المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : توحيد أهل السنة--وتوحيد أهل البدعة



جمال حسني الشرباتي
29-10-2004, 10:56
قسم الوهابية التوحيد بحسب ما قال مجسمهم


إبن بطة العكبري إلى ثلاثة اقسام


1- توحيد الربوبية


2- توحيد الألوهية


3-توحيد الأسماء والصفات


وما يهمنا في هذا التقسيم هو انهم يدعون أن المشركين موحدي ربوبية


قال مؤسس الوهابية

((توحيد الربوبية هو الذي أقرَّ به الكفار كما في قوله تعالى : { قُلْ مَنْ يَرْزقُكُمْ من السّماء والأرضِ أمّنْ يَمْلكُ السّمْعَ والأبصَارَ وَمَنْ يُخْرِج الحيَّ مِنَ المَيِّتَ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحيّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولونَ الله فَقُل أفَلا تَتّقون } .

وأمّا توحيد الألوهية فهو : إخلاص العبادة لله وحده عن جميع الخلق ، لأن الإله في كلام العرب هو الذي يُقْصَد للعبادة ؛ وكانوا يقولون : إن الله سبحانه هو إله الآلهة ، لكن يجعلون معه آلهة أخرى ، مثل : الصالحين والملائكة وغيرهم ، يقولون إن الله يرضى هذا ويشفعون لنا عنده . فإذا عرفت هذا معرفة جيدة تبيّن لك غربة الدين ؛ وقد استدل عليهم سبحانه بإقرارهم بتوحيد الربوبية على بطلان مذهبهم ، لأنه - إذا كان هو المدبر وحده وجميع من سواه لا يملكون مثقال ذرَّة - فكيف يدعون معه غيره مع إقرارهم بهذا ؟


المصدر http://www.aldorarnet.com/index.php?select_post=66

=================

والرب لغة هو السيد المتفرد بالتصرف


والرب اصطلاحا هو الخالق المدبر المتصرف--فإذا أقتنع الإنسان أن الله وحده هو الخالق المدبر المتصرف كان موحد ربوبية بالتالي لا يعبد غيره


فالعبادة مرتبطة بمن كان على قناعة أن الله وحده هو الخالق المدبر المتصرف بالتالي هو وحده المستحق للعبادة


لذلك ما يسميه الوهابية توحيد الألوهية هو تابع لتوحيد الربوبية---أي هما بمعنى واحد


قال تعالى(("ألا له الخلق و الأمر تبارك الله رب العالمين" [الأعراف: 54])) كما نلاحظ أن الأية جمعت ما بين لفظي الرب والله

كدليل على عدم وجود مسوغ لمن فرق بينهما --وأسندت الآية الأمر والخلق له وهذه خصائص الرب أي الله ومعنى ((تبارك الله))جل وعلا مستحقا العبادة والتمجيد--

ولكن المشكلة لدى الوهابية أنهم لا يجمعون النصوص المتعلقة في موضوع معين معا ليخلصوا إلى نتيجة---بل يتمسكون بنص وينسون غيره وهذا أسلوب أهل الباطل


ومشكلتهم أيضا عدم معرفتهم في علم التاريخ

فأن الأعراب كانت تعبد الأصنام على أنها متصرفة متحكمة في الكون

حتى إن وجد بعض منهم عبدوا الأصنام لتقربهم من الله زلفى


فهذا التقريب بحد ذاته عمل من أعمال التصرف والتدبير في الكون فلا يكون الكفار موحدي ربوبية لانهم أشركوا الأصنام مع رب العباد وجعلوها متصرفة مدبرة

والدليل الواضح من القرآن على أنهم كانوا يعتبرونها آلهة أي أربابا قوله تعالى((أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ))


إن هذه الآية تدل دلالة قاطعة أن كفار مكة كانوا يؤمنون بعدة آلهة فليس هناك من توحيد ربوبية عندهم


إنهم يتعجبون من قول محمد عليه الصلاة والسلام الله واحد--وهم يؤمنون بعدة آلهة


وليس بعد هذا البيان بيان---فقول الوهابية تافه لا قيمة له


فالمشركون كانوا يؤمنون بعدة أرباب وعدة آلهة ---فكيف يقال انهم موحدون


.

فيصل سيد القلاف
15-11-2004, 19:31
تحقيق مهمات في توحيد الإلهية .. على طريقة ==" الوهابية " .. وما يجب أن تجمع عليه الأمة الإسلامية

الحمد لله الواحد الأحد، والصلاة والسلام على الهادي محمد، وعلى آله وصحبه ومن طريقهم تقلد.

وبعد، فإني لا أكتب الذي تقرؤون رداً على الأخ جمال عفا الله عنه. وإنما هذه كلمات في تحقيق المسألة التي تكلم فيها بغير علم غفر الله له، إذ قد أخطأ في بيان مذهب " الوهابية " كما أخطأ في الوصول إلى الحقيقة، فالله المستعان.

فإنا نعلم جميعاً أن الله تعالى ما أرسل الرسل إلا للدعوة إلى التوحيد، كما قال تعالى: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) وقال تعالى: ( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ).

وإن التوحيد الذي أراده الله من خلقه هو إفراد الله تعالى بما يختص به، وهذا لا يخالف فيه أحد.

ثم إن الله تعالى اختص بالربوبية التي هي الخلق والملك والتدبير. فليس لأحد فيها نصيب معه، سبحانه وتعالى.
وما قد يضاف إلى المخلوق من خلق أو ملك أو تدبير، فإنما ذلك على الوجه الذي يناسبه، ناقص زائل. فليس هو مما قد اختص الله به. فمن خلق منهم إنما غير صورة إلى غيرها، ومن ملك فإنما ملك القليل ثم لا يملك فيه التصرف كيف شاء، ومن دبر فيدخل ففي القليل ثم يدخل في تدبيره الخلل، وهكذا.

كما قد اختص تبارك وتعالى بأسماء حسنى وصفات عليا، لا يشاركه فيها أحد من خلقه، كما هو متفق عليه إن شاء الله تعالى.
ثم قد يضاف شيء من أسمائه أو صفاته إلى أحد من خلقه، لكنه على وجه النقص والزوال، كما مر سابقاً، وليس لأحد نصيب مما اختص الله به من ذلك أيضاً. فمن تسمى بشيء من أسمائه فقد عري عن تحقق المعنى فيه، ومن تحقق فيه شيء من المعنى لم يكتمل، وهكذا.

ثم إن الله تعالى لما اكتملت فيه صفات الجمال والجلال، استوجب انفراده سبحانه بالعبادة والقصد. وكذلك لما كان هو الخالق المالك المدبر، كان اللازم على الطالب أن يطلب منه وحده.
وهذا الذي استوجبه سبحانه وتعالى من الانفراد في القصد والطلب، هو ما نسميه - ====== - بتوحيد العبادة أو توحيد القصد والطلب. فليس لأحد أن يصرف من العبادة شيئاً لغير الله تعالى. ذلك أنه وحده الذي فيه من الكمال ما تتعلق به القلوب بالقصد، وعنده من الربوبية ما تتعلق به النفوس بالطلب. وهذا لا يخالف فيه أحد كذلك.

فإذا تبين لك ذلك واضحاً، فاعلم أن ثلاثة الأنواع قد جمعها الله تعالى في آية من كتابه، قال تعالى: ( رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً ).
وقال تعالى في توحيد الربوبية: ( ألا له الخلق والأمر ) وقال تعالى: ( الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين ).
وقال تعالى في توحيد الأسماء والصفات: ( ليس كمثله شيء ) وقال تعالى: ( وله المثل الأعلى ) وقال تعالى: ( ولم يكن له كفواً أحد ) وقال تعالى: ( ولا يحيطون به علماً ).
وقال تعالى في توحيد العبادة: ( إياك نعبد ) وقال تعالى: ( ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ) وقال تعالى: ( فلا تدعوا مع الله أحداً ) وقال تعالى: ( قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ). إلى غير ذلك مما هو مشهور.

وبهذا يتبين لكل قارئ أن تقسيم التوحيد على هذه الصورة مما لا يختلف عليه اثنان ممن يدعي السنة، لا وهابية ولا أشعرية. والحمد لله.
وبهذا يتبين أن الأخ جمال لم يزن ما كتب سابقاً مستنكراً هذا التقسيم! فالله المستعان.

بقي عندنا مسألة ثانية، وهي: هل يقبل الله تعالى من عبد أن يفرده بقسم من أقسام التوحيد ويشرك به في غيره؟

فكما هو ظاهر أن الثلاثة بينها تلازم شديد.
فالرب لا بد أن يتصف بكل كمال ليقوم به الكون، والرب الذي خلق ورزق وحده يستحق العبادة وحده.
وكذلك الكامل في أسمائه وصفاته هو رب لأن الربوبية كمال وضدها نقص، ثم من كان كذلك استحق تعلق القلوب به تعبداً ومحبة وطلباً.
ثم الإله الذي يستحق العبادة لا بد أن يكون رباً قادراً على تحقيق ما نرجو منها رغبة ورهبة، ولا بد أن يكون فيه من الكمال ما تتعلق به القلوب وتقصده وتحبه. بل ومن العبادة أن نمجده ونحمده سبحانه بما استحق من صفات الكمال.
وبذلك يتبين أن من أخل في أحدها فقد أخل في الباقيين بقدر ذاك الخلل.

ثم إنا رأينا كفار قريش، وهم الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد أقروا بتوحيد الربوبية مجملاً، قال تعالى: ( ولئن سألتهم من خلق والسموات والأرض وسخر الشمس والقمر، ليقولن الله فأنى يؤفكون. ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله، قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ) فهذا إقرار منهم لتفرد الله تعالى بالخلق والتدبير والرزق. فهؤلاء الذين أقروا بهذا منهم، هل كانوا بذلك مؤمنين؟! لا وكلا. لم؟ لأنهم لم يحققوا توحيد الألوهية، فكانوا كما قال عنهم سبحانه وتعالى: ( والذين اتخذوا من دون الله أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) فهم لم يعبدوهم لاعتقاد النفع والضر فيهم لذاتهم، لا، ولكن لاعتقاد أنهم يقربونهم إلى الله تعالى. وهذا نص واضح لا يحتمل أن نختلف فيه إن شاء الله تعالى.

يبقى الآن الإشكال الذي ذكره الأخ جمال هداه الله، وحاصله أن اعتقاد هؤلاء الكفرة تقريب الآلهة إياهم إلى الله تعالى، هذا الاعتقاد اعتقاد أن لهم تصرف، وهذا من الربوبية، فكيف يقال أنهم يوحدون الله في الربوبية؟!

وجوابه أن هذا الفهم غير صواب، فهم لم يعتقدوا أن في الآلهة من القدرة والتدبير ما تقرب به من تشاء وتقصي به من تشاء، لكنهم اعتقدوا أن الله يحب عبادتهم، فتكون بذلك مقربةً لهم إلى الله تعالى. وذلك كما قال تعالى: ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ) فدل على افترائهم حب الله تعالى لتلكم العبادة الباطلة. وكما قال تعالى: ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ) فدل على أنهم لايعتقدون فيها نفعاً ولا ضراً.
ثم كيف يعتقدون ذلك؟ أيعتقدون أن لهم سلطة على الله تعالى، وقد مرّ أنهم يقرون لله بالملك المطلق. ألا تسمع قولهم في تلبيتهم: ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، ملكتَه وما ملك ) رواه مسلم. انظر كيف جعلوا آلهتهم لا تملك! بل جعلوها مربوبة مملوكة لله! فهل بعد هذا يقال ذلك؟!
ولو تنزلنا معه وقلنا أنهم كانوا يعتقدون فيها قدرة به تملك التقريب والإقصاء، لكان ذلك منهم اعتقاد بأن الله تعالى هو الذي أعطاهم هذه القدرة، لا أنهم هم قد اغتصبوها غصباً! وبهذا يزول الإشكال ولله الحمد.

فإذا تبين لنا أن كفار قريش كانوا يقرون بتوحيد الربوبية مجملاً، وأن ذلك لم ينفعهم، ولم يدخلهم في الإسلام، علمنا أن التوحيد الذي بعث الله تعالى به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ليس هو توحيد الربوبية وحده، لكن معه توحيد العبادة.
وعلى هذا المعنى تضافرت نصوص الكتاب والسنة، كما مر في أول الموضوع.

وأزيد مثالاً من الكتاب على ذلك قوله تعالى: ( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون. ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لساحر مجنون ) فدل هذا على أن معنى ( لا إله إلا الله ) الذي طلبه الأنبياء من أقوامهم هو أن يتركوا معبوداتهم. وقال تعالى عن عاد: ( قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ) فهذا نص في المسألة ولله الحمد. وقال تعالى: ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ) فبين تعالى مجمل رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. والله أعلم.
ومثل هذا قول ثمود لما قال لهم صالح: ( اعبدوا الله ) قالوا: ( أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ) وغير ذلك كثير جداً.

ومثال من السنة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ ) ثم أجاب صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ( حقه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ) متفق عليه. فبين صلى الله عليه وآله وسلم أن حق الله تعالى علينا هو أن نفرده بالعبادة.

ثم إنه من المتفق عليه أن أساس الدين الذي به يدخل المرء في الإسلام، وعليها يقاتل الكفار، هي شهادة أن لا إله إلا الله. كما في الحديث المتواتر: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله ).

ومعنى كلمة ( إله ) في هذه الشهادة العظيمة ( معبود ) كما هو معروف من لغة العرب. قال الجوهري رحمه الله في مختار الصحاح: ( أَلَهَ يأله - بالفتح فيهما - إلاهَةً أي: عبد. ومنه قرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ويذرك وإلاهَتَكَ، بكسر الهمزة، أي: وعبادتك، وكان يقول إن فرعون كان يُعبَد ) انتهى. ومن ذلك قول بعضهم: ( لله در الغانيات المدهِ .. سبحن واسترجعن من تألهي ) أي تعبدي. فالحاصل أن ( إله ) فعال بمعنى مفعول من العبادة، أي: معبود. فيكون المعنى: لا معبود إلا الله.

ولا يعترض على هذا بكثرة ما هو معبود من آلهة المشركين، كما قال تعالى: ( واتخذوا من دون الله آلهة )، لأن الخبر المقدر في الشهادة ليس ( موجود ) وإنما هو ( حق ). فيكون المعنى: لا معبود حق إلا الله، وليس لا إله موجود إلا الله. ويشهد لهذا قوله تعالى: ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ) وقوله تعالى نقلاً عن يوسف عليه السلام أنه قال: ( ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ). فهي آلهة باعتبار زعمهم وفعلهم بها مجاراةً لهم، لا باعتبار الحقيقة. والله سبحانه أعلى وأعلم.

وهذا – توحيد العبادة - أصل الدين، لا يخالف فيه إن شاء الله تعالى أحد من المسلمين.

لكن الخلاف يكون في عدّ بعض الأفعال عبادة، فيعدها " الوهابية " عبادة بينما لا يراها غيرهم كذلك، أو العكس. وهذه هي المسألة التالية: كيف نعرف الفعل عبادة هو أو ليس بعبادة؟

فالعبادة عرفها ==== ابن تيمية ===، فقال: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. ويدل على محبة الله للفعل الأمر به أو مدحه أو مدح فاعله أو ترتيب الثواب عليه أو النص على كونه عبادةً أو إيماناً أو نحو ذلك. فيدخل فيها الدعاء والخوف والرجاء والمحبة والذبح والنذر والدعاء والاستعانة والاستغاثة كما يدخل السجود والصلاة الحج وغيرها. وهذا يعرف بالاستقراء.

