المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على كتاب درء تعالرض العقل والنقل [4]



رمضان ابراهيم ابو احمد
28-03-2010, 18:41
الرد على كتاب درء تعالرض العقل والنقل [4]

تابع الوجه الثالث
تحديد محل النزاع : الذى يقرأ عنوان هذا الكتاب يعتقد ان الاشاعرة يقولون بتناقض العقل والنقل , وهذا غير صحيح على الاطلاق , فمحل النزاع تعارض بعض الظواهر النقلية مع القواطع العقلية , وليس تعارض العقل والنقل , فبعض الظواهر النقلية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها لمخالفتها قواطع العقل ومخالفتها ايضا لمحكمات او قواطع النقل ,
مثال : [ يد الله فوق ايديهم ] انكر الاشاعرة اليد بمعنى الجارحة , اى انكروا ظاهر اليد , لأن ظاهر اليد ليس له معنى الا اليد الجارحة , لماذا انكروها ؟ لأنها تفيد التجسيم , وهو محال على الله تعالى , محال على الله تعالى ان يكون جسما له يدين ورجلين وجذع ورأس مثل الانسان , واليد تفيد الفقر والاحتياج , لايمكن ان تأكل او توصل الطعام والشراب الى فمك الا باليد , ولا يمكن ان تكتب وتعمل وتحارب الا باليد , وهذا فقر واحتياج , والله غنى عن ذلك سبحانه وتعالى فهو [ يطعم ولا يطعَم ] والنصوص تفسر بعضها , قال تعالى{ ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدى } وفى المقابل قال تعالى { انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون } وكلمة شيئا نكرة تشمل كل شيء , وأى شئ بما فى ذلك آدم عليه السلام , وقوله تعالى { ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } فالخلق فى الاثنين ب [كن فيكون ] وقوله تعالى { وكتبنا له فى الالواح من كل شيئ --} وفى الحديث [ كتب لك التوراة بيده ] فى مقابل حديث [ اول ما خلق الله القلم , فقال له اكتب , قال ما اكتب قال اكتب كل ما يكون الى يوم القيامة ] بما فى ذلك التوراة والقرآن وغيرهما من مقادير الخلائق ومما لايعلمه الا الله تعالى , فاضافة اليد فى خلق آدم وكتابة التوراة للتشريف وزيادة العناية , وهل آدم وموسي افضل من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ؟ وهل التوراة افضل من القرآن الكريم ؟
وهناك سر آخر فى اضافة اليد الى التوراة , ان اليهود قوم ما ديون , لا يفهمون الا بالمثال المادى , ولذلك قالوا { ارنا الله جهرة } فكان هذا التعبير باليد جريا على عادتهم بما يفهمون بالاسلوب المادى الذى يناسب تفكيرهم , وفى ذلك يقول النبى صلى الله عليه وسلم [ حدثوا عن بنى اسرائيل ولا حرج فقد كانت فيهم الاعاجيب ] وفى شرح هذا الحديث يقول الامام بن العربى المالكى [ كانت العجائب فى الامم السابقة مكشوفة , والآيات مشاهدة , فلذلك قوبلوا بالعذاب , ورحم الله هذه الامة , فأعطاها الأدلة , وحجب عنها المشاهدة , وجعل ثوابها على الايمان بالغيب , فلذلك لم تتكلم معها الاعضاء , ولا خاطبتها البهائم , فاذا جاء وعد الاخرة , واقترب الوعد الحق , ظهرت الايات وانكشفت المشاهدات ] هذا كلام يكتب بماء الذهب, لا يعقله الا العالمون ,
فليس عند الاشاعرة تناقض بين العقل والنقل , وهذا الكتاب الطويل العريض , درء تعارض العقل والنقل , بلا فائدة , الا انه اظهر تناقض بن تيمية واسلوبه المرهق فى رص المسائل , والاستطرادات الكثيرة التى تتعب من يقرأ فينسى اول المسألة اذا وصل الى نهايتها ,
يقول ابن تيمية [ واما ان اراد ان العقل اصل فى معرفتنا بالسمع ودليل لنا على صحته , --وهذا هو الذى اراده –فيقال له : اتعنى بالعقل هنا الغريزة التى فينا , ام العلوم التى استفدناها بتلك الغريزة ؟ اما الاول فلم ترده ويمتنع ان تريده , لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور ان يعارض النقل , وهى شرط فى كل علم عقلى او سمعى كالحياة , وما كان شرطا فى الشيء امتنع ان يكون منافيا له , فالحياة والغريزة شرط فى كل العلوم عقليها وسمعيها , فامتنع ان يكون منافيا لها , وهى ايضا شرط فى الاعتقاد الحاصل بالاستدلال , وان لم تكن علما ,فيمتنع ان تكون معارضا له ونافيا له ]
