المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فهم الواقع والفقه فيه والعناية به



يحيى رضا جاد
09-07-2010, 09:48
فهم الواقع والفقه فيه والعناية به

يحيى رضا جاد


1- فهم الواقع والفقه فيه والعناية به .. ذلك كله يعين على تصور صحيح للمسألة محل الاجتهاد والتجديد, ومن ثم إصدار حكم مناسب لها [1] .. فالعالِم - كما يقول الإمام ابن القيم- هو "من يتوصل بمعرفة الواقع والفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله.. كما توصل شاهد يوسف عليه السلام بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه".


2- إن "معرفة المحكوم فيه على حقيقته، ومعرفة ما يدخل فيه وما لا يدخل فيه: يقتضي المعرفة الجيدة بالواقع ومكوناته، وبالأشياء وأوصافها، وبالأفعال وأسبابها وآثارها, إذ من دون هذا يمكن أن يقع تنزيل الأحكام على غير ما وضعت له، أو على أكثر مما وضعت له، أو على أقل مما وضعت له، ويمكن أن يقع تعطيل الحكم مع وجود محله ومناطه.

إن الفقه الحق لابد أن يكون واقعياً؛ يعرف الواقع ولا يجهله، يلتفت إليه ولا يلتفت عنه، يُعمله ولا يهمله، يبني عليه ولا يبني في فراغ.


3- والواقع كالنهر الجاري؛ ماؤه الذي تراه اليوم غير مائه الذي رأيته بالأمس, وكذلك الواقع؛ ففي كل يوم، بل في كل لحظةٍ واقع جديد، يختلف كثيراً أو قليلاً عن سابقه .. ولا تعنينا –كما يقول الريسوني بحق- التغيرات الطفيفة والبطيئة, ولكن تعنينا التغيرات المؤثرة سواء جاءت بطيئة أو سريعة .. هذه التغيرات إذا أصابت أموراً هي مناط لبعض الأحكام فلابد أن تتغير تلك الأحكام التي تغيرت متعلقاتها .. فإذا ثبت أن الاعتبارات التي تغيرت كانت هي مناط الحكم، وعليها ولأجلها وضع الحكم، فلابد للفقيه أن يعيد النظر في ذلك الحكم موازناً بين ما تغير وما جدَّ, لتقرير الحكم الملائم للوضع الجديد وللحالة الجديدة، ذلك أن الحكم الذي وضعه الشرع، أو اجتهد فيه المجتهدون، لم يوضع للحالة الجديدة التي بين أيدينا". [2]

ونلخص من هذا إلى أن الاجتهاد ينبغي أن يلحظ, بعين الاعتبار, الواقع المتغير دوماً؛ حتى يحقق مقاصد الشريعة.


4- إن ما ندعو إليه هو فهم الواقع, والتواصل الحقيقي مع الأمة وأحوالها, والوعي بما يجري فيها من توجهات وأعراف وميول ونوازع .. ثم محاولة فهم للواجب الذي سنقوم به حيال هذا الواقع من خلال أحكام الشريعة.


5- وعلى كلٍ منا أن يتذكر قول عمر بن الخطاب, في رسالته الشهيرة (ودع عنك مسألة ثبوتها من عدمه؛ فإنما يهمنا المضمون) لأبي موسى الأشعري في القضاء, "الفهمَ الفهمَ فيما أدلي إليك"؛ فنحن للأسف قد اعتدنا أن نفهم الأحكام الشرعية مجردة عن الواقع، ثم ندعي مناسبتها له دون فهم عناصره ومقدماته وسياقه وقرائنه.

ولله در العز بن عبد السلام القائل بأن "كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده، فهو باطل" [3] .. ولله در مالك بن نبي الذي فرَّقَ بين (الصحة) و(الصلاحية)؛ أي أن الكلام قد يكون (صحيحاً) ولكنه (غير صالح) [4] .. وهذا ينطبق على كل أنواع الفكر الإنساني - ومنه الاجتهاد الفقهي- الذي قد يكون فكراً صحيحاً في زمانه ومكانه ولكنه غير صالح لزمان ومكان آخر.

إن آفتنا - التي تقف عائقاً ضخماً في سبيل تقدمنا اليوم- هي أننا أمة لا تخضعُ للحقيقة, وإنما تبني الحقيقة، وغالباً ما تكون تلك الحقيقة التي تبنيها حقيقةً متوهمةً متخيلةً طبقاً لما نريد نحن، فموادها وعناصرها من عقولنا نحن دون مراعاةٍ للواقع في شيء .. فنحن دائماً نصوغ الفكرة في صورة الشعر؛ لا نستجيب للواقع, ولا ندرك أبعاده ومحدادته, وإنما نبني صورة متخيلةً بغض النظر عن الواقع [5].


6/ 1- نحن نريد بفقه الواقع "أن ندرس المسألةَ -على الطبيعة لا على الورق- دراسةً علمية موضوعية بلا تهوين ولا تهويل, بعيداً عن أعين النظرات الحالمة والأفكار المتشائمة". [6].


6/ 2 - إن المعنى الصحيح لمصطلح (فقه الواقع) هو: معرفة الواقع والخبرة بشئونه وأحواله على ما هي عليه .. وهو مصطلح وضع بجانب مصطلح (فقه التدين) ليكون مكملاً ومعيناً عليه, لا بديلاً عنه .. ولكن البعض يفهمه على أنه صنف جديد من الفقه يجب أن يحل محل الفقه القديم .. وفقه الواقع عند هؤلاء هو الفقه الذي (يخضع) للواقع, و(لا يصادمه), بل (يواكبه) بفتاوى (التسويغ والتأييد والقبول والترحيب) .. وهذا في الحقيقة ليس من الفقه, ولا من الاجتهاد, في شيء, وإنما هو - إن شئت الصراحة- (فقه نفي الشريعة) و(اجتهاد في إقصائها وإلغائها) .. ومن ثم, لا ينبغي, ولا يجوز, أن نلحق بالواقع وننخرط فيه كما تفعل السواقي والروافد في النهر العظيم المتدفق؛ تذوب فيه وتفنى, وتقويه وترفع من هديره, وربما تسهم في فيضانه وزيغانه .. وإنما الذي يجب علينا فعله هو أن نتفاعل ونتعارك, ونتحاور ونتدافع, مع الواقع, ليس فقط بنوع من الندية, بل بنوع من الاستعلاء؛ الاستعلاء المتواضع المحب للخير والنفع؛ إذ ضعف المسلمين لا ينبغي أن يحجب عنا قوة الإسلام [7].


7/1- ومن الأمثلة الدالة على أهمية رعاية الواقع وملابساته والتفقه فيه:


( أ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالّة الإبل, فقال للسائل: "دعها, معها حذاؤها وسقاؤها" .. فلما جاء عثمان (رضي الله عنه) أمر بأخذ ضالة الإبل, والتعريف بها, ثم بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها, فإذا جاء أخذه؛ لأنه رأى اختلافاً في الأحوال والعوائد .. لقد كان الأمر النبوي بترك ضالّة الإبل منطلقاً من حفظ المال في مجتمع غلبت عليه الأمانة, فإذا قلٍّت الأمانة صار إتلاف المال بتسلط الأيدي العادية وارداِّ ومحتملاِّ .. فالأمر بالأخذ –والحال كذلك- محقق لنفس المصلحة من الأمر بالترك هناك.

وهذا مثال واضح عن تغير الحكم بتغير الواقع، وهو يمثل اعترافاً من سيدنا عثمان أن الواقع الإجتماعي الذي حقق المقصد الشرعي أول مرة لم يعد موجوداِّ لتحقيق المقصد الشرعي في المرة الثانية [8].

وأما الزعم بأن عثمان قد خالف سنة النبي بفعله هذا, فهو زعم باطل؛ لأن عثمان نظر إلى مقاصد الشريعة في الحفاظ على أموال الناس, ففعل ما هو الأصلح في زمنه, كما فعل النبي ما هو الأصلح في زمنه.


