المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بِمَاذَا يُرَدُّ خَبَرُ الوَاحِدِ .< الإمَامُ الشيْرَازي>



خالد حمد علي
27-10-2004, 19:48
قال الإمَامُ الشيْرَازي في _ اللمع في أصول الفقه_ :

إذا روي الخبر ثقة رد بأمور‏:‏ أحدها أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول وأما بخلاف العقول فلا‏.‏ والثاني أن يخالف نص كتاب أو سنة متواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ‏.‏ والثالث أن يخالف الإجماع فيستدل به على أنه منسوخ أو لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه‏.‏ والرابع أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على الكافة علمه فيدل ذلك على أنه لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم‏.‏ والخامس أن ينفرد برواية ما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر فلا يقبل لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية فأما إذا ورد مخالفا للقياس أو أنفرد الواحد برواية ما يعم به البلوى لم يرد وقد حكينا الخلاف في ذلك فأغنى عن الإعادة‏.‏

جمال حسني الشرباتي
28-10-2004, 03:18
‏ أحدها أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول وأما بخلاف العقول فلا‏

نايف


هل تعلق وتمثل على عبارة الشيرازي

خالد حمد علي
28-10-2004, 22:56
سيدي / جمال

يعني أنّ خَبَرَ الواحِدِ الظنّي ، إنْ تَعَارضَ مَعَ قَطْعيّ العَقلِ يَكون بَاطلاً ، وذلك لأنّ الشَرْعَ لا يَأتي بمَا يُخَالفُ العقول ، وإنّما يأتي بما تجوّزه العقول .

مثال ذلك : حَدِيْثُ الجَاريَةِ المَشْهوْر .

خالد محمد بوشافع
28-10-2004, 23:26
هل المبادرة للحكم ببطلان حديث الاحاد بمجرد مخالفة العقل في الظاهر هو منهج الاشاعرة ام هو التفويض ام التاويل ?

هشام محمد بدر
29-10-2004, 04:26
لا أظن أن رد الحديث الصحيح لمخالفته العقل منهج سليم يا أخ خالد و لكن المقصود هو عندما يخالف الحديث موجبات العقل أو قطعي العقل ، و ليس مخالفة العقل فحسب لأن العقول تتفاوت ... مثال ذلك لو جاء حديث بأن الثلاثة أكبر من العشرة لرددناه و لو وضعوا له إسنادًا عن جبريل عن رب العالمين !!

فالمقصود هو رد ما يخالف المعلوم من العقل بالضرورة و ليس كل ما يخالف العقل و انظر مثلاً كتاب تأويل مشكل الحديث لابن قتيبة الدينوري النحوي الذي رد فيه على الشبهات العقلية للمعتزلة رغم أننا لا نسلم بصحة كل ما في الكتاب من ردود إلا أنه اصاب في غالبية ردوده .

و الله أعلم .

أسامة نمر عبد القادر
30-10-2004, 04:19
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المصطفى الأمين ، وعلى آله ، وعلى صحبه أجمعين ، أما بعد ،،،

قلت : (( حَدِيْثُ الجَاريَةِ المَشْهوْر )) أي ما أضيف إلى رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم (أين الله ؟ ) ثم ما أضيف إلى الجارية ( في السماء ) لنبحثه على ضوء منهج نقد السند أولا ، فسوف نجد ما يلي :
لقد تفرد بهذا اللفظ : هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن سار ، عن معاوية بن الحكم السلمي .
وهلال ، قال فيه الدارقطني : ثقة ، وقال يعقوب بن سفيان : ثقة حسن الحديث ، يروي عن عطاء بن يسار أحاديث حسانا ، وحديثه يقام مقام الحجة .
لكن قال أبو حاتم : شيخ يكتب حديثه ، وقال النسائي : ليس به بأس .
فهذا الرجل مختلف فيه ما بين من يجعله في مراتب التوثيق ، وبين من يجعله أنـزل من ذلك .
لكن ثمة راو آخر أعلى وأرفع وأوثق من هلال بن أبي ميمونة قد روى الحديث بلفظ آخر .
فقد رواه : عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج قال : أخبرني عطاء ، أن رجلا كانت له جارية في غنم ترعاها .. إلى أن قال ( فدعاها النبي صلى الله عليه وسلم فسألها : أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت : نعم ، قال : وأن محمدا رسول الله ؟ قالت : نعم ، قال : وأن الموت والبعث حق ؟ قالت : نعم ، قال : وأن الجنة والنار حق ؟ قالت : نعم ، إلى آخر الحديث ، أخرجه : عبد الرزاق في ( المصنف : 9/175 ) .
فابن جريج إمام ، وليس مجرد راو ثقة ، وهو وإن كان مدلسا ، لكنه كما ترى أيها القارئ قد صرح بالإخبار ، وقد قال أحمد : إذا قال ابن جريج (أخبرني) فحسبك به .

فهذه واحدة ، أعني ، أن رواية ابن جريج تترجح على رواية هلال بن أبي ميمونة من حيث السند ، فإن ابن جريج أرفع بمراتب من هلال .
فإن قيل : حديث ابن جريج حادثة أخرى ، فنقول : حديث ابن جريج خصوصا ليس حادثة أخرى ، لأن مخرج الحديث متحد ، وهو : عطاء بن يسار ، فقد روى هلال الحديث عن عطاء بن يسار فسمى الصحابي معاوية بن الحكم ، ورواه ابن جريج عن عطاء بن يسار فأبهم اسم الصحابي ، لكنه وصفه بالصحبة ، واتحاد مخرج الحديث على الصفة التي شرحتها لك سبب كاف لغلبة الظن بأن من أبهمه ابن جريج هو نفسه من سماه هلال بن أبي ميمونه .

والأمر الثاني : لننظر إلى المتن بالصورة التالية :
لنتتبع الأحاديث التي تتكلم عن أركان الإسلام ، وأيضا : الأحاديث التي تروي لنا كيفية عرض رسول الله الإسلام على الناس ، سوف نرى أنه كان يكتفي بطلب الشهادتين منهم فقط ، وذلك علامة على دخولهم الإسلام ، وكان يطلب ذلك من أهل مكة وأهل المدينة والوفود وملوك الأرض ، وكان يطلبه من الكبير والصغير ، ومن الشريف والوضيع ، ومن العرب والعجم ، ومن سليم الحواس وسقيمها ، ومن الأحرار والرقيق ، ومن كل صنف من أصناف الناس ، وقد استقرأت بعضا من كتاب الإيمان صحيح مسلم ، فوجدت في أول ستين صفحة : ستة عشر مثالا على أنه كان يكتفي بالشهادتين فقط ، انظر الأرقام التالية حديث 8 ، 16 ، 17 ، 18 ، 19 ، 20 ، 21 ، 22 ، 24 ، 26 ، 27 ، 28 ، 31 ، 33 ، وأكمل أيها القارئ الطيب الاستقراء بنفسه .
وإني أقول وأقرر بعد ذلك : إذا تبين لنا بالاستقراء أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يسأل أحدا أبدا قبل دخوله الإسلام ( أين الله ؟ ) فكيف يترك كل أولئك الناس فلا يسألهم ، ثم يسأل هذا لاسؤال لجارية ، الله أعلم بمستوى تفكيرها ، وعمق معرفتها بعقائد الإسلام !!!
أقول : إن حديث هلال بن أبي ميمونة يخالف ما هي عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهذا الأمر يزيدنا ثقة في ترجيح رواية ابن جريج .

ثمة أمر ثالث :
أتساءك ؟؟!!!!!!!
هل كان القرشيون الذين يؤمنون بالله تعالى ويشركون معه غيره يعتقدون أن الله تعالى فوق السماء ؟؟ الجواب : نعم ، يستأنس على ذلك بقول أحدهم لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم كم تعبد ؟ فقال له : سبعة في الأرض وواحدا في السماء ، وهذا الحديث يستدل به الذين يثبتون العلو الذاتي ، مع أنه ضعيف السند ، لذلك قلت يستأنس به ولم أستدل به ، لكن كون القرشيين يؤمنون بأن الله تعالى في السماء أمر لا مفر منه .
وأتساءل ؟؟!!!!!
هل كان اليهود يؤمنون بأن إلههم فوق السماء ؟ الجواب : نعم .
هل كان النصارى يمؤنون بإن إلههم فوق السماء ؟ الجواب : نعم .
ثم أتساءك ؟؟!!!!
كيف يسأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالا ، جوابه محل اتفاق بين الموحدين من أهل الإسلام ـ بزعم المخالف ـ وبين المشركين من قريش وغير قريش وكذلك اليهود والنصارى ؟؟؟
أليس من المفترض أن يسأل الجارية سؤالا ، يكون جوابه مما يميز المسلم عن سائر الملل ؟؟
ألم تكن القضية الرئيسية للنبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الملل الثلاث : إثبات التوحيد ، وإبطال الشرك ؟؟
ألم يكن من المفترض أن يسألها أتوحدين الله ؟ أتعبدي الله وحده لا تشركين معه غيره ؟ أتعتقدين : أنه لا إله إلا الله ؟؟ أين ذلك في حديث الجارية من طريق هلال بن أبي ميمونة ؟؟؟؟
ألم تكن رسالة لاأنبياء منذ العهد الأول إلى الآن هي قولهم : ألا تعبدوا إلا الله ؟؟
إن هذا الأمر يزيدنا ثقة بأن رواية هلال بن أبي ميمونة ( أين الله ؟ ) رواية شاذة لا يمكن قبولها .

وثمة أمر رابع : وهو أن حادثة مشابهة وقعت للشريد بن سويد الثقفي قال : قلت : يا رسول الله ؟ أمي أوصفت أن نعتقد عنها رقبة ، وعندي جارية سوداء ، فدعاها ، فقال : من ربك ؟ قالت : الله ، قال : من أنا ؟ قالت : رسول الله ، قال : أعتقها ، فإنها مؤمنة ، أخرجه ابن حبان : 1/418 ، لكن تفرد به محمد بن عمرو بن علقمة .
يلاحظ في هذه الرواية أنه لم يسألها عن الأينية ، وإنما اكتفى بأن يسألها : ( من ربك ؟ ) فقالت : الله ، فهذا السؤال وجوابها ينسجم مع ما كان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومثل هذه الحوادث الأخرى تزيدنا ثقة برواية ابن جريج .

الذي أريد قوله : أن لفظة (أين الله ؟ ) قالت ( في السماء ) لا يخالف قطعي القرآن فحسب ، أعني قوله تعالى (ليس كمثله شيء) ، بل هو على مقتضى شروط الصحيح ، وقواعد المصطلح لا بد من رده ، للأسباب التي ذكرتها سابقا ، وهي كافية في حق من يبلغ عقله مبلغا يجعله يفهم وجه مخالفة الحديث لقطعي القرآن وأدلة العقل الضرورية .

وممن ألمح إلى هذه الطريقة في معالجة الحديث : البيهقي في السنن الكبرى 7/387-388 ، وذلك كما يلي :
× أخرج البيهقي حديث معاوية بن الحكم في باب ( عتق المؤمنة ) ، وأخرج حديث أبي هريرة في باب ( إعتاق الخرساء إذا أشارت بالإيمان وصلت ) .
× ثم عقد بابا أطلق عليه اسم ( وصف الإسلام ) ، وكأني به يريد أن السؤال عن الأينية ليس من وصف الإسلام ، وإنما السؤال عن الشهادتين ، فإنه ذكر في هذا الباب ثلاثة أحاديث :
الحديث الأول : حديث أبي هريرة ، مرفوعا ، قال : أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وآمنوا بي وبما جئت به فقد عصموا مني دماءهم ، وحسابهم على الله .
يريد أن أول ما يطلب من الإنسان ليعصم دمه الشهادة بالوحدانية لله تعالى ، وليس إثبات الأينية وأنه في السماء ، وعليه يكون حديث معاوية مخالفا لما ثبت وتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات الإيمان .
الحديث الثاني : مرسل عبيدالله بن عبدالله ، فقد روى ابن شهاب ، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله بجارية سوداء ، فقال : يا رسول الله ، إن علي رقبة مؤمنة ، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها ، فقال لها رسول الله : أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت : نعم ، قال : وأتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ قالت : نعم ، قال : أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت : نعم ، قال : أعتقدها ، وأخرجه مالك في الموطأ 2/777 ، وعبد الرزاق في المصنف 9/175 .
قلت : هذا الحديث إسناده أئمة ، لكنه مرسل ، فإن عبيدالله بن عبد الله تابعي ، وهكذا حكم عليه البيهقي والجمهور ، لكن ابن عبدالبر حمله على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة ، واعتمادا على رواية معمر التي ظاهرها الاتصال ( التمهيد : 9/115 ) ، ورأيي أن عبيد لاله أخذ الحديث عن عطاء بن يسار ، فإن عطاء مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وعبيد لاله روى عن ميمونة ، فلا بد أنه أخذه من عطاء ، أضف إلى ذلك : أن وفاة عبيد الله كانت عام 95 هـ ، وكانت وفاة عطاء سنة 94 هـ ، فلقاؤهما أمر محتم لا مناص من الحكم به للمعاصرة وإمكانية اللقاء ، يؤكد ذلك أن كليهما كان مدنيا ، لكن يبقى أن كل ذلك لا دليل عليه في هذه الرواية بخصوصها ، وعليه يبقى هذا الحديث مرسلا خفيف الإرسال ، لا يحتج به على انفراده فيما أرى ، وإن كان يستأنس به ويستشهد ويعتبر .
على كل حال أراد البيهقي من هذا الحديث المرسل بالإضافة إلى حديث أبي هريرة السابق يطعن في تلك اللفظة ( أين الله ؟ ) لا سيما وقد ذكر الحديث المرسل أن هذه الحالدة وقعت لرجل من الأنصار ، ومعاوية بن الحكم كان رجلا من الأنصار .
فالبيهقي على أقل تقدير يريد أن يثبت أن في حوادث أخرى مشابهة لم يسأل رسول الله عن الأينية ، لكنه سأل عن الشهادتين ، وهذا قرينة توجب الريبة في حديث هلال بن أبي ميمونة ، ولمثل ذلك سابق البيهقي حديثا ثالثا :-
الحديث الثالث : حديث الشريد بن سويد الثقفي ، وفيه (من ربك ؟ ) قالت : الله ، فلم يسألها عن الأين .
هذه طريقة البيهقي في معالجة الحديث في سننه الكبرى ، وهي طريقة صحيحة قوية ، لم أر فيها خللا ، ويؤيدها ما سبق أن ذكرناه في أول البحث .