الرد : يناقش ابن تيمية هنا مسألة ان العقل اصل فى معرفتنا بالسمع , ويقول بأن هذا ما اراده الفخر الرازى من قانون التأويل الكلى الذى قام هذا الكتاب من اجل الرد عليه ,
وهو هنا يسأل الفخر الرازى : هل تقصد بالعقل [ الغريزة التى فينا ] ؟ ام العلوم التى استفدناها بتلك الغريزة ؟
ثم يصادر على الفخر الرازى ويحدد له المراد من كلامه ويقول [ اما الاول فلم ترده ويمتنع ان تريده ] لأنه يعتبر العقل غريزة مثلها مثل اى غريزة فى النفس البشرية , غريزة الجنس , غريزة الطعام والشراب , غريزة حب التملك وهكذا , وهذا هروب من تعريف العقل بالجوهر الذى هو تعريف الفلاسفة والمناطقة , فهل العقل غريزة فعلا , خلاف ,
ويلاحظ تناقض ابن تيمية فى تعريف العقل , فلم يثبت على القول بأنه غريزة , وانظر الى قوله فى مجموع الفتاوى [ وايضا فان العقل فى لغة المسلمين عرض من الاعراض قائم بغيره وهو غريزة او علم او عمل بالعلم ,ليس العقل فى لغتهم جوهرا قائما بنفسه ,] ج18 ص 338
العقل هو اداة التفكير , مثل اليد اداة الفعل والعين اداة البصر والاذن اداة السمع , وهذا هو المقصود بالعقل المجرد , والخير والشر يترتبان على استعماله , فيمكن استخدامه فى الخير فيعرف الله تعالى ويمكن استخدامه فى الشر فيكفر وينكر وجود الخالق , وهذا العقل المجرد لا يعارض النقل او السمع فعلا , ولكن المشكلة ان هذا كلام نظرى , فلا يمكن عند كل مسألة تعرض على العقل ان يجرد نفسه , وينظر اليها بانفصال عن غيرها , فهذه مرتبة صعبة ,
تنبه يا أخى : يتكلم ابن تيمية عن العقل المجرد ويقول بأنه لا يعارض النقل لأنه غريزة وشرط للتفكير , وعند هذه النقطة لابد ان تأتى مسألة اول واجب على المكلف , التى انكروها على الاشاعرة , اول ما يجب على هذا العقل المجرد الذى تصفه بأنه لا يعارض النقل ان ينظر فى اصله من اين جاء والى اين يسير ومن الذى اوجده , قال تعالى { قل انما اعظكم بواحدة ان تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة ان هو الا نذير لكم بين يدى عذاب اليم } ركز فى كلمة [ تتفكروا ] هذا هو الدليل على اول واجب على المكلف من القرآن الكريم [ ان يتفكر ] [ وينظر ] ولماذا مثنى وفرادى ؟ هذا موضوع آخر
• النقطة الثانية , يقول ابن تيمية [ وان اردت بالعقل الذى هو دليل السمع واصله المعرفة الحاصلة بالعقل , فيقال لك :من المعلوم انه ليس كل ما يعرف بالعقل يكون اصلا للسمع ودليلا على صحته , فان المعارف العقلية اكثر من ان تحصر والعلم بصحة السمع غايته ان يتوقف على ما به يعلم صدق الرسول صلى الله عليه وسلم , وليس كل العلوم العقلية يعلم بها صدق الرسول صلى الله عليه وسلم , بل ذلك يعلم بما يعلم به ان الله ارسله مثل اثبات الصانع وتصديقه للرسول بالايات وامثال ذلك ]
وهذه نقطة فى غاية الخطورة , يجب الالتفات اليها جيدا , فهو انكر معارضة العقل المجرد الذى هو اداة التفكير , انكر معارضته للسمع , وهذا جدل نظرى , هل تعارض اليد العمل ؟ وهل تعارض العين الابصار ؟ وهل تعارض الاذن السمع ؟ كذلك لا يعارض العقل التفكير المجرد ولكن اذا عرض عليه السمع اى الايمان بالغيب فانه ينظر فيه , فاذا وافق العقل الذى هو اداة الفهم , والذى هو فى الاصل المخاطب بالنقل [ ففاقد العقل غير مكلف ] فانه يؤمن ويستسلم لخالقه , ولذلك جاءت المعجزات لتساعد العقل على قبول النقل , ثم يكتسب العقل المعلومات التى تمكن النقل فى قلبه وكيانه
والخطورة هنا ان ابن تيمية يحصر المطلوب من العقل فى نقطة واحدة وهى [ مجرد التصديق بالرسول صلى الله عليه وسلم ] ويعتبر ان باقى المعلومات العقلية لا حاجة لنا بها , وهذا تحكم لا اساس له , فهو يرى ان المطلوب من العقل ان يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به عن ربه [ هذا اعتراف ان العقل اصل معرفتنا بالنقل ] مجرد عملية التصديق , ثم يعتبر هذه العملية [ اى التصديق ] ضرورية واضطرارية , اى فطرية [ بقى ان يقول ليس للعقل دخل فيها ] وبالتالى لا حاجة الى باقى العلوم العقلية فى عملية التصديق حتى نقول انها تعارض النقل او لا تعارضه , وهذا مبدأ فى غاية الخطورة , لأنه يحصر العقل او احتياجنا للعقل فى نقطة واحدة وهى مجرد التصديق بالسمع , مