المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مراعاة المآل في المعاملات المالية عند مفتيي المالكية



محمود القسمطيني
02-08-2007, 14:28
هذا مقتطف ملخص ومركز من مبحث من مباحث الاستاذ يوسف حميتو المعنون ب : " مراعاة المآل في المعاملات المالية عند مفتيي المالكية " المنشور في شبكة الشريعة التخصصية انقله هنا للاستفادة في هذا النقاش

الحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله ، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين :
أما بعد :
فيقول الإمام أبو العباس أحمد بن أبي كف الولاتي الشنقيطي المالكي رحمه الله ( 1330 هـ ) في نظم : " ايصال السالك في أصول الإمام مالك " ص : 5 :

أدلة المذهب مذهب الأغر **** مالك الإمام ستة عشــــر
نص الكتاب والظاهر من **** سنة من بالفضل كله قمن
ثم الدليل من كــتاب الله **** ثم دليل سنـــــــــة الأواه
ومن أصوله التي بها يقول **** تنبيه قرءان وسنة الرسول
وحجة لديه مفهوم الكتاب **** من سنة الهادي إلى نهج الصواب
ثمت تنبيه كتاب الله ثم **** تنبيه سنة الذي جاها عظم
ثمت إجماع وقيس وعمل ****مدينة الرسول أسخى من بذل
وقول صحبه والاستحسان **** وهو اقتفاء ما له رجحان
وقيل بل هو دليل ينقذف **** في نفس من بالاجتهاد متصف
ولكن التعبير عنه يقصر **** عنه فلا يعلم كيف يعبر
وسد أبواب ذرائع الفساد **** فمالك له على ذه اعتماد
وحجة لديه الاستصحاب **** ورأيه في ذلك لا يعاب
وخبر الواحد حجة لديه **** بعض فروع الفقه تنبني عليه
وبالمصالح عنيت المرسلة **** له احتجاج حفظته النقلة
ورعي خلف كان طورا يعمل **** به وعنه كان طورا يعدل

هذه هي مجمل الأدلة التي يستند إليها المذهب المالكي في تعامله مع الوقائع ، وإن تعددت الأقوال في عددها بين مكثر فيها ومقل بين المالكية أنفسهم ، فقد نقل ابن هلال في نوازله عن الإمام أبي بكر بن العربي المعافري الإشبيلي رحمه الله دفين فاس ( 543 هـ ) أنها عشرة ( ص : 8 ) ، في حين أن القاضي أبا الفضل عياضي بن موسى اليحصبي السبتي رحمه الله صاحب ترتيب المدارك لم يتجاوز بها الأدلة الأربعة ، وأقصد بها الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، بينما يذهب الإمام أبو العباس أحمد بن ادريس القرافي ( 648 هـ ) في شرح تنقيح الفصول إلى أنها بلغت تسعة عشر أصلا وهي : الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وإجماع أهل المدينة ، والقياس ، وقول الصحابي ، والمصلحة المرسلة ، والاستصحاب ، والبراءة الأصلية ، والعوائد ، والاستقراء ، وسد الذرائع ، ولاستدلال ، والاستحسان ، والأخذ بالأخف ، والعصمة ، وإجماع أهل الكوفة ، وإجماع العترة ، وإجماع الخلفاء الأربعة . ( 445 ) ، وإن كان القرافي رحمه الله قد غالى في عددها فإنه أدرج بينها أصولا لا يقول بها المالكية ولا يعملون بها كإجماع العترة والعصمة ، وقد احتج الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ في كتابه : " مراعاة الخلاف في المذهب المالكي وعلاقتها ببعض اصول المذهب وقواعده " للإمام القرافي بأن قال : " ... لذلك فإننا نرى أن القرافي هنا لم يرد عد أصول المالكية ، وإنما أراد ذكر مجمل الأصول التي أخذ بها أصحاب المذاهب حتى وإن كانت تلك المذاهب شاذة ". ( 72 ) .
ولكن الراجح المعتبر في ما ذهب إليه القرافي رحمه الله هو أن مجمل الأدلة أربعة عشر دليلا إذا ما حذفنا الخمسة الأخيرة ، وهو الحد الأدنى المتفق عليه بين عدد كبير من أئمة المذهب رحمهم الله .