فهذا الضابط يعرف به جنس الفعل أنه عبادة، أما النوع الخاص فيعرف بما عرف به == ابن القيم =العبادة، حيث قال: هي التذلل لله عز وجل حباً وتعظيماً بفعل المأمور وترك المحظور. فكل نوع دل الدليل على كونه عبادة، لا يحكم على فرد منه أنه عبادة حتى يظهر فيه قصد التذلل والحب والتعظيم. فيخرج بذلك الخوف من النار المحرقة، ورجاء الكرم من الأمير، ومحبة الولد، والاستغاثة بذي السلطان، ونحو ذلك.

وهذا تحقيق متقن في هذه المسألة، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

فإذا تقرر عندنا هذا الأصل، فعلمنا ما هو عبادة وما ليس بعبادة، حكمنا على من صرف شيئاً من ذلك لغير الله تعالى أنه فعل شركاً بالله، كمن يدعو الحسين أو ينذر للبدوي أو يذبح للقناوي أو يطوف بمقام السيدة، وهكذا. وليس لأحد أن يخالف في هذا، إذ لا فرق بين من أشرك بالله غيرَه في السجود أو في الذبح، إذ كلاهما عبادة، والله أمر بإخلاص الدين كله له وحده، قال تعالى: ( ألا لله الدين الخالص ) وقال تعالى: ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ) وقال تعالى: ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ).

فإذا سأل سائل: لم قلنا أنه وقع في الشرك بالله، ولم نقل أنه مشرك بالله تعالى؟
وهذا سؤال مهم، يكشف كثيراً من الكذب المفترى على طريقة [الوهابية]، أو سوء الفهم لها. ووالله ما رغب الناس عن سبيل السلفية إلا لأحد هذين: إما لجهله بحقيقتها، أو لهوى في نفسه. والله المستعان.

فإن الصواب الذي قرره علماؤنا == أنه ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه. بمعنى أن من فعل الفعل المكفر لم يكن بمجرد فعله كافراً حتى تجتمع فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، وليس ذلك في الشريعة خاصاً بالتكفير، بل كل حكم في شريعة الله لا يصح تنزيله على الأعيان حتى تجتمع في المعين الشروط وتنتفي عنه الموانع، كوجوب الزكاة والحج وغيرها.

وأهم شروط التكفير ( بعد الشرطين العامين، وهما العقل والبلوغ ) العلم والقصد والذكر والعمد، وأضدادها هي موانعه، وهي الجهل والخطأ والنسيان والإكراه.
وقد دل على كل ذلك كتاب الله تعالى، قال تعالى: ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) وقال تعالى: ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) وقال تعالى: ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) رواه ابن ماجه =====
فإذا علمت هذا، علمت خطأ من يتسرع فيكفر المسلم إن صرف لغير الله تعالى عبادة قبل أن يقيم عليه الحجة، وقبل أن يعلم اجتماع الشروط فيه وانتفاء الموانع عنه. ومن هنا أتي خوارج العصر التكفيرية، فنسأل الله السلامة والعافية.

لكن أنبه هنا على أنواع من الأفعال تدل بذاتها على كفر فاعلها، ولا يشترط فيها قيام الحجة لأنها معلومة من الدين بالضرورة، لا سيما إن كان ناشئاً في بلاد المسلمين. ومن ذلك رمي المصحف في النجاسة والسجود للصنم ونحوها.

وعلى هذه العقيدة ===== درج علماء [الوهابية] والجماعة السلفيون ===، ولا يحسن بمسلم أن يخالفها، لا لأنا نحن نعتقدها، لكن لأنا مأمورون بلزوم ما أخذت منه: الكتابِ والسنةِ. والله تعالى يقول على لسان نبيه شعيب: ( ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد ). والله الموفق والهادي.

وألخص ما مرّ من مهمات في نقاط، تذكيراً وجمعاً للذهن:

1. توحيد الله تعالى ثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية. ( ويدمج بعضهم الأولَّيْن في قسم واحد، فيقول: توحيد المعرفة والإثبات، ويجعلون توحيد العبادة قسماً ثانياً باسم توحيد القصد والطلب ).

2. الواجب للدخول في الإسلام توحيد الله تعالى بكل ذلك، ولا يجزئ توحيد الله تعالى بأحدها دون الآخر، كتوحيده بالربوبية مع الشرك في العبادة.

3. كلمة الشهادة: ( لا إله إلا الله ) معناها: ( لا معبود حق إلا الله ). فهي تقرير لتوحيد الألوهية.

4. كفار قريش الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم من وحد الله تعالى في الربوبية، وأشرك في العبادة، فلم ينفعه ذلك.

5. لا يجوز أن تصرف عبادة أياً كانت لغير الله تعالى، لأي أحد كان، ملَكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً.

6. العبادة كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وهي كذلك التذلل له حباً وتعظيماً. وبهذان الضابطان نعين ما هو عبادة من الأفعال وما ليس بعبادة.

7. من صرف شيئاً من العبادات لغير الله تعالى، فقد وقع في الشرك.

8. ليس كل من وقع في الشرك كان مشركاً خارجاً من الملة، حتى تقام عليه الحجة وتجتمع فيه شروط التكفير وتنتفي عنه موانعه.

وأختم بكلمة تبين أهمية هذا الموضوع، وأهمية الاجتماع عليه، أنقلها بمعناها من كلام == ابن القيم ==، يقول أن القرآن الكريم من أوله إلى آخره في تقرير مسائل التوحيد؛ فهو إما ذكر لصفات الله تعالى وأفعاله وما استحق به التوحيد، وإما أمر ونهي وتشاريع لتحقيق مقتضيات التوحيد، وإما قصص عن أهل التوحيد وما نالوا من النصر في الدنيا والكرامة في الآخرة، وعن أهل الشرك وما نالوا من الذل في الدنيا والخسار في الآخرة. فاللهم أحينا ما أحييتنا على التوحيد، وأمتنا إذا توفيتنا على التوحيد.

هذا، والله سبحانه أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم، على سيدنا وقدوتنا نبينا محمد، وعلى آله الأشراف الطيبين، وأصحابه الكرام الميامين، وعلى من تبع سبيلهم وانتهج منهاجهم إلى يوم الدين، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه اللهم آمين.

وكتبه أبو جعفر فيصل ابن سيد محمد بن حَمِيد القَلاّف.

( ملاحظة: لم أكتب في بياناتي الاسم الثلاثي – كما هو شرطكم - لطوله كما هو ظاهر، فاكتفيت بالاسم ولقب العائلة، كما هو عرف بلادنا ).

أحمد محمود علي
15-11-2004, 22:40
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أرحب بك أيها الأخ في هذا المنتدى العلمي الشريف
وأرجو من الله تعالى أن ينفعك ويزيدك علما بتواجدك ههنا
وأن يرينا وإياك الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه
وأسأله سبحانه أن تجتمع قلوب المسلمين وتتوحد جهودهم
لنصرة هذا الدين الحنيف، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

أيها الأخ.. كلمة ذكرتها في كلامك هي التي جعلتني أكتب
عسى ألا نجعل للشيطان مدخلا فيما بيننا نحن المسلمين.

لقد قلت يا أخي:
" ووالله ما رغب الناس عن سبيل السلفية إلا لأحد هذين: إما لجهله بحقيقتها، أو لهوى في نفسه. والله المستعان ".
قد تكون صادقا من بعض الوجوه كأن تكون قد احتككت فعلا بأشخاص هذا هو حالهم.. ولكنك تسرعت بل وأخطأت في حصرك وتعميمك..
بل وتجاوزت حدود أدب الحوار إذ تقول ما تقول بمرأى ومسمع من أناس تعلم أنهم لا يتبعون تلك الطائفة من المسلمين.
ولا تبرر قولك بقول غيرك فأنت أنت أيها المسلم، أمرك الدين بمكارم الأخلاق وسمو الهمة والعدل والرحمة والمجادلة بالتي هي أحسن.

فنصيحة من أخيك المسلم ألا تكون نقاشاتك مع إخوانك
إلا هادئة حميدة لا تباغض فيها ولا تعصب ولا سباب.
واجعل من نفسك رجلا مبتغاه الإصلاح بين المسلمين فيما قدر الله تعالى لهم أن يختلفوا فيه لحكمته البالغة سبحانه.

تذكر يا أخي .. رفقا رفقا بالمسلمين
افتح قلبك لإخوانك لتسمع منهم ويسمعوا منك
لابد أن يخاف بعضنا على بعض وأن نتحابب وإن اختلفنا
لا داعي لأن يجرح أحدنا أخاه بكلمات لا تورث إلا الحقد والبغض
وإن لم نتفق -لا قدر الله ذلك- فلا يبخل أحدنا أن يترك في ذاكرة القراء
جميعا أثرا ظاهرا يشهد بأنه لا خير في الدنيا إذا خلت من هؤلاء المسلمين الرحمـــــاء أصحاب العقل والإيمان والخلق الحسن.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فيصل سيد القلاف
16-11-2004, 00:10
جزاك الله خيراً على مشاركتك الطيبة أخي الفاضل، ويعلم الله أني ما كتبت الذي كتبت إلا ابتغاء الصلاح للمسلمين متمثلاً قول شعيب عليه السلام: ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ).
وبخصوص الكلمة التي نقلتها عني، فيعلم الله أني أعتقدها، وما قصدت بذكرها هنا استفزاز الإخوة، لا والله، ولكن لأني أعلم أنهم يسمعون عن السلفية أموراً منكرة، وأنا أنكرها قبلهم، لكن السلفية منها براء، والله العالم.
وليتضح مرادي وددتُ لو كتبت لي أخي الفاضل ما تأخذ على السلفية من أخطاء، وأجزم أنها ستكون بين أمرين: إما كلام ينسب إليهم لا يقولون به، وإما حق يقولون به ثابت في الكتاب والسنة لكنك لا تعلمه. هذا أقوله عن ممارسة أخي وتجربة.
وإن رأيت أخي في كلامي شدة، فاعتذر لي، فيعلم الله أني ما قصدتها. ولقد وددتُ أن ترى كتابات الأخ جمال عفا الله عنه، وكم فيها من الشدة على المخالف، بل والاستهزاء بعلماء أهل السنة، والله المستعان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أسامة نمر عبد القادر
18-11-2004, 19:11
الأخ الطيب فيصل القلاف ، وفقه الله تعالى ورعاه ، أما بعد ،،،
استأذنكم في أن أستفهم منكم شيئا حول مقالكم السابق .
وابتداء أقول :
إن الأشاعرة يثبتون وصف (الرب) لله سبحانه وتعالى ، بمعنى أنه الخالق المالك الرازق المحيي المميت المانع المعطي النافع الضار ونحو هذه من الصفات المتعلقة بالتدبير والتربية والتعهد والرعاية ، فهم يوحدون توحيد ربوبية بهذا المعنى .
ثم الأشاعرة يثبتون وصف (الله) و (الإله الحق) لله سبحانه وتعالى ، بمعنى أنه وحده المعبود المستحق للعبادة ، الذي لا يجوز صرف شيء من العبادات إلا له تعالى .
ثم الأشاعرة يثبتون لله تعالى الصفات التي ثبتت في الكتاب والسنة بحسب فهمهم للكتاب والسنة المبني على اللغة وسياق النصوص ، لا بحسب فهم ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فكل ما ثبت في الكتاب والسنة على أنه صفة لله تعالى ، فإن أي أشعري لا بد وأن يثبته ، وأما قولكم في بعض مقالاتكم أن الأشاعرة ينفون بعض الصفات ، فهذا يحتاج إلى بحث خاص وتفصيل ، لا أحب التعرض إليه الآن ، وإما أود فقط الاستفسار عما سيأتي .
لكن على الأقل ، فإن الأشاعرة يثبتون هذه الأمور الثلاثة ، وهي : مفهوم الربوبية لله تعالى وأنه المتفرد بها ، ومفهوم الإلهية وأنه المتفرد بها ، ومفهوم الصفات وأنه المتفرد بصفات الكمال والجلال .
وقد يعترض بعض الأشاعرة أو قل كثير منهم على القسمة من الناحية الفنية ، لأنه لا يوجد حيثية صحيحة للقسمة ، فهم يقولون أن تقسيم التوحيد إلى هذه القسمة الثلاثية خطأ ، لكنهم لا ينكرون وصف الله بالربوبية ، ولا ينكرون وصفه بالإلهية ، ولا ينكرون وصفه بصفات الكمال وأوصاف الجلال .
وهذا ليس بحثي الآن أيضا ، لكن أحببت التنبيه إليه سريعا ، لبيان أن إنكار كثير من الأشاعرة لهذا التقسيم لا يستلزم إنكار كل قسم منها على حدة .
وليس من العقيدة إيمان المسلم بصحة التقسيم ، بل المطلوب منه ليكون موحدا شرعا : أن يوحد الله تعالى : ربا ، وإلها ، وموصوفا بصفات الكمال والجلال .

أما الاستفسار ، فهو كالآتي :
قد قلت في ثنايا كلامك ((ثم إنا رأينا كفار قريش ، وهم الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ، قد أقروا بتوحيد الربوبية مجملا)) .
ثم قلت في التلخيص ((4- كفار قريش الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم من وحد الله تعالى في الربوبية ، وأشرك في العبادة ، فلم ينفعه ذلك)) .
فهل أفهم من ذلك أن عبارتكم الثانية تخصص عبارتكم الأولى ؟
أي أن كفار قريش (أو الكفار الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام عموما) منهم من كان يوحد توحيد ربوبية ، ومنهم من لم يكن يوحد توحيد ربوبية ؟
وقد يؤيد هذا التخصيص ما يلي :
[ 1 ] وجود بعض الكفار كانوا يعتقدون أن آلهتهم تشارك الله تعالى في بعض خصائص الربوبية .
يدل على ذلك قوله تعالى في سورة يس {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون ، لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون} فهذا دليل على أن بعض كفار قريش كانوا يعتقدون أن الأصنام تنصرهم ، والنصر بعض من خصائص الربوبية .
ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى في سورة مريم {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا ، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} فهذا دليل على أن بعض كفار قريش كانوا يعتقدون أن الأصنام تعزهم ، والإعزاز من خصائص الربوبية .
[ 2 ] وجود بعض الكفارفي عصر النبوة كانوا يعتقدون سلب بعض خصائص الربوبية عن الله تعالى .
يدل على ذلك قوله تعالى في سورة الفرقان {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ، قالوا : وما الرحمن ؟ أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا} ، فهذا دليل على أن بعض كفار قريش كانوا ينكرون صفة الرحمة لله تعالى ، وهي من خصائص ربوبية تعالى .
[ 3 ] وجود بعض الكفار في عصر النبوة كانوا ينكرون وجود الله تعالى .
يدل على ذلك قوله تعالى في سورة الجاثية {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ، وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ، وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} .
ملاحظة
يجب أن لا ننسى في هذا البحث النصارى ، فقد جادلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وباهلهم ، وهم مشركون ، وهم على مذاهب متعددة ، فمنهم من يؤمن أن عيسى عليه السلام له بعض خصائص الربوبية ، ومنهم من يؤمن أن عيسى له كل خصائص الربوبية ، ويستدلون على ذلك بأنه كان يحيي ويميت ؟
والخلاصة : هل صحيح أن الكفار في عصر النبوة كانوا أقساما ، وليسوا قسما واحدا ، فكما أن منهم من أقر بتوحيد الربوبية لله وحده فقط لكنه أشرك مع الله في إلهيته ، فكذلك منهم من أشرك مع الله تعالى في ربوبيته ، لكن مع تفاوت فيما بينهم في ذلك ؟؟
وجزيتم خيرا .

فيصل سيد القلاف
19-11-2004, 03:45
أخي الفاضل أسامة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخي هذا الموضوع ما كتبته نقاشاً وإنما بياناً لنقطة اتفاق بيننا، أوهم الأخ جمال أنا نختلف فيها.
وعن سؤالك فالأمر كما قلتَ مشكوراً، فمن الكفار من جحد ربوبية الله تعالى وقدرته، ومنهم من أشرك بالله تعالى في الربوبية، لكن المقصود أن منهم من وحد الله تعالى في الربوبية وأشرك في العبادة. والله أعلم.
أما عن التقسيم فهو صحيح لا غبار عليه ولا خطأ فيه.
إذ إنا نوحد الله تعالى بكل ما اختص به. ثم ما اختص الله تعالى به إما لصفة فينا أو لصفة فيه. فالذي لصفة فينا لا يستحقها منا سواه هو توحيد العبادة. والذي لصفة فيه سبحانه ليست لأحد غيره إما أن تكون فعلاً يتعدى إلى خلقه في إيجادهم وبقائهم وصلاحهم، أو يكون غير ذلك. فذلك توحيد الربوبية. وما عداه ( الذي هو غيره ) توحيد الأسماء والصفات.
ومر أن من أهل العلم من يجعلهما قسمين، قسم لما يستحق الله أن نخصه به من العبادة وهو توحيد القصد والطلب، وقسم لما اختص الله به من أفعال وصفات، وهو توحيد المعرفة والإثبات.
وعلى كل فالخطب يسير ما دمنا اتفقنا على المعنى، وأقررنا بتوحيد الله تعالى بثلاثة الأقسام لا نشرك به شيئاً.
والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

أسامة نمر عبد القادر
19-11-2004, 08:35
أخي فيصل القلاف أكرمه الله تعالى ،،،
هذه أسئلة :
السؤال الأول :
أفهم من قولكم الشريف ((فمن الكفار من جحد ربوبية الله تعالى وقدرته، ومنهم من أشرك بالله تعالى في الربوبية، لكن المقصود أن منهم من وحد الله تعالى في الربوبية وأشرك في العبادة. والله أعلم)) أنه لا يجوز أن أعمم فأقول : إن المشركين في عصر النبوة كانوا كلهم مقرين بتوحيد الربوبية ، لأن التعميم مخالف للواقع ، فنقول : هم على أقسام :
منهم من وحد بالربوبية وأشرك بالإلهية .
ومنهم من أشرك بعض الربوبية وأشرك بالإلهية .
ومنهم من أشرك كل الربوبية وأشرك الإلهية .
ومنهم من أنكر الربوبية والإلهية لله تعالى مطلقا وجعلها لغيره ، وهؤلاء هم بعض المشركين الذين يكانوا يؤمنون بمعبودات ولا يؤمنون بالله تعالى أصلا .
ومنهم من أنكر الربوبية والإلهية لله تعالى ولغيره ، وهؤلاء هم الدهريون .
فهل يمكن أن نجعل المشركين على القسمة السابقة ؟ أم فيها قسم لم يكن له وجود في عصر النبوة ؟؟

السؤال الثاني :
تعليقا على قولكم ((وعلى كل فالخطب يسير ما دمنا اتفقنا على المعنى، وأقررنا بتوحيد الله تعالى بثلاثة الأقسام لا نشرك به شيئاً)) أنا أعلم أن ثمة خلاف كبير بين السلفية والأشاعرة في بعض مسائل الصفات وبعض المسائل غيرها ، لكن ما ذكرته في الحقيقة نقطة اتفاق بين السلفية والأشاعرة ، لأنني أقرأ كلامهم ، فأجد أنهم في الحقيقة ينكرون صحة التقسيم لأسباب متعددة ، لكن لو دققت في كلامهم ، ولنجعل كلام سعيد فودة في شرح العقيدة الطحاوية نموذجا لذلك ، وبغض النظر عن التقسيم الثلاثي ، ستجد ما يلي :
1 / أنه يعتقد بأن العبادة لا يجوز صرفها إلا لله تعالى ، وهو ما تسميه السلفية توحيد الإلهية .
2 / وهو أيضا يعتقد بأن الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار المانع المعطي ، إلى آخره ، وهو ما تسميه السلفية توحيد الربوبية .
لكنني فهمت من كلامه أحد أمرين :
الأول : إما أن مفهوم الإلهية جزء من مفهوم الربوبية ، وهذا استنتجته من كلام سعيد فودة ، ولم أره ينص عليه بوضوح ، فأحتاج إلى أن أسأله عنه .
الثاني : وإما أن مفهوم الإلهية متلازم مع مفهوم الربوبية ، بمعنى أن من آمن بالربوبية لا بد أن يؤمن بالإلهية ، وهذا ما نص عليه سعيد فودة ، إذ صرح بأنهما متلازمان .
وهذا التلازم يؤيده : أن القرآن كان ينكر على من أشرك بالإلهية ويستدل عليه بصفات الربوبية ، وهذا ـ على أقل تقدير ـ يفيد أن القرآن نفسه كأنه يتهم المشركين بقلة العقل ، فيقول لهم : إذا كنتم تقرون بالربوبية فلماذا لا تقرون بالإلهية ؟ أفلا تعقلون ؟ وهذا صريح من القرآن في إفادة التلازم .
فهلا رجعت أخي الأكرم إلى كلام سعيد فودة في شرح الطحاوية وأعطيتي رأيك في ذلك ؟
ومن هنا أقول : إن الاختلاف في التقسيم يسير الخطب ـ كما ذكرت أخي فيصل ـ ما دمنا نتفق على المعاني والمفاهيم .
فالأشاعرة يعتقدون أن من أصول الدين عندهم أن العبادة لا تصرف إلا لله تعالى ، وأي أشعري يعتقد خلاف ذلك ، فهو ليس على العقيدة السليمة .
فإن قلت لي : لكن الأشاعرة يجيزون التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته ؟
فأقول لك : هم لا يرون أن التوسل أصلا عبادة للنبي صلى الله عليه وسلم ، بل هي عبادة لله تعالى ، فحقيقة التوسل المشروع هو : أن يدعو المسلم ربه سبحانه مستشفعا بمنـزلة المصطفى صلى الله عليه وسلم عند الله ، وهذا القدر من معنى التوسل ليس فيه صرف شيء من العبادة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وبالتالي هم لا يرونه شركا .
ولو قرأت كلام كثير من كبار الأشاعرة كالباقلاني والجويني والغزالي والرازي في شأن المصطفى صلى الله عليه وسلم في موضوع النبوات من كتب العقائد لم تجدهم يزيدون على القدر الذي يعتقده السلفية في النبي صلى الله عليه وسلم .
وكذلك لو قرأت في موضوعات أصول الفقه لم تجدهم يزيدون في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعتقده السلفية في النبي صلى الله عليه وسلم ، فالأشاعرة في كتب الأصلين ـ أصول الدين وأصول الفقه ـ لا يرفعون النبي صلى الله عليه وسلم عن المنـزلة التي جعلها الله تعالى له .
ووجود بعض الأشاعرة ضلوا فصاروا يصرفون شيئا من العبادة لغير الله تعالى ، فهو خروج عن حقيقة المذهب الأشعري في هذا الشأن ، فإن المذهب الأشعري يبني أقواله الاعتقادية على الكتاب والسنة ، وليس على تخيلات بعض المتصوفة الباطلة .
لذلك فإن الصوفي مطالب قبل أن يكون صوفيا بأن يحكم العقيدة المستمدة من الكتاب والسنة ، ومطالب أيضا بأن يحكم الفقه المستمد من الكتاب والسنة ، ولو بحسب فهم أحد المجتهدين ، كالشافعي وأحمد ونحوه ، ثم بعد ذلك يتجه في التصوف والتزكية .
وإنما يطالب الصوفي بإحكام العقيدة والفقه قبل التصوف حتى لا يضل في مجال التصوف عن سواء السبيل .
يؤيد ذلك قول أبو العباس أحمد زروق الفقيه المالكي ، فقد قال في كتابه قواعد التصوف :
[قاعدة (4) : صدق التوجه مشروط بكونه من حيث يرضاه الحق تعالى ، وبما يرضاه ، ولا يصح مشروط بدون شرطه :
1 / {ولا يرضى لعباده الكفر} ، فلزم تحقيق الإيمان .
2 / {وإن تشكروا يرضه لكم} فلزم تحقيق العمل بالإسلام .
فلا تصوف إلا بفقه ، إذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة (يعني العبادات والمعاملات) إلا منه .
ولا فقه إلا بتصوف ، إذ لا عمل إلا بصدق وتوجه (يعني أنه لا يقبل العمل بإلا بأن يكون متوجها بصدق لله تعالى ، وهذا هو التصوف عند زروق كما نص عليه في القاعدة الثانية إذ قال : وقد حد التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ الألفين ، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى ، وإنما هي وجوه فيه) .
ولا هما إلا بإيمان ، إذ لا يصح واحد منهم دونه ، فلزم الجميع ، لتلازمها في الحكم ، كتلازم الأرواح للأجسام .
ولا وجود لها إلا فيهما ، كما لا حياة لهما إلا بها ، فافهم .
ومنه قول مالك : من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق] .
على كل حال ، فإن الذي أريد قوله : إن وجود بعض الصوفية الذين يدعون كونهم أشاعرة ، ثم هم يعتقدون أو يفعلون أمورا تخالف ما عليه المذهب ، لا يكون حكما على المذهب بالفساد ، بل يكون حكما على ذلك الصوفي فقط بالضلال والخطأ .
وليس أدل على ذلك من أن أشعريا صوفيا عندنا قد أتى باعتقاد خطأ ، فلم يقم له ناصحا مرشدا مبينا له خطأ ما يعتقده سوى سعيد فودة الأشعري .
فلا بد أن يكون المسلم ـ سواء كان أشعريا أو سلفيا ـ منصفا ، بمعنى أنه لو أتى أحد من أهل مذهبه بما يخالف الحق فإنه ينصحه ويبين له ويرشده ، ولا يسكت عليه بناء على أنه من أهل مذهبه ، فالمسلم يرجع إلى الحق ولو على نفسه ولو على أهل مذهبه .

السؤال الثالث :
يا ليتك أخي فيصل تحدد لي معنى لفظة (الرب) بدقة .
ثم تذكر لي الأدلة اللغوية والشرعية على ذلك .

السؤال الرابع :
يا ليتك أخي فيصل تحدد لي معنى لفظة (الله) بدقة .
ثم تذكر لي الأدلة اللغوية والشرعية على ذلك .

وجزاك الله خيرا .

فيصل سيد القلاف
20-11-2004, 13:21
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخي الفاضل أسامة بارك الله فيه ونفع به،

أجيب على سؤالاتك الأربع مع بعض التعليقات، والله أسأل أن يؤلف بين قلوبنا على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، إنه سبحانه جواد كثير المنة.

السؤال الأول كان أن الكتاب والسنة دلا على أن من المشركين على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أشرك بالله تعالى في الربوبية والعبادة جميعاً، ومنهم من جحد ربوبية الله تعالى ولم يعبده، ومنهم من أشرك بالله تعالى في العبادة ووحده سبحانه في الربوبية:
فهل هذه هي كل الأقسام؟ جوابه أنِ اللـهُ أعلم.
وهل في حدث في عصرنا نوع آخر سواها؟ جوابه أنِ اللـهُ أعلم كذلك.
فهذا يحتاج استقراء وتتبعاً، ولست أهلاً له.

ثم تعليق حول علاقة الربوبية بالألوهية. فالربوبية تستلزم الإلهية، كما قال تعالى: ( أفتعبدون من دون الله ما لا يضركم ولا ينفعكم ) وقال تعالى: ( ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) فجعل لازم الملك العبادة. والألوهية تتضمن الربوبية، إذ العبادة محبة وتعظيم ورغبة ورهبة، والرغبة طلب نفع، والرهبة خوف ضر، والنفع والضر هما الربوبية.
ولذلك فاسم الرب يدل على اسم الإله باللزوم، واسم الإله يدل على اسم الرب بالتضمن، والله أعلم.
ولذلك أقول أن من وحد في الربوبية لزمه التوحيد في العبادة، فإن أشرك في العبادة كانت عبادته لمعبوده الثاني جوفاء حمقاء، إذ لا نفع يرجو منه ولا ضر يخافه منه، وإنما يكون ذلك تعصباً لآباء أو تحصيلاً لمصلحة دنيوية أو نحو ذلك.
وقد كنت ذكرت في المشاركة الأولى في هذا الموضوع التلازم بين ثلاثة أنواع التوحيد، فراجعه مشكوراً.

أما عن مراجعة شرح سعيد بن فودة للطحاوية، فلا أظنني أستطيع الآن، إذ التزاماتي كثيرة وإني على وشك سفر أنقطع معه عن الشبكة الإلكترونية زمناً. والله المستعان.

ثم التوسل أخي الكريم نحن – السلفيين - نفصل فيه.
فنقول: يجوز التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وبصفاته وبالأعمال الصالحة وبدعاء الرجل الصالح وبالحال.

فمن الأول قوله تعالى: ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ( أسألك الله بكل اسم هو لك ) الحديث المشهور رواه أحمد بسند صحيح.

ومن الثاني قوله صلى الله عليه وآله وسلم في رقية الحسنين رضي الله عنهما: ( أعيذكما بكلمات الله التامة ) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

ومن الثالث قصة الرهط الذين آواهم المطر إلى كهف ثم سده حجر، فتوسل أحدهم ببره لوالديه والآخر بتعففه عن الزنا والثالث بأمانته، كلهم يقول: ( اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ) ففرج الله عنهم. ذكرته مختصر، وهو حديث طويل متفق عليه.

ومن الرابع قول عمر لأويس القرني: ( استغفر لي ) والأثر صححه العلامة الألباني رحمه الله. ومن هذا القسم توسل عمر بدعاء العباس وتوسل معاوية بدعاء يزيد بن الأسود.

ومن الخامس قوله تعالى: ( وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) وقول يونس: ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) كل منهما يشكي حاله وضعفه، كما يقول الفقير إذا سأل: ( رجل عاجز يعول أطفالاً ) فيفهم الناس أنه يسأل.

ثم التوسل بغير ذلك من ذوات المخلوقين أو جاههم فيه تفصيل كذلك، فإن كان المتوسل يعتقد في المتوسل به نفوذاً وإمضاءً على الله تعالى كان التوسل شركاً أكبر، وإن لم يكن كذلك، وإنما هو تقرب إلى الله تعالى بذكر هذا الرجل الصالح فهو بدعة محرمة وليس بشرك ولا كفر.

فالحاصل أن التوسل على الصورة التي ذكرتَها أخي نتفق معكم أنها ليست بشرك، لكنا نرى حرمتها وأنها بدعة. يكفينا قوله تعالى: ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل ذلك ولا دل عليه، ثم عقلاً كيف أتقرب إلى الله تعالى بصلاح غيري؟! وهل ينفعني أن فلاناً صالحاً لأتقرب إلى الله تعالى بصلاحه؟! كيف والله تعالى يقول: ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )؟!

ولا يصح أن نستدل على ذلك بقياس الله تعالى على ملوك البشر الذين يبعدون الفقير حتى يتوسل بذي جاه يشفع له، لأن الله أكرم، ولا يقاس أكرم الأكرمين على شحيحي البشر.

هذا كله في التوسل الذي هو في ضمن الدعاء، أما التوسل الذي يراد به التوصل إلى رضا الله تعالى وجنته، فهذا يكون بالعمل الصالح ونحوه مما دل عليه الدليل. وعليه ينزل قوله تعالى: ( وابتغوا إليه الوسيلة ) وقوله تعالى: ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ).

دليل ذلك قوله تعالى: ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفاً، إلا من عمل وعمل صالحاً ) هذا واضح. وكذلك قوله تعالى: ( سلام عليكم بما صبرتم ) وقوله: ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) فالباء هنا بمعنى السبب، والسبب هو الوسيلة. وقوله تعالى عن صدقات الأعراب: ( ألا إنها قربة لهم ) أي مقربة لهم. والله أعلم بمراده.

ثم أخي أسامة بارك الله فيه، أعلم أنه ليس ثم فرق بين السلفيين والأشاعرة في الفقه فكلنا نأخذ بأربعة المذاهب وبأقوال أئمة السلف، وكذلك في أصول الفقه فكتبنا التي ندرسها هي التي تدرسونها، إلا أنا نختلف في المباحث المتصلة ببعض المسائل العقدية، وكذلك في عدالة الصحابة فكلانا يعدل كل الصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك في آل البيت فكلانا يحبهم ويحترمهم صلى الله عليهم وسلم، وكذلك في النبوات كلانا لا يغلو في النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

لكن الإشكال في النبوات أنكم تردون حديث: ( إن أبي وأباك في النار ) وهو صحيح عند مسلم، لأجل زعمكم أن آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم في الجنة! فهذا غلو دفع بكم إلى رد الحديث الصحيح.

والإشكال الآخر أنا لا نقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بينما أنتم تؤلون من الصفات ما لم يؤول صلى الله عليه وآله وسلم ولا مرة من عمره، بل كان يقرأ آيات الصفات ويتكلم بأحاديثها أمام العجائز والأعراب والأغبياء، لا يحذرهم من ظواهرها.
وغير ذلك من المخالفات لصريح الكتاب والسنة، لا لشيء إلا دعوى العقل الذي جئتم به ولم يتكلم به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا أصحابه ولا التابعون. والله المستعان.

ثم قولك أخي أن الأشاعرة يبنون عقائدهم على الكتاب والسنة، كلام طيب أتمنى أن يكون صحيحاً، لكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه، فأقف هنا وقفة.

الكتاب والسنة قد دلا على إثبات الأسماء والصفات على الوجه اللائق به سبحانه.
ستقول لي: نعم، ولكن ظواهر النصوص غير مرادة لله ولا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
أقول لك: ما الدليل على ذلك؟
تقول: العقل يمنعها.
أقول لك: لم يمنعها؟
تقول: لما يلزم عليها من الباطل.
أقول لك: لم يلزم عليها باطل؟
تقول: لأن نظيرها في البشر يلزم منه هذا الباطل.
أقول لك: وهل تقاس صفة الله بصفة المخلوق؟!
وهنا أظنك تنتهي، وترجع إلى الحق. والله الهادي والموفق. وللاستزادة في هذا ارجع إلى موضوع الذي فيه كلام الرازي عن الحنابلة.

ثم تأمل أخي أن الذي صرفتم به نصوص الكتاب والسنة، ليس دليلاً نقلياً، وإنما هو العقل الذي تدعون. وكيف يكون ظاهر الكتاب والسنة كفراً؟! وكيف سكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بيان المراد منهما وهو أنصح الخلق وأحرصهم على أمته؟!

ثم تأمل أخي أن الأشاعرة يقدمون العقل إن عارض النقل! وهذا تقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

ثم أخي ذكرت قولاً مشهوراً عن الإمام مالك في حق الصوفية، وليت أنك أسندته، فإني لم أرَ أحداً أسنده وبين صحته قط.

ثم السؤال الثاني: ما معنى الرب لغةً؟
هو القائم على شؤون مربوبه، المالك له. قال بنحو من ذلك ابن منظور في اللسان والجوهري في الصحاح وابن فارس في المقاييس والفيروزآبادي في القاموس.

وجاء بذلك التنزيل، قال تعالى على لسان يوسف: ( اذكرني عند ربك ) أي الملك. وقال تعالى: ( وربائبكم اللاتي في حجوركم ) أي اللاتي ربيتموهن، فقمتم على شؤونهن. وقال صلى الله عليه وآله وسلم في لقطة الإبل: ( حتى يجدها ربها ) أي مالكها. ويقال: ( فلان رب الأسرة ) أي القائم على شؤونها.

ما معنى الرب شرعاً؟
هو الخالق المالك المدبر. دليل دلالة اسم الرب على الخلق والتدبير قوله تعالى: ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ) فوصف نفسه سبحانه بالربوبية في مقام الامتنان بالخلق والتدبير. ودلالته على الملك ما مر في حديث اللقطة. والله أعلم.
لهذا فالرب شرعاً اسم من أسماء الله تعالى الحسنى، يدل على صفة الربوبية، والربوبية هي الخلق والملك والتدبير، ويدخل في ذلك شيء كثير من الأفعال والصفات كما لا يخفى.
ويجوز إطلاقه مقيداً على غير الله تعالى، فقول: الأب رب المنزل أي مديره، والمجاهد رب السيف أي صاحبه، والراعي رب الغنم أي مالكها. والله أعلم.

ثم السؤال الثالث: ما معنى اسم الجلالة ( الله ) لغةً؟
الله أصله في اللغة الإله، حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وأدغمت اللامان، وفخمتا للتعظيم. فكلمة الله بمعنى كلمة الإله في الأصل، إلا أن الإله تطلق على ما كل معبود بخلاف كلمة الله، فلا تطلق إلى على المعبود بحق سبحانه.
وكلمة الإله فعال بمعنى مفعول من الإلاهة، وهي العبادة.
كما قال تعالى: ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً ) أي معبوداً واحداً. وكما قال رؤبة: ( لله در الغانيات المده .. سبحن واسترجعن من تألهي ) أي عبادتي، وكما قال تعالى: ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) أي معبود فيهما. وكما جاء في قراءة ابن عباس: ( ويذرك وإلاهتك ) أي عبادتك. وغير ذلك كثير جداً. هذا من حيث اللغة.

وفي الشرع الإله يأتي بمعنى المعبود مطلقاً سواء عبد بحق أو باطل، كما قال تعالى: ( واتخذوا من دون الله آلهة ) فسماهم آلهة، وقال تعالى: ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ) فسمى معبوداتهم آلهة، والحمد لله.
وذلك باعتبار الاسم لا الجدارة كما قال يوسف عليه السلام: ( إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ). بمعنى أنها هي آلهة لأنهم عبدوها واتخذوها، لا لأنها جديرة حقيقة بالعبادة، ولهذا قال تعالى: ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل ) وقال تعالى: ( ذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلالة ).
وعلى هذا المعنى الشرعي تنزل كلمة التوحيد: ( لا إله إلا الله ) أي لا معبود حق إلا الله. وليس معناها: ( لا معبود موجود إلا الله ) لأن المعبودات كثيرة.

وتأتي في الشرع بمعنى المعبود بحق، قال تعالى: ( وإلهكم إله واحد ) وقال تعالى: ( وما من إله إلا إله واحد ). وعلى هذا فلفظ الإله اسم لله تعالى، يرادف – في أصل المعنى – لفظ الجلالة ( الله ).
ولو قلنا على هذا المعنى أن الخبر المقدر في كلمة التوحيد ( موجود ) فيكون المعنى: ( لا إله موجود إلا الله ) وقلنا أن الإله هنا بمعنى المعبود الحقيق الجدير، لجاز، والله أعلم.

وبذلك يتبين أن الله والرب اسمان مترادفان باعتبار دلالتهما على مسمى واحد متغايران باعتبار ما تضمنه كل منهما من صفة، وهذا يسميه بعض أهل العلم متكافئان، أي في مرتبة وسط بين الترادف والتغاير.
وكما مر سابقاً الرب يستلزم الإله، والإله يتضمن الرب. والله أعلم.

ولهذا الارتباط الوثيق بينهما نرى أن الله تعالى يذكر الربوبية في مقام العبادة والعبادة في مقام الربوبية، فقال تعالى: ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) أي اعبدوا الذي يستحق عبادتكم، وهو الرب. وقال تعالى: ( الله خالق كل شيء ) أي الأله الحق هو الرب، وهو الذي خلق كل شيء.
بل اسم الله تعالى ( الله ) قد تضمن كل ما تضمنه غيره من صفات، لأن العبادة قائمة على الحب والتعظيم والخوف والرجاء، فتكون متضمنة اعتقاد الجمال والجلال والنفع والضر، والأولان هما صفات الكمال، والثانيان هما صفات الربوبية. ولذلك كان هو أخصها بالله تعالى، وكان أكثرها ذكراً. والله أعلى وأعلم.

هذا، والله أعلى وأعلم، وأستغفر مما يقد يكون زل به القلم، وصلى الله علي نبينا محمد وسلم.

أسامة نمر عبد القادر
20-11-2004, 22:17
بارك الله في سفركم أخي فيصل ،،،
وأعادكم إلى بلدكم سالما غانما ،،،
مع رجاء الدعاء لي ،،،
وإعلامي بعودتكم لإكمال هذا الحوار ،،،

على انيس طه
21-11-2004, 20:18
هذا الرابط
http://www.wasatyah.com/vb/showthread.php?t=20311
كان الخوارج على الدين يقولون كلام حق أريد به باطل
فالرسول صلى الله عليه وسلم حدد منهج الأسلام بالوحده ورأى الجماعه وعدم اتباع البدع فى الدين وكان منهج الشيخ هو المخالفات الثلاث فقد غلب رأيه على رأى الجماعه وقد فرق المسلمين وقد أظهر حق اريد به باطل فقد كفر المسلمين الذين كانوا على هدى الرسول موحدين بالله بأنه يطلب منهم توحيد الربوبيه والبيعه له بعد بيعه الرسول
وكلمه رب معناها صاحب المحل والآيه" أذكرنا عند ربك " أى عند رئيس المكان
فدين الأسلام الذى هو دين الفطره أكتفى بالشهاده بأن لا ألا ه الا الله ولم يذكر كلمه الرب
والألزام بتوحيدها وكانت هذه البدعه أى المحدثه فى الدين من فعل الشيخ لماذا لأنه كان يضمر أمرا وانى لا اناقش هذا الأمر فقد اتهم بعد أن قابل همفرى بالموصل وقد عارضه أبوه وأخوه ومنعه أبوه وتصدى له أخوه والف كتب ضده أذن هو التبع أمر ظاهره حق وباطنه مكيده فهو استخدم هذا الرأى لتكفير المسلمين أن لم يبايعوه وسلط عليهم الأعراب ا لذين تبعوه ليستحل أموالهم ويسبى نساءهم ثم تطاول على آثار الرسول وآل البيت لمحو آثارهم ومنع الأحتفال بذكراهم ومحاربه الصوفيه ومجالس الذكر وعدم الأعتراف بالصالحين وكراماتهم
وقد أفرز جماعه تطبق فرض الرأى بالقوه وتطبق مبدأ معناأو علينا مخالفين تعاليم الأسلام
ولامجال لديهم للشورى وتقبل الصحيح

جمال حسني الشرباتي
22-11-2004, 02:21
هل أنت noor
يا أخ علي

أسامة نمر عبد القادر
23-11-2004, 12:34
قولك أخي علي أنيس طه ((فدين الأسلام الذى هو دين الفطره أكتفى بالشهاده بأن لا ألا ه الا الله ولم يذكر كلمه الرب)) ظاهره موهم ، بل الإسلام وإن اكتفى بالشهادتين من حيث اللفظ ، لكن معناهما واسع ، فإن مفهوم وصف الله تعالى بأنه "الرب" متضمن في الشهادة الأولى ، وظاهر كلامك أن الإسلام لم يطالب الناس بالاعتقاد بمفهوم وصف الرب ، وهذا خطأ ، بل الإسلام طالب الناس في الشهادتين بمفهوم وصف الله ، وبمفهوم وصف الرب ، بالإضافة إلى أوصاف الله تعالى الأخرى .

أما قولك ((استخدم هذا الرأى لتكفير المسلمين)) فهذا الرأي لا يستلزم البتة تكفير المسلمين ، بل ولا تبديعهم ، أعني أن من اعتمد هذ التقسيم الثلاثي للتوحيد ، لا يلزم منه أن يكفر أو يبدع من يقول بالتوسل ، وهذا محل نقاش مع السلفية ، فإن هذا التقسيم الثلاثي للتوحيد لا يؤدي إلى القول بمنع التوسل بالمعنى الذي يجوزه فقهاء الأشاعرة المعتمدين .
أما تلميحك إلى تاريخ الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى في هذا الموطن ، فليس من الحكمة ، لأننا نناقش الآن فكرة تقسيم التوحيد ، فأين هي الحكمة الآن في تشعيب النقاش إلى .. وإلى ... وإلى .. .

وأطلب منك أخي الصبر والحلم على كلامي . لكنه رأي أرتأيه ، وبوركتم .

ماهر محمد بركات
10-06-2005, 17:12
بمناسبة عودة شيخنا الفاضل أسامة حفظه الله أحب أن أعلق على هذا الموضوع التماساً للفائدة من كلامه القيم ..

يقول الشيخ أسامة :
(أما قولك ((استخدم هذا الرأى لتكفير المسلمين)) فهذا الرأي لا يستلزم البتة تكفير المسلمين ، بل ولا تبديعهم ، أعني أن من اعتمد هذ التقسيم الثلاثي للتوحيد ، لا يلزم منه أن يكفر أو يبدع من يقول بالتوسل ، وهذا محل نقاش مع السلفية ، فإن هذا التقسيم الثلاثي للتوحيد لا يؤدي إلى القول بمنع التوسل بالمعنى الذي يجوزه فقهاء الأشاعرة المعتمدين )

سيدي الشيخ أسامة :
أما أن مجرد التقسيم (بمعنى اثبات تغاير مفاهيم التوحيد الثلاثة التي ذكرها السلفية) لايعني التكفير أقول نعم مجرد التقسيم بحد ذاته لايعني التكفير ..
لكن الذي يعني التكفير ويؤدي اليه هو الهدف الذي جعل هذا التقسيم لأجله .. وبيان ذلك :
أن السلفية الذين يقسمون التوحيد لتوحيد ربوبية وتوحيد الوهية يقصدون بهذا التقسيم التفريق بين التوحيدين واثبات عدم التلازم بينهما ..
فهم يرون أنه يتصور أن يوجد توحيد في أحدهما وشرك بالآخر وهذا مانخالفهم فيه ..
فنحن عندنا الالوهية مقتضية للربوبية وبالعكس .. والاشراك في أحدهما اشراك بالآخر والتوحيد في أحدهما توحيد بالآخر .. ولا معنى للعبادة لمن لم يعتقد أنه رب ..
هذا هو خلاصة كلام السادة الأشاعرة في هذه المسألة فيما أعلم ..

أما السلفية فهم يرون أنه قد يوجد توحيد ربوبية ويوجد في الوقت نفسه
اشراك في الالوهية بمعنى صرف العبادة لغير الله ..
وبمعنى آخر يتصورون أن هناك من يصرف العبادة لغير الله وهو لايعتقده رباً ومع ذلك يسمى عمله هذا عبادة وشرك ..
ونحن نخالفه بأن هذه لاتسمى عبادة ولاشركاً الا اذا اقترنت باعتقاد الربوبية في من يعبده ..

وبناء على هذا : فانهم يوقعون الأمة بالشرك لمجرد صرف أي نوع من أنواع الأعمال التي يسمونها عبادة لغير الله (كالدعاء والطلب والتوسل والاستغاثة بالأولياء والنذر عندهم والطواف حول القبور ) حتى ولو قال لهم الصارف : أنا لا أقصد العبادة ولا أعتقد بالمصروف اليه ذلك العمل أنه رب ..

ونحن لانقول عن هذا العمل أنه عبادة وشرك حتى يتحقق أن الفاعل يعتقد النفع والضر وغيرها من أنواع التدبير المستقل التي تثبت الربوبية للمصروف اليه ذلك الفعل ..
بل بعض هذه الأفعال عندنا مشروعة : كالتوسل والاستغاثة بقصد التوسل .. وبعضها محرمة : كالنذر والطواف حول القبور ..
ولكن لانسمي واحدة منها كفراً ولاشركاً الا ان تحقق اعتقاد النفع والضر(الربوبية) فيتحقق أن العمل كان عبادة فيسمى الحاصل شركاً .

وبهذا يتبين أن مجرد التقسيم لأنواع التوحيد الثلاثة لايعني التكفير ..
ولكن الهدف الذي جعل هذا التقسيم لأجله وهو تبيان أن أحدها تقع دون الأخرى هو الذي يوقعهم بالتكفير والتشريك ..

وأعتقد أن هذه الفكرة التي يؤمن بها السلفية هي أخطر فكرة يطرحونها على الاطلاق لأنها هي المحور الذي يكفرون الناس بناء عليه..

فهل تؤيدني شيخنا الفاضل أسامة بما قلت أم عندك شيء آخر تكرمنا به ؟؟..

بارك الله فيكم .

فيصل سيد القلاف
10-06-2005, 19:45
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
كلام الكاتب ماهر يدل أنه لم يقرأ كلامي السابق، أو أنه قرأه وتجاهل ما فيه فتجنى على السلفية ما لا تقول به، والأمران أحلاهما مر. فليراجع الموضوع الأول، وإن كان قد ناله من التعديل ما لم آذن به، وكان الأليق أن يبقى ويكون المجال مفتوحاً للرد، فإن لم يكن مجال هنا لذكر قولي الذي يخالفكم، فلم كان هذا القسم للحوار؟! فليتأمل الإخوان الأمر ملياً، وليتأن الكاتب قبل الرد.

ماهر محمد بركات
10-06-2005, 23:25
أخي الفاضل فيصل :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته :
أخي قرأت كلامك ولم أتجاهله .. وللحق فكلامك فيه كثير من الانصاف لم أجده في كلام شيوخ السلفية حسب اطلاعي على الأقل ..
وبعضه لا أوافق عليه وأختلف معك فيه ..

وأود أن أسمع أولاً الجواب من الشيخ أسامة على كلامي السابق وبعدها يمكن أن أستمر معك أخي فيصل بارك الله فيك ..

عادل محمد الدوكان
08-03-2011, 05:07
بسم الله وصلى الله على رسوله وبعد
الأخ فيصل
سؤالي الأول
أرجو أن تبين لي وباختصار مفيد ما معنى كلمة -مجملاً- في قولك
فإذا تبين لنا أن كفار قريش كانوا يقرون بتوحيد الربوبية مجملاً

هل تريد الإجمال في الكفار
أو تريد الإجمال في التوحيد

فإن قلت الأول فهذا يعني أن فيهم ولو قليل كانوا موحدين بالربوبية على وجه التفصيل والكمال فأرجو أن تترك السؤال الثاني وتجيبني كرما منك على السؤال الثالث

وإن قلت الثاني فالذي أفهمه منك في تلك الحال أنهم في كثير أو قل حتى أكثر اعتقادهم في الربوبية كانوا موحدين وإنما في بعضه لم يوحدوا، وعليه أرجو إجابتي على السؤال الثاني
هل يصح أن نطلق على كافر أنه موحد في الربوبية مع أنه لم يوحد به على وجه التفصيل وإنما الإجمال

ثم سؤالي الثالث
لو قلنا العبادة لازم للربوبية وعليه فالربوبية ملزوم للعبادة فالسؤال هو
هل بوجود الملزوم يلزم وجود اللازم

بارك الله فيك وفي جميع المسلمين

عثمان محمد النابلسي
15-03-2011, 15:45
سبحان الله!! هذا نقاش جرى قبل عدةّ سنوات , وفي ذلك الحين كنت طالب مدرسة لم أتجاوز المرحلة الثانوية! إلا أنّ ذلك لا يمنع من التعليق عليه , فإن الموضوع جدّ خطير , وما كان تقتيل ابن عبد الوهاب أهل الجزيرة العربية وتكفيره إياهم إلا لفهمه الفاسد لهذه المسألة!!

وقد وجدت في كلام الأخ فيصل كلاماً خطيراً لم يعلق عليه أحد الأخوة! فلا بد من بيان ما فيه من تهافت وفساد




فإنا نعلم جميعاً أن الله تعالى ما أرسل الرسل إلا للدعوة إلى التوحيد....
وإن التوحيد الذي أراده الله من خلقه هو إفراد الله تعالى بما يختص به...
ثم إن الله تعالى اختص بالربوبية التي هي الخلق والملك والتدبير..
كما قد اختص تبارك وتعالى بأسماء حسنى وصفات عليا..
ثم إن الله تعالى لما اكتملت فيه صفات الجمال والجلال، استوجب انفراده سبحانه بالعبادة والقصد...
[/ALIGN]

النتيجة : أنّ الله تعالى أرسل الرسل للدعوة إلى توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات , وهذا مخالف لما يقوله الوهابية بأن الأنبياء لم يخاصموا أقوامهم في الربوبية ولكن خاصموهم في الألوهية , وأنّ كلمة التوحيد ((لا إله إلا الله)) لا تتضمن الربوبية لكن الألوهية!!ّ

فقد قال ابن باز في فتاواه (ج2-ص42) :
(... لأن الخصومة بين الرسل والأمم في توحيد العبادة ، وإلا فالأمم! تقر بأن الله ربها وخالقها ورازقها ، وتعرف كثيراً من أسمائه وصفاته ، ولكن النزاع والخصومة من عهد نوح إلى يومنا هذا في توحيد الله بالعبادة ) .

وقال صالح الفوزان في شرحه لكشف الشبهات عند شرحه : "وهذا التوحيد هو معنى قولك : لا إله إلا الله" :
( أي : معنى لا إله إلا الله هو توحيد الألوهية , لا توحيد الربوبية! , لأنه لو كان معناها توحيد الربوبية لما قال الرسول –ص- للمشركين : "قولوا لا إله إلا الله" , لأنهم يقولون إن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت , وإنه حينئذ يطلب منهم ما هو تحصيل حاصل , ويقاتلهم على شيء يعترفون به ويقرون به , وهذا القول باطل)

إذن عند هؤلاء الوهابية تكون كلمة التوحيد التي دعا إليها النبي –ص- أهلَ الجاهلية لا تتضمن الربوبية , وإلا لكان النبي –ص- دعاهم إلى الربوبية أيضاًً , ودعوته إلى أمر هم مؤمنون به إيماناً تامّاً تحصيل حاصل , وهذا القول باطل كما قاله الفوزان!


ثم إن الله تعالى لما اكتملت فيه صفات الجمال والجلال، استوجب انفراده سبحانه بالعبادة والقصد. وكذلك لما كان هو الخالق المالك المدبر، كان اللازم على الطالب أن يطلب منه وحده.
[/ALIGN]

وهذا دليل على أن المشركين قد اعتقدوا في أصنامهم بعض صفات الربوبية , فكان اللازم من ذلك أن يقصدوها ويعبدوها


وبهذا يتبين لكل قارئ أن تقسيم التوحيد على هذه الصورة مما لا يختلف عليه اثنان ممن يدعي السنة، لا وهابية ولا أشعرية. والحمد لله. [/ALIGN]

قلت : ليس خلافنا مع الوهابية في ذكر أقسام التوحيد , وإنما في فهمهم الباطل لتلك الأقسام



فكما هو ظاهر أن الثلاثة بينها تلازم شديد.
فالرب لا بد أن يتصف بكل كمال ليقوم به الكون، والرب الذي خلق ورزق وحده يستحق العبادة وحده.
وكذلك الكامل في أسمائه وصفاته هو رب لأن الربوبية كمال وضدها نقص، ثم من كان كذلك استحق تعلق القلوب به تعبداً ومحبة وطلباً.
ثم الإله الذي يستحق العبادة لا بد أن يكون رباً قادراً على تحقيق ما نرجو منها رغبة ورهبة، ولا بد أن يكون فيه من الكمال ما تتعلق به القلوب وتقصده وتحبه. بل ومن العبادة أن نمجده ونحمده سبحانه بما استحق من صفات الكمال.
وبذلك يتبين أن من أخل في أحدها فقد أخل في الباقيين بقدر ذاك الخلل. [/ALIGN]

هذا يدل على أنّ المشركين لمّا اتخذوا أصنامهم ألهة مع الله تعالى , كان ذلك نتيجة لاعتقادهم فيها تحقيق ما يرجوه منها رغبة ورهبة , واعتقدوا فيها من الكمال ما جعل قلوبهم تتعلق بها وتقصدها وتحبها



ثم إنا رأينا كفار قريش، وهم الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قد أقروا بتوحيد الربوبية مجملاً، [/ALIGN]

هذا مخالف لما يقرّره مشايخ الوهابية من أنّ كفّار قريش وحّدوا الله تعالى في الربوبية توحيداً كاملا لا مجملاً!!

فقد قال ابن باز في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" ج2-ص72 :
( أما كونه سبحانه ربَّ الجميع , وخالق الخلق , ورازقهم ، وأنه كامل في ذاته , وأسمائه , وصفاته , وأفعاله ، وأنه لا شبيه له ، ولا ند له , ولا مثيل له ، فهذا لم يقع فيه الخلاف بين الرسل والأمم!! ، بل جميع المشركين من قريش وغيرهم مقرون به، وما وقع من إنكار فرعون وادعائه الربوبية فمكابرة ، يعلم في نفسه أنه مبطل ، كما قال له موسى : {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} ، وقال سبحانه فيه وفي أمثاله : {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } وقال تعالى : { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } وهكذا ما ادعته الثانوية من إلهية النور والظلمة ، فمكابرة أيضا ..الخ) .

وهذه كلمة قالها , ولم يتأمّل ما لها , ولو علم وبالها , لقال : ما لي ومالها !

وقال محمد باشميل في رسالته : "كيف نفهم التوحيد؟" :
( فقد كان هؤلاء المشركون يؤمنون بوجود اللّه إيمانًا جازمًا , ويوحدونه في الربوبية توحيدًا كاملًا لا تشوبه أية شائبة!!) .


يتبع...

عثمان محمد النابلسي
15-03-2011, 16:33
... قال تعالى: ( ولئن سألتهم من خلق والسموات والأرض وسخر الشمس والقمر، ليقولن الله فأنى يؤفكون. ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله، قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ) فهذا إقرار منهم لتفرد الله تعالى بالخلق والتدبير والرزق. فهؤلاء الذين أقروا بهذا منهم، هل كانوا بذلك مؤمنين؟! لا وكلا. لم؟ لأنهم لم يحققوا توحيد الألوهية، [/ALIGN]

إن المشركين اعتقدوا في معبوداتهم من الأصنام والنجوم العلوية أنها تدبّر الأمور الأرضية والمجريات اليومية باستقلال عن الله تعالى , وأنّ هذه الأصنام هي كالولاة المتصرفين في ولاياتهم مع كونهم تحت حكم الملك الأكبر , فهؤلاء الولاة يتصرفون فيما فُوّض إليهم من قبل الملك الأكبر, وهكذا فالمشركون اعتقدوا أن الأصنام تدبّر الأحداث اليومية وما يجري مع الناس في معاشهم وحياتهم , إلا أنهم لم ينسبوا لأصنامهم تدبير الأمور العظام كإنزال المطر وإنبات النبات وتسخير الشمس والقمر , وهذا لا يعني أنّهم أفردوا الله تعالى بالخلق والتدبير والرزق!!:

* فقد كانوا يعتقدون في معبوداتهم الباطلة التدبير والنفع والضر , فكونهم اعترفوا بتدبير الله تعالى لتلك الأمور لا ينفي أنهم أثبتوا لأصنامهم تدبيرها أيضاً!! فهم إذن لم يفردوا الله تعالى بتلك الأفعال , وإليك بعض الأدلة على أن المشركين اعتقدوا في تلك المعبودات التصرف الاستقلالي :

1- قال تعالى : ((أم لهم آلهة تمنعهم من دوننالا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منّا يصحبون)) .
قال ابن كثير في تفسيره :(ثم قال { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا } استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: أَلَهُم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا , ولا كما زعموا ؛ ولهذا قال: { لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} أي: هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله , لا يستطيعون نصر أنفسهم ) .

فقد كانوا يعتقدون أنّ هذه الآلهة تمنعهم من دون الله , ولذلك جاء هذا الاستفهام الإنكاري على سبيل التوبيخ لهم على ما اعتقدوه من المَنَعَة في آلهتهم ..

وقال البقاعي في تفسيره :( ولما أرشد السياق إلى أن التقدير : أصحيح هذا الذي أشرنا إليه من أنه لا مانع لهم منا ، عادله بقوله إنكاراً عليهم: {أم لهم ءالهة } موصوفة بأنها { تمنعهم } نوبَ الدهر . ولما كانت جميع الرتب تحت رتبته سبحانه ، أثبت حرف الابتداء فقال محقراً لهم : { من دوننا } أي من مكروه هو تحت إرادتنا , ومن جهة غير جهتنا .
ولما كان الجواب قطعاً : ليس لهم ذلك ، وهو بمعنى الاستفهام ، استأنف الإخبار بما يؤيد هذا الجواب ، ويجوز أن يكون تعليلاً ، فقال : { لا يستطيعون } أي الآلهة التي يزعمون أنها تنفعهم ، أو هم -لأنهم لا مانع لهم من دوننا- {نصر أنفسهم} من دون إرادتنا فكيف بغيرهم ، أو يكون ذلك صفة الآلهة على طريق التهكم {ولا هم} أي الكفار أو الآلهة { منا } أي بما لنا من العظمة { يصحبون} بوجه من وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة بنا ، فانسدت عليهم أبواب الاستطاعة أصلاً ورأساً ) .

وهذا صريح في اعتقادهم الاستطاعة الاستقلالية في معبوداتهم من الأوثان والأصنام .

2- قال تعالى : ((فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لمّا جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب)) .

قال الطبري في تفسيره :(يقول: فما دفعت عنهم آلهتهم التي يدعونها من دون الله ويدعونها أربابًا , من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربُّهم من شيء ، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه..) .

3- قال تعالى : ((واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً)) .

فكانوا يعتقدون فيها أنها تنصرهم وتعزّهم , وتهزم أعدائهم وتذلّهم بقدرتها الذاتية .

قال ابن كثير في تفسيره : ( يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم : أنهم اتخذوا من دونه آلهة ، لتكون تلك الآلهة {عِزًّا} يعتزون بها ويستنصرونها!!) .

وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير : ( ومعنى { ليكون لهم عزاً} ليكونوا مُعزّين لهم ، أي ناصرين ، فأخبر عن الآلهة بالمصدر لتصوير اعتقاد المشركين في آلهتهم أنّهم نفس العزّ ، أي إن مجرد الانتماء لها يكسبهم عزّاً . وأجرى على الآلهة ضمير العاقل لأنّ المشركين الذين اتخذوهم توهموهم عقلاء مدبرين) .

4- قال تعالى : ((واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون))

قال ابن كثير في تفسيرها : (يقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة , وترزقهم , وتقربهم إلى الله زلفى ) .

وقال الخازن في تفسيره : ( { واتخذوا من دون الله آلهة} يعني الأصنام { لعلهم ينصرون} أي لتمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك قط { لا يستطيعون نصرهم } قال ابن عباس : لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب )

وقال الطبري في تفسيره : (يقول جل ثناؤه: فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله ، وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد ، حجّة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل، أنهم يعبدون إناثًا ويدعونها آلهة وأربابًا )

5- قال تعالى : ((ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون))
قال الطبري في تفسيره : ( " ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم" ، يقول: ثم نقول إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب ، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا ، والمكذِّبين بآياته ورسله ، فجمعنا جميعهم يوم القيامة , "أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون" ، أنهم لكم آلهة من دون الله افتراء وكذبًا، وتدعونهم من دونه أربابًا؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين !) .


* أضف إلى ذلك أنّ أفعال الرب ـ سبحانه وتعالى ـ غير محصورة في الخلق أو الرزق أو التدبير للأمور العظام , بل المذكور في الآيات بعض أفعال الله تعالى وليست جميع أفعاله , فنسبتهم بعض الأفعال إلى الله تعالى لا يعني أنهم وحّدوه في الربوبية , إذ الربوبية أوسع بكثير من الأفعال المذكورة في الآيات , وقد دلّت كثير من النصوص على أن المشركين جحدوا كثيراً من أفعال الرب سبحانه وتعالى , وأنكروا قدرته على كثير من الأمور , كالبعث والنشور , وقالوا أنه ما ثَمّ إلا هذه الحياة الدنيا ، ولا حياة بعد الممات ، ولا بعث ولا نشور, فيقول قائلهم ـ وقد أخذ عظماً قد أرم ـ : يا محمد أتزعم أن ربك يعيد هذا ؟!! والقائل هو العاص بن وائل القرشي , فأنزل الله تعالى : ((وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم , قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرة وهو بكل خلق عليم)) .

قال الطبري في تفسيره : ( فتأويل الكلام إذن: أو لم ير هذا الإنسان الذي يقول "مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ" أنا خلقناه من نطفة فسويناه خلقا سَوِيًّا "فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ" يقول: فإذا هو ذو خصومة لربه، يخاصمه فيما قال له ربه إني فاعل، وذلك إخبار لله إياه أنه مُحْيي خلقه بعد مماتهم، فيقول: "مَنْ يحيي هذه العظام وهي رميم"؟ إنكارا منه لقُدرة الله على إحيائها!) .

فقد أنكروا قدرة الله تعالى على أمر يسير , وهذا جحود لصفات الربوبية.

- وقال تعالى : ((هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون))

قال الطبري في تفسيره : ( يقول تعالى ذكره: ثم أنتم تَشكُّون في قدرة من قَدَرعلى خلق السماوات والأرض، وإظلام الليل وإنارة النهار، وخلقكم من طين حتى صيَّركم بالهيئة التي أنتم بها , على إنشائه إياكم من بعد مماتكم وفنائكم , وإيجاده إيّاكم بعد عدمكم ) .

فكونهم أقروا ببعض الأفعال لا يعني ذلك توحيدهم في بقية أفعال الربوبية , بل لو أقروا بالبعث والنشور وسائر أفعال الخالق سبحانه وتعالى , ونسبوا لأصنامهم تحريك نسمة من هواء أو جلب نفع ودفع ضر دون الله لكانوا بذلك كفاراً غير موحدين في الربوبية , فكيف وقد جحدوا البعث والنشور , وزعموا أن اصنامهم شريكة لله في التصرف والتدبير وغير ذلك من ترهاتهم؟

** وإقرار المشركين بأن الله تعالى خالق مدبّر مع عدم إذعانهم وقبولهم لأمره ونهيه مناقض لتوحيدهم في الربوبية , لأن من لوازم الإيمان بالربوبية الإيمانُ بالألوهية , كما أنّ من لوازم الإيمان برسول الله –ص- متابعته وقبول ما جاء به , فقال ابن القيم في هداية الحيارى : (ولذلك كان جحد نبوة خاتم أنبيائه ورسله وإنزال كتبه وتكذيبه إنكاراً للرب تعالى في الحقيقة , وجحودا له , فلا يمكن الإقرار بربوبيته وإلهيته وملكه بل ولا بوجوده مع تكذيب محمد بن عبد الله -ص- , وقد أشرنا إلى ذلك في المناظرة التي تقدمت , فلا يجامع الكفر برسول الله -ص- الإقرار بالرب تعالى وصفاته أصلا , كما لا يجامع الكفر بالمعاد واليوم الآخر الإقرار بوجود الصانع أصلا!! ) .

** وإقرار المشركين كذلك لم يكن عن يقين جازم راسخ كيقين المؤمنين الصادقين , قال النيسابوري في تفسيره : ( ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال {بل لا يوقنون} وذلك أنه حكى عنهم {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} [ لقمان : 25 ] فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون , إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله {أم عندهم خزائن ربك} حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ) .

وقال أبو السعود في تفسيره : ({ أَمْ خَلَقُواْ السموات والأرض بَل لاَّ يُوقِنُونَ } أي : إذا سئلوا منْ خلقكم وخلق السمواتِ والأرضَ؟ قالوا الله , وهم غيرُ موقنينَ بما قالُوا , وإلا لما أعرضُوا عن عبادتِه ) .

وقال الطبري في تفسيره عند الآية (١٤٢) من سورة النساء : ( وأما قوله :"ولا يذكرون الله إلا قليلا"، فلعل قائلا أن يقول: وهل من ذكر الله شيء قليل؟. قيل له : إن معنى ذلك - بخلاف ما ذهبت- : ولا يذكرون الله إلا ذكر رياء ، ليدفعوا به عن أنفسهم القتل والسباء وسلب الأموال ، لا ذكر "موقن" مصدّق بتوحيد الله مخلص له الربوبية, فلذلك سماه الله"قليلا"، لأنه غير مقصود به الله، ولا مبتغي به التقرب إلى الله ، ولا مراد به ثواب الله وما عنده, فهو، وإن كثر، من وجه نصب عامله وذاكره ، في معنى السراب الذي له ظاهر بغير حقيقة ماء ) .

أي أنّ إقرارهم لم يكن مستقراً راسخاً في قلوبهم , ولذلك يخبر الله تعالى عن قول المجرمين يوم القيامة : ((ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون))

فقال الطبري في تفسيرها : ( (إنَّا مُوقَنُونَ) يقول: إنا قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالا من وحدانيتك , وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك , ولا ينبغي أن يكون ربّ سواك ، وأنك تحيي وتميت ، وتبعث من في القبور بعد الممات والفناء وتفعل ما تشاء ) .

فإقرارهم بوحدانية الله تعالى وأنّه يحيي ويميت لم يكن متيَقناً عندهم .

فقد قال تعالى : ((رب السماوات والأرض وما بينما إن كنتم موقنين , لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين , بل هم في شك يلعبون))

قال الطبري في تفسيرها : (ويعني بقوله ( رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ) يقول تعالى ذكره الذي أنزل هذا الكتاب يا محمد عليك، وأرسلك إلى هؤلاء المشركين رحمة من ربك، مالك السموات السبع والأرض وما بينهما من الأشياء كلها. وقوله ( إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) يقول: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم من أن ربكم ربّ السموات والأرض، فإن الذي أخبرتكم أن الله هو الذي هذه الصفات صفاته، وأن هذا القرآن تنزيله، ومحمدا -ص- رسوله حق يقين، فأيقنوا به كما أيقنتم بما توقنون من حقائق الأشياء غيره. وقوله (لا إِلَهَ إِلا هُوَ) يقول: لا معبود لكم أيها الناس غير ربّ السموات والأرض وما بينهما، فلا تعبدوا غيره، فإنه لا تصلح العبادة لغيره، ولا تنبغي لشيء سواه، يحيي ويميت، يقول: هو الذي يحيي ما يشاء، ويميت ما يشاء مما كان حيا.
وقوله ( رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ ) يقول: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأوّلين، يقول: فهذا الذي هذه صفته، هو الربّ ..فاعبدوه دون آلهتكم التي لا تقدر على ضرّ ولا نفع.
وقوله( بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ) يقول تعالى ذكره : ما هم بموقنين بحقيقة ما يقال لهم ويخبرون من هذه الأخبار، يعني بذلك مشركي قريش، ولكنهم في شكّ منه، فهم يلهون بشكهم في الذي يخبرون به من ذلك ) .

فبيّن الطبري أنّ القرآن دعا المشركين إلى الإيقان بالله تعالى , ولو كان هذا اليقين متوفراً عند المشركين كان من العبث دعوتهم إلى ذلك , فلم يتوفر عندهم اليقين ولم تستقر تلك العقائد في قلوبهم , فلذلك عبدوا غير الله تعالى من الآلهة المفتراة ..

قال ابن كثير في تفسيره عند الآية "36" من سورة الطور : (ثم قال تعالى: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ} أي: أهم خلقوا السموات والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله , وهم يعلمون أنه الخالق وحده لا شريك له , ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك ) .

فإقرارهم بأن الله تعالى الخالق وحده لا شريك له لكن دون تيقّن على ذلك أدّى إلى إشراكهم في عبادته .

وجاء في الجلالين عند نفس الآية أيضاً : ({أَمْ خَلَقُواْ السموات والأرض} ولا يقدر على خلقهما إلا الله الخالق فلم لا يعبدونه؟ { بَل لاَّ يُوقِنُونَ } به , وإلا لآمنوا بنبيه ) .

وقال النسفي في تفسير تلك الآية : ({ أَمْ خَلَقُواْ السماوات والأرض } فلا يعبدون خالقهما { بَل لاَّ يُوقِنُونَ } أي لا يتدبرون في الآيات فيعلموا خالقهم وخالق السماوات والأرض ) .

وقال ابن عطيّة في تفسير تلك الآية أيضاً : (ثم حكم عليهم بأنهم { لا يوقنون } ولا ينظرون نظراً يؤديهم إلى اليقين ) .

وقال الخازن في تفسيرها : ({ بل لا يوقنون} أي بالحق وهو توحيد الله تعالى وقدرته على البعث وأن الله تعالى هو خالقهم وخالق السموات والأرض , فليؤمنوا به وليوقنوا أنه ربهم وخالقهم ) .

وقال البقاعي في نظم الدرر أثناء تفسيره هذه الآية : ({أم خلقوا} أي على وجه الشركة {السماوات والأرض} فهم لذلك عالمون بما فيها على وجه الإحاطة واليقين حتى علموا أنك تقولته ليصير لهم رده والتهكم عليه .
ولما كان التقدير : لم يكن شيء من ذلك ليكون لهم شبهة في الكلام فيك ، عطف عليه قوله : {بل لا يوقنون} أي ليس لهم نوع يقين ليسكنوا إلى شيء واحد لكونه الحق , أو ليعلموا أن هذه الملازم الفاضحة تلزمهم فيكفوا عن أمثالهم ) .

وقال ابن الجوزي في زاد المسير عند تفسيرها : (قوله تعالى : { بَلْ لا يوقِنون } بالحق وهو توحيدُ الله وقدرته على البعث ) .

وقال أبو حيّان في البحر عندها : ({ بل لا يوقنون } : أي إذا سئلوا : من خلقكم وخلق السموات والأرض؟ قالوا : الله ، وهم شاكون فيما يقولون لا يوقنون ) .

وكذلك قال الألوسي في روح المعاني : ( { بَل لاَّ يُوقِنُونَ } أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض؟ قالوا : الله وهم غير موقنين بما قالوا , إذ لو كانوا موقنين لما أعرضوا عن عبادته تعالى فإن من عرف خالقه وأيقن به امتثل أمره وانقاد له ) .

وقال البيضاوي في تفسيره : ({ بَل لاَّ يُوقِنُونَ } إذا سئلوا من خلقكم ومن خلق السموات والأرض قالوا الله , إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته ) .

وقال الطبراني في تفسيره : ({بَل لاَّ يُوقِنُونَ} ؛ بالحقِّ وهو توحيدُ اللهِ وقدرتهُ على البعثِ).

وقال الجاوي في مراح البيد : ({أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ} فــ «أََمْ» للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي ، أي ما خلقوا السموات والأرض , {بل لا يوقنون} بأن اللّه واحد , فإذا سئلوا من خلقكم ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا : اللّه , وهم غير موقنين بما قالوا ، وإلّا لما أعرضوا عن عبادته ، أي لما لم ينشأ من إيقانهم باللّه أثر وهو الإقبال على عبادته جعل إيقانهم كالعدم فنفي عنهم , وفي هذا تسلية للنبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- أي إنهم كما طعنوا فيك يا أشرف الخلق طعنوا في خالقهم! ) .


فمن أقر بشيء وكان عمله مناقضاً لإقراره كان إقراره غير نابع عن يقين راسخ , كمن ادّعى كمال محبته لله تعالى إلا أنّه قد انتهك حرماته وعصاه في أوامره , فلا يقال بأنه كامل المحبة لله تعالى لمناقضة أعماله إقرارَه , وكمن ادّعى حبّ الإسلام والمسلمين إلا أنه ناصر الكافرين وأعانهم على المؤمنين , فلا يقول عاقل بأنه محب للمسلمين بعدما أعان الكافرين عليهم وفرح بهزيمتهم , وكذلك من ادّعى من المشركين العابدين غير الله تعالى بأن الله تعالى ربّه وهو الذي يتصرف في الأمور كلّها صغيرها وكبيرها علويّها وسفليّها , فلن يكون إقراره سليماً طالما عبد مع الله غيره واعتقد باستحقاقها للألوهية ..

يتبع...

عثمان محمد النابلسي
15-03-2011, 17:48
فكانوا كما قال عنهم سبحانه وتعالى: ( والذين اتخذوا من دون الله أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) فهم لم يعبدوهم لاعتقاد النفع والضر فيهم لذاتهم، لا، ولكن لاعتقاد أنهم يقربونهم إلى الله تعالى. وهذا نص واضح لا يحتمل أن نختلف فيه إن شاء الله تعالى.[/ALIGN]

أثبتتُ فيما سبق بالدليل الواضح أنّ المشركين اعتقدوا في معبوداتهم الباطلة خصائص الربوبية من النفع والضر والعزة والذلة والتدبير بالاستقلال , ولا بد من ذكر الآية بتمامها ليتبيّن المقصود منها , فقد قال تعالى : ((والذين اتخذوا من دون الله أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)) .

قلت : القصر في هذه الآية إمّا أن يكون قصراً حقيقياً أو إضافياً ؛
فإذا كان هذا القصر حقيقياً : يكون هؤلاء المشركون كاذبون في ادّعائهم أن أصنامهم ليس لها إلا تقريبهم من الله تعالى , وإنما جاء هذا الادّعاء لتبرير موقفهم المحرج عند إلزامهم بأن أصنامهم لا تضر ولا تنفع فلا تصح عبادتها , فقد قال تعالى : ((إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)) فكذّبهم الله تعالى في دعواهم تلك .

فقد ثبت بالآيات القاطعات أن المشركين ينسبون النفع والضر لأصنامهم , ويشتمون الله تعالى من أجلها , ويجعلون لها النصيب الأكبر ولله النصيب الأحقر , ويجلّونها وينزهونها عمّا يصفون به الله تعالى , فكيف تكون مجرّد معبودات للتقريب من الله تعالى؟! وهي مقدَّمةٌ في قلوبهم معظمةٌ في نفوسهم أكثر منه! قال البقاعي في تفسيره عن دعواهم تلك : (أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح صنيعهم! ) .

وقال ابن عاشور في تفسيره : (يجوز أن يكون خبراً ثانياً عن قوله : {والذين اتخذوا من دونه أولياء} وهو كناية عن كونهم كاذبين في قولهم : {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله} وعن كونهم كفّارين بسبب ذلك ، وكناية عن كونهم ضالّين).

وإذا كان القصر إضافياً : فتكون عبادتهم لأصنامهم لتقريبهم من الله تعالى , مع عدم نفي اعتقادهم النفع والضر في الأصنام ,
فقد قال ابن عاشور في تفسيره :
(والاستثناء في قوله : { إلاَّ ليقربونا } استثناء من علل محذوفة ، أي ما نعبدهم لشيء إلا لعلة أن يقرّبونا إلى الله فيفيد قصراً على هذه العلة قصر قلب إضافي ، أي دون ما شنعتم علينا من أننا كفرنا نعمة خالقنا إذ عبدنا غيره . وقد قدمنا آنفاً من أنهم أرادوا به المعذرة ويكون في أداة الاستثناء استخدام لأن اللام المقدرة قبل الاستثناء لام العاقبة لا لام العلة إذ لا يكون الكفران بالخالق علة لعاقل ولكنه صائر إليه ، فالقصر لا ينافي أنهم أعدوهم لأشياء أخر إذا عدوهم شفعاء واستنجدوهم في النوائب ، واستقسموا بأزلامهم للنجاح ، كما هو ثابت في الواقع) .

