المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة: البرهان القوي في بيان اعتقاد الإمام ابن جزي



نزار بن علي
06-04-2010, 08:12
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي رفع شأن العلماء، وجعلهم منارات للهدى والاهتداء، وأثنى عليهم خيرًا في كتابه المبين فقال ﷺ: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[فاطر:28]، وشرفهم بردّ بيان أحكام دينه إلى فهمهم القويم واستنباطهم السديد، فقال ﷺ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[النساء:83].

والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، القائل في شريف حديثه: «مَنْ يُرِد الـلَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْ ُفيِ الدِّينِ»، والذي زاد علماء أمته تشريفا فكاد يلحقهم بدرجة الأنبياء، فقال ﷺ «إن العلماء هم ورثة الأنبياء»، والرضوان الدائم على آله وأصحابه الهداة المهتدين، الذين كانوا أوّل حماة ونصرة للدين.

وبعد، فممّا لا يخفى على كل مسلم أن فهم تفاصيل الدين أصولا وفرعا ليس مشرعا لكل وارد، ولا يستطيعه كل واحد، بل إن العلوم الدينية شأنها شأن سائر العلوم الكونية يحتاج المرء فيها إلى طول التعلّم والتخصّص والتبحر ليحيط بقواعدها وفروعها، ليصح له التعبير عنها وتوضيحها.

وقد هيأ الله تعالى للأمة الإسلامية علماء سخّرهم للقيام بوظيفة تببين الأحكام الشرعية، الاعتقادية والعملية، وجعلهم حجة على الخلق بعد الأنبياء والرسل؛ وذلك لما ورثوه من العلم وصدق التبليغ، وما بذلوه من الجهود الكبيرة في الفهم والتفهيم، فكانوا بحق نجوم الاهتداء في ظلمات المِحَن، ومصابيح الهدى في ليالي الفتن، قد أجمع الكل على فضلهم، واعترف لهم أهل الإنصاف بالعلم والإتقان، ولم يختلف عليهم اثنان.
ولا شك أن الأمة اليوم بحاجة إلى العناية بجهود أولئك العلماء الأبرار، وإظهارها بوجهها الصحيح ليتيسر لنا الاقتداء بهم عسانا ننتفع بمنهجهم ونسير على دربهم الذي من خلاله أظهروا المعالِم الصحيحة للدين الإسلامي، وأدخلوه بلطف في قلوب عامة المسلمين عن قناعة ويقين، فصلحت أفرادهم، وتيسر لهم قبول أحكام الله عز وجل فاستقامت حالة مجتمعاتهم.

حقا لقد صدق من قال بأنّ حال المسلمين لا يستقيم إلا إذا استقام حال علماء الدين، وكانوا على الطريق المستقيم، وبينوا المنهج القويم، ونصحوا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وجميع المسلمين بما فيهم الملوك والسلاطين، فإنّ هذا الارتباط الوثيق صار يقينيا بعد التجربة المتكررة، كيف لا وهم يعرفون الداء والدواء، ويدركون بحق اليقين أن الدنيا لا تستقيم إلا بالشرع الحكيم، وأن النتائج المرجوّة من تطبيقه لا تظهر إلا مع صحة وسلامة المعتقدات والإيمان التام بأنّ حال الإنسانية بلا تشريعات الإسلام لا يستقيم.

ومن هنا حرص العلماء الأبرار على تببين قواعد الإيمان والإسلام بالمنهج الصحيح المستمد من القرآن العظيم وسنة الأنبياء والمرسلين، لا سيما سيدنا محمد ﷺ سيد الخلق أجمعين، فتدبروا الخطاب القرآني والنبوي ويسروه إلى قواعد عقلية يقينية يُسلِّم ويذعن لها كل من تأمّل فيها، وفصَّلوا الدلائل والبراهين الواردة في الذكر الحكيم بما ينزِّل الأحكام الاعتقادية الواردة فيه منزلة المعلومات الضرورية، فتزداد بذلك علاقة المسلمين بالكتاب العزيز، ويرتقوا في معارج تدبره فيقوى يقينهم ويصلح عملهم.