والذي عليه متأخرو المالكية أن أدلة المذهب بعد الاستقراء والمقارنة هس ستة عشر دليلا ، وهي التي ذكرها الإمام بن أبي كف في منظومته ، واختارها الشيخ حسن بن محمد المشاط رحمه الله ( 1339 هـ ) في كتابه الموسوم ب : " الجواهر الثمينة في أدلة عالم المدينة " ص : 115 ، وهذه الأدلة كما هي مذكورة : الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وعمل أهل المدينة ، وقول الصحابي والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب وسد الذرائع والعرف والعوائد ومراعاة الخلاف . فنرى أن هؤلاء الأئمة قد نحوا منحى الإمام القباب واللإمام ابن عرفة الورغمي رحمه الله والإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في اعتبار مراعاة الخلاف أصلا من أصول مذهب مالك رحمه الله تعالى وهو ما عبر عنه الإمام بقوله :
ورعي خلف كان طورا يعمل **** به وعنه كان طورا يعدل
، في حين أن عددا آخر من أعلام المذهب لم يروا فيه حجية أصلا ، كالإمام أبي عمر يوسف بن عبد البر ، ولقاضي عياض رحمهما الله تعالى .

هذه الأدلة بتوافرها هي التي جعلت إماما كبيرا كالشيخ أبي زهرة يقول في شهادته عن المذهب المالكي : " وقد اختبره العلماء في عصور مختلفة فاتسع لمشاكلهم واختبره علماء القانون في عصرنا الحاضر فكان مسعفا لهم في كل ما يحتاجون إليه من علاج ، لكثرة مجتهديه وكثرة أصوله ، ونوع الأصول التي أكثر منها وأنه أكثر المذاهب أصولا " : الإمام مالك : ص : 376 .

.

- تعرف مراعاة الخلاف :

جرت العادة عند الأصوليين حين تعاملهم مع الحدود ذات الطبيعة التركيبية أن لا يعرفوها إلا من خلال تعريف أجزاء المركب الإضافي ، ومفهوم مراعاة الخلاف لا يخرج عن هذا الإطار ن ومن هنا يكون لزاما أن نعرف مركبات اللفظ ، باعتبار الإضافة ، وباعتبار كونه علما على أصل من أصول المذهب المالكي .

أ- تعريف المراعاة :

- من حيث اللغة : تناولت كتب اللغة مفهوم المراعاة ، ووضعت له معاني كثيرة ومتعددة ، لكننا لن ندرج منها إلا ما كان أقرب رحما ، وأمس صلة بالمعنى الإصطلاحي لذي نريد أن نصل إليه ، ومن تلك المعاني ما ذكره الإمام ابن منظور رحمه الله في لسان العرب ، حيث يقول : " المراعاة : المناظرة والمراقبة : يقال : راعيت فلانا مراعاة ورعاء إذا راقبته وتأملت فعله ... والنظر إلى الشيء وملاحظته ومراقبته واعتباره والنظر إلى ما يصير إليه ..." 327/14 -329، وفي القاموس : " يقال : رعى الشيء رعيا اي حفظه ولاحظه محسنا إليه " 169/1 .

- من حيث الاصطلاح : إن المعنى الاصطلاحي لا يبتعد عن المعنى اللغوي ويجري مجراه ، بمعنى أن الناظر في الوقائع والنوازل يلاحظ ويرعى قول غيره ويضعه في اعتباره ، ويبني عليه ، ويعتد به .

ب- تعريف الخلاف :
- من حيث اللغة هناك جدل في العلاقة بين الاختلاف والخلاف وإن كان البعض يرجح أن معناهما عند الفقهاء واحد (( لمن أراد النظر في ذلك فليرجع إلى كليات أبي البقاء الكفوي ، وكشاف التهانوي ))، ولكن الذي يهمنا أساسا هو التعامل مع المسمى كما هو في كتب الأصول ، ونقصد بذلك : مراعاة الخلاف . والخلاف في اللغة نقيض الوفاق ، كما يناقض الاختلاف الاتفاق ، والاختلاف كما يقول الراغب أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله وأقواله ، والخلاف أعم من الضد ، لأن كل ضدين مختلفان ، وليس كل مختلفين ضدين . مفردات ألفاظ القرءان : 294.

- من حيث الاصطلاح : هو أن تكون اجتهادات الفقهاء وآراؤهم وأقوالهم في مسألة ما متغايرة ، كأن يقول بعضهم : هذه المسألة حكمها الوجوب ، ويقول البعض : حكمها الندب ، ويقول البعض : حكمها الإباحة ، وهكذا ... مراعاة الخلاف لمحمد الأمين ولد سالم الشيخ : 86-87.

ج- تعريف مراعاة الخلاف :
يذهب الدكتور يحيى سعيدي في كتابه :" مراعاة الخلاف في المذهب المالكي " ( 68 ) إلى أن أول من وضع حدا لمفهوم مراعاة الخلاف هو الإمام أبو عبد الله بن عبد لسلام الهواري التونسي ( 749 هـ ) وإن لم يذكر المؤلف مصدره ودليله في دعواه هاته ، ولكن بالبحث وجدنا مظانها في كتاب المنتخب للإمام المنجور ، ومنار أهل الفتوى للقاني ، وكتاب المعيار المعرب عن فتاوى أهل افريقية والمغرب ، للإمام العلامة الونشريسي رحمه الله تعالى ، وتبعه في ذلك الإمام أبو العباس أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن القباب الفاسي المغربي ( 779 هـ ) ، ثم الإمام أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي ( 803 هـ ) ، ثم إمام الأئمة أبو اسحاق ابراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي رحمه الله تعالى ، ويمكننا التسليم بقوله هذا فيما يتعلق بمحاولة وضع الإطار الحدي لهذا الأصل ، وإلا فإن عادة قدماء المالكية أنهم كانوا يراعون الخلف دون كبير عناية بمعنى حقيقة هذه المراعاة .

وفيما يلي تعريف كل واحد من هؤلاء الأئمة :

* تعريف الإمام ابن عبد السلام : قال رحمه الله : " هو إعمال كل واحد من الدليلين فيما هو أرجح فيه " منار أهل الفتوى للقاني : 301 ، والمعيار 388/6 .

* تعريف الإمام القباب : قال عليه رحمة الله : " وحقيقة مراعاة الخلاف هو إعطاء كل واحد من الدليلين حكمه " المعيار : 388/6. ويمضي رحمه الله في بيان ذلك فيقول : " إن الأدلة الشرعية منها ما تتبين قوته تبينا يجزم الناظر فيه بصحة أحد الدليلين والعمل بإحدى الأمارتين ، فها هنا لا وجه لمراعاة لخلاف ولا معنى له ، ومن الأدلة ما يقوى فيها أحد الدليلين وتترجح فيها إحدى الأمارتين قوة ما ورجحانا ما لا ينقطع معه تردد النفس وتشوفها إلى مقتضى الدليل الآخر، فها هنا تحسن مراعاة الخلاف ، فيقول الإمام ويعمل ابتداء على الدليل الأرجح لمقتضى الرجحان في غلبة ظنه ... فإذا وقع عقد أو عبادة على مقتضى الدليل الآخر ، لم يفسخ العقد ولم تبطل العبادة ، لوقوع ذلك على موافقة دليل له في النفس اعتبار ، وليس إسقاطه بالذي تنشرح له النفس ، فهذا معنى قولنا : إعطاء كل واحد من الدليلين حكمه " 388/6.

* تعريف الإمام ابن عرفة : قال غفر الله له : " هو إعمال دليل في لازم مدلوله الذي أًعمل في نقيضه دليل آخر " شرح حدود ابن عرفة للرصاع : 623/2 . ويزيد كلام ابن عرفة وضوحا ، كلام الإمام أبي عبد الله محمد بن قاسم الرصاع الأنصاري التلمساني ( 894 هـ ) ، حيث يقول في شرح كلام ابن عرفة : " هو رجحان دليل المخالف عند المجتهد على دليله في لازم قوله المخالف " .

* تعريف الإمام الشاطبي : يقول مفخرة المالكية عليه رحمة الله تعالى : " إعطاء كل واحد منهما أي دليلي القولين ما يقتضيه الآخر أو بعض ما يقتضيه هو معنى مراعاة الخلاف " ، ثم يشرح كلامه فيقول : " وذلك بأن يكون دليل المسألة يقتضي المنع ابتداء ، ويكون هو الراجح ، ثم بعد الوقوع يصير الراجح مرجوحا لمعارضة دليل آخر يقتضي رجحان دليل المخالف ، فيكون القول بإحداهما في غير الوجه الذي يقول فيه بالقول الآخر " الموافقات151/4.

ويمكننا أن نضيف تعريفا آخر للإمام أبي محمد محمد صالح الهسكوري الفاسي ( 653 هـ ) ذكره عنه الإمام محمد الحجوي الثعالبي في كتابه :" الفكر السامي في تريخ الفقه الإسلامي : حيث يقول : " الأخذ بأقوى الدليلين معا من بعض الوجوه " 544/1 .

بعد هذا السرد ، نلاحظ أن تعريف الإمام ابن عرفة والإمام الرصاع والإمام الهسكوري تعاريف تصب في معنى واحد ، وهي أدق وأشمل لكونها تتضمن معنى إضافيا يتمثل في كون المجتهد حين مراعاته للخلاف يعمل بدليل مخالفه ويثبت جميع الآثار الشرعية المترتبة على هذا الدليل ، وبذلك يكون قد رجح أحد الدليلن ، والترجيح لا يكون إلا إذا كان صفة ملازمة لأحد المتعارضين كما نلحظ أن تعريف الإمامين ابن عبد السلام والقباب تضمنا نوع قيد لمراعاة الخلاف ، والمقصود به وقوع التعارض بين دليل المجتهد ودليل مخالفه .
وفي هذا المقام يعجبني جدا أن أميل إلى تعريف أحد الباحثين المعاصرين لمفهوم مراعاة الخلاف ، وهو الدكتور محمد أحمد شقرون في كتابه : " مراعاة الخلاف عند المالكية وأثره في الفروع الفقهية " ، فقد أورد الدكتور مجمل التعاريف السابقة وعقب عليه بعدد من الإعتراضات تصلح أن تكون ضابطا لتحديد مفهوم دقيق لمعنى مراعاة الخلاف ، هذا المفهوم الذي حاول أن يسهم في إيجاده من خلال تدارك ما فات الأئمة الالتفات إليه ، يقول الدكتور شقرون معرفا مراعاة الخلاف : " ترجيح المجتهد دليل المخالف بعد وقوع الحادثة ، وإعطاؤه ما يقتضيه أو بعض ما يقتضيه " ص : 73 ، فهو في تعريفه أشار إلى قضية مهمة وهي أن مراعاة الخلاف هي بعد وقوع الفعل وليس قبله ، حتى لا يظن ظان أن مجرد المخالة بين دليلين موجب لمراعاة أحدهما ، وهو ما فات الأئمة ذكره ، وإن كان هو نفسه قد وقع فيما اعترض فيه على بعض الأئمة ، وإن كنت أرى أنه استفاد كثيرا من كلام الشاطبي رحمه الله في صياغة المعنى الذي ذهب إليه ، حيث يفهم معنى الترجيح الواضح ذكره في كلام الشاطبي الآنف.
سبق أن مر معنا قول الناظم حين حديثه عن أصول مذهب مالك حين قال :
ورعي خلف كان طورا يعمل **** به وعنه كان طورا يعدل
ماذا يعني ذلك ؟
يعني هذا أن اعتبار مالك رحمه الله للخلاف لم يكن من القواعد المطردة عنده ، فيتبين من ذلك أن الإمام رحمه الله تارة يراعي الخلاف وتارة لا يراعيه ، ولكن ألا يحق لنا أن نتساءل حول دقة المعنى الذي قد ينبدر إلى الذهن منذ أول وهلة من أن الأمر لم يكن مطردا عند الإمام رضي الله عنه ، وهو المعنى الذي افتتحنا به هنا ؟
الجواب طبعا أن المعنى الذي أثبتناه لا يصح أن يكون معنى يفسر به قول الناظم ، وإنما الأصوب والأصح أن نفهم من هذا القول أن إمامنا رحمه الله تعالى لم يكن يراعي أي خلاف كان ، إنما يراعي الخلاف الذي هو معتبر عنده ويدعمه الدليل ، وما أجمل عبارة الدكتور محمد الأمين في هذا الصدد حين يقول : " ... فلو كان الإمام يراعي كل خلاف لما ثبت له مذهب ، ولما استقر له قول ، فإن الخلافات الشاذة والضعيفة لا تنتهي في الفقه الإسلامي " مراعاة الخلاف في المذهب المالكي : 77 .

إذن فمراعاة الخلاف لا تكون إلا لما كان قوي المدرك ثابت الحكم عند المجتهد الآخر ، فلو كان عكس ذلك لأصبح مجرد الاختلاف في مسألة دليلا على الجواز فيها ، فيكون ذلك من تتبع الرخص المحرم شرعا ( عبد الحي بن الصديق : تبيين المدارك لرجحان سنية تحية المسجد وقت خطبة الجمعة في مذهب مالك : 36-64 ) .
والخطأ في الفهم لا يقتصر على البسطاء من طلبة العلم ، بل تعدى ذلك إلى بعض كبار علماء المذهب كالإمام ابن الحاج الذي أحل الاستصحاب في محل مراعاة الخلاف كالأصل السابع عشر من أصول المذهب ظنا منه أن مالكا اختلف قوله في هذا الأصل ، لكن الإمام أبا عبد الله محمد بن أحمد المعروف بابن خويز منداد ( 375 هـ ) من المالكية يصحح ذلك حين يبين أن مالكا حين لا يراعي الخلاف فهو إنما يلتزم بشرطه في ذلك وهو قوة الدليل . ابن الصديق : 64.

بعد بيان المقصود من أن مالكا رحمه لله كان يراعي الخلاف طورا ، وطورا يعدل عنه ، فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : ما هو موقع مراعاة الخلاف من أدلة أصول مذهب مالك رحمه الله ؟
قبل الجواب ، أستسمح القارئ الكريم في أن أشير له إلى قضية أساسية تكتمل بها عنده حقيقة صورة مراعاة الخلاف - وإن كنا لم نوغل في كل ما تعلق به من شروط وتفريعات - ، هذه القضية عالجها الدكتور ولد سالم الشيخ حين ناقش في كتابه :" مراعاة الخلاف في المذهب المالكي " ، وفعلا كانت نقطة محورية في كتابه ، ألا وهي : هل مراعاة الخلاف قاعدة أم أصل ؟
لا يسعني هنا أن أنقل كل ما أورده الدكتور من أقوال - بالنسبة لمن يقول بحجية مراعاة الخلاف - ، هذه الأقوال ترددت بين من قال : مراعاة الخلاف أصل ، وبين من قال : هي قاعدة من القواعد ، لكن لا مناص من أن ننقل تحقيقه للمسألة ، فقد خلص الدكتور إلى نتيجة مفادها : أن مراعاة الخلف تأخذ بطرف من الأصول ، في الوقت نفسه لذي يمكن اعتبارها كذلك قاعدة من القواعد ، لكنها أقرب إلى القاعدة الأصولية من القاعدة الفقهية ، ويقرر ما يلي :