( ب ) ما كان من الفقيه المالكى الكبير والشهير: ابن أبي زيد القيرواني, فقد رووا أن حائطاً انهدم من داره, وكان يخاف على نفسه من بعض الناس, فاتخذ كلبا للحراسة وربطه فى الدار. فقيل له: إن الإمام مالك يكره ذلك. فقال: لو أدرك مالك زمانك لاتخذ أسدا ضارياً !!


7/2- ولنضرب الآن بعض الأمثلة التطبيقية في الموضوع :


( أ ) لقد كان علماؤنا قديماً لا يأخذون بشهادة حاسر الرأس أو حليق اللحية أو من يأكل على قارعة الطريق؛ باعتبار أن هذا من خوارم المروءة، ولو طبق هذا الرأي الفقهي الآن لخلت المحاكم من الشهود، فهذا مما عمت به البلوى .. فضلاً عن كون مسألة حلق اللحية أو عدم تغطية الرأس من الأمور الاجتهادية - لا القطعية- التي لا يجوز أصلاً إسقاط شهادة من يأتي بها .


( ب ) ولم يقبل علماؤنا القدامى كذلك شهادة البدوي على الحضري؛ لأنه غير عالم بحياة الحضري ولا نمط عيشه ولا مصطلحاته. بل وورد في كلام قدامى الفقهاء النهي عند إمامة البدوي للحضري؛ لأن الغالب أن الحضري أعرف بالأحكام وأشهد للجمع والصلوات في المساجد.


( ج ) ونحن نرى في أيامنا هذه أن لأهل الإسكيمو - من المسلمين- التيمم بالثلج؛ لانعدام الصعيد الطاهر، بل هو في ذاته صعيد طاهر - بالنسبة لبيئتهم- .. كما نرى جواز اقتنائهم الكلاب؛ لعدم قدرتهم على الاستغناء عنها في حياتهم اليومية.


( د ) ومن أمثلة سوء إدراك الواقع - دون الدخول في تفاصيل بيان ذلك السوء؛ إذ لا يتسع المقام لها ههنا- :

· الرأي القائل بجواز عقد (معاهدات سلام) - لا (اتفاقيات هدنة)- مع العدو الإسرائيلي؛ وكأن ما بيننا وبينهم لم يكن إلا سحابة صيف؛ في حين أنه معركة حياة أو موت

· والرأي القائل بوجوب هجرة أهل فلسطين لفلسطين؛ والذي يَؤُول إلى إجازة - بل وجوب- هجرة كل أهل بلد لبلدهم؛ لمجرد كونه قد أصبح محتلاً من عدو غاشم ! ولو أخذت الشعوب الإنسانية بهذا الرأي لما وجدوا لهم مكاناً على سطح الكرة الأرضية ! ولَمَا كان عمران .. ولَمَا قامت حضارة !

· والرأي القائل بجواز شد الرحال إلى المسجد الأقصى في ظل وضعه الراهن الذي يتطلب الحصول على تأشيرة دخول من الكيان الصهيوني الغاصب؛ مما يعني إقراراً ضمنياً - دون ضرورة ملجئة- بمشروعية تلك السلطة الاحتلالية الغاشمة؛ وهو ما لا يقول به مسلم يفقه دينه ويعي واقعه !


8/ 1 - ومما يساعد على فهم الواقع والفقه فيه: القراءة؛ فإن لها أهمية خاصة, بل هي الخلفية القوية التي يجب أن تكون وراء تفكير الفقيه -والداعية-, وضحالة القراءة, أو نضوب الثقافة, تهمة خطيرة - كما يقول بحق حكيم الدعوة الإسلامية/ محمد الغزالي- للمتحدثين في شؤون الدين, إذا صحت تزيل الثقة فيهم.


8/ 2 - إن القراءة - أي الثقافة[9]- هي الشيء الوحيد الذي يعطي فكرة صحيحة عن العالم وأوضاعه وشؤونه، وهي التي تضع حدوداً صحيحة لشتى المفاهيم، وكثيراً ما يكون قصور الفقهاء والدعاة راجعاً إلى فقرهم الثقافي.

والفقر الثقافي للعالم الديني - كما يقول بحق محمد الغزالي- أشد في خطورته من فقر الدم عند المرضى وضعاف الأجسام .. ولابد للفقيه - وكذلك الداعية إلى الله- أن يقرأ كل شيء، يقرأ كتب الإيمان ويقرأ الإلحاد .. يقرأ في كتب السنة، كما يقرأ في كتب المبتدعة .. باختصار: يقرأ كل منازع الفكر البشري المتفاوتة ليعرف الحياة والمؤثرات في جوانبها المتعددة.

ثم إن الاستفادة التامة من جميع الاتجاهات الفكرية والمذاهب الفقهية في التاريخ الإسلامي أمر لا مناص منه, كما الاستفادة من كشوف الفلسفة الإنسانية في علوم النفس والاجتماع والسياسية والاقتصاد والتاريخ, ومزج ذلك كله بالفقه الصحيح للكتاب والسنة.

إن الرؤية الصحيحة لأحكام الشريعة, أو الحكم الصائب الذي ينبغي تقريره, لا يتم إلا على رحابة الأفق ووجود خلفية عظيمة من المعرفة القديمة والحديثة على السواء .. وربما كان أسلافنا القدامى قد رزقوا من سلامة الفطرة وحدة الذكاء ما يجعلهم قادرين على حسن الفهم والحكم، لكننا في هذا العصر لا نصل -في أغلبنا- إلى مستواهم إلا بعد دراسات مضاعفة .. كما يستعين صاحب النظر القصير بالمناظير المقربة حتى يعرف ما يقرأ أو حتى يدرك من بعيد مالا يستطيع رؤيته بالعين المجردة.

باختصار: يجب على الفقيه أن يكون عارفاً للكتاب والسنة والفقه الإسلامي والحضارة الإسلامية، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون مطلعاً على التاريخ الإنساني وعلوم الكون والحياة والثقافات الإنسانية المعاصرة التي تتصل بشتى المذاهب والفلسفات .. كما يجب أن يبادل الناس الحوار بقلب مفتوح؛ فلا يكون أنانياً, ولا حاقداً, ولا تحركه النزوات العابرة, ولا ينحصر داخل تفكيره الخاص .. كما ينبغي أن يلتمس الأعذار للمخطئين, وألا يتربص بهم، بل يأخذ بأيديهم إذا تعثروا [10].


8/ 3 - وقد لاحظت أن هناك أصنافاً من المنتسبين للفقه تسيء إلى الإسلام أشد الإساءة, آتي على ذكر أحوالهم للتحذير من سلوك مسلكهم [11] :

· منهم من يشتغل بالتحريم المستمر فلا تسمع منه إلا أن الدين يرفض كذا وكذا دون أن يكلف نفسه أي عناء لتقديم البديل الذي يحتاج إليه الناس .. وكأن مهمته اعتراض السائرين في الطريق ليقفوا مكانهم دون أن يوجههم إلى طريق آخر أرشد وأصوب.

· ومنهم من يعيش في الماضي البعيد وكأن الإسلام دين لحقبة ماضية, وليس للحاضر ولا للمستقبل، والغريب أنك قد تراه يتحامل على المعتزلة والجهمية مثلاً –وقد يكون محقاً في بعض ما يقوله- ولكنه ينسى أن الخصومات التي تواجه الإسلام قد تغيرت وحملت حقائق وعناوين أخرى.

· ومنهم من لا يفرق بين (الشكل) و(الموضوع), أو بين (الفرع) و(الأصل), أو بين (الجزئي) و (الكلي) بأي شكل من الأشكال .. فيبدد قواه كلها في محاربة هذا الشكل أو ذاك، أما الموضوع فهم لا يدرون ماذا يصنعون إزاءه .. ولهؤلاء عقلية لا تتماسك فيها صور الأشياء بنسب مضبوطة، ولذلك قد يهجمون شرقاً على عدو موهوم ويتركون غرباً عدواً ظاهراً، بل ربما حاربوا في غير عدو !!


