المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التأويل التفصيلي عند الإمام الطبري، وصرفه القرآن عن الظاهر المحال.



نزار بن علي
31-03-2010, 09:01
الحمد لله هادي من يشاء إلى صراط مستقيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الصادق الأمين
والرضى عن الآل الطاهرين والأصحاب أجمعين

وبعد؛ فإن من فضل الله تعالى على أهل السنة أن حفظ لهم تفسير الإمام الطبري حجة لهم وحجة على مخالفيهم.
وهذا التفسير العظيم حوى من الدرر والجواهر في جميع العلوم الشرعية المهمة ما لا يحصيه إلا الله.

ومن جملتها تلك الدرر المتعلقة بأصول الدين وكيفية التعامل مع الآيات الموهمة في خيال المشبهة التشبيه والمجسمة التجسيم.

فإن الله تعالى أنزل كتابه آيات محكمة لا يزيغ من تعلق بها وأرجع المتشابه إليها، وآيات متشابهات فتنة لأقوام زاغوا عن الحق المبين، وإعلاء لمقام العلماء الأبرار المتقين الذين يصرفونها عن المعاني الفاسدة إلى المعاني الصحيحة المحكمة.

وقد علم كل عالم انقسام آيات القرآن المبين المتعلقة بأصول الدين إلى محكمة ومتشابهة، وأن المحكم لا يحتمل إلا معنى واحدا صحيحا، وأن المتشابهة يحتمل معنيين أو أكثر منها الصحيح المراد ومنها المصروف عن ظاهره المحال الغير المراد.

وفي هذا التقسيم الرباني حكم كبرى، ينفرد بعلم جميعها المولى العظيم سبحانه وتعالى، ومن تلك الحكم التمييز الذي يظهر لنا بين أهل الحق وأهل الباطل؛ فإن أهل الحق يحملون المتشابه على المعاني الصحيحة التي أرشد إليها المحكم، وأما أهل الزيع فيحملون المتشابه على المعاني الفاسدة التي تتعارض مع المحكمات.

وقد علم أئمة أهل السنة هذه الحقائق، فاستمسكوا بالمحكمات النقلية التي تشهد لصحتها الأدلة العقلية، وصرفوا المتشابهات عن ظواهرها المستحيلة التي تنقضها المحكمات النقلية وتشهد ببطلانها البراهين العقلية.

ومن أولئك العلماء الأبرار الإمام ابن جرير الطبري، فقد ورد في تفسيره العظيم تأويلات تفصيلية صرف فيها الآيات القرآنية عن ظواهرها المستحيلة، إلى معاني محكمة قوية تشهد لها الأدلة العقلية.

وسأضرب هنا بعض الأمثلة، داعيا أهل القرآن الذين عاشوا مع تفسير الإمام الطبري كلمة كلمة أن يستنبطوا معي هذه التأويلات التفصيلية، التي اعتمدها أئمة أهل السنة شيئا فشيئا تزامنا مع ظهور أهل الزيغ والإلحاد الذين يحملون القرآن على معاني باطلة ويقولون بأن المراد هو الظاهر، والظاهر هو المراد، ولو كانت معاني فاسدة تشهد المحكمات ببطلانها.

فمن ذلك قوله تعالى:
(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) [البقرة: 143]

فهذه الآية يوهم ظاهرها أن الله تعالى ما كان عالما، ثم فعل فعلا ليعلم، وفيه إثبات الجهل لله تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

ولهذا قال الإمام الطبري في تفسيرها:
فإن قال لنا قائل : أوَ مَا كان الله عالمًا بمن يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، إلا بعد اتباع المتّبع ، وانقلاب المنقلب على عقبيه ، حتى قال : ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتّبعَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه ؟

قيل : إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قَبل كونها ، وليس قوله : (وما جعلنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن يَنقلب على عَقبيه) يخبر عن أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجُوده.

فإن قال : فما معنى ذلك ؟

قيل له : أما معناه عندنا ، فإنه : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي مَنْ يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، فقال جل ثناؤه : (إلا لنعلم ) ومعناه : ليعلمَ رَسولي وأوليائي. إذْ كان رسوله وأولياؤهُ من حزبه ، وكان من شَأن العرب إضافة ما فعلته أتباعُ الرئيس إلى الرئيس ، ومَا فعل بهم إليه ، نحو قولهم : " فتح عُمر بن الخطاب سَوادَ العراق ، وجَبى خَرَاجها " ، وإنما فعل ذلك أصحابه ، عن سببٍ كان منه في ذلك. وكالذي رُوي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقول الله جل ثناؤه : مَرضْتُ فلم يَعدني عَبدي ، واستقرضته فلم يقرضني ، وشتمني ولم يَنبغِ له أن يُشتمني. (جامع البيان، ج2/ص641، 642)

فهذا مثال واضح على التأويل التفصيلي الذي سلكه أئمة أهل السنة في الرد على أهل الزيغ والبدع، وهو يتضمن الصرف عن المعنى الظاهر الموهم في خيال أهل الباطل معاني فاسدة اعتقدوها مرادة، وهي غير مرادة بوجه من الوجوه.