ومن العلماء العاملين الأبرار المجاهدين الأخيار الذين قاموا بهذا الدور الجليل: الإمام ابن جزي الغرناطي رحمه الله، صاحب السيرة الزكية العطرة، والتصانيف السهلة الميسرة، المجمع على فضله ومتانة دينه، الذي شرفه الله تعالى بالوفاة مجاهدًا في سبيله، فقد صنف في العقيدة الإسلامية كتبا منها «النور المبين في قواعد عقائد الدين»، وصدّر كتابه الفريد «القوانين الفقهية» بمقدمة عقدية راقية بين فيها أصول الإيمان والإسلام، وبث في تفسيره اللطيف المسمى بـ«التسهيل» إشارت إيمانية سديدة ونكت شريفة دقيقة، فاستحقت مصنفاته الدراسة والمباحثة الجادة للاستفادة من منهجه الإيماني الذي لولاه لما كانت لشخصيته تلك المكانة المرموقة بين العلماء، ولما كان له ذلك التأثير الإيجابي في مجتمعه.

وقد اطلعت على بعض الدراسات التي عنيت بالإمام ابن جزي وتفسيره على وجه التحديد، فوجدت أصحابها قد خالفوا الموضوعية العلمية في بيان حقيقة منهجه الاعتقادي السُنِّي، فكانوا بين مُعتِّم مُخفٍ لمنهجه الرشيد، وناقِدٍ له بغير وجه حق ولا دليل سديد، ومضطَرِب مذبذب جمع بين المدح والقدح، وكأنهم تواطؤوا على ستر الحق المبين، خدمةً لمذهبهم المناقض لمذهب الإمام ابن جزي الاعتقادي، فإنّ الجامعات التي تصدر عنها تلك الدراسات تخالف في الحقيقة منهج الإمام ابن جزي وأمثاله من أئمة أهل السنة والجماعة، لكن تستغلهم لأنهم لا تراث لهم أمام تراث أهل السنة، وأيضا لتوزيع الشهادات الجامعية عساهم يكثفون سوادهم وينشرون عقائدهم، وهذا المنهج المنحرف صار رائجا في الجامعات المخالفة لمناهج أهل السنة على التحقيق، والمصيبة العظمى أن هذه الجامعات تأخذ اسم أقدس وأطهر البقاع في الأرض وهي أم القرى والمدينة المنورة، ومع ذلك فهم أكثر الناس حربا على التراث الإسلامي السُّني بتغطيتهم للحقيقة، وشحن الهوامش بالاعتراضات والمغالطات التي لا علاقة لها بالمنهج العلمي.

ولا شك في وجوب مجاهدة هذا المنهج المنحرف عن الصراط المستقيم، حفاظا على عقائد الدين، ودفاعا عن حقيقة آراء علماء المسلمين، وفيما يلي رسالة كافية وافية في بيان حقيقة المنهج الاعتقادي القرآني السني للإمام ابن جزي، تسبقها نبذة في بيان الرسالة الجامعية التي جانبت الصواب وسترت الحقيقة.