9 - إن عملية استنباط الأحكام, وتقديم الفتاوى, عبارة عن جدل متواصل بين الفقه والواقع؛ إذ الواقع (مختبر) يستطيع أن يبين لنا ملاءمة الفتوى أو حرجها [12] .. ومن هنا كانت أهمية (اختبار الفقه في الواقع العملي)؛ إذ هو (المرجح المحايد), وقوله الفصل, عند اختلاف الآراء [13] .. وبـ (التجربة العملية) نستطيع أن نتدخل في مجرى الأمر محل الاجتهاد والبحث؛ بأن نحور تركيبه, أو نعدل الظروف التي يوجد فيها, مما يرفع درجة الضبط, ويٌمَكن للموضوعية [14] ؛ لأنه إذا كان الغالب أن تكون المصلحة المتوخاة من تقرير رأي اجتهادي مصلحةً ظنية, فإن (التجريب في الواقع) قد يعيننا على معرفة المصلحة القطعية, أو الراجحة على أقل تقدير.


10- وأختم بقول الأستاذ الفاضل/ عمر عبيد حسنة :

" تحديد المشكلات، ومعرفة أسبابها، ومحاولة تصنيفها، وجدولة أولوياتها بحسب الإمكانات المتوفرة، ومن خلال مراعاة الظروف المحيطة، والاعتبار بالماضي، وفقه الأحكام الشرعية، وما يقتضيه تنزيلها على الواقع من توفر التأكد من أهلية محل التنزيل وتوفر شروطه... هو السبيل السليم للتعامل مع المجتمع، أو مع الواقع، وتقويمه بشرع الله وقيم الدين.

إن فهم الواقع والتعرف عليه بدقة، أو بعبارة أدق: فقه هذا الواقع الذي هو محل الأحكام وموضوعها، لا يتأتى من الرؤى الحسيرة، ولا المجازفات القاصرة، والانفعالات التي يحكمها رد الفعل، أو محاولات اختزال الماضي في موقف، أو الحكم على الواقع من خلال لحظة تاريخية، أو نتيجة قريبة، أو النظر إليه من خلال نقطة سوداء، أو حالة طفو زبد، أو شيوع غثاءٍ، بعيداً عن استكناه الحقائق الاجتماعية، وتجاوز الصورة إلى الحقيقة، واكتشاف القانون الاجتماعي أو قانون الحركة الاجتماعية أو ما يمكن أن نطلق عليه (المنهج السنني)، الذي يمكن من تفسير الظواهر على وجهها الصحيح، ويحدد مواقع القصور وأسباب التقصير، ويبصر العواقب والمآلات، ولا تخدشه النتائج القريبة والسريعة، وتأسره الانفعالات.

لقد أصبح فقه الواقع، أو فقه المجتمع، علم له أدواته ووسائل قياسه، بل نستطيع أن نقول: إنه أصبح خلاصة لمجموعة علوم إنسانية واجتماعية وتاريخية، ولم تعد تنفع معه النظرة العابرة، أو الملاحظة الآنية، أو الأُمنية المخلصة.

إن علوم فقه الواقع اليوم أشبه بالحواس والنوافذ العقلية للحركة الإنسانية، والأمة التي تفتقدها في عالم اليوم أمة تعيش فيما يشبه مدارس الصم والبكم.

إن الانخراط في المجتمع، والاندماج فيه، والتعرف على مكوناته ومؤثراته، ودراسة الظواهر الاجتماعية، ومعرفة أسبابها، والمساهمة في دوائر الخير، ومحاولة التوسع فيها، على هدى وبصيرة، وعدم تشكيل أجسام بعيدة عن المجتمع، منفصلة عنه، وإقامة هياكل وكيانات وخيام خارج المجتمع والحياة، أو السير خلف المجتمع ورصد تصرفاته والحكم عليها، بدل الدخول في المجتمع وإغرائه بفعل الخير، هو سبيل الخروج من المأزق الذي نحياه.

إن فقه المجتمع والواقع يوازي فقه النص، وبدون فقه المحل ومعرفة الاستطاعات بشكل علمي وموضوعي فسوف تستمر المجازفات وهدر الطاقات، والعبث بالأحكام الشرعية، والمساهمة السلبية بالإساءة إليها، ولو عن حسن نية، فلا يمكن أن يسمى فقيهاً حامل النصوص، لأن فقه أبعاد التكليف قسيم فقه النص ومكمل له، فلا فقه لنص بلا فقه لمحله ". اهـ


والله أعلم


مصدر الدراسة (انظره غير مأمور؛ إن رمتَ الاستزادة والتفصيل والتأصيل) :

في فقه الاجتهاد والتجديد – دراسة تأصيلية تطبيقية, يحيى رضا جاد, تقديم د/ محمد عمارة, ط 1, 2010م, دار السلام بالأزهر - القاهرة (سوف يتوافر الكتاب قريباً جداً إن شاء الله)


الهوامش


[1] إن إعمال (النصوص) في (الواقع المتنوع المتغير) لا يجري عن طريق (استدعاء دلالات النص) فقط, ولكنه يلزم له أيضاً, وعلى ذات الدرجة من الأهمية, أن يتم (توصيف الواقع بوصف يٌمَكن من إنزال حكم النص عليه).


[2] الاجتهاد: النص, الواقع, المصلحة, شاطبي العصر أستاذنا العلامة د/ أحمد الريسوني, ص (64, 68, 69), ط 1, 2002م, دار الفكر- دمشق.

ونذكر ههنا بقول ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية" : (والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام، أضاع حقوقاً كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه، ولا يشكون فيه اعتماداً منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله، فهاهنا نوعان من الفقه لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس يميِّز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا؛ فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع).

كما نذكر بقول القرافي : "إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد: جهالةٌ في الدين".


[3] قواعد الأحكام في مصالح الأنام, العز بن عبد السلام, 2/143, ط 1986م, ط الكليات الأزهرية, وعنها دار الكتب العلمية اللبنانية.


[4] نقاط منهاجية في التعامل مع إشكالياتنا الفكرية, د/ نصر محمد عارف, مجلة الرشاد, العدد 5, ديسمبر 1997م.


[5] نفس المرجع السابق.


[6] في فقه الأقليات المسلمة, العلامة الفقيه المجتهد د/ يوسف القرضاوي, ص (45), ط 1 , 2001م, دار الشروق - القاهرة


[7] "سيادة نزعة التشديد سبب كثرة المحرمات" : حوار مع د/ أحمد الريسوني, أجراه معه موقع إسلام أون لاين, في 14 أبريل 2007م.


[8] التجديد, رياض أدهمي, مجلة الرشاد.


[9] لست أبغي بذلك حصر التقافة في القراءة؛ لأن ذلك قصور واضح, وخلل فاضح .. وإنما مقصودي بهذه العبارة هو أن القراءة هي أحد أهم الروافد الثقافية, إن لم تكن أهمها على الإطلاق.


[10] خطب الشيخ محمد الغزالي في شئون الدين والحياة, إعداد/ قطب عبد الحميد قطب, ومراجعة/ د. محمد عاشور,(1/13- 18), ط 1987م,, دار الاعتصام- القاهرة.


[11] نفس المرجع السابق.


[12] والحرج في الأصل لا يتأتى إلا إذا أصاب الخللٌ قواعدَ المنهجية الضابطة لـ, والمعينة على, استخلاص الحكم واصدار الفتوى.


[13] في فقه الأقليات المسلمة, د/ طه جابر العلواني, ص (34), ط يونيه 2000م, مكتبة نهضة مصر- القاهرة.