ومثل هذه الدرر مبثوثة في الجامع للإمام الطبري، واستخراجها أمر مهم ويجب القيام به لبيان كون الإمام الطبري وهو أعلم الناس باقوال السلف الصالح كان مؤولا عندما يجب التأويل، وأن بعض ظواهر القرآن تؤدي بمعتقدها إلى الكفر وبالعياذ بالله تعالى، كالآية السابقة الموهمة في الخيال الفاسد أن الله كان جاهلا قبل أن يعلم، ومن تلك الظواهر أيضا ما يوهم في الخيالات الفاسدة التجسيم والتشبيه، وللأسف الشديد يعتقدها حتى أدعياء العلم فضلا عن المقلدة، وقد كان لها الإمام الطبري بالمرصاد، وسيأتي ذكر بعض النماذج.

نزار بن علي
31-03-2010, 10:49
الكل يعلم أن المشبهة والمجسمة بجميع فرقهم يعمدون إلى الآيات التي توهم للخيالات الفاسدة أن الله تعالى متصف بالجهة الحسية والمكان المرتفع فوق العرش جلوسا، خصوصا كما يصرح بذلك من عدم الحياء من مشايخ الوهابية (كعائض القرني)

وهذه الآيات التي يوهم ظاهرها للأذهان الفاسدة ذلك الأمر المستحيل على الله وهو الكون في المكان والحيز والحد، وقد أجمع اهل السنة على استحالة هذه الأمور في حق الله تعالى.

وقد كان الإمام الطبري من أعظم المنزهين لله تعالى عن الحد والحيز والمكان وغير ذلك من صفات الحوادث، وهذا معلوم قطعا من منهجه الاستدلالي الذي أثبت به حدوث العالم.

ولم يكتف بذلك رضي الله عنه، لكنه وجه الآيات التي يتشبث بها المجسمة والمشبهة توجيها لا يبقى معه لبس ولا ريب في أن الله تعالى منزه ـ عند أهل السنة والإمام الطبري ـ عن صفات المخلوقات.
ـ
وقبل عرض تأويل الإمام الطبري بعض الآيات التي أوهمت للمشبهة والمجسمة الحيز والمكان والجهة، أسوق للباحثين قاعدة نفيسة ذكرها العلامة محمد بن يوسف السنوسي في شرحه الفريد على مقدماته إذ قال:

وَمُشْكَلاَتُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ صَنَّفَ العُلَمَاءُ فِي جَمْعِهَا وَالكَلاَمِ عَلَيْهَا تَصَانِيفَ، وَالضَّابِطُ الجُمْلِيُّ فِي جَمِيعِهَا أَنَّ كُلَّ مُشْكَلٍ مِنْهَا مُسْتَحِيلَ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ لاَ يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ إِلاَّ مَعْنًى وَاحِدًا وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾[الحديد:4]؛ فَإِنَّ المَعِيَّةَ بِالتَّحَيُّزِ وَالحُلُولِ بِالمَكَانِ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى المَوْلَى ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ، فَتَعَيَّنَ صَرْفُ الكَلاَمِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَلاَ يَقْبَلُ هُنَا إِلَّا تَأْوِيلًا وَاحِدًا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، وَهُوَ المَعِيَّةُ بِالإِحَاطَةِ عِلْمًا وَسَمْعًا وَبَصَرًا. اهـ

والغرض من سياق هذا النقل العزيز القياس عليه من جامع الإمام الطبري رضي الله عنه، حيث قال في تفسير اسمه تعالى (العلي) في الآية الكرسي ما هو تطبيق عملي للقاعدة التي ذكرها العلامة السنوسي؛ إذ قال:
العليُّ، الفعيل، من قولك: علا يعلو علوّا، إذا ارتفع، فهو عالٍ وعليٌّ. والعليُّ: ذو العُلُوِّ والارتفاع على خَلْقِه بقُدرَتِه. جامع البيان، ج4/ص544

وبيان ذلك التطبيق أن العلو لا يحتمل في حق الله تعالى إلا معنى واحدا صحيحا وهو العلو بالقدرة وما تبعها من المكانة والرفعة والغلبة والاستيلاء والقهر، فجميع هذه المعاني راجعة للعلو بالقدرة، وأما المعاني الباطلة كالعلو بالمكان والتحيز والجهة الحسية فهو معنى فاسد لا يصح في حق الله تعالى، ولما كان الأمر كذلك، قطع الإمام الطبري رضي الله عنه بالتأويل التفصيلي وحمل العلو على معناه الصحيح المراد وهو العلو بالقدرة، وتضمن ذلك نفيا للعلو الجسمي الذي يلهج به المجسمة.

وهذا الأمر متكرر في تفسير الإمام الطبري، وعلى رأيه السديد سار جميع أئمة أهل السنة والجماعة؛ فقد قال الإمام الخطابي في كتابه الفريد: شأن الدعاء، في تفسير اسمه تعالى (العلي) : هو العالي القاهر. ثم ذكر قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) وقال: ويكون ذلك من علاء المجد والشرف. (ص66) وهذا تأويل تفصيلي قاطع ببطلان المعنى الفاسد الذي يحتمله العلو وهو المكاني بالتحيز والجهة المحسوسة.

وقد خاب وخسر من فارق إجماع أئمة أهل السنة، وحمل العلو في الآيات القرآنية على العلو المكاني الجهوي، الذي من لوازمه البينة الحد والتحيز.
ومثل هؤلاء الأئمة العظام كالإمام الطبري والإمام الخطابي هم حجة الله على الخلق بعد الأنبياء، وهم سيوف الله في نحور أهل التشبيه والتجسيم، الغارقين في بحار الضلال العقدي.