك غيرها عليها أنك تقول بشذوذ لفظ مسلم؟!
ثانياً: لم أقف على هذه اللفظة في هذا الحديث أخي الكريم، فليت أنك عزوتها وبينت درجتها.
ثالثاً: الرواية التي فيها ذكر الفاعل فيها زيادة علم فتقدم، إذ لا معارضة، إذ هذا من باب المطلق والمقيد، والواجب حمل المطلق على المقيد لا العكس.
رابعاً: روايات الحديث أخي غالباً يوضح بعضها بعضاً، والأمر هنا كذلك، فالذي أبهم في لفظ وضح في لفظ، والحمد لله.

السادس عشر: اعترضتَ أخي على حديث: ( من قرأ حرفاً من كتاب الله ) بأن الحرف من قرائتنا لا من كلام الله، مع أن الله تعالى جعل الحرف من ( كتاب الله ) ليس من كلامنا، وما الذي في كتاب الله؟ إنه كلام الله.
تأمل أخي قول الله تعالى: ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) فيه أن المقروء الذي في المصاحف هو كلام الله تعالى، وليس عبارة عنه.

السابع عشر: الكلام أخي هو اللفظ والمعنى جميعاً، أما الكلام النفسي فلا يطلق له بأنه كلام، وإنما يقال: ( كلام نفسي أو حديث نفس أو قول في النفس ) كلها بالتقييد، أما بالإطلاق فلا.

ولا أدل على ذلك من قول الله تعالى: ( فأجره حتى يسمع كلام الله ) فسمى المقروء - وهو اللفظ والمعنى جميعاً - كلام الله، ولا من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل ) ولا من حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( زينوا القرآن بأصواتكم ) والمزين هو اللفظ كما لا يخفى.

ثم إن أبطل الأشاعرة حصر المعتزلة الكلام في ذي اللفظ وحده، فلو فرضنا أنهم أبطلوه – ولم يبطلوه – فإنه بقي حصر الكلام في ذي اللفظ والنفسي الحادث! فما الفائدة؟! كلاهما يحدث بعد عدم.

ثم هب أن الكلام يحتمل المعنى الذي تدعونه، ما الأصل الذي يرجع إليه؟ أليس الظاهر من الكلام هو اللفظ والمعنى؟!
لعلك تقول: يلزم عليه باطل.
أقول: هل يكون ظاهر الكتاب والسنة كفراً بالله العظيم؟! وكيف لم يتكلم الله عز وجل ولا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا الصحابة رضوان الله عليهم مرة واحدة بتحذير الناس من أن يفهموا هذا الظاهر؟! مع أن في الناس الذكي والبليد والفصيح والأعجمي والكبير والصغير! ثم كيف لا يكون في الشرع بيان ذلك مع ما وقعت فيه الأمة من افتراق بسبب اختلافهم فيه؟!

الثامن عشر: قلت أخي: ( فأين خالفت الأشاعرة اللغة )؟
أقول: في كثير جداً أخي، في تفسير الاستواء المعدى بعلى بالاستيلاء، وتفسير الكلام المطلق بحديث النفس، وفي تفسير الإيمان بالتصديق فقط، وفي تفسير اليد المعداة بالباء بالقدرة، وفي تفسير المحبة بإرادة الخير، وفي تفسير الضحك بإرادة الخير، وغيرها مما لا يحصى!

وأضرب لك مثالين من كلام أهل العلم في بعض هذا.
الأول ما ذكره الحافظ الذهبي في كتابه القيم ( العلو للعلي الغفار ) بسند صحيح عن ابن الإمام اللغوي ابن الأعرابي، أنه أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما معنى قوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى )؟ قال: ( هو على عرشه كما أخبر ) فقال الرجل: ( ليس كذاك، إنما معناه إستولى ) فقال: ( اسكت! ما يدريك ما هذا؟! العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل استولى. والله تعالى لا مضاد له. وهو على عرشه كما أخبر ) ثم قال: ( الاستيلاء بعد المغالبة، قال النابغة: ألا لمثلك أو من أنت سابقه سبق .. الجواد إذا استولى على الأمد ). انتهى. تأمل أخي قوله: ( العرب لا تقول... ). فالحمد لله.
الثاني ما قرره أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه الإبانة عن أصول الديانة، قال: ( وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي ويريد بها النعمة. وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهوماً في كلامها ومعقولاً في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل البيان أن يقول القائل: فعلت كذا بيدي ويعني بها النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ( بيديّ ) النعمة ) انتهى نقلاً من الفتوى الحموية الكبرى.