* أنه يجوز أن تطلق القاعدة والأصل على مراعاة الخلاف ، لأن معانيها الاصطلاحية لا تضيق ذرعا بهذه الأسماء ، ولكن الأصل هو الأعم ، لذلك كثيرا ما يطلق عليها ، والقاعدة هنا هي الأخص ، لذلك يؤثر إطلاقها عليها من يحب إبراز حقيقتها بين الأصول والقواعد .
* أن مراعاة الخلاف إذ أطلق عليها اسم الأصل ، لا ينبغي أن يرتقي بها إلى مستوى المصادر الأصلية ، كالكتاب والسنة والإجماع والقياس ، لأنها لا تعدو في هذه الحالة أن تكون اصلا تبعيا يرجع في حال تطبيقه إلى بعض الأدلة الثانوية الأخرى ، كالاستحسان أو الاستصلاح ، أو سد الذرئع .
* أننا إذا أطلقنا على مراعاة الخلاف اسم القاعدة ينبغي أن نعلم أنها تدخل ضمن القواعد الأصولية وليست في عداد القواعد الفقهية فهي من مباحث الأصول لا الفقه .113-131..
قعد الإمام الشاطبي رحمه الله قواعد نظرية مآلات الأفعال ، والتي هي بحق مسلك الناظر في الوقائع ، المجتهد في النوازل ، الباحث عن موارد الأحام ، المتثبت من مداركها الشرعية ، المحقق لمناطاتها ، وهو رحمه الله حين صاغ هذه النظرية لم يكن ذلك عنده من قبيل التصور التجريدي ، بل إن أبعاد النظرية عنده ممتدة في أصول وقواعد التشريع .

ولذلك أول ما نلحظه في موافقات الإمام حين تقعيده للنظرية هذه الكلمات الجميلة : " { النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ، وذلك أن المجتهد لا يحكم علي فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالأقدام أو بالإحجام إلا بعد نظرة إلي ما يؤول إليه ذلك الفعل ، فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب ، أو لمفسدة تدرأ ، ولكن له مآل علي خلاف ما قصد فيه ، وقد يكون غير مشروع لمفسده تنشأ عنه ، أو مصلحة تندفع به ، ولكن له مآل علي خلاف ذلك .

فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدي استجلاب المصلحة فيه إلي مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها ، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية ، وكذلك إذ أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدي استدفاع المفسدة إلي مفسدة تساوي أو تزيد ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد ، إلا انه عذب المذاق ، محمود الغب ، جار علي مقاصد الشريعة.}. الموافقات : 4/194-195.

كانت هذه الكلمات هي عمق النظرية ، ثم انطلق رحمه الله في تفصيل متضمناتها والقواعد التي تندرج تحتها ، والتي تشكل بمجموعها قواعد النظر الاجتهادي ، والتي لا يتسير لمجتهد أن يقوم بوظيفته الشرعية دون أن يكون لنظره من هذه القواعد نصيب .
واختصارا للموضوع ، نورد هنا فقط ما تعلق بالقواعد التي ذكرها الشاطبي رحمه الله تعالى ، دون أن نعمق الحديث فيها لأن غرضنا هنا فقط هو الاستفادة من هذه القواعد في تحصيل المعاني التي أردناها من هذا المبحث .

1- سد الذرائع : يقول الشاطبي رحمه الله : " وهذا الأصل - النظر في مآلات الأفعال - ينبني عليه قواعد كثيرة ، منها قاعدة الذرائع التي حكمها مالك في أكثر أبواب الفقه ، لأن حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة ... " 4/198 .

2- الاستحسان : " ... فهذا كله يوضح أن الاستحسان غير خارج عن مقتضى الأدلة ، إلا أنه نظر إلى لوازم الأدلة ومآلاتها ... والحاصل أنه مبني على اعتبار مآلات الأعمال ، فاعتبارها لازم في كل حكم على الإطلاق ... " 4/209 .

3- مراعاة الخلاف : يقول رحمه الله تعالى : " ومنها قاعدة مراعاة الخلاف ، وذلك أن الممنوعات في الشرع إذا وقعت فلا يكون إيقاعها من المكلف سببا في الحيف عليه بزائد على ما شرع له من الزواجر أو غيرها ... وهذا كله نظر إلى ما يؤول إليه ترتيب الحكم بالنقض والإبطال من إفضائه إلى مفسدة توازي النهي أو تزيد ... " 4/198 .