أسامة نمر عبد القادر
30-10-2004, 05:17
قد اختلفوا في تعريف العقل ،
فكثيرون يعرفون العقل بأنه جوهر لطيف ، إلى آخره .
وبهذا المعنى ، فلا يتصور عقلا أن يخالف النص جوهرا لطيفا .
بناء عليه ، فإذا قال عالم عاقل : هذا الحديث يخالف العقل ، أو يرد الحديث بمخالفته العقل ، فلا بد أنه لم يرد المعنى الحقيقي ، لأنه غير متصور البتة ، وإنما أراد مخالفة الحديث للبراهين العقلية .

وهنا أتساءل : هل البراهين العقلية منها القطعي ومنها الظني ؟؟
الجواب نعم : وحتما ذلك لا يعود إلى شكل الدليل العقلي ، ولكنه يعود إلى مادة الدليل العقلي ، فإذا كانت إحدى مقدمتي الدليل العقلي أو كلتاهما ظنية ، فالنتيجة ظنية ، وإذا كانت كلتا مقدمتي الدليل العقلي قطعية ، فالنتيجة قطعية .
فإذا استذكرنا أن الحديث الصحيح منه ما هو ظني الثبوت ، فنقول : إن مخالفة الحديث الصحيح ظني الثبوت لدليل إحدى مقدمتيه أو كلتاهما ظنية ، غير كاف لرد ما جاء به الحديث ، لأنهما مستويان من حيث الظنية .
فإذا كان الحديث الصحيح ظني الثبوت مخالفا لدليل كل من مقدمتيه قطعية ، كان ذلك كاف لرد ظاهر الحديث .
فهذا هو المقصود من قولنا مخالفة الحديث للعقل ، وهو : أن الحديث مخالف لدليل قطعي كل من مقدمتيه مستند على دليل عقلي قطعي ، سواء كان بدهيا أو نظريا .
هذه واحدة .

أما الثانية ، فنعم ، لا نقول أن مجرد مخالفة الحديث للدليل العقلي القطعي توجد رد الحديث مباشرة ، إذ قد تكون المخالفة بين ما فهمه بعضهم من الحديث بحسب ظاهر اللفظ وبين الدليل العقلي .
وفي واقع الأمر يكون للحديث تفسير لا يحصل معه مخالفة للدليل العقلي القطعي .
فإذا ثبت ذلك ، لم يجز رد الحديث ، بل يجب :
× إما تفسير الحديث تفسيرا ينسجم مع سياقه اللفظي بحيث لا يكون تفسيرا متكلفا ، وينسجم مع الدليل العقلي بحيث لا يكون معارضا له .
× وإما التوقف في تفسير الحديث ، إذا لم يجد الناظر تفسيرا مقنعا له مبنيا على قواعد أصول الفهم الإسلامي .
فيقول الناظر عندئذ : الحديث صحيح ، والمعنى الذي قد يفهمه البعض منه ، وهو كذا وكذا ، غير مقصود للحديث حتما ، لأنه مخالف للدليل القطعي ، وحتما لا بد له من معنى آخر ، وأنا إذا لم أصل له ، فقد يصل له شخص آخر أعلم مني باللغة أو بما يفيد في تفسير الحديث .