وأسهل من ذلك أن أسأل: هل جاء عن أحد ممن لم يدرس علم الكلام تأويل الصفات بمثل ما أولت به الأشاعرة؟! اللهم لا. هل جاء عن أحد من الصحابة والتابعين مثل ذلك، وهم أفصح الناس؟! اللهم لا.

التاسع عشر: استدللت أخي بعمومات قوله تعالى: ( ليس كمثله شيء ) وقوله تعالى: ( فلا تضربوا لله الأمثال ) وقوله تعالى: ( ولم يكن له كفواً أحد ) وقوله تعالى: ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) وقوله تعالى: ( ولا يحيطون به علماً ) وغيرها على نفي ظواهر نحو قوله تعالى: ( بل يداه مبسوطتان ) وقوله تعالى: ( ويبقى وجه ربك ) وقوله تعالى: ( وناديناه من جانب الطور ) ونحوها.
وهذه عجيبة منك أخي! إذ لا تعارض أصلاً بين تلك العمومات وهذه الخصوصات لنصرف ظاهر أحدها بالآخر! فالعمومات فيها نفي التمثيل، والخصوصات فيها إثبات صفة تليق بالله من غير تمثيل، ضرورة أن الصفة تكون على ما يليق بالموصوف.
فلم يصرف بعضها ظاهر بعض؟! أولم يتقرر أن الإعمال أولى من الإهمال؟!

وبيانه لو قال رجل: ( ليس البعير كالنملة ) ثم قال: ( للبعير يد ) ونعلم أن للنملة يداً، فهل يفهم من قوله الأول أنه ليس المراد من القول الثاني اليد الحقيقية؟ لا، لا يفهم ذلك. لم لم يصرف القول الثاني عن ظاهره؟ لأنه لا تعارض بينهما، لنسلك سبيل التأويل.
لكن لو قال قائل: ( الإنسان طين وليس نوراً ) ثم قال: ( فلان نور عيني ) فهنا يوجد تعارض ظاهر يحملنا على تأويل القول الثاني بالمحبة، إذ وجد مانع من حمل الكلام على حقيقته، وهو القول الأول، ثم وجدنا مثل هذا التعبير في لغة العرب يراد به غير الحقيقة. وهذان مثالان فيهما كفاية لمن تدبر إن شاء الله تعالى.

ثم هب أن ثم تعارضاً - وليس ثم شيء منه – أو كما تقولون: هذه الأدلة الخاصة تثبت صفات من جنس صفات المخلوقين، وهذا ضرب من التمثيل، والأدلة العامة تنفي التمثيل، فوجب صرف ظواهر الأدلة الخاصة لذلك.
فنرد عليكم بالاتفاق: أنه عند تعارض عام وخاص يقدم الخاص، فنقدم نصوص إثبات اليد والوجه والساق والكلام والمحبة وغيرها، لأنها أخص. هذا، مع أن الأدلة الخاصة لا تمثيل فيها أبداً، كما بينتُ في المقالات السابقة بوجوه ظاهرة جداً، فراجعها، والله المستعان.

وتوضيح ذلك، أنه لو قال رجل: ( فلان ليس عنده علم ) ثم قال بعدها: ( فلان يعلم وجوب الصلاة ) فهنا لا نقول: هو لا يعلم وجوب الصلاة ونستدل بالقول الأول، إذ هذا إبطال للقول الثاني، ولو زعمناه تأويلاً فقلنا معرفته بوجوبها ليس علماً. لكن الواجب أن نقول هو يعلم وجوب الصلاة ولا يعلم غير ذلك، تخصيصاً فنكون قد أعملنا الدليلين.