[14] نقد العقل المسلم: الأزمة والمخرج, العلامة الفقيه المجتهد/ عبد الحليم أبو شقة, ص (133, 141, 132), ط 2, 2005م, دار القلم- الكويت- القاهرة.


******************

نقلاً عن :
ملتقى الإبداع الفكري
http://65.109.35.106/ShowMaqal.php?module=ce2f07009536fc2c196de1cbc58ff 1e6&cat=14&id=762&m=e047f08beb9a1c0c4b49199b92df7c30

جلال علي الجهاني
09-07-2010, 12:30
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله .. وبعد ..

فإن مقالك أخي الفاضل يحيى يفيد في تحريك النظر في بعض المسائل التي يغفلها بعض الناس اليوم وهم يدعون الاجتهاد في مسائل الشريعة، سواء المستجدة أو غير المستجدة .. وسواء من طرف من انتسب إلى الشريعة ودرسها، أو من طرف من يسمون أنفسهم بالمفكرين والباحثين ..

وأود بين يدي هذه التعليقات أن أبين أصل موضوعك بطريقة أخرى، فأقول:

إن شروط الاجتهاد التي ينبغي أن توجد فيمن يدعيه أو يحاوله نوعان:

الأول: الحصول على آلات الاجتهاد الأصلية، من علوم اللغة والأصول والكتاب والسنة وما إلى ذلك من شروط واضحة ذكرها العلماء في كتب الأصول ..
الثاني: معرفة الوقائع، وهذا القسم يوازي القسم الأول، فإن تحرير مناط الحكم أمر ضروري للاجتهاد ..

وبغير هذين النوعين -إن صح التعبير- فإن الاجتهاد لا يوافق الصواب .. وقد أهمل الكثير من دارسي الشريعة القسم الثاني، وسقط من الاعتبار -كليا أو جزئياً- القسم الأول لدى المفكرين الجدد أو أصحاب التجديد والتطوير والحداثة ..

مسألة أخرى: وهي أن بناء مسائل الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ليس في درجة واحدة، بل منها ما هو مبني على النصوص (وأقصد بذلك الأخبار الواردة إلينا، لا النص بالمصطلح الأصولي، فلا فرق بين خبر قطعي الدلالة أو الثبوت في صحة الاجتهاد وبناء الأحكام عليهما جميعاً، وقد حصل الإجماع على وجوب العمل بالنصوص الظنية الدلالة، فالتقليل من شأنها لدى بعضهم خطأ محض، بل ضلال مبين) .. ومنها ما هو مبني على العرف وسد الذريعة والمصالح، وهذه الدرجة في مصادر بناء الأحكام هي التي ينبغي أن نقيد بها كل ما يقال حول الاجتهاد في المسائل المستجدة في عصرنا أو تطبيقات الأحكام الشرعية في وقائع عصرنا واختلاف المكان والزمان ..

ومسألة ثالثة: وهي أن مسائل الأحكام السلطانية (السياسة الشرعية)، قد بنيت في أغلبها على أصول واقعية ترجع إلى العرف والمصالح وسد الذريعة، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين بثبات هذه الأحكام في كل الأزمنة والأحوال، بل إنهم ينصون على عدم إلزميتها في كل الأحوال، وفي آلاف التطبيقات الشرعية في الدولة العثمانية أعظم شاهد وأقوى دليل على هذا المدعى، وفتاوى شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية تسير في هذا المنحى تماماً ..

وأرجع إلى التعليق على بعض ما جاء في مقالك .. مستسمحاً مسبقاً من عبارة قد تفهم قدحاً في ذاتك، فليس ذلك مقصدي في هذا الباب ..

قولك:
(ولله در مالك بن نبي الذي فرَّقَ بين (الصحة) و(الصلاحية)؛ أي أن الكلام قد يكون (صحيحاً) ولكنه (غير صالح) [4] .. وهذا ينطبق على كل أنواع الفكر الإنساني - ومنه الاجتهاد الفقهي- الذي قد يكون فكراً صحيحاً في زمانه ومكانه ولكنه غير صالح لزمان ومكان آخر).

غير دقيق، فإن الاجتهاد الفقهي نتيجته مبنية على نصوص شرعية، فهو تفسير للشرع على حسب دلالات أقرها الشرع .. ولذا فإن له تعلقين لا تعلق واحد، تعلق بالمجتهد على أساس أنه كاشف للمسألة، وتعلق بجهة واضع الأحكام، الذي هو الله تعالى مصدر ذلك الكشف .. وبناءا على ذلك فكون بعض الأحكام غير صالح لبعض الزمان لا يوجب علينا تغيير الأحكام لكي تلائم الزمان، بل إن الزمان هو الذي ينبغي أن يتغير لكي يوافق الأحكام .. والأحكام الاجتهادية إنما تشير إلى مراد الشارع لا مراد المجتهد، والتعامل معها على أساس أنها فكر بشري مثل أي فكر آخر مجانب للحقيقة وبعيد عنها بعد المشرقين .. وقد اغتر بعضهم بعبارة: هم رجال ونحن رجال، فاعتبروا آراء المجتهدين كآراء السياسيين والفلاسفة !!

وهذا يعني –كما في كريم علمكم- أن تنفيذ الأحكام يتغير حسب الإمكان (الضرورات) لا حسب المكان.

مع ملاحظة أن مالكاً بن نبي ليس له آلية النظر في الأحكام الشرعية، فكلامه عنها كلام مثقف ! لا كلام عالم بالأحكام الشرعية .. كلامه في ذلك مثل كلام بعض المستشرقين عن الشريعة وتطبيقاتها.


قولك ناقلاً مقراً قول القائل:
إن آفتنا - التي تقف عائقاً ضخماً في سبيل تقدمنا اليوم- هي أننا أمة لا تخضعُ للحقيقة, وإنما تبني الحقيقة، وغالباً ما تكون تلك الحقيقة التي تبنيها حقيقةً متوهمةً متخيلةً طبقاً لما نريد نحن، فموادها وعناصرها من عقولنا نحن دون مراعاةٍ للواقع في شيء .. فنحن دائماً نصوغ الفكرة في صورة الشعر؛ لا نستجيب للواقع, ولا ندرك أبعاده ومحدادته, وإنما نبني صورة متخيلةً بغض النظر عن الواقع [5].

له وجه سديد ووجه غير سديد، فبناء الحقيقة في مسائل الشرعية لدى المجتهدين هو كشف عنها، وطالما أن وظيفة المجتهد كشف الحقيقة، فالكلام عن التقدم بعدم الخضوع للحقيقة بل بصناعتها كلام غير سديد .. والوجه السديد حمل الكلام هنا على فهم الوقائع، كما هو واضح في مقالتلك ..


قولك:
ومن الأمثلة الدالة على أهمية رعاية الواقع وملابساته والتفقه فيه:

( أ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالّة الإبل, فقال للسائل: "دعها, معها حذاؤها وسقاؤها" .. فلما جاء عثمان (رضي الله عنه) أمر بأخذ ضالة الإبل, والتعريف بها, ثم بيعها وحفظ ثمنها لصاحبها, فإذا جاء أخذه؛ لأنه رأى اختلافاً في الأحوال والعوائد .. لقد كان الأمر النبوي بترك ضالّة الإبل منطلقاً من حفظ المال في مجتمع غلبت عليه الأمانة, فإذا قلٍّت الأمانة صار إتلاف المال بتسلط الأيدي العادية وارداِّ ومحتملاِّ .. فالأمر بالأخذ –والحال كذلك- محقق لنفس المصلحة من الأمر بالترك هناك.وهذا مثال واضح عن تغير الحكم بتغير الواقع، وهو يمثل اعترافاً من سيدنا عثمان أن الواقع الإجتماعي الذي حقق المقصد الشرعي أول مرة لم يعد موجوداِّ لتحقيق المقصد الشرعي في المرة الثانية [8].

ينبغي أن نفهم من هذا أن الحكم كان مرتبطاً بعلة أو بعرف، وبتغير العلة والعرف لم يتغير الحكم، بل هناك حكم آخر في تلك الحالة، إما هو الأصل، أو هو الطارئ.. وبناء ذلك على المقاصد، إنما يدور في فلك التعليل، لأن مقاصد الشريعة إحدى طرق الوصول إلى العلة (المنضبطة) في إحدى درجات التعليل (التعليل بالمناسب المرسل).


قولك:
ما كان من الفقيه المالكى الكبير والشهير: ابن أبي زيد القيرواني, فقد رووا أن حائطاً انهدم من داره, وكان يخاف على نفسه من بعض الناس, فاتخذ كلبا للحراسة وربطه فى الدار. فقيل له: إن الإمام مالك يكره ذلك. فقال: لو أدرك مالك زمانك لاتخذ أسدا ضارياً !!

النهي عن اتخاذ الكلب في الشريعة ليس مطلقاً، بل مقيد بغير الحاجة إليه، ولذا فإن كلب الحراسة وكلب الصيد لم ينه الشرع عنهما، فغاية فعل ابن أبي زيد رحمه الله هو تطبيق أصل القاعدة في بيان الحاجة في هذا الباب ..


قولك:
ونحن نرى في أيامنا هذه أن لأهل الإسكيمو - من المسلمين- التيمم بالثلج؛ لانعدام الصعيد الطاهر، بل هو في ذاته صعيد طاهر - بالنسبة لبيئتهم- .. كما نرى جواز اقتنائهم الكلاب؛ لعدم قدرتهم على الاستغناء عنها في حياتهم اليومية.


التيميم بالثلج مذهب بعض الفقهاء المعتبرين، فالعمل به في بعض حالات الحرج عند من لا يرى جوازه سائغ عند العلماء (قاعدة تقليد مذهب آخر للحرج ..)


•قولك:
منهم من يشتغل بالتحريم المستمر فلا تسمع منه إلا أن الدين يرفض كذا وكذا دون أن يكلف نفسه أي عناء لتقديم البديل الذي يحتاج إليه الناس .. وكأن مهمته اعتراض السائرين في الطريق ليقفوا مكانهم دون أن يوجههم إلى طريق آخر أرشد وأصوب.

• ومنهم من يعيش في الماضي البعيد وكأن الإسلام دين لحقبة ماضية, وليس للحاضر ولا للمستقبل، والغريب أنك قد تراه يتحامل على المعتزلة والجهمية مثلاً –وقد يكون محقاً في بعض ما يقوله- ولكنه ينسى أن الخصومات التي تواجه الإسلام قد تغيرت وحملت حقائق وعناوين أخرى.

• ومنهم من لا يفرق بين (الشكل) و(الموضوع), أو بين (الفرع) و(الأصل), أو بين (الجزئي) و (الكلي) بأي شكل من الأشكال .. فيبدد قواه كلها في محاربة هذا الشكل أو ذاك، أما الموضوع فهم لا يدرون ماذا يصنعون إزاءه .. ولهؤلاء عقلية لا تتماسك فيها صور الأشياء بنسب مضبوطة، ولذلك قد يهجمون شرقاً على عدو موهوم ويتركون غرباً عدواً ظاهراً، بل ربما حاربوا في غير عدو !!


صحيح في حالة معينة من حالات طرق استنباط الأحكام، وليست مطلقة في أحكام الشريعة، ولا فرق بين العبادات والمعاملات والأنكحة، فإن سواء في طرق الاجتهاد.. وإن اختلفت بعض قواعدها ..

قولك:
إن عملية استنباط الأحكام, وتقديم الفتاوى, عبارة عن جدل متواصل بين الفقه والواقع؛ إذ الواقع (مختبر) يستطيع أن يبين لنا ملاءمة الفتوى أو حرجها [12] .. ومن هنا كانت أهمية (اختبار الفقه في الواقع العملي)؛ إذ هو (المرجح المحايد), وقوله الفصل, عند اختلاف الآراء [13] .. وبـ (التجربة العملية) نستطيع أن نتدخل في مجرى الأمر محل الاجتهاد والبحث؛ بأن نحور تركيبه, أو نعدل الظروف التي يوجد فيها, مما يرفع درجة الضبط, ويٌمَكن للموضوعية [14] ؛ لأنه إذا كان الغالب أن تكون المصلحة المتوخاة من تقرير رأي اجتهادي مصلحةً ظنية, فإن (التجريب في الواقع) قد يعيننا على معرفة المصلحة القطعية, أو الراجحة على أقل تقدير.

لعل التعبير بالجدلية في معرض العلاقة بين الفقه والواقع غير صحيح، فإذا كان الحكم الشرعي لا يقبل ممن لم يحقق الواقعة والوقائع على ما هي عليه، والحكم الشرعي هو الفقه، فإن طريق استنباط الأحكام واضح مستقيم، لا يتغير إلا في موطن تغير الأصل المبني عليه، في مسائل الاجتهاد التي بنيت على المصالح أو العرف أو الذرائع .. لا غير .. فالتأثر والتأثير هنا من جانب واحد، هو الوقائع في بناء الأحكام الشرعية، وليس الأحكام الشرعية بناء على الواقع واستجابة له .. فذلك أمر ننكره أيما إنكار ..

وفقك الله تعالى ..

يحيى رضا جاد
09-07-2010, 17:37
أولاً : اشكر سيادتكم على التفاعل الجاد وأدب الحوار

ثانياً : تعليقي سيكون في صلب كلامكم بين معقوفين [ ] ملوناً :



الاجتهاد الفقهي نتيجته مبنية على نصوص شرعية،

[ لا, بل مبنية على ثلاثة أمور : [ النصوص الشرعية ] + [ إعمال الفكر فيها؛ فهماً وتفسيراً واستنباطاً - وَفق أصول النظر وبمراعاة القواعد- ] + [ تحقيق المناط الذي سينزل عليه الرأي الفقهي المُتَوَصَّلُ إليه ] .. والثاني والثالث عملان بشريان يقع فيهما الخطأ والصواب ]


والأحكام الاجتهادية إنما تشير إلى مراد الشارع لا مراد المجتهد، والتعامل معها على أساس أنها فكر بشري مثل أي فكر آخر مجانب للحقيقة وبعيد عنها بعد المشرقين

[ الصواب أن يقال "الآراء الاجتهادية"؛ لأن "الأحكام" هو ما ثبت ثبوتاً قطعياً

و"الآراء الاجتهادية" هي "فكر بشري" - وإن اُسِّسَتْ على نصوص الوحي .. نعم, يمكن تسميتها حينئذ بـ "الفكر البشري المُسَدَّد" لا "الفكر البشري الوضعي" -

وكيف لا تكون الاجتهادات "فكراً بشرياً" .. ورسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح : ".. لا تنزلهم على (حكم الله), وإنما أنزلهم (على حكمك) .. " [أخرجه مسلم.]

ثم, كيف لا تكون "فكراً بشريا" وهي مبنية على الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها, وهي :

1- النصوص الشرعية

2- إعمال الفكر فيها؛ فهماً وتفسيراً واستنباطاً - وَفق أصول النظر وبمراعاة القواعد-

3- تحقيق المناط الذي سينزل عليه الرأي الفقهي المُتَوَصَّلُ إليه

.. والثاني والثالث عملان بشريان حتى النخاع؛ يقع فيهما الخطأ والصواب بلا جدال ]


وهذا يعني –كما في كريم علمكم- أن تنفيذ الأحكام يتغير حسب الإمكان (الضرورات) لا حسب المكان.

[ الصواب أن يُقال : [ "الفتوى" هي التي تتغير بتغير الزمان والمكان] لا "الأحكام"؛ إذ هي الثوابت المطلقة التي لا تغيير فيها ]


مع ملاحظة أن مالكاً بن نبي .. كلامه في ذلك مثل كلام بعض المستشرقين عن الشريعة وتطبيقاتها

[ حكم قاسٍ - أو تشبيه غير سديد- على رجل كبير ]

جلال علي الجهاني
09-07-2010, 18:13
وفيك بارك الله ..

أخي العزيز عندما تقول إن نتيجة الاجتهاد الفقهي:
[ مبنية على ثلاثة أمور : [ النصوص الشرعية ] + [ إعمال الفكر فيها؛ فهماً وتفسيراً واستنباطاً - وَفق أصول النظر وبمراعاة القواعد- ] + [ تحقيق المناط الذي سينزل عليه الرأي الفقهي المُتَوَصَّلُ إليه ] .. والثاني والثالث عملان بشريان يقع فيهما الخطأ والصواب ]

لا ينفي ذلك أن المجتهد إنما يشير إلى الشريعة في استنباطه، ولا يشير إلى فكره هو .. وإلا فإن قيمة اجتهاده لا تتعداه، وهي تتعداه بإجماع الأمة على اتباع العلماء، واتباع العلماء ليس لذواتهم، وإنما لدلاتهم على أحكام الشرع .. صحيح أن عملية الاجتهاد يقوم به المجتهد وهو بشر يخطئ ويصيب، ولكن ذلك لا ينفي أنه يدل على مراد الشارع .. وطالما أن فتاواه ليست باطلة بميزان القواعد الشرعية .. فإنه مقبولة على رأي تصويب المجتهدين (المصوبة)، وعلى رأي (المخطئة)، لأنه يجب عليه أن يتبع نتيجة اجتهاده في كل الأحوال ..

وإعمال الفكر في النصوص هو العملية الاجتهادية نفسها، وليس شيئاً يبنى عليه الاجتهاد، فوضعه هنا لا يصح ..

ونتيجة الاجتهاد هي إبراز الأحكام الشرعية، ولذلك ليست هي آراء اجتهادية، بل هي أحكام شرعية جاءت بواسطة المجتهد، مثلها في ذلك مثل الحقائق الكونية، التي يكتشفها العالم، فينسب إليه اكتشافها، ولا ينسب إليه تأسيسها، مع فارق التشبيه .. فدور المجتهد -إن توفرت فيه الشروط ولم ينقض اجتهاده حسب القواعد المعلومة في بابها- هو إبراز الأحكام ونسبتها إلى الشارع ..

ولعل عدم وضوح هذه الفكرة لدى معلمي الفقه والأستاذة في العلوم الشرعية هو أحد أسباب التفلت من الشرعية لدى من تختلط عليه الأجوبة الفقهية ومدارس المذاهب الاجتهادية ..

وأما القول بأن نتيجة اجتهاد المجتهد هي رأيه الاجتهادي، فهذا ما أدعي بطلانه ومخالفته لأحكام الدين عموماً .. وهو أصل مناقشتي ..
وتسميتها بفكر بشري مسدد لا يفيد شيئاً طالما نسبت إلى البشر، فإن واجب الالتزام بالأحكام الشرعية باعتبارها منسوبة إلى الشرع، لا باعتبارها منسوبة إلى المجتهد، فإن كان هذا المراد فهو خلاف لفظي، وإلا فلوازمها خطيرة في بناء الشرعية الإسلامية ..

أما قوله صلى الله عليه وسلم تنزلهم على حكمك، فبابه القضاء، وفي باب القضاء وهو تنفيذ أحكام السياسة الشرعية قد يصيب محله وقد لا يصيب، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك واضحاً عندما قال: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من النار)، أو كما قال .. وحديث (إذا اجتهد الحاكم فأصاب .. ) موجه بالأساس إلى اجتهاد القاضي .. فتنفيذه بحسب الحجج والبينات ليس هو حكم الشرع المعين، وإنما المعين هو تطبيق هذا الحكم على ذلك الشخص، وهذا ما يسميه الفقهاء كما في علمكم: ديانة، وقضاءاً ..

وما ذكرتَه من كلام حول تغير الفتوى، هو عين ما قصدته، خاصة وأن الفتوى هي بيان حكم الشرع بغير إلزام، وتغير الفتوى بحسب الزمان والمكان فأدعي أن الفقهاء والأصوليين يعنون به تغير الفتوى المبنية على العرف أو المصلحة أو سد الذريعة، وكذلك الإمكان الحاصل من المكلف في العمل بالفتوى ..

وتعميم أن الفتوى تتغير بالزمان والمكان غير صحيح، ولا أظنك تخالفه، وإنما خالفه من يدعي الاجتهاد في زماننا فعمموه في مسائل لا يسعها الاجتهاد بالنظر في أحوال الناس .. ولا شك أن الدين والتدين والشريعة إنما قصدت إلى إيجاد كلفة في عمل الناس، ورفع الحرج إنما هو في باب دون باب ..

بارك الله فيك .. والمناقشة في هذا مستمرة .. فإنها تثمر بعض ما يخفى بين سطور الأصول العامة للشريعة، والجودة في النقاش إنما بدأت من طرفكم، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى ..

يحيى رضا جاد
09-07-2010, 22:56
ثانيةً, تفاعلٌ جادٌّ وأدب في الحوار .. ما أندرهما ! .. فشكراً لك

تعليقي - كسابقه- بين معقوفين [ ] :



المجتهد إنما يشير إلى الشريعة في استنباطه، ولا يشير إلى فكره هو

[ لا, الصواب: "إنما يشير إلى الشريعة بواسطة فكره"؛ لأنَّ محل نقاشي معكم هو الأمور محل الاجتهاد, لا القطعيات والثوابت ]


.. وإلا فإن قيمة اجتهاده لا تتعداه،

[ لا, بل تتعداه قطعاً .. إذ نحن مأمورون شرعاً باتباع الظن الغالب (وأدلة ذلك كثيرةٌ معروفة لا مجال لإيرادها ههنا), كما أمرنا الله برد المسائل إلى أهل الذكر وأولي الأمر وأهل الاستنباط (وهذا يوجب العمل بما انتهوا إليه), والرأي الاجتهادي الراجح ظنٌّ غالب .. ثم إن حُكمَ الحاكم - باختياره أحد الآراء الاجتهادية؛ بواسطة الشورى, أو بأي واسطة شرعية أخرى- ملزمٌ لا شك لرعيته ]


صحيح أن عملية الاجتهاد يقوم به المجتهد وهو بشر يخطئ ويصيب، ولكن ذلك لا ينفي أنه يدل على مراد الشارع

[نعم, يدل دلالة ظنية؛ فإن ارتقت إلى "الظن الغالب" وجب الالتزام بها؛ سواءٌ وقع الالتزام بتحري المستفتي عن مفتٍ موثوق فيه أو وقع الالتزام بإلزام الحاكم الشرعي العادل به ]


يجب عليه أن يتبع نتيجة اجتهاده في كل الأحوال ..

[هذا صحيح لم أخالف فيه مطلقاً ]


ونتيجة الاجتهاد هي إبراز الأحكام الشرعية، ولذلك ليست هي آراء اجتهادية، بل هي أحكام شرعية جاءت بواسطة المجتهد، مثلها في ذلك مثل الحقائق الكونية، التي يكتشفها العالم، فينسب إليه اكتشافها، ولا ينسب إليه تأسيسها، مع فارق التشبيه

[ فارق التشبيه فارق جوهري ينقض صحة التشبيه من أساسه؛ لأن المشبه به - بلسانكم- "حقائق كونية" ؛ أي قطعية؛ ومن ثم, فجحدها جنون - يوازي الكفر في رد قطعيات وثوابت شرع الله- .. أما المسائل الاجتهادية فنتيجتها ظنية, وعدم الالتزام بها "معصية" - وكفى بها ما فاحشة ! - لا توجب "كفراً" ..