ولهذا قال ابن كثير عند تفسير الآية "74" من سورة يس : (يقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله ، يبتغون بذلك أن "تنصرهم" تلك الآلهة , "وترزقهم" , "وتقربهم" إلى الله زلفى ) .

فلم يقصر وظيفتها عندهم على التقريب من الله تعالى , بل كانوا يعتقدون فيها أيضاً النصر والرزق وغيرها من صفات الربوبية .

عثمان محمد النابلسي
15-03-2011, 17:56
يبقى الآن الإشكال الذي ذكره الأخ جمال هداه الله، وحاصله أن اعتقاد هؤلاء الكفرة تقريب الآلهة إياهم إلى الله تعالى، هذا الاعتقاد اعتقاد أن لهم تصرف، وهذا من الربوبية، فكيف يقال أنهم يوحدون الله في الربوبية؟!
وجوابه أن هذا الفهم غير صواب، فهم لم يعتقدوا أن في الآلهة من القدرة والتدبير ما تقرب به من تشاء وتقصي به من تشاء، لكنهم اعتقدوا أن الله يحب عبادتهم، فتكون بذلك مقربةً لهم إلى الله تعالى. وذلك كما قال تعالى: ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ) فدل على افترائهم حب الله تعالى لتلكم العبادة الباطلة. وكما قال تعالى: ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ) فدل على أنهم لايعتقدون فيها نفعاً ولا ضراً.[/ALIGN]

ليس المقصود من تقريب الأصنام ما ذكره الأخ , بل تقريب الأصنام للمشركين هو شفاعتها لهم , فقد قال الشوكاني في فتح القدير : ( والمراد بقولهم : {إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } الشفاعة ، كما حكاه الواحدي عن المفسرين) .

وشفاعة الأصنام تلك عند المشركين هي "شفاعة واجبة على الله تعالى دون إذنه ومشيئته" , قال ابن كثير في تفسيره : ( وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم ، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى ، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه!) .

مع أنّ الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله تعالى وليست واجبة عليه , خلافاً لاعتقاد المشركين بالشفاعة الملزمة المحتمة , وهي من الأفعال وخصائص الربوبية التي أثبتوها لمعبوداتهم , ولذلك فإن الآيات التي تبطل شفاعة الأصنام وتتكلم عن شفاعة مخلوق ذكرت قيد "إلا بإذنه" وما شابهه لترد على المشركين اعتقادهم بأن شفاعة الأصنام نافذة واجب على الله قبولها ولا يستطيع ردّها ..

- قال تعالى : ((من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه))

- وقال تعالى : ((لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً))

- وقال تعالى : ((يوم لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن))

- وقال تعالى : ((ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له))

- وقال تعالى : ((أأتخذ من دون آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون))

عثمان محمد النابلسي
15-03-2011, 18:22
ثم كيف يعتقدون ذلك؟ أيعتقدون أن لهم سلطة على الله تعالى... [/ALIGN]

بينت ذلك فيما سبق بالأدلة الواضحة , ولا ينقض ذلك ما كان عليه العرب من ذكاء ودهاء , فإن من اتخذ إلهاً "حجراً"! .. وأحال أن يكون الرسول "بشراً"!! , لا يُستغرب أن يصدر منه ما هو أبعد من هذا و أكثر حمقاً وسفاهة!!

وقد نقلت في هذا كلام الخازن في تفسيره : ( { واتخذوا من دون الله آلهة} يعني الأصنام {لعلهم ينصرون} أي لتمنعهم من عذاب الله!! ولا يكون ذلك قط {لا يستطيعون نصرهم } قال ابن عباس : لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب)

وكذلك قول ابن كثير في تفسيره حيث قال : (ثم قال { أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا } استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: أَلَهُم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا , ولا كما زعموا ؛ ولهذا قال: { لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} أي: هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله , لا يستطيعون نصر أنفسهم ) .

وكلام البقاعي في تفسيره حيث قال : ( ولما أرشد السياق إلى أن التقدير : أصحيح هذا الذي أشرنا إليه من أنه لا مانع لهم منا ، عادله بقوله إنكاراً عليهم: {أم لهم ءالهة } موصوفة بأنها { تمنعهم } نوبَ الدهر . ولما كانت جميع الرتب تحت رتبته سبحانه ، أثبت حرف الابتداء فقال محقراً لهم : { من دوننا } أي من مكروه هو تحت إرادتنا , ومن جهة غير جهتنا .

ولما كان الجواب قطعاً : ليس لهم ذلك ، وهو بمعنى الاستفهام ، استأنف الإخبار بما يؤيد هذا الجواب ، ويجوز أن يكون تعليلاً ، فقال : { لا يستطيعون } أي الآلهة التي يزعمون أنها تنفعهم ، أو هم -لأنهم لا مانع لهم من دوننا- {نصر أنفسهم} من دون إرادتنا فكيف بغيرهم ، أو يكون ذلك صفة الآلهة على طريق التهكم {ولا هم} أي الكفار أو الآلهة { منا } أي بما لنا من العظمة { يصحبون} بوجه من وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة بنا ، فانسدت عليهم أبواب الاستطاعة أصلاً ورأساً ) .



ثم كيف يعتقدون ذلك؟ أيعتقدون أن لهم سلطة على الله تعالى، وقد مرّ أنهم يقرون لله بالملك المطلق. ألا تسمع قولهم في تلبيتهم: ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، ملكتَه وما ملك ) رواه مسلم. انظر كيف جعلوا آلهتهم لا تملك! بل جعلوها مربوبة مملوكة لله! فهل بعد هذا يقال ذلك؟!
ولو تنزلنا معه وقلنا أنهم كانوا يعتقدون فيها قدرة به تملك التقريب والإقصاء، لكان ذلك منهم اعتقاد بأن الله تعالى هو الذي أعطاهم هذه القدرة، لا أنهم هم قد اغتصبوها غصباً! وبهذا يزول الإشكال ولله الحمد. [/ALIGN]

كان المشركون يعتقدون أنّ الله تعالى قد فوّض تدبير العالم إلى الأصنام تتصرف فيه لعجزه وعدم كمال قدرته وتمام تصرفه , كالملك الذي فوّض إلى كلّ أمير حُكمَ ولاية من ولايات مملكته , فيتصرف هذا الوالي في تلك الولاية تصرفاً مستقلاً عن تصرف الملك ودون سمعه وإبصاره , إلا أن هذه الولاية داخلة تحت حكم الملك أيضاً , ولذلك كان المشركون يقولون في تلبيتهم : (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ ) , فكما أن الملك الأكبر يملك جميع الولايات ويحكم ولاتها , فالله تعالى يملك الأصنام وما تملكه هذه الأصنام , وكما أن الملك الأكبر لا تفي قدرته وعلمه وتدبيره بالإحاطة بجميع ما في مملكته , فاحتاج إلى من يساعده في تدبير مملكته ممن يقدر على إدارتها والتصرف فيها من الأمراء , فالله تعالى لا تفي قدرته وعلمه وتدبيره بالإحاطة بجميع ما في مملكته , فاحتاج في تدبير مملكته إلى من يقدر على التصرف والتدبير من الأصنام والأنداد , وهذا كإقرارهم بأن الله تعالى خالق مع اعتقادهم بعجزه عن إحيائهم مرة أخرى!!

قال الطبري في تفسيره للآية الخامسة من سورة "ص" : (( وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا محمد ساحر كذاب : أجعل محمد المعبودات كلها واحدا، يسمع دعاءنا جميعنا!! ويعلم عبادة كل عابد عبده منا!! (إن هذا لشيء عجاب): أي إن هذا لشيء عجيب!)

فكانوا يستبعدون أن يكون الله تعالى تعالى سميعاً لهم جميعاً عالماً بما يفعله كلّ منهم!! فاعتقدوا في أصنامهم أنها تسمعهم وتعلم عبادتهم , وهذا دليل على اعتقادهم في أصنامهم الاستقلال ..

قال الرازي في تفسير تلك الآية : ({ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا وَأَنَّ هذا لَشَيْء عُجَابٌ } أي: بليغ في التعجب , وأقول منشأ التعجب من وجهين : الأول : هو أن القوم ما كانوا من أصحاب النظر والاستدلال , بل كانت أوهامهم تابعة للمحسوسات , فلما وجدوا في الشاهد أن الفاعل الواحد لا تفي قدرته وعلمه بحفظ الخلق العظيم قاسوا الغائب على الشاهد ، فقالوا : لا بد في حفظ هذا العالم الكثير من آلهة كثيرة يتكفل كل واحد منهم بحفظ نوع آخر . الوجه الثاني : أن أسلافهم لكثرتهم وقوة عقولهم كانوا جاهلين مبطلين! ، وهذا الإنسان الواحد يكون محقاً صادقاً!!) .

فهؤلاء المشركون قد كفروا بصفات ربوبيته تعالى من العلم والسمع والبصر , وهذا الكفر في الربوبية أدّاهم لأن يقصدوا غيره , فجعلوا سمعَه إياهم وإبصاره عبادتهم جميعاً من المستحيلات , فلجؤوا إلى غيره من المعبودات , وذلك لاعتقادهم بحاجة الله تعالى إلى معونة هذه الأصنام لقصور سمعه واطلاعه على أحوال عباده , كحاجة الملوك إلى الأمراء والولاة ليحكموا الولايات المتعددة الداخلة في ملكه , فاعتقدوا في أصنامهم السمع والتدبير الاستقلالي , فتأمّل كيف جرّهم شركهم في الربوبية إلى الإشراك في العبادة !

وقال ابن الجوزي في تفسيره : ( قوله تعالى : { وما كنتم تَستترون أن يَشهد عليكم سمْعُكم ولا أبصارُكم } روى البخاري ومسلم في «الصحيحين» من حديث ابن مسعود قال : كنتُ مستتراً بأستار الكعبة ، فجاء ثلاثة نفرٍ ، قرشيٌّ وخَتْناه ثقفيَّان ، أو ثقفيٌّ وختَنْاه قرشيّان ، كثيرٌ شّحْمُ بُطونهم ، قليلٌ فِقْهُ قُلوبهم ، فتكلَّموا بكلام لم أسمعه ، فقال أحدهم : أتُرَوْنَ اللهَ يَسْمَعُ كلامَنا هذا؟ فقال الآخران : إنّا إذا رفعنا أصواتنا سَمِعَه ، وإن لم نَرفع لم يَسمع!! ، وقال الآخر : إن سمع منه شيئاً سمعه كُلَّه ، فذكرتُ ذلك لرسول الله –ص- ، فأنزل الله تعالى : { وما كنتم تَستترون أن يشهد عليكم سمعكم . . . } إلى قوله : { من الخاسرين } ومعنى « تستترون» : تَسْتَخْفون « أن يَشهد» أي : من أن يشهد «عليكم سَمْعُكم» لأنكم لا تَقدرون على الاستخفاء من جوارحكم ، ولا تظُنُّون أنها تَشهد {ولكن ظَنَنْتم أنَّ الله لا يَعلم كثيراً مما تَعملون} قال ابن عباس : كان الكفار يقولون : إن الله لا يَعلم ما في أنفُسنا!! ، ولكنه يعلم ما يَظهر ، {وذلكم ظنُّكم} أي : أن الله لا يَعلم ما تعملون ، {أرداكم} أهلككم ) .


** ولا يصح القول بأن المشركين اعتقدوا في أصنامهم التدبير العطائي من الله تعالى كما ذكر الأخ , لأن تقديمهم أصنامهم على الله تعالى وتعظيمهم إياها أكثر من تعظيمهم إياه سبحانه , وتنزيههم أصنامهم عمّا نسبوه إلى الله تعالى , يدلّ على أن مرتبة الأصنام في قلوبهم تعلو مرتبة الله تعالى!!

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى " وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا :
( وظاهر الكلام أن" عِزًّا" راجع إلى الآلهة التي عبدوها من دون الله. ووحد لأنه بمعنى المصدر , أي لينالوا بها العز ويمتنعون بها من عذاب الله ) .

فاعتقدوا أنّ لها قدرة ذاتية تمنع من قدرة الله على تعذيبهم وإنزال عذابه بهم .

وقال الخازن في تفسيره :
( { واتخذوا من دون الله آلهة} يعني الأصنام { لعلهم ينصرون} أي لتمنعهم من عذاب الله!! ولا يكون ذلك قط { لا يستطيعون نصرهم } قال ابن عباس : لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب )

وقال الطبري عند تفسير الآية (22-الأنعام) :
( " ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم" ، يقول: ثم نقول إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب ، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا ، والمكذِّبين بآياته ورسله ، فجمعنا جميعهم يوم القيامة , "أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون" ، أنهم لكم آلهة من دون الله افتراء وكذبًا، وتدعونهم من دونه أربابًا؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين !) .

يصرح الإمام الطبري بأن المشركين اعتقدوا في أصنامهم شراكة الله تعالى وادعوا أنهم أرباب , فلا يصح القول بأنّهم اعتقدوا فيها النع والضر العطائي من الله تعالى .

وها هو ابن كثير يبين عن قوم عاد عند الآية (15-فصلت) فيقول :
(قال الله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبرَوُا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقٍّ} أي: بغوا وعتوا وعصوا، { وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } أي: آمنوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به من بأس الله! ) .

فقد اعتقدوا بأن قدرتهم تمنعهم من قدرة الله تعالى! وهذا لا يلائم القول باعتقاد المشركين في أصنامهم أنها تنفع وتضر بعطاء الله!!

وقال الطبري في تفسير قوله تعالى : ((أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه )) :
(وقوله: "وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -ص-: ويخوّفك هؤلاء المشركون يا محمد بالذين من دون الله من الأوثان والآلهة أن تصيبك بسوء، ببراءتك منها، وعيبك لها، والله كافيك ذلك ) .

وقال القرطبي في تفسيرها :
(قوله تعالى:" وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" وذلك أنهم خوفوا النبي -ص- مضرة الأوثان ، فقالوا: أتسب آلهتنا؟ لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك أو تصيبنك بسوء!!. وقال قتادة : مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس , فقال له سادنها : أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شيء!!، فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس).

فهذا دليل على اعتقادهم في أصنامهم النفع والضر دون الله تعالى , إذ خوّفوه بتلك الأصنام عندما دعاهم لإفراده تعالى بالعبادة .

يتبع...

مصطفى سعيد
16-03-2011, 13:41
السلام عليكم
"أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفَّارٌ "
سواء كان المقصود الأصنام أم غيرها
وسواءا كان المقصود الشفاعة أم غيرها
وسوءا كان المقصود التبرير أم هى الحقيقة
فإن اتخاذ أولياء من دون الله ينافى الدين الخالص

عثمان محمد النابلسي
17-03-2011, 04:26
فإذا تبين لنا أن كفار قريش كانوا يقرون بتوحيد الربوبية مجملاً، وأن ذلك لم ينفعهم، ولم يدخلهم في الإسلام، [/FONT][/SIZE][/ALIGN]

ثبت فيما سبق من أقوال الوهابية أنهم يقولون بتوحيد المشركين في الربوبية توحيداً كاملاً لا مجملاً!! , وفي هذا يقول ابن عبد الوهاب في كشف الشبهات :
( فإن قال : هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام ! كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام ، أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما فجاوبه بما تقدم . فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله...) الخ ترهاته , فهو يرى أنهم موحدون في الربوبية توحيداً كاملاً!

والإقرار ببعض خصائص الربوبية لا يسمّى توحيداً , إذ التوحيد هو الإكسير الأعظم , ولو وضعت ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبتها حسنات , وهو ما ينجي صاحبه من الخلود في جهنم ويوصله إلى الخلود في الجنة , فلا بد من تحققه كاملاً حتى يسمى صاحبه موحداً ...

وقد بينّ المفسرون أنّ إقرار المشركين بخصائص الربوبية لم يكن يقينياً , بل كان أشبه بالشك منه من اليقين , فلا يصح القول بأن المشركين كانوا موحدين في الربوبية , ولهذا فإن إقرارهم ذلك لم ينفعهم ولم يدخلهم في الإسلام , ولأنهم أيضاً اعتقدوا في أصنامهم كثيراً من خصائص الربوبية , فكانوا مشركين تلك المعبودات مع الله في الربوبية كما أشركوها معه في العبادة , وكان إشراكهم في العبادة ناتجاً عن الإشراك في الربوبية ...



علمنا أن التوحيد الذي بعث الله تعالى به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ليس هو توحيد الربوبية وحده، لكن معه توحيد العبادة. [/FONT][/SIZE][/ALIGN]

نعم .. بُعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالدعوة إلى "التوحيد الكامل" , والنبي – صلى الله عليه وسلم - دعا المشركين إلى الربوبية والألوهية , إلا أن هذا يخالف النظرة الوهابية في توحيد المشركين في الربوبية , إذ لو كان الأمر كذلك لكان النبي –صلى الله عليه وسلم- دعاهم إلى أمر هم يعتقدونه ويقرون به! فتكون دعوتهم إليه تعباً في غير طائل , وتحصيل حاصل كما قال الفوزان!! حيث قرّر أن: ( معنى لا إله إلا الله هو : توحيد الألوهية , لا توحيد الربوبية!) كما سبق نقله .


وأزيد مثالاً من الكتاب على ذلك قوله تعالى: ( إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون. ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لساحر مجنون ) فدل هذا على أن معنى ( لا إله إلا الله ) الذي طلبه الأنبياء من أقوامهم هو أن يتركوا معبوداتهم. وقال تعالى عن عاد: ( قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ) فهذا نص في المسألة ولله الحمد. تعالى: ( قل إنما وقال أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ) فبين تعالى مجمل رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. والله أعلم.
ومثل هذا قول ثمود لما قال لهم صالح: ( اعبدوا الله ) قالوا: ( أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ) وغير ذلك كثير جداً.
ومثال من السنة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ ) ثم أجاب صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ( حقه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ) متفق عليه. فبين صلى الله عليه وآله وسلم أن حق الله تعالى علينا هو أن نفرده بالعبادة. [/FONT][/SIZE][/ALIGN]

إن دعوة الأنبياء أقوامهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة هي دعوة أيضاً إلى إفراده في الربوبية , لما بينهما من التلازم وعدم الانفكاك , فإن التوحيدين كالروح والبدن اللذين لا حياة لأحدهما دون الآخر , والاحتجاج بدعوة الأنبياء أقوامهم إلى الألوهية على إيمان المشركين بالربوبية مناقض للتلازم بين بينهما , فإن الدعوة إلى العبادة دعوة إلى الربوبية , والدعوة إلى الربوبية دعوة إلى الألوهية , إذ الأمران لا ينفكان عن بعضهما , فتكون دعوة الأنبياء إلى العبادة دعوة إلى الربوبية أيضاً ..

وقد بيّن الله تعالى أن النبي –ص- دعا قومه إلى الإيمان بالربوبية أيضاً , فقال تعالى في سورة الحديد : ((وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) ..

قال الطبري في تفسيرها :
( يقول تعالى ذكره: (وما لكم لا تؤمنون بالله) وما شأنكم أيها الناس لا تقرّون بوحدانية الله، ورسوله محمد -ص- يدعوكم إلى الإقرار بوحدانيته ، وقد أتاكم من الحجج على حقيقة ذلك، ما قطع عذركم، وأزال الشكّ من قلوبكم ، (وقد أخذ ميثاقكم) ، قيل: عني بذلك؛ وقد أخذ منكم ربكم ميثاقكم في صُلب آدم، بأن الله ربكم لا إله لكم سواه ) .

فالإشراك في العبودية لازم عن عدم التوحيد في الربوبية , فلهذا كان الأنبياء يُرجعون المشركين إلى الأدلة التي تثبت تفرد الله تعالى بالربوبية , فإذا أقروا بتفرده تعالى بسائر أفعال الربوبية ولم ينسبوا صفة من صفاتها لغيره , كانت هذه العقيدة السليمة أساساً لإفراده تعالى بالعبودية , فإذا علموا تفرد الله تعالى بصفات الربوبية فسيعلموا أنه لا يستحق أن يُتوجه إليه بالعبادة وأن يقصد إلا الله تعالى , إلا أنّ المشركين قد أقروا ببعض صفات الربوبية وأفعالها كالخلق والرزق , لكن دون يقين راسخ في قلوبهم على ذلك , فتوجهوا بالحب والخوف والرجاء إلى أصنامهم لاعتقادهم فيها النفع والضر , فألزمهم القرآن بأنكم إن كنتم صادقين في إقراركم بأن الله تعالى هو الخالق الرازق النافع الضار فلم قصدتم غيره؟! , إلا أنّ لسان حالهم وعبوديتهم لغيره تعالى رغبة في نفعه ورهبة من ضرّه يكذّب لسان مقالهم في أنّ الله تعالى النافع الضار , فبرهن لهم القرآن الكريم تفرد الله تعالى بصفات الربوبية وأفعالها وأنه لا يستحق العبادة إلا من اتصف بتلك الكمالات , ودعاهم إلى إفراده في الربوبية والعبادة ..


ولهذا قال الطبري في تفسير قوله تعالى : ((واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)) . النساء: ٣٦
( يعني بذلك جل ثناؤه: وذِلُّوا لله بالطاعة، واخضعوا له بها، وأفردوه بالربوبية، وأخلصوا له الخضوع والذلة ، بالانتهاء إلى أمره، والانزجار عن نهيه، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكًا تعظمونه تعظيمكم إياه ) .

فشرك الجاهليين كان جامعاً للشرك في الربوبية والألوهية , والنبي –ص- دعاهم إلى الأمرين

وقد أخبرنا الله تعالى أن المشركين لم يقاتلوا المسلمين إلا لإقرارهم بربوبيته تعالى , قال تعالى : ((الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله )) .

قال البغوي في تفسيره : ( ( إلا أن يقولوا ربنا الله ) أي : لم يخرجوا من ديارهم إلا لقولهم ربنا الله وحده ) ..

فكما أن الرسل دعت أقوامهم ألا يصرفوا شيئاً من العبادة لغير الله تعالى , فكذلك دعوهم ألا يثبتوا شيئاً من خصائص الربوبيية لغير الله تعالى .

وقد قام المشركون بدعوة النبي –ص- إلى اتخذ رب سوى الله تعالى , فقد قال سبحانه للنبي -ص- : ((قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء)) الأنعام: ١٦٤.

قال الطبري في تفسيره : ( (أغير الله أبغي ربًّا) ، يقول: أسِوَى الله أطلب سيدًا يسودني؟! (وهو رب كل شيء) ، يقول: وهو سيد كل شيء دونه ومدبّره ومصلحه) .


وقال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى : ((للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به)) :
( يقول تعالى ذكره : وأما الذين لم يستجيبوا لله حين دعاهم إلى توحيده والإقرار بربوبيته ، ولم يطيعوه فيما أمرهم به، ولم يتبعوا رسوله فيصدقوه فيما جاءهم به من عند ربهم ، فلو أن لهم ما في الأرض جميعا من شيء ومثله معه ملكا لهم، ثم قبل مثل ذلك منهم، وقبل منهم بدلا من العذاب الذي أعده الله لهم في نار جهنم وعوضا , لافتدوا به أنفسهم منه ) .

فهو يصرح بدعوتهم إلى الإقرار بربوبيته .

وقال أيضاً عند تفسير الآية "8" من سورة الأنعام : ( يقول تعالى ذكره: قال -هؤلاء المكذبون بآياتي، العادلون بي الأنداد والآلهة ، يا محمد،- لك لو دعوتهم إلى توحيدي والإقرار بربوبيتي ، وإذا أتيتهم من الآيات والعبر بما أتيتهم به، واحتججت عليهم بما احتججت عليهم مما قطعت به عذرهم: هلا نزل عليك ملك من السماء في صورته، يصدقك على ما جئتنا به، ويشهد لك بحقيقة ما تدعي من أن الله أرسلك إلينا! ) .

فبيّن أنّ النبي –ص- دعاهم إلى الربوبية أيضاً ..

عثمان محمد النابلسي
21-03-2011, 04:00
ثم إنه من المتفق عليه أن أساس الدين الذي به يدخل المرء في الإسلام، وعليها يقاتل الكفار، هي شهادة أن لا إله إلا الله. كما في الحديث المتواتر: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله ).
ومعنى كلمة ( إله ) في هذه الشهادة العظيمة ( معبود ) كما هو معروف من لغة العرب. قال الجوهري رحمه الله في مختار الصحاح: ( أَلَهَ يأله - بالفتح فيهما - إلاهَةً أي: عبد. ومنه قرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ويذرك وإلاهَتَكَ، بكسر الهمزة، أي: وعبادتك، وكان يقول إن فرعون كان يُعبَد ) انتهى. ومن ذلك قول بعضهم: ( لله در الغانيات المدهِ .. سبحن واسترجعن من تألهي ) أي تعبدي. فالحاصل أن ( إله ) فعال بمعنى مفعول من العبادة، أي: معبود. فيكون المعنى: لا معبود إلا الله. [/FONT][/SIZE][/ALIGN]


من الجهل إغفال التلازم الشديد بين (الإله) و (الرب) , فإن الإله لا يكون إلهاً إلا إذا كان رباً! فتجريد الإله عن معنى الربوبية غير سديد , ولم يغفل اللغويون هذا التلازم بينهما ..

- فقال الأزهري في تهذيب اللغة بعد كلامه على مادّة "وله" :
( وقال أبو الهيثم: فالله أصلُه إلاَه، قال الله جل وعز: ((ماَ اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ، وماَ كانَ مَعَهُ مِنْ إلهٍ إذًا لذَهَبَ كلُّ إلهٍ بما خَلَقَ)) . قال: ولا يكون إلها حتى يكون معبودا وحتى يكون لعابده خالقاً، ورازقاً، ومدبِّرا، وعليه مُقتدِرا!)

- وقال في الصحاح عند مادّة "أله" :
( والآلِهَةُ: الأصنامُ، سَمَّوها بذلك لاعتقادهم أنَّ العبادة تَحُقُّ لها ) ..

- ونبّه ابن منظور في لسان العرب عند "أله" إلى أن من معاني "ألِه" التحير , لوقوع " العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية" ..

ولم يغفل السلف أيضاً هذا التلازم بينهما , فقال الطبري في تفسير الآية (99) من سورة الأنبياء :
(وأن الإله : هو الذي يقدر على ما يشاء ولا يقدر عليه شيء ، فأما من كان مقدورا عليه فغير جائز أن يكون إلها )

وعلى هذا فتكون كلمة التوحيد التي دعا إليها النبي –ص- شاملة للألوهية والربوبية , لا الألوهية فقط ..

ففي تفسير الطبري (6/168) :
( القول في تأويل قوله : {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} قال أبو جعفر: وهذا القول تنزيه من الله تعالى ذكره نفسه أن يكون له في ربوبيته ند أو مثل أو أن تجوز الألوهة لغيره , وتكذيب منه للذين قالوا في عيسى ما قالوا، من وفد نجران الذين قدموا على رسول الله -ص- ، وسائر من كان على مثل الذي كانوا عليه من قولهم في عيسى ، ولجميع من ادعى مع الله معبودا أو أقر بربوبية غيره ) .

وقال عند تفسير الآية "133" من سورة البقرة :
( "إلهاً واحدا" أي: نخلص له العبادة ونوحد له الربوبية ، فلا نشرك به شيئا ولا نتخذ دونه ربا )

وقال عن تفسير الآية "163" من سورة البقرة :
(وأما قوله:"لا إله إلا هو"، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين غيرُه ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه ) .

وقال عند تفسير الآية "65" من سورة ص :
( (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) يقول: وما من معبود تصلح له العبادة وتنبغي له الربوبية، إلا الله الذي يدين له كل شيء، ويعبدُه كلّ خلق، الواحد الذي لا ينبغي أن يكون له في ملكه شريك، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، القهار لكلّ ما دونه بقدرته، ربّ السموات والأرض)

وقال عند تفسير الآية "31" من سورة التوبة :
( وأما قوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا)، فإنه يعني به : وما أمر هؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا الأحبارَ والرهبان والمسيحَ أربابًا، إلا أن يعبدوا معبودًا واحدًا، وأن يطيعوا إلا ربًّا واحدًا دون أرباب شتَّى، وهو الله الذي له عبادة كل شيء، وطاعةُ كل خلق، المستحقُّ على جميع خلقه الدينونة له بالوحدانية والربوبية ) .

فها هو الإمام الطبري أحد أئمة السلف يفسر كلمة التوحيد بالربوبية والعبادة , لا العبادة وحدها ...

وقد استعمل القرآن الكريم كلمة "الرب" و "الإله" ولم يفرق بينهما هذا التفريق الذي تدعيه الوهابية :

- قال تعالى : ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ))

فالإله في الآية هو المؤثر المدبّر , فتعدد الآلهة يؤدّي إلى الاختلاف والتنازع وعلو كلّ منهم على الآخر , وانفراد كل واحد منهما بما خلقه , فالذي يعتقد بوجود آلهة
غير الله فإنه يعتقد بوجود أرباب غير الله تعالى , فيستحيل أن يكون موحداً توحيد ربوبية .

- قال تعالى : ((إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ* كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ))
قال الطبري في تفسيره :
( ولو كان ما تعبدون من دون الله آلهة ما وردوها ، بل كانت تمنع من أراد أن يوردكموها إذ كنتم لها في الدنيا عابدين ، ولكنها إذ كانت لا نفع عندها لأنفسها ولا عندها دفع ضر عنها ، فهي من أن يكون ذلك عندها لغيرها أبعد ، ومن كان كذلك كان بينا بعده من الألوهة ، وأن الإله هو الذي يقدر على ما يشاء ولا يقدر عليه شيء ، فأما من كان مقدورا عليه فغير جائز أن يكون إلها ) .

فبيّنت هذه الآية بطلان إلهية الأصنام بالاستدلال بعجزها عن نفع أنفسها , فإن الإله من كان قادراً على ما يشاء ولا يقدر عليه شيء , فلو كان معنى الإله هنا مجرد المعبود لما تمّ الاستدلال على بطلان إلهية الأصنام , فكان معنى الإله في الآية مشتملاً على معنى الرب القادر .

- قال تعالى : ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)) .

فهذه الآية تبرهن على بطلان تعدد الآلهة , فلو كان في السماوات والأرض من يستحق العبادة غير الله تعالى لفسد نظامهما ومن فيهما , والمستحق للعبادة هو الرب المدبر المتصف بجميع خصائص الربوبية وليس المعبود , إذ لو كان المعبود فقط لما أفادت الآية بطلان تعدد الآلهة , إذ كان من المشاهد وجود كثير من المعبودات حول الكعبة , ومع ذلك لم يضطرب نظام الكون ولم يفسد ما فيه .

- قال الله تعالى على لسان سيدنا يوسف : ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ))

ثم قال بعدها : ((مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ))

فالذين اتخذوهم أرباباً اتخذوهم معبودات لهم .