المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول أصلية دلالة النص القرآني وفرعية المستدل عليه (نقد مذهب التوقيع القرآني!)



محمد يوسف رشيد
14-04-2010, 18:43
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف النبيين والمرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد..
فمن الأمور المنهجية التي نبهت عليها مرارا بعض من أدعوهم إلى العودة القرآنية، واستلهام المناهج من كتاب الله سبحانه، وجعل كافة فعاليات المنهج الإسلامي للمسلم دائرة في فلك القرآن.. من تلك الأمور المنهجية التي نبهت إليها هي قضية (التوقيع القرآني!) .. وأقصد بالوقيع القرآني هو : الإجراء الاضطراري الذي يتخذه أصحاب المناهج المختلفة في استدلالاتهم حينما يوقعون بالآية كصك أو ختم على أنهم ينبثقون في استدلالاتهم السابقة من القرآن ومن سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

إنه لا أحد – مسلم – يقول أنا أنطلق من غير القرآني، أو من غير السنة، لا أحد إطلاقا يقول بهذا لو ثبت له الإسلام. ولكن التصديقات، بعد، تصدق ذلك أو تكذبه. (وهنا تجوز في العبارة حيث لا تصديقات إلا لو صدقت، وإنما المراد الأفعال التي ينتظر منها أن تكون تصديقات).

إن الذين ينطلقون من القرآن العظيم، ومن سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يظهر تصديقهم ((ابتداء)) كعمل منبثق من جهة القرآن إلى الخارج، أي إن الداعية أو العالم أو المشتغل بالعلم – وممن سبق المربي الذي يرسم المنهج لمريديه - ينطلق من القرآن نصا، ومن السنة نصا، فيدور في فلكهما، فيظهر الاطراد وتظهر جهته، من الداخل إلى الخارج، من داخل محور النص القرآني – حيث منه الابتداء – إلى خارج العمل ورسم المناهج والتصديقات. وإن واقع كثير من (مدعي) الانبثاق من النصين ليس على تلك الصورة التي لا نفهم لها صورة أخرى. وإنما هم يتبعون سلوك (التوقيع القرآني) حينما يأتون بأفكارهم (ابتداء) وينظّرون ويصولون ويجولون، وفي نهاية الأمر.. في الختام.. يصدرون عبارات من مثل : وهذا مصداق قول الله تعالى (...) وكذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (...) . فيذكرون نصوصا لا ترتب بما قعدوه وفصلوه إلا من باب (المجاملة!) أي لو جاملناهم ولم نشأ إحراجهم، حيث يذكرونها عمومية فضفاضة، لا تتوازى أبدا مع ما ذكروه من التنظيرات (السابقة) على إيراد النصوص. وإلا فالانبثاق عن النصوص له علامته، فالنص هو المحور، وهو الأصل، وهو موضوع ومحل اشتغال المشتغل، بحيث لا يحتاج إلى (التوقيع القرآني!).

يشبه هذا مقررات المشتغلين بقضية الإعجاز العلمي – في صورتها المبالغة – حيث يقررون ما يسمى بـ (الحقيقة العلمية) ثم (يستجلبون) الآيات الدالة على ما (مقرراتهم السابقة)..
لا أخفي القارئ سرا أن مثل تلك التصرفات تصيبني بما هو أكثر من الاستياء أو عدم الرغبة في الخوض؛ إنها تصيبني بالغضب حيال تلك الأفعال؛ ذلك أني لا أتمكن – رغم محاولات يعلم الله عددها - من دفع الشعور بأن مثل ذلك هو إهانة للقرآن من حيث لا يشعر المرتكبون، وهو (استخدام) له في (التأييد) لما سبق تقريره، لا أنه (ينشئ) تصورات وأحكام وحقائق من حيث كونه مثبتا (ابتداء). تأملوا.

ولعل كلمات قالها الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله ورضي عنه في كتاب العلم من سفره (إحياء علوم الدين) توصّف ذلك الأمر توصيفا واضحا. يقول رحمه الله – في مغرض الكلام حول التفسيرات المخالفة للغة والنقل، ومنها تفسيرات أهل الباطن - :

" .. فهذه أمور يدرك بالتواتر والحس بطلانها نقلا وبعضها يعلم بغالب الظن وذلك في أمور لا يتعلق بها الإحساس فكل ذلك حرام وضلالة وإفساد للدين على الخلق ولم ينقل شيء من ذلك عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الحسن البصري مع إكبابه على دعوة الخلق ووعظهم، فلا يظهر لقوله صلى الله عليه وسلم: (( من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)). معنى إلا هذا النمط وهو أن يكون غرضه ورأيه تقرير أمر وتحقيقه فيستجر شهادة القرآن إليه ويحمله عليه من غير أن يشهد لتنزيله عليه دلالة لفظية لغوية أو نقلية ولا ينبغي أن يفهم منه أنه يجب أن لا يفسر القرآن بالاستنباط والفكر فإن من الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين خمسة معان وستة وسبعة ونعلم أن جميعها غير مسموع من النبي صلى الله عليه وسلم فإنها قد تكون متنافية لا تقبل الجمع فيكون ذلك مستنبطا بحسن الفهم وطول الفكر، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه: (( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ))." ا.هـ

والشاهد في موضعين :

أولا// تقريره ضرورة اعتماد اللغة والنقل في تفسير القرآن.
ثانيا// في توفيقه في التعبير بقوله (فيستجر شهادة القرآن إليه!) وكأن القرآن خادم لأفكاره ويستعمله في تأييدها! فيتحول من دور الأمير الآمر الناهي الذي تنبثق عنه التشريعات إلى دور الوزير الخادم الذي يقر مولاه على ما ينتجه عقله، ويشهد لعقله من خلال (التوقيعات القرآنية!).

أعلم أن لهجتي اشتدت نوعا في تلك الكلمات، وقد فكرت في تخفيها، ولكني وجدت التكلف في ذلك، حيث ((الغضب)) هو الشعور الأبرز الذي يختلجني تجاه مثل تلك التصرفات في القرآن العظيم..

والله تعالى الهادي إلى سوا السبيل.