نعم, معصية؛ لعدة أمور :

1- أن ألله قد أمر باتباع الظن الغالب والعمل به, ورد الرأي الاجتهادي الذي يصل إلى مرتبة الظن الغالب معصية.

2- أن الله قد أمر بسؤال أهل الذكر, ورد السائل أو المُستَفْسِرَ إلى أهل الاستنباط - "لعلمه الذين يستنبطونه"- وهو تعالى لا يرد إلا إلى ما يجب العمل به

3- إلى غير ذلك - وهو كثير- مما لا يتسع وقتي لبيانه ]


نتيجة اجتهاد المجتهد هي رأيه الاجتهادي

[ نعم, هي رأيه الاجتهادي المُسْتَنْبَطُ - بطريق الظن الغالب- من نصوص الوحي ومقرراته ]


واجب الالتزام بالأحكام الشرعية باعتبارها منسوبة إلى الشرع، لا باعتبارها منسوبة إلى المجتهد، فإن كان هذا المراد فهو خلاف لفظي، وإلا فلوازمها خطيرة في بناء الشرعية الإسلامية

[ نعم, الخلاف لفظي .. فالالتزام بالأحكام الشرعية الاجتهادية واجب - كما سبق بيانُهُ ]


أما قوله صلى الله عليه وسلم تنزلهم على حكمك، فبابه القضاء،

[ لا, ليس بابه القضاء .. سياق الحديث على خلاف قولكم .. فهاكم إياه :

يقول بريدة بن الحصين (رض) : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا أو سرية دعاه فأوصاه ( .. اغزوا باسم الله . وفي سبيل الله . قاتلوا من كفر بالله . اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا . وإذا لقيت عدوك من المشركين [فائدة استطرادية سريعة وخطيرة: لاحظ قيد رسول الله: "عدوك من المشركين"؛ فالقتال لا يكون إلا للأعداء منهم. هذه فائدة لم أر أحداً من العالمين - على كثرة من كتب في الجهاد قديماً وحديثاً- قد سبقني إليها .. فضلٌ من الله ونعمة .. اللهم افتح بنا ولنا وعلينا .. اللهم آمين] فادعهم إلى ثلاث خصال ( أو خلال ) . فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم . ثم ادعهم إلى الإسلام . فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم . ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين . وأخبرهم أنهم ، إن فعلوا ذلك ، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين . فإن أبوا أن يتحولوا منها ، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين . يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين . ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء . إلا أن يجاهدوا مع المسلمين . فإن هم أبوا فسلهم الجزية . فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم . فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم . وإذا حاصرت أهل حصن ، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه . فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه . ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك . فإنكم ، أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم ، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله . وإذا حاصرت أهل حصن ، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله ، فلا تنزلهم على حكم الله . ولكن أنزلهم على حكمك . فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ) ]

وسَوْقُ سياقِ الحديث يوضح تماماً أن رسولنا الأكرم إنما يتحدث عن الآراء الاجتهادية لا عن القضاء


وفي باب القضاء وهو تنفيذ أحكام السياسة الشرعية قد يصيب محله وقد لا يصيب، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك واضحاً عندما قال: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من النار)، أو كما قال .. وحديث (إذا اجتهد الحاكم فأصاب .. ) موجه بالأساس إلى اجتهاد القاضي .. فتنفيذه بحسب الحجج والبينات ليس هو حكم الشرع المعين، وإنما المعين هو تطبيق هذا الحكم على ذلك الشخص، وهذا ما يسميه الفقهاء كما في علمكم: ديانة، وقضاءاً ..

[ في تعليقي السابق غنيةٌ .. ثم إن القضاء كالإفتاء؛ كلاهما اجتهاد .. الأول يجتهد في جمع الوقائع وسماع الشهود واستخراج القرائن, ثم يجتهد في تنزيل أحكام الله على المخاصميْن .. والثاني : يجتهد في فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما, ثم يجتهد في تحقيق المناط وتنزيل الحكم ]


وتعميم أن الفتوى تتغير بالزمان والمكان غير صحيح، ولا أظنك تخالفه

[ نعم, ليست الفتوى تتغير "دائماً وأبداً" .. إنما "كثيراً" ما تتغير ]




بارك الله فيكم .. وأشكرك ثالثةً على تعقيبكم المثمر .

جلال علي الجهاني
10-07-2010, 00:33
بارك الله فيك أخي العزيز ..

ونظراً لاستخدامنا أسلوب التعليق، فسأعلق بهذه الطريقة، ولعلنا فيما بعد نلخص الأفكار عمومها، ليتضح كلام كلٍّ منا .. لكن دع هذا آخراً بعد مدة من التأمل والنظر والنقاش ..

===================

قلتُ: المجتهد إنما يشير إلى الشريعة في استنباطه، ولا يشير إلى فكره هو
فقلتَ:
[ لا, الصواب: "إنما يشير إلى الشريعة بواسطة فكره"؛ لأنَّ محل نقاشي معكم هو الأمور محل الاجتهاد, لا القطعيات والثوابت ]


أقول: الإشارة إلى الشريعة بواسطة فكره، هي الإشارة إلى الشريعة في استنباطه، وأنا لم ألغ وجوده، ولكن وجوده عبارة عن كشف للحكم.
ولا فرق في ذلك بين كون الاجتهاد مبنياً على الظن أو القطع، فكلاهما في باب الفقه واجب الاتباع، والتفريق بينهم في الاتباع ليس موضع قبول بين العلماء، وإنما هو موضع يتكئ عليه من يريدون التنصل من الأحكام الشرعية من معاصرينا كما لا يخفى عليك أخي العزيز ..
وحبذا لو أوضحت ما تقصد بقولك: الأمور محل الاجتهاد، ذلك أن محل الاجتهاد هو المسائل الواقعة، والاجتهاد بذل الجهد في معرفة الحكم الشرعي المتعلق بها، سواء دل على ذلك دليل قاطع أو غير قاطع... ويزيد ذلك أن المسائل القطعية الظاهرة ليس محلاً للاجتهاد، فهي في هذه الحالة من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، وأما استنباط الحكم الشرعي من الدليل القطعي فلا يفترق عنه في الدليل الظني، فالدلالة غير الثبوت، والحكم الشرعي الثابت عن دليل قطعي أو عن دليل ظني هو واجب الاتباع كما أسلفتَ وأسلفتُ.



..قلتُ: وإلا فإن قيمة اجتهاده لا تتعداه،
فقلتَ:
لا, بل تتعداه قطعاً .. إذ نحن مأمورون شرعاً باتباع الظن الغالب (وأدلة ذلك كثيرةٌ معروفة لا مجال لإيرادها ههنا), كما أمرنا الله برد المسائل إلى أهل الذكر وأولي الأمر وأهل الاستنباط (وهذا يوجب العمل بما انتهوا إليه), والرأي الاجتهادي الراجح ظنٌّ غالب .. ثم إن حُكمَ الحاكم - باختياره أحد الآراء الاجتهادية؛ بواسطة الشورى, أو بأي واسطة شرعية أخرى- ملزمٌ لا شك لرعيته

أقولُ:
يقول الأصوليون واللغويون أن التعبير بالمشتق يدل على علية مأخذ الاشتقاق، وهنا نحن نتبع العلماء لا لأشخاصهم، فأشخاصهم ليست تعنينا وإنما نتبعهم لكونهم علماء سلمنا لهم –ظنا أو قطعاً- قدرتهم على الدلالة على الأحكام الشرعية (أي قدرتهم على الاجتهاد) ..
أما إلزام الرعية برأي الإمام فبابه في السياسات العامة والمسائل التي تعني شؤون الأمة، وموقف الإمام مالك من طلب الحاكم إلزام الناس بمذهبه –الموطأ- ورفضه لذلك معروف مشهور ..