4- قاعدة الحيل : قال الشاطبي : " فإن حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهرإلى حكم آخر ، فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع ... " .
فالحاصل إذن من هذا أن هذه القواعد ومن بينها مراعاة الخلاف تشكل في مجموعها نظرية مآلات الأفعال ، وهذه القواعد تخول للمجتهدأن يحقق مناطات الأحكام ويضبط مواضع تنزيلها ، ومن ثم يوازن بين الصالح والمفاسد ، ويترصد نتائج ذلك .
وتظهر علاقة مراعاة الخلاف بالإستحسان بشكل أوضح ، كيف ذلك ؟
الجواب : من المعلوم أن الأصوليين قسموا الإستحسان إلى أنواع ، وقد جزم الشاطبي رحمه الله أن مراعاة الخلاف هي نوع من الإستحسان ، ويمكن أن نرصد مظاهر هذه العلاقة فيما هو آت :

* إذا كان الإستحسان عند الكثيرين عدولا عن القياس لمعنى مؤثر ، فإن مراعاة الخلاف هي أيضا صورة لهذا العدول مع خلاف ظاهري ، وهو أن المستحسن إنما يعمل بمقتضى دليله ، في حين أن مراعي الخلاف يعمل بمقتضى دليل مخالفه ، وفي ذلك يقول أبو الحسن بن القاسم التجيبي الزقاق ( 912 هـ ) في لاميته :

وهل يراعى الاختلاف لا نعم**** وعاب اللخمي عياض عدم
قيس وقد أجاب نجل عرفه **** بأنه إعمال من قد عرفه
* إن الإستحسان ترخص واستثناء لوجود معارض ، ومرعاة الخلاف كذلك ، والمعارض هنا دليل المخالف .

* إن الإستحسان ليس من القواعد المطردة ، وكذلك مراعاة الخلاف ، وهذا ما عبر عنه ابن أبي كف في قوله : " ورعي خلف .... " .

* إن المصلحة والمفسدة هما معيارا العمل بالإستحسان ، وقد بين الشاطبي كل ذلك ضمنيا حين حديثه عن مراعاة المآل آنفا ، وكذلك مراعاة الخلاف فإن معيار اللجوء إليه هو المصلحة والمفسدة ، وذلك عندما يقع الفعل على مقتضى قوله ، فيصححبعد وقوعه بعد أن كان ممنوعا ابتداء ، درءا لمفسدة تترتب على عدم تصحيحه ، أو جلبا لمصلحة تحصل بتصحيحه . ابن الشيخ : 159..

من هنا تتضح علاقة مراعاة الخلاف ببعض أصول مذهب مالك رحمه الله ، وموقعها منها ، ومدى ارتباطها بمبدأ المصالح والمفاسد ، ومن ثم نقول : إن مراعاة الخلاف ليست عبثا فكريا أو اجتهاديا ، إنما هي قاعدة أوأصل العمل بها إنما هو لمصلحة تستجلب أو لممفسدة تدفع ، فلا تخرج بذلك عن مقتضيات أحكام الشريعة ، والروح العامة للتشريع .