1 _ ابن جزي ومنهجه في التفسير. لعلي محمد الزبيري. طبعت بدار القلم. ط1. 1987م, والسمة البارزة لهذه الدراسة عند تعرضها لآراء الإمام ابن جزي العقدية هو التذبذب والاضطراب والخلط بين ما يراه الزبيري مذهبا للسلف في تخيله، وبين ما قرره الإمام ابن جزي مذهبا للسلف الصالح عن علم ويقين، فبين الرأيين بون بعيد وفرق شاسع.
وقد حاول الزبيري جاهدًا تغطية حقيقة عقيدة الإمام ابن جزي وعدم إبراز المعالِم الواضحة فيها، وأبرزُ دليل على ذلك عدمُ ذكره ذلك النص الواضح الذي يقول فيه الإمام ابن جزي في أول القوانين الفقهية بأن الله : «متكلم بصفة أزلية ليس بحرف ولا صوت، ولا يقبل العدم، ولا ما في معناه من السكوت، ولا التبعيض، ولا التقديم، ولا التأخير، الذي لا يُشبِهُ كلام المخلوقين» فقد أغفل الزبيري هذا النص كليا عند تعرضه لصفة الكلام عند الإمام ابن جزي، ومعلوم أن هذا يخالف الموضوعية العلمية، بل يناقضها ويفقد الدراسة في هذا الجانب أي قيمة.
وعند الكلام على المتشابهات المتعلقة بالصفات والتي استقر رأي الإمام ابن جزي فيها على ما كان عليه سلف الأمة وهو التفويض، الذي يراه ابن تيمية ومن تبعه شرًّا أكبر من التأويل، نجد الزبيري لا يفرق بين التفويض الذي يقصده الإمام ابن جزي، وبين الإثبات الذي يقصده ابن تيمية ومن تبعه ويراه مناقضًا للتفويض، لذا قال الزبيري بعد عرض المتشابهات ورأي ابن جزي فيها: «إن ابن جزي ينهج في آيات الصفات نهج السلف الصالح» (ج1/ص560) وهو يقصد ما يقرره ابن تيمية وأتباعه رأيا للسلف، وهو نقيض ما يقرره الإمام ابن جزي الذي يراه تجسيما.

2 _ ترجيحات ابن جزي في التفسير من أول سورة الرعد إلى نهاية سورة القصص، رسالة مقدمة لنيل الدكتوراه بجامعة أم القرى الممكلة السعودية، من إعداد الطالبة هناء عبد الله سليمان أبو داود، وإشراف عبد العزيز عزت بن عبد الحكيم الوايلي. العام الجامعي 2009م.
عقدت الباحثة مبحثا في بيان معتقد الإمام ابن جزي، فقالت: «نهج ابن جزي رحمه الله منهج السلف الصالح، ونحا ومنحى أهل السنة والجماعة في تقرير الأمور العقيدة، فنراه يميل بالجملة إلى الإيمان بالأسماء والصفات بلا تكييف ولا تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل، ويردّ علم حقيقتها إلى الله، وقد يطلق عليها أنها من المتشابه الذي يجب الإيمان به ولا يعلم حقيقته إلا الله». (ص 38)
وقد علم كل باحث أن المعنى التي يقصده هؤلاء من قولهم: «بلا تكييف ولا تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل» هو الرد على الذين ينزهون الله عن معاني المتشابهات الظاهرة الباطلة فالجلوس الظاهر من الاستواء، والحركة الظاهرة من النزول، وقس على ذلك، فكلام الطالبة المذكورة مجرد مغالطة؛ لأن الإمام ابن جزي يحكم بأن هذه الظواهر المتبادرة من المتشابهات تفيد التجسيم، فليس هو من أهل السنة في نظرهم الباطل.

3 _ ترجيحات ابن جزي الكلبي في التفسير، من أول سورة الأنعام إلى آخر سورة يوسف. رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى الممكلة السعودية، من إعداد الطالب إبراهيم بن محمد عبد الخالق الغامدي، وإشراف أمين محمد عطية باشا. العام الجامعي 1429م.
وقد عقد الطالب مبحثا في بيان عقيدة ابن جزي قال فيه: ومما يلحظ عليه رحمه الله فيما قيده في هذه العقيدة الوجيزة أو فيما كتبه في التسهيل أمران: الأول أن السلف الصالح آمنوا بصفات الله تعالى وأمروها كما جاءت واعتقدوا ظاهرها مع نفي التمثيل لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فلا يلزم من حملها على ظاهرها التجسيم كما قال ابن جزي عفا الله عنه، وعليه فقد وقع ابن جزي في التأويل لعدم تحقيقه مذهب السلف الصالح في الصفات. (ص29)
فهذا الطالب كان أكثر جرأة، وصرح بمخالفة منهج الإمام ابن جزي لما يعتقده هو منهجا للسلف الصالح، وسأتي الرد عليه وعلى من يتخيلون مخالفة الإمام ابن جزي لمنهج السلف الصالح.