قلتُ: صحيح أن عملية الاجتهاد يقوم به المجتهد وهو بشر يخطئ ويصيب، ولكن ذلك لا ينفي أنه يدل على مراد الشارع
فقلتَ:
[نعم, يدل دلالة ظنية؛ فإن ارتقت إلى "الظن الغالب" وجب الالتزام بها؛ سواءٌ وقع الالتزام بتحري المستفتي عن مفتٍ موثوق فيه أو وقع الالتزام بإلزام الحاكم الشرعي العادل به ]


أقول: لم فرقت بين كونها دلالة ظنية فقط، ودلالة ظنية غالبة؟

قلتُ: ونتيجة الاجتهاد هي إبراز الأحكام الشرعية، ولذلك ليست هي آراء اجتهادية، بل هي أحكام شرعية جاءت بواسطة المجتهد، مثلها في ذلك مثل الحقائق الكونية، التي يكتشفها العالم، فينسب إليه اكتشافها، ولا ينسب إليه تأسيسها، مع فارق التشبيه

فقلتَ:
[ فارق التشبيه فارق جوهري ينقض صحة التشبيه من أساسه؛ لأن المشبه به - بلسانكم- "حقائق كونية" ؛ أي قطعية؛ ومن ثم, فجحدها جنون - يوازي الكفر في رد قطعيات وثوابت شرع الله- .. أما المسائل الاجتهادية فنتيجتها ظنية, وعدم الالتزام بها "معصية" - وكفى بها ما فاحشة ! - لا توجب "كفراً" ..

أقول: وجه التشبيه هو الاكتشاف لا المسائل، وإنما أردت تقريب كيفية كون اجتهاد المجتهد كشف عن معانٍ ثابتة في نفسها أو يثبتها الشرع على حسب الاجتهاد (دون الدخول في مسألة المصوبة والمخطئة) .. ولا يشترط صحة المثال كما هو معلوم ..

ثم إن الحقائق الكونية قد يكون دليلها ظاهراً فيوصف منكرها بالجنون، وقد يكون دليلها خفياً يعرفه أهل الاختصاص، فإنكاره جنون دون جنون (مثل كفر دون كفر)!!
ولا أدري هل يمكن أن نتوقف في كفر من يرفض العمل بالظن في الفقه مطلقاً؟ دون من يترك العمل به مقراً أن الشريعة مبنية عليه؟
فرد الظنون ليس معصية في كل الأحوال، بل قد يصل إلى ما هو أبعد من ذلك، لا لجزئية، بل للطعن في الكليات، وهو جريمة كما لا يخفى عليكم ..


قلتُ: أما قوله صلى الله عليه وسلم تنزلهم على حكمك، فبابه القضاء،
فقلتَ:
لا, ليس بابه القضاء .. سياق الحديث على خلاف قولكم .. فهاكم إياه إلخ..


أقولُ: نعم هو ليس قضاءاً بالمفهوم الاصطلاحي من دعوى ومدع، ولكنه سياسة شريعة، والسياسة الشريعة لها علاقة وثيقة بالقضاء، كون الحاكم في الزمن الأول قاضياً كذلك ..

نعم الاجتهاد في الأصل من واجبات القاضي والمفتي، لكنه في القاضي اجتهاد وزيادة هي التنفيذ، أما في الفتوى فلا تنفيذ ..
والقضاء إنما يكون في المسائل التي فيها خصام ونزاع، والفتوى أعم من ذلك .. فمن هذه الجهة ألتزم أن القضاء في جانبه الاجتهادي هو كشف عن حكم الشارع سبحانه وتعالى، وليس من طرف القاضي، وليس للقاضي فيه سوى الكشف والتنفيذ ..

(وتأملاً في استطرادك في الكلام عن قيد (من المشركين) الوارد في الحديث، فإن الظاهر أن وصف كاشف، لا مقيد، والقتال هنا أحد الخيارات، وليس هو الأمر الوحيد، فإن العدو من المشركين قد يقبل الجزية فلا نقالته مع بقائه في الشرك .. أليس كذلك ..
وهذا الحديث أحد أدلة أئمتنا المالكية على قبول الجزية من المشركين عموماً دون القصر على أهل الكتاب ..

قلتَ:
[ نعم, ليست الفتوى تتغير "دائماً وأبداً" .. إنما "كثيراً" ما تتغير ]

أقولُ: كثيراً بالعدد لا أظن، فإن كانت مسائل الفقه المالكي المعدودة في بعض المصنفات –مختصر سيدي خليل- مائة ألف مسألة، فكون الفتاوى التي بنيت فيه على المصالح والعوائد والذرائع تصل إلى السبع أو الثمن لا يسلم، فإن الاستدلال عليها في الأمهات يرجع في أكثر من ثلاثة أرباع المسائل إلى دلالات الألفاظ وإعمال القواعد الأصولية في فهم الألفاظ وبيان الأحكام ..

والله تعالى الموفق ..

بلال النجار
10-07-2010, 00:48
وفقكما الله تعالى لما يحب ويرضى

يحيى رضا جاد
10-07-2010, 14:06
واللهِ أنا مستمتعٌ بالنقاش .. وأسأله تعالى أن يجعله في ميزان حسناتنا نحن الإثنين

- لن أعلق على موضوع الجهاد والقتال والجزية حتى لا يتشقق موضوع نقاشنا الرئيسي.

- ليس بيني وبينك خلافٌ تقريباً في تعليقكم الأخير - المشاركة رقم 6- .. وبذلك ينتهي بيننا النقاش على خير كما بدأناه على خير.

- أظن أن النقاش الآن - إذ لا خلاف بيننا (في معظم ما سبق) إلا لفظياً- إنما هو منحصرٌ في : هل المجتهد "كاشف" للحكم (أعني الذي لم يأت فيه نص قطعي الدلالة) فقط ؟ .. أم هو "منشئ" له ؟ .. أم هو بَيْنَ بَيْن (وهو ما أميل إليه مبدئياً) ؟

وهذا موضوع كبير جليل؛ لا أفرُغُ له الآن مطلقاً؛ لما بين يدي من مشاغل عدة؛ ولأني أحب تحرير وتدقيق كلامي قبل نشره - سواءٌ كان النشر في مقال أو مجلة أو موقع أو منتدى- .

والأفضل أن يُفتَح لموضوع "الكشف" و"الإنشاء" رابطٌ مستقل؛ يَطرح فيه من يرغب من الإخوة وجهات نظره؛ ويَتم فيه التدارس والتباحث والتلاقح بين العقول.

والله الموفق .. وأشكرك أن أتحت لي - بتعليقاتكم- هذه الفرصة لطرح "بعض" ما عندي.

يحيى رضا جاد
10-07-2010, 14:12
وفقكما الله تعالى لما يحب ويرضى

اللهم آمين .. شكراً لسيادتكم.

يحيى رضا جاد
10-07-2010, 14:15
بارك الله فيك .. والمناقشة في هذا مستمرة .. فإنها تثمر بعض ما يخفى بين سطور الأصول العامة للشريعة، والجودة في النقاش إنما بدأت من طرفكم

شكراً لكم.

يحيى رضا جاد
20-07-2010, 08:59
مصدر الدراسة (انظره غير مأمور؛ إن رمتَ الاستزادة والتفصيل والتأصيل) :

في فقه الاجتهاد والتجديد – دراسة تأصيلية تطبيقية, يحيى رضا جاد, تقديم د/ محمد عمارة, ط 1, 2010م, دار السلام بالأزهر - القاهرة (سوف يتوافر الكتاب قريباً جداً إن شاء الله)




وقد صدر الكتاب - بحمد الله وفضله- منذ أسبوع ..

يحيى رضا جاد
20-07-2010, 09:04
يُنظر هذا الرابط للفائدة :

http://www.dar-alsalam.com/Pages/PublicationResultDetails.asp?cd=70339&idx=0

وههنا وكلاء توزيعه على مستوى الوطن العربي :

http://www.dar-alsalam.com/Pages/Distribution.htm