ثم يا أخي استدللتَ بحديث: ( لم يكن له شبيه ) وهو عند الترمذي، وهذه زيادة في حديث سبب نزول سورة الإخلاص، وهي زيادة ضعيفة، رواها من طريق أبي سعد محمد بن ميسر ( قال الحافظ رحمه الله: ضعيف رمي بالإرجاء ) عن أبي جعفر عيسى بن عيسى الرازي ( قال الحافظ رحمه الله: صدوق سيئ الحفظ ) عن الربيع بن أنس ( قال الحافظ رحمه الله: صدوق له أوهام ورمي بالتشيع ). فالزيادة ضعيفة، وكذا قال العلامة الألباني رحمه الله. هذا وأنتم لا تقبلون صحاح الآحاد في العقائد، فالله المستعان.

العشرون: قلت أخي أن لفظة: ( عن ساقه ) في الحديث شاذة!
وهذه عجيبة أخرى! إذ اللفظة عند البخاري رحمه الله في صحيحه، وكفى.

الحادي والعشرون: في مسألة الكيف والمعنى.
أخي الفاضل علماء السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم كلهم يعرف معاني ألفاظ الصفات، وهذا لا إشكال فيه.
فإن قلتَ: لم يعرفوها.
أقول: لم يعرفوها هم، وعرفها الأشاعرة! لا والله، والله تعالى يقول: ( ثم إن علينا بيانه )، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ( ما بقي من شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم )، وأبو ذر يصف علم الصحابة فيقول: ( تركنا رسول الله صلى الله عليه وآله سلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علماً ).
فإن أقررت بأن قد عرفوها، أقول لك: هذا هو المطلوب: أنهم عرفوا المعاني ولم يعرفوا الكيفيات.

ثم ما هي المعاني التي عرفوها؟
إن قلتَ: خلاف الظاهر.
أقول: وكتموها؟!
تقول: بل بينوها.
أقول: أين هي؟! هذي كتب الحديث والعقائد بيننا وبينكم، هاتوا لنا صفةً صفةً مما تصرفون عن ظاهرها قال بمثل قولكم فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو التابعون!
إن قلتَ: فأين أنهم أمروها على ظاهرها؟
أقول: تواتر هذا عن السلف. ثم ما دامت على ظاهرها فالأمر على الأصل، ولم يكن ثم من أهل الأهواء من حرفها.
ولازلت ألح عليك أخي وعلى كل قارئ كريم أن يراجع كتب السلف، فلتراجع رد الدارمي على بشر المريسي ورد أحمد على الجهمية وكتب السنة لأحمد ولابن أبي عاصم وكتاب عقيدة السلف للإسماعيلي وكتاب التوحيد لابن خزيمة وغيرها مما لا يحصى كثرة، لترى أن عين ما أنكره السلف على الجهمية هو ما تقول به الأشاعرة، وأن عين ما تقولون أنه التجسيم هو ما قال به السلف رضوان الله عليهم، فالله المستعان.

وفي هذا المعنى – كون تأويل نصوص الصفات بدعة منكرة - قال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية: ( والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقيدةً اتباع سلف الأمة، والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الأمة، وهو حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة. وقد درج صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها. فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محتوماً لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة. وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه المتبع. فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى ). انتهى نقلاً من ترجمته في سير أعلام النبلاء. فيه أن التأويل بدعة مخالفة لإجماع السلف.

الحادي والعشرون: العوام أخي يثبتون لله ما أثبت لنفسه، على الأقل في بلادنا في أرض الجزيرة التي لم يخالط مشايخها فسلفة ولله الحمد.
وكيف تنكر أمراً أشاهده في أهلي وجيراني؟! بل إني كنت أجده من نفسي قبل طلب العلم. فوالله ما تغير بعد دراستي لمسائل الاعتقاد شيء يذكر من فهمي لمعاني الأسماء والصفات، إلا كثرة الأدلة ومعرفة الأقاويل وردها، أما الفهم فلم أزل أفهم منها ظاهرها قبل التعلم وبعده. ولله الحمد على السنة.

وفي هذا المعنى يقول الإمام يزيد بن هارون رحمه الله: ( من زعم أن ( الرحمن على العرش استوى ) على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي ). ذكره الذهبي في كتاب العلو بإسناد جيد.
ويزيد بن هارون هو شيخ إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، وعقيدته هي عقيدة أحمد رضي الله عنهما. وعليه فالذي يقصده بفهم العامة هو إمرار الصفات على معانيها الظاهرة من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، والحمد لله.

الثاني والعشرون: أخي الفاضل أعيد مرة بعد مرة أنه لا يلزم على صفة الخالق سبحانه ما يلزم على نظيرها عند البشر من النقص.
وبيانه أن أقول: لله يد ولا يلزم عليها تبعيض ولا غيره من الباطل.
تقول لي: كيف ويلزم على يدي تبعيض؟
أقول لك: وهل لك علم؟
تقول: نعم.
أقول لك: ويلزم من إثبات العلم لك أن يكون لك عقل ومخ وأعصاب، فهل يلزم مثل ذلك على الله تعالى؟
تقول: لا وكلا، ليس كمثله شيء سبحانه.
أقول لك: لم لا يلزم؟
تقول: لأن صفة الله تعالى كمال من كل وجه فلا يلزم عليها ما يلزم على نظيرها عندي من النقص، إذ الصفة تكون لائقة بمن تضاف إليه.
أقول لك: الحمد لله، هذا حق. وقل مثله في كل صفة لله تعالى كاليد والوجه والساق والكلام والغضب والرضا والمحبة والكره والمجيء غيرها.

وبمثل هذا الوجه رد الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله على من أنكر رؤية الله في الآخرة، فقال في تفسير آية الأنعام: ( فأما ما اعتلّ به منكرو رؤية الله يوم القيامة بالأبصار لما كانت لا ترى إلا ما باينها وكان بينها وبينه فضاء وفرجة, وكان ذلك عندهم غير جائز: أن تكون رؤية الله بالأبصار كذلك [ أي كالصفة المذكورة من المباينة والفضاء والفرجة ]. لأن في ذلك إثبات حدّ له ونهاية, فبطل عندهم لذلك جواز الرؤية عليه.
وأنه يقال لهم: هل علمتم موصوفاً بالتدبير - سوى صانعكم - إلا مماساً لكم أو مبايناً؟
فإن زعموا أنهم يعلمون ذلك، كلفوا تبيينه, ولا سبيل إلى ذلك.
وإن قالوا: لا نعلم ذلك.
قيل لهم: أوليس قد علمتموه [ أي الله تعالى ] لا مماسّا لكم ولا مبايناً, وهو موصوف بالتدبير والفعل؟! ولََمْ يجب عندكم - إذ كنتم لم تعلموا موصوفاً بالتدبير والفعل غيره إلا مماساً لكم أو مبايناً - أن يكون مستحيلاً العلم به [ أي بالله تعالى ] وهو موصوف بالتدبير والفعل لا مماسّ ولا مباين!
فإن قالوا: ذلك كذلك.
قيل لهم: فما تنكرون أن تكون الأبصار كذلك: لا ترى إلا ما باينها وكانت بينه وبينها فرجة، قد تراه وهو غير مباين لها ولا فرجة بينها وبينه ولا فضاء؟! كما لا تعلم القلوب موصوفاً بالتدبير إلا مماساً لها أو مبايناً، وقد علمتْه [ أي الله تعالى ] عندكم لا كذلك [ أي ليس مبايناً ولا مماساً ].
هل بينكم وبين من أنكر أن يكون [ الله ] موصوفاً بالتدبير والفعل معلوماً لا مماساً للعالم به أو مبايناً، وأجاز أن يكون موصوفاً برؤية الأبصار لا مماساً لها ولا مبايناً فرقٌ؟! [ لا، لا يكون أي فرق. فإن كابروا ادعوا وجود فرق بينهما انتقلنا إلى السؤال التالي ].
ثم يُسألون الفرق بين ذلك, فلن يقولوا في شيء من ذلك قولاً إلا ألزموا في الآخر مثله ). انتهى، وما بين القوسين [ و ] مني للتوضيح.

ومثله قول أبي بكر ابن الباقلاني رحمه الله في كتابه الإبانة: ( فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟
قيل له: قوله ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) وقوله تعالى: ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) فأثبت لنفسه وجهاً ويداً.
فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحةً إن كنتم لا تعقلون وجهاً ويداً إلا جارحة؟
قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حياً عالماً قادراً إلا جسماً أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه وتعالى. وكما لا يجب في كل شيء كان قائماً بذاته أن يكون جوهراً. لأنا وإياكم لم نجد قائماً بنفسه في شاهدنا إلا كذلك.
وكذلك الجواب لهم إن قالوا: يجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضاً، واعتلوا بالوجود ) انتهى نقلاً من الفتوى الحموية الكبرى.

ويوضح هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة التدمرية: ( إذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصص والتقيد.
فلا يقول عاقل إذا قيل له: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود: ( إن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود ). وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود، فوجود كل منهما يخصه لا يشركه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما ). انتهى.

فهي حجة قاطعة، أفحم بها علماءُ أهل السنة المبتدعةَ قديماً، ولا زالوا. فلله الحمد والمنة. وقد ذكرتها فيما مضى وأذكرها هنا، ولم أجد من أجاب عليها.

الثالث والعشرون: أخي الفاضل لكل موجود كيف ضرورة لا تنكر. فنفي الكيف نفي لوجود الصفة أصلاً.
أما نفي السلف للكيف، فهو نفي للعلم به، فهو على هذا خبر. أو نفي للسؤال عنه، فهو على هذا إنشاء، فيكون: ( بلا كيف ) أي: ( من غير أن نتكلف ونسأل: كيف؟ ).

وسبب قولهم هذا، أنهم يردون على بدعة أهل التمثيل، فيقولون: ( بلا كيف ). كما كانوا يردون على بدعة أهل التعطيل بقولهم: ( بلا معنى ) أي تأويل يخالف الظاهر. فكانوا يقولون: ( لا معنى ولا كيف ). ولو كانوا يقصدون بنفي المعنى مذهب المفوضة، لكان قولهم: ( ولا كيف ) لغو، إذ ما لا يعقل معناه لا يعلم كيف له أصلاً.

فيصل سيد القلاف
31-01-2005, 22:09
الرابع والعشرون: قلت أخي: ( أما كلامك عن أن الكيف موجود لكن لا تعلم حقيقته، فلا دليل له من أقوال السلف إطلاقاً ). وهذه مجازفة ظاهرة.
فقد ذكر الذهبي في كتاب العلو عن أبي جعفر الترمذي أنه قال: ( النزول معقول والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ). والأثر أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد بإسناد رجاله ثقات.
وقال الذهبي رحمه الله معقباً على هذا الأثر: ( صدق فقيه بغداد وعالمها في زمانه، إذ السؤال عن النزول ما هو؟ عي، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلا فالنزول والكلام والسمع والبصر والعلم والاستواء عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء، فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر. وكان هذا الترمذي من بحور العلم ومن العباد الورعين ) انتهى.
وقال كذلك رحمه الله في كتاب العلو كذلك: ( وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها. وأنَّ استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، ولا نتعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً ولا إثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه ) انتهى.
تأمل أنه جعل عقيدة أهل السنة قاطبة أن لصفات الله تعالى كيفية، لكن يجهل البشر هذه الكيفية. ولو كانت معدومة ما وصفوها بأنها مجهولة. فتأمل أخي كيف جعلت العقيدة المتفق عليها بين السلف لم ترد عن أحد منهم إطلاقاً!!

ويكفيك دليلاً على إثباتهم الكيفية ما شاع بينهم من قولهم: ( الله تعالى يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء ) تأمل فيه إثباتهم الكيفية.

ومن ذلك قول الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله: ( ولا يسأل الرب عما يفعل: كيف يفعل؟ وهم يسألون. لأنه القادر على ما يشاء أن يفعله كيف يشاء ). تأمل أنه أثبت أنه أثبت الكيفية لله تعالى، لكن المنفي عنده السؤال عنها.

الخامس والعشرون: معنى أثر الإمام مالك رحمه الله، وما يعني بأن الكيفية غير معقولة، فقد زعمت أخي – عفا الله عنك – أنه ينفي الكيفية أصلاً! وهذا خطأ كما مر هنا، وكما بينتُ في المقال السابق. وزيادة للبيان هذان نقلان لرجلين من أئمة المالكية رحمهم الله.

قال أبو بكر بن العربي رحمه الله في شرحه على الترمذي: ( وذهب مالك رحمه الله أن كل حديث منها [ من أحاديث الصفات ] معلوم المعنى، ولذلك قال للذي سأله: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة ). انتهى من عارضة الأحوذي.

وقال القرطبي المفسر بعد أن عرض قول الأشاعرة في تأويل الاستواء بالاستيلاء: ( هذا قول المتكلمين.
وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى [ يعني نطقوا بإثبات العلو المستلزم لإثبات الجهة عنده رحمه الله ] كما نطق كتابه وأخبرت رسله.
ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقةً. وخص العرش بذلك لأنه أعظم المخلوقات.
وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها ) انتهى من تفسيره الجامع لأحكام القرآن.
وما بين القوسين [ و ] مني للتوضيح.

وبهذا يتضح مقصود الإمام مالك رحمه الله، فالحمد لله أولاً وآخراً.

السادس والعشرون: ذكرتَ أخي عن ابن السبكي أنه قال عن أثر أبي المعالي الجويني الذي كنتُ قد استشهدت به: ( يشبه أن تكون مكذوبة ).
على كل قد ذكرها الحافظ الذهبي رحمه الله في ترجمة أبي المعالي في سير أعلام النبلاء، فقال: ( وحكى الفقيه أبو عبدالله الحسن بن العباس الرستمي قال: حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال: دخلت على أبي المعالي في مرضه، فقال: اشهدوا عليّ أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة، وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور ). انتهى.
وفي الترجمة ذاتها: ( وقال السمعاني قرأت بخط أبي جعفر محمد بن أبي علي... وقرأت بخط أبي جعفر أيضاً سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم وغصت في الذي نهى أهل الإسلام، كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق: عليكم بدين العجائز. فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله، فالويل لابن الجويني ) انتهى.
هذا العزو، والله أعلم بصحة الحكاية من كذبها.

السابع والعشرون والأخير وهو الموضوع الرئيسي في البحث: قلتَ: ( وقد بان حتى الآن صدق الرازي في ما ادعاه )! كيف؟ لم تبين لنا، فالله أعلم.
لكن، أعيد لك الذي أردتُ – ولم يردّ عليه أحد - بشيء من البسط:

الرازي يقول: ليس لله تعالى يد ولا عين ولا وجه.
نقول: لم؟
يقول: لأن اليد يلزم عليها التبعيض، وهو ممتنع على الله تعالى.
نقول له: كيف علمت هذا التلازم؟
يقول: هذا ما شاهدنا في المخلوقات، وهذا ما تصل إليه عقولنا.
نقول له: أنت تثبت أن الله لا داخل العالم ولا خارجه؟
يقول: نعم.
نقول: ألا يلزم على هذا أنه معدوم؟
يقول: كيف؟
نقول: لأن هذا الذي نشاهده في المخلوقات: أن ما كان منها لا داخل ولا خارج كان معدوماً. ثم هذا ما تصل إليه عقولنا: أن الموجود بين داخل وخارج، لأنهما نقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان في حق الموجود.
يقول: لا يلزم على صفة الله تعالى ما يلزم على نظيرها في المخلوق من نقص، ولا تحيط عقولنا بصفات الله وما يلزم عليها.
نقول له: هذا هو المطلوب، فقل مثل هذا في اليد والوجه والساق وغيرها. ثم إن قال به لزمه إثبات العلو لله تعالى على كل خلقه، والحمد لله رب العالمين.

