المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسائل فقهية إذا وقع فيها الخلاف قويت وازداد خطرها!



محمد يوسف رشيد
07-07-2010, 01:29
فثمة جنس من المسائل تقابلني وأتأملها، وكانت تلك المسائل على قدر كبير من العجب؛ فقد كانت على خلاف المعهود من سائر مسائل الفروع، تلك التي إن وقع فيها الخلاف خف أمرها.

ربما عهدنا أن إذا وجدنا اخلاف قد استقر في مسالة أو حتى تطرق إليها ولم يستقر، أن يقع تخفيف بوجه من الوجوه أو نسبة من النسب في تلك المسائل التي تطرق إليها الخلاف أو استقر.. فمجرد تطرق أم رالخلاف في المسالة ولو لم يستقر يعد إفسادا لقضية البت فيها بالقول الواحد، ويورث الناقل حرجا في الجزم بعدم الخلاف فيها.

لكن هل وقفتم على مسائل إذا تطرق إليها الخلاف اشتد أمرها وازداد خطرها؟

وقفت على مثل تلك المسائل التي تمنيت - والله - لو لم يقع فيها الخلاف..

تأملوا معي ذلك الفرع الفقهي :

ذهب أصحابنا - السادة الحنفية - إلى أنه من دخل مختارا في الصلاة محدثا وكان عالما بحدثه عالما بعدم صحة الصلاة للمحدث أنه كافر خارج من ملة الإسلام. وعللوا ذلك بأن الفاعل هنا (مستهزئ) فلو تحقق كونه مستهزئا بتوفر الأركان الآنفة فهو كافر.

حينما درست هذه المسألة في مدرستي الحنفية اطمأننت إلى التعليل بالاستهزاء، وقلت: الحمد لله فتلك علة لا يختلف عليها اثنان، فلا يكون التكفير هنا تميزا وإنما هو إناطة بعلة لا يختلف عليها مسلمان, وكنت مرتعبا - حقا - أن يظهر الخلاف في المسألة، لأنه سيعني أن يكون فعل مسلم محل خلاف نقول كافر ويقول غيرنا مسلم. حتى وقعت على خلاف الشافعية لنا في المسالة، فضقت بالخلاف، لأنه لو استقر الحال على القول بالكفر لكان أمرها هينا، فالجميع يتفق على أنه مستهزئ، أما وقد وقع الخلاف في المسألة، فهذا يدل على (خطورة) لأننا صرنا نختلف في الفعل ذاته :

هل هذا الفعل من الفاعل يدل على استهزائه أو لا يدل ؟

فنحن لا نختلف في كون الاستهزاء يخرج من الملة، وإنما نختلف في الفعل نفسه، وصار الفعل ذاته من رآه استهزاء قال بالكفر ومن لم يره كذلك لم يقل بالكفر. وهنا ارتفعت خطورة المسألة؛ حيث صار فعلا واحدا مؤديا للكفر فيتصور البعض غير مؤديا في تصور آخرين، ولو اتفقوا على كونه كفرا لهان الخطب ولاجتمعت الكلمة على الحكم.

وكثير من ذلك النمط من المسائل ربما يتسنى لي جمعها وربما لا يتسنى، يقع في المسالة أمر أخشى معه من الخلاف حتى لا تبقى المسألة خطيرة.

وبالتامل يتبين مناط ذلك النظر في تلك الفروع: فقوع الخلاف في المسالة يدل على أن مناط تلك المسالة ذاتها غير مسلمة بالاتفاق، بل هي ذاتها محل تنازع، وهذا خطير جدا لأنها تنتج لنا الحكم بكفر الإنسان، وهذا الأنسب فيه أن يكون يقينيا، فلو وقع التنازع في مناطات الحكم بالتكفير ذاتها برزت هنا الخطورة، حيث نكون بنينا الحكم بالتكفير على مقدمات هي محال تنازع، بخلاف ما لو اتفقنا على المقدمات.



كذلك فالأحكام في تلك المسائل إنما تعتبر بحسب ما تؤول إليه؛ فلما كانت أغلب الفروع الفقهية يؤول الاختلاف في أحكامها إلى التوسعة وإبراء الذمة من قبل الجماهير بل ويصح الحكم (دينا) في حق الأفراد والمجتهدين، لما كان الأمر كذلك عددنا الخلاف في أغلب الفروع الفقهية توسيعا في الأمر. ولما كان القول في مسالة - كالتكفير - يؤول إلى نقيضين لكل منهم الوازمه التي تعارض لوازم الآخر، كان الاختلاف تضييقا في الأمر؛ ففي أغلب الفروع كل يفعل ما قلد فيه مقلده أو اجتهد في استنباطه، بينما في مسائل الحكم بالكفر أو الإيمان سوف يقع الاختلاف في لوازم فعلية تطبيقية يتنازعها الناس، فالمحل متفق متمزق بين المختلفين، بخلاف سائر الفروع حيث لكل محله المنفصل في وضوئه أو صلاته أو حجه.. إلخ.

ومن هنا تبرز خطورة بعض تلك المسائل، وهذا في نظري وتاملي - حتى تلك اللحظة - لأمرين:

الأول: بناء أحكام خطيرة على مقدمات مختلف فيها (فهذا يورثها ضعفا)

الثاني: التنازه بلوازم تطبيقية على ذات الحل المختلف فيه (وهذا بخبلاف العبادات والفروع الأخرى)


هذه مجرد خاطرة استحسنت تدوينها علها تاتي بخير، ولا أجزم من خلالها بشيء.

والحمد لله رب العالمين.

جلال علي الجهاني
07-08-2010, 00:37
الحديث ذو شجون، لكن إذا اعتبرنا المسائل بأصولها وعللها، ثم نظرنا إلى معتمد الأئمة في الفتوى لاتسعت مدارك فهمنا للشريعة، دون أن يورث ذلك الحرج ..

وكما أن في الخلاف توسعة، فإن في الاحتياط نجاة ..

وقد كنت في مجلس مع بعض إخواننا، وجرنا الحديث إلى الكلام في بعض الفرق الخارجة عن أهل السنة والجماعة، فقال أحدهم: أنا أقول: يا رب إن كنت ستدخلنا جميعاً الجنة، فابعدهم في الجنة عن جنتي !! فقلت له: لقد كفرتَ! فاستغفر وقال لم؟ فقلت له: في ذلك احتقار للجنة ولإرادة الله تعالى في المغفرة لعبيده .. فقال لي أحد الحضور: لقد شددت على الأخ ونهرته؟ فقلت: أشد عليه أرجو نجاته .. خير من أسكت باحثاً له عن مخرج!!

والقصد أن الفقهاء رحمهم الله تعالى إنما أرادوا إصلاح أحوالنا التي لها مآل في آخرتنا ..

وفقك الله ...