4 _ ترجيحات ابن جزي في التفسير، من أول سورة الغاشية حتى سورة الناس، رسالة مقدمة لنيل الماجستير في التفسير وعلوم القرآن من إعداد الطالب طارق بن أحمد بن علي الفارس، وإشراف عبد الرحمن بن جميل قصاص. جامعة أم القرى الممكلة السعودية 2009م.
عقد الطالب مبحثا في بيان عقيدة الإمام ابن جزي قال فيه: نهج ابن جزي منهج السلف الصالح في تقرير الأمور العقدية، والرد على من خالف عقيدة التوحيد من أهل الكتاب أو من الفرق المخالفة كالمرجئة والخوارج والمعتزلة وأهل الكلام والفلسفة. (ص32)
ثم قال: وأما مذهبه في الأسماء والصفات فهو بالجملة ينحو منحى أهل السنة والجماعة من إمرار الصفات كما وردت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل، حيث قال في القوانين ما يدل على ذلك. (ص34)
وهذا الكلان يناقض كليا كلام الطالب السابق الذي صرح بمخالفة الإمام ابن جزي لما يعتقده هو مذهبا لأهل السنة.
ثم ساق الطالب تنبيه الإمام ابن جزي على مذهب السلف، وهو التنبيه الذي اعتبره الطالب السابق مخرِجًا للإمام ابن جزي من مذهب السلف، فلاحظ التناقض.
ثم قال الطالب: ومع ذلك كانت هناك بعض المآخذ على ابن جزي من تأويله لبعض الصفات والتي نسأل الله أن يتجاوز عنه مقابل ما قدمه من علم وجهاد. (ص34)
ثم ساق بعض أمثلة التفويض عند الإمام ابن جزي ثم قال: وغير ذلك من الأمثلة التي سلك فيها ابن جزي مسلك التأويل، وهي قليلة لا تمثل رأيه ومنهجه الحقيقي الذي ذكره وسلكه في ثنايا مؤلفاته. (ص35.)
وسيأتي بيان المنهج الحقيق للإمام ابن جزي، وأنه يعتبر منهج هؤلاء الطلبة ومشرفيهم منهج المجسمة، لا منهج أهل السنة.

5 _ ترجيحات واختيارات ابن جزي في تفسيره، من أول سورة العنكبوت إلى آخر سورة غافر، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في التفسير، إعداد الطالب عبد الحي بن دخيل الله بن مسلم المحمدي، وإشراف عبد الله بن علي الغامدي. جامعة أم القرى سنة 2007م.
قال الطالب المذكور في مقدمة رسالته: منهج ابن جزي في الأسماء والصفات متردد، فهو تارة يميل إلى التأويل، وتارة يميل إلى الإثبات، وتارة يجنح للتفويض، ويسمي آيات الصفات بالمتشابهات أو المشكلات، غير أن ميله إلى طريق السلف في الإثبات أكثر. (ص17)
فهذا الطالب وصف الإمام ابن جزي بالتردد، أي بالتذبذب، وقد علم أنّ التردد في العقائد بمثابة الشك، وهو لا يليق بالأئمة كالإمام ابن جزي، لكن ذلك هو المنهج المنحرف الذي سارت فيه تلك الجامعات وهو اتهام خيرة العلماء في دينهم والتلبيس حول حقيقة آرائهم.
هذا، وقد أرفقت هذه الرسالة بمقدمة القوانين الفقهية للإمام ابن جزي، وهي عقيدة فاخرة سُنية، مع بعض التعليقات المستخرجة من كتبه رحمه الله تعالى ورضي عنه وعن علماء المسلمين، وحفظ تراثهم من تلاعب العابثين.


بقية الرسالة في المرفقات...

جلال علي الجهاني
06-04-2010, 09:38
بارك الله فيك وجزاك الله خيراً ..

محمد فؤاد جعفر
06-04-2010, 19:26
جزاكم الله خيراً