أما السلف رضوان الله عليهم – الذين تسمونهم بالحنابلة – فقد عصمهم من التناقض تمسكهم بالكتاب والسنة، ولله الحمد. وكيف يتناقض السني والله تعالى يقول: ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) أي لو كان من عند الفلاسفة وأتباعهم من المتكلمين لوجودوا فيه اختلافاً كثيراً.
وجه عدم تناقضهم رضي الله عنهم أنهم ما نفوا عن الله تعالى أنه لا داخل ولا خارج لامتناع ذلك عقلاً مجرداً، وإنما ردوا بامتناع ذلك عقلاً على الأشاعرة الذين يستدلون بالعقل، من باب: ( من فمك أدينك ). أما مستندهم في المنع فهو ما ثبت في الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف من علو الله تعالى على خلقه، ثم ما وافق ذلك من العقل، فهو العقل المحكوم بالشرع لا العقل المجرد. وهذا من خصائصهم رضي الله عنهم بين أهل المقالات جميعاً.
هذا أكرره للمرة الثالثة - أو أكثر - دون أن أجد أحداً رد عليه!

فأما من أراد أن يثبت عندنا – أهل السنة والجماعة – تناقضاً حقاً، فليأتنا بآية أو حديث يناقض آية أو حديث، إذ لسنا نقول إلا بالكتاب والسنة. وأنى لأحد أن يأتي بذلك؟!

ومع أن هذا الأخير هو موضوع البحث الأصلي، أراك أخي أخرجتنا إلى مسائل وجزئيات لا تنقضي، ولن نزال نتكلم فيها، ولن تزال إلا في ازدياد. فلم كل هذا، والبحث في مسألة واحدة في الأصل؟! وصلنا من مسألة إلى بضع مسائل إلى أكثر من عشرين! دون التعرض لأصل البحث إلا بإشارة، فالله المستعان.

وختاماً هذي بعض ملاحظات ينبغي الانتباه لها أخي، حفظاً للوقت والجهد واحتراماً لعقل القارئ الكريم:

1. وجوب الاعتناء بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث احتججتَ أخي بحديث ضعيف، وضعفتَ حديثاً عند البخاري، ثم رددت بعض ألفاظ الحديث ببعض، مع أن الكل ثابت.

2. عند نقل كلام المناظر ينبغي نقله كاملاً أو وصف كلامه كاملاً، دون بتره بحيث يوهم خلاف مقصوده. وأعلم أن مثلك أخي الكريم لا يتعمد مثل هذا، لكن الشيطان يُعمي ويُصمِم ابتغاء الفتنة. فالأولى أن يراجع الإنسان كلام صاحبه إن وجد فيه غرابة إحساناً للظن به، ودفعاً للتهمة عنه.

3. لمعرفة القول الذي ينسب إلى السلف لا يصح أن نأتي بقول موهم غريب، لكن ننظر إلى القول المشتهر بينهم المتكاثر عنهم، وفي مثل هذا يراجع نحو ما ذكرتُ سابقاً من كتب العقائد والتعليقات على الأحاديث في المصنفات المشهورة كصحيح البخاري وجامع الترمذي وغيرهما. وبهذا البحث يتبين أن الأشاعرة يقولون بأقوال الجهمية التي أبطلها السلف واشتد نكيرهم عليها، وأن ما تسمونه اليوم تجسيماً هو مذهب السلف الذي عليه الأئمة رضي الله عنهم.

4. في المناظرة ينبغي الاعتناء بالموضوع الأساس، أما تشعيب البحث بحيث يصل إلى هذا الطول والتشتت، هذا لا يثمر شيئاً إلا تهميش الموضوع الرئيسي، وذلك إنما يكون عند عجز المناظر عن بحثه. ولستَ كذلك إن شاء الله تعالى.