وبعضهم ، كالجويني ، يعرف العقل بأنه بعض الضروريات ( أي : البدهيات ) .
وبحسب هذا التعريف ، فإن قولنا : يرد الحديث لمخالفته العقل ، محمول على الحقيقة ، وليس على المجاز ، إذ معناه : يرد الحديث لمخالفته بعض الضررويات البدهية .


وبعد ذلك أقول : القول بأن العقول تتفاوت ، عبارة قد تفيد معنى صحيحا ، لكن يستخدمها بعض الناس ليتوصل بها إلى الطعن في قاعدة رد الآحاد إذا خالف العقل ، فنقول :
إذا قصد بقوله : أن العقول تتفاوت ، أن القدرة على إدراك المعارف يتفاوت من شخص إلى آخر ، وأن القدرة على إدراك النتائج يتفاوت من شخص إلى آخر ، فهذا معنى صحيح لا غبار عليه .

أما إذا قصد أنه ليس ثمة قاعدة عقلية ضرورية بدهية أو نظرية برهانية ، صحيحة في نفس الأمر ، يمكن أن يحتكم إليها الخصوم ، فهذا قول باطل ، بل هو سفسطة في واقع الأمر ، لأنه إنكار للبدهيات .
فإذا أقر من يقول بأن العقول تتفاوت ، إذا أقر بأن ثمة قواعد عقلية ضرورية بدهية ، وثمة قواعد نظرية برهانية ، فنقول له : هذا هو المقصود بقولنا : رد الحديث إذا خالف العقل .

أما إذا قصد أن القواعد العقلية تتفاوت بين الناس ، فما يعتقده بعضهم ضروريا قد يكون مستحيلا عند الآخر ، وما يعتقده البعض برهانيا قد يكون باطلا عند غيره ، وهكذا .
فهذا معنى باطل أيضا ، وهو عين السفسطة .
لأن المعاني والأشياء إما ثابتة في نفس الأمر وإما منفية في نفس الأمر :
فإن كانت ثابتة في نفس الأمر ، ونفاها بعضهم بدليل عقلي ، فيما يزعم ، أو كانت منفية في نفس الأمر وأثبتها بعضهم بدليل عقلي ، فيما يزعم ، فيقال له : ما ظننته دليلا عقليا ، ليس هو بدليل عقلي ، بل هو جهل ، ثم نقوم نحن بتنبيهه إلى محل الخطأ والجهل والشبهة فيما ظنه دليلا عقليا .
ومن هنا فإن تفاوت العقول ـ بحسب المعنى الأول ـ لا يعني أن الحقائق متفاوتة ، بل الحقائق ثابتة في نفسها ، وإذا توصل أحدهم إلى خلاف الحقيقة يكون دليله الذي استخدمه باطل عقلا ، وإن لم يتبين له ذلك ولم يعرفه ولم يتنبه له .

ومن هنا فإن كل معنى يخالف ما علم بالدليل العقلي ، سواء كان بالضرورة والبديهة ، أو كان بالنظر والبرهان ، فهو مردود .
ويكون المردود هو المعنى الذي يخالف ذلك ، أما النص الحديثي فقد لا يكون مردودا ، لأنه لا بد أن يكون له معنى آخر لا يخالف ذلك الدليل العقلي ، وإن لم يتوصل إليه بعض أهل العلم .

والحمد لله رب العالمين .

تنبيه : أرجو من الإخوة الكرام تصويبي في أي موضوع أكتبه ، فإن هذا العلم دين ، ولا يجوز السكوت عن خطأ ، ولا يوجد في العلم صغير أو كبير ، وهذا معنى من معاني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وإذا كان الموضوع في مثار الاختلاف ، فلا أقل من بيان المخالفة ووجهها .
وجزاكم الله خيرا .