منقول من
http://www.sharee3a.net/vb/showthread.php?t=2405

حسين القسنطيني
02-08-2007, 16:34
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و الصلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه أما بعد:
شكر الله كلام إخواني الكرام و مشايخنا الأحباء، أنا أردت فقطأن أشير إلى أن هذا الأصل ليس مسلما به عند كل علماء المالكية و إن كان الراجح إعماله من خلال استقراء الأحكام، فأما من كبار المانعين من القول به فابن عبد البر و القاضي عياض و ممن يجعله من قبيل الإستحسان ليس أصلا خارجا عنه الشاطبي و الثعالبي و كذلك ربما ابن رشد الجد لأنه كان يقول "و إنما هو استحسان لمراعاة قول من قال من العلماء..." رحمة الله عليهم جميعا، و منهم من يذكره في باب التعارض و الترجيح كما ورد في مراقي السعود عند كلام الشنقيطي ععلى القول الضعيف و منهم من توقف لعدم اطراد هذا الأصل في جميع الفروع، و لم يعده القرافي في أصول الإمام مالك عندما جعلها أربعة عشر، و وصف الشيخ أبو زهرة عد القرافي هو الأدق، و لكن الكثرة الكثيرة من علماء المالكية على عد مراعاة الخلاف أصلا في المذهب، و هذا قول يعضده الإستقراء و الحجة.
كنت أحب كذلك الإشارة إلى القول بأن المجتهد المارعي للخلاف إنما يعيد النظر في اجتهاده و في حدة الحكم بما يناسب الواقعة و ذلك للتيسير على الناس و رفع الحرج و تلافي الضرر، و ربما كان ذلك أيضا من باب الورع و الحيطة و المفسدة تحقيقا لمقاصدالشريعة.
و لكن ما ذكره الأخ الكريم حول تدرع العامة من أمثالي بكون المسألة خلافية لتجويز مسألة أو دفع الحرج فيها فهو غير مقبول لأنه من قبيل التلفيق و جمع رخص المذاهب و هذا عين الزندقة، والله أعلى و أعلم و هو يهديللتي هي أقوم

حسين القسنطيني
02-08-2007, 18:23
شروط مراعاة الخلاف عند سادتي المالكية:
1- أن يكون الذي يراعي الخلاف مجتهدا: و رحم الله الإمام الشاطبي كان يقول و مراعاة الدليل أو عدم مراعاته ليس إلينا معاشر المقلدين، فحسبنا فهم أقوال العلماء و الفتيا بالمشهور منها و ليتنا ننجو مع ذلك رأسا برأس لا لنا و لا علينا" لله درك سيدي الشاطبي فماذا يقول من هم أقل بكثير مما قلتم، و يقول الشيخ عليش "مراعاة الخلاف وظيفة المجتهد لا المقلد" و نحن لم نبلغ بعد درجة المقلد. و المجتهد إما أن يكون مجتهدا مطلقا مستقلا كان أو منتسبا أو كان مجتهدا مقيدا سواء كان مجتهد مذهب أو مجتهد فتوى. (و ربما نفصل إن شاء الله، في هذه المراتب إن لم تكن موجودة على المنتدى)
2- أن تكون المسألة مختلفا فيها، لإذا كان مكتفقا عليها لم يراع فيها غير دليلها و على قوة الخلاف تقوى المراعاة، و ليس كل خلاف يراعى و إنما يراعى المشهور.
3- أن يكون الدليل المقابل قويا قديرقى إلى درجة الدليل المستدل به في المسألة و على قوة الدليل تقوى المراعاة كذلك و معرفة قوة الدليل عائدة للمجتهد لا لغيره، و أن لا يكون هذا الدليل مخالفا لنص قطعي و أن لا يخالف القواعدالشرعية و القياس الجلي و أن لا يخالف المقاصدالشرعية.
4- أن لا يكون في مراعاة الخلاف نقض للإجماع، و لعل هذا لا يكون مع ما اعتمد من شروط سابقة، و لكن مليح الإشارة إليه من قبل علمائنا الأجلاء.
5- أن لا يترك المراعي مذهبه من كل الوجوه بحيث ينتفى الحكم الأول و لا يبق خلاف من الأصل.
6- أن يكون الخلاف في الحالات التالية و لا يكون في حالتين:
أما حالات المراعاة فهي:
أن يختلف العلماء في فعل:
* هل هو مباح أو حرام؟ فالورع و الأحوط الترك.
* هل هو مباح أو واجب؟ فالورع و الأولى الفعل
* هل هو مندوب أو حرام؟ فالورع و الحيطة الترك
* هل هو مكروه أو واجب؟ فالورع و الأحوط الفعل
* هل هو مشروع أو لا؟ فالورع و الإحتياط الفعل
و لا يصح في حالتين هما:
* هل هو حرام أو واجب؟
* هل هو مندوب أو مكروه؟
فلا ورع عند التساوي لأن التفريط في أحدهما يوجب اللإثم، فيفصل الأمر بحسب المذهب و دليله و لا يراعى فيه خلاف.
والله أعلى و أعلم و هو يهدي للتي هي أقوم