5. تبين إن شاء الله تعالى بوضوح أن التناقض الذي رمى به الرازي أهل السنة، واقع هو فيه لا مخرج له منه، وهو الأمر الذي كنت أركز عليه في كل مقالة.
ولعل أمراً مثل هذا يصعب قبوله على أتباعه: ( وعين الرضا عن كل عيب كليلة ). لكن ليعلم القارئ أن الله تعالى أعز علينا ممن عداه، وليس في علماء الأمة أعظم من أئمة السلف رضوان الله عليهم.

6. ينبغي على المناظر أن يستدل لقوله على صاحبه، لا أن يستدل عليه بالدعوى المجردة. وهذا كان ظاهراً في موضوعك الأخير أخي، إذ أخذت تستدل علي بقواعد الأشاعرة ومذاهبهم ونحوها، مع أني لا أقول بها، بل أقول ببطلانها.

7. لا يكفي في الرد على المناظر أن تبطل واحداً من أدلة قد استدل بها، إذ انتفاء الدليل المعين لا يعني انتفاء المدلول، بل الواجب الرد على كل ما استدل به، كما يجب الاستدلال للقول المطلوب بعد ذلك. إذ انتفاء قول المناظر لا يعني ثبوت قول صاحبه، إلا إذا ثبت انحصار الحق في أحد القولين.

8. في تفسير كلام الله تعالى ورسوله يلزم كلاً منا أن يلتزم ما تقرر من طرائق الاستدلال عند أهل العلم، لا سيما ما في كتب النحو والبلاغة وأصول الفقه لشدة اعتنائهم بذلك. فمن ذلك مثلاً وجوب الأخذ بالظاهر وعدم التأويل إلا لقرينة، ولا تعيين أحد المعاني المحتملة إلا بدليل. ومن ذلك كذلك تقديم الخاص على العام والمقيد على المطلق. ومن ذلك عدم التقدير إلا لحاجة، مع وجود قرينة في الخطاب تعين المقدر. ومن ذلك أن القرآن نزل بلغة العرب، فلا يحمل على غير ما تعرفه. وغير ذلك مما مر.

9. الإنصاف، فيقر المناظر لصاحبه إن أصاب، ولا يتحامل عليه فيغمطه حقه. وهذا شيء تشكر عليه إذ يلاحظ في كتابتك أخي الكريم، إلا في مواضع يسيرة والكمال عزيز.

10. أدعو القارئ الكريم أن يطالع هذين الرابطين النافعين لشدة تعلقهما ببعض مباحث الموضوع. وقد نقلت من الرابط الثاني بعضه، ولقد وددت أن أنقل أكثرهما هنا، إلا أني خشيت أن يطول الموضوع أكثر مما طال، ثم رأيت أن أضع الرابطين لمن أراد تمام الفائدة.
الرابط الأول عنوانه: هذه عقيدة سلف الأمة في الأسماء والصفات:

http://www.sd-sunnah.com/vb/showthread.php?p=6809&posted=1

الرابط الثاني عنوانه: أقوال العلماء في بيان المعنيّ بالكيفية في الصفات:

http://www.sd-sunnah.com/vb/showthread.php?t=1645

هذا ما تيسر، وهذا آخر ما أكتب هنا في مسائل شتات بعيدة عن صلب الموضوع.

والله أسأل أن يشرح صدورنا لقبول الحق وللتسليم له ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فالأمر دين، بل أعظم الدين الاعتقاد في ذات الله تعالى وصفاته.
هذا، والله أعلى وأعلم، وإليه أبرأ مما زل به القلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وصلى وسلم.

فيصل سيد القلاف
01-02-2005, 10:33
ملاحظة:
وقفت اليوم على حديث: ( ولا تغيره الحوادث ) وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل من قول رجل أعرابي، سمعه منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقره عليه. وهو كما ذكر أخي سامح عند الطبراني في الأوسط، فالحمد لله.
لكن الحديث ضعيف رواه هشيم وهو مدلس وقد عنعنه، وكذا ضعفه العلامة الألباني رحمه الله في السلسلة الضعيفة. وعليه فلا حجة به. وإن صح فهو على ما سبق تقريره، والحمد لله أولاً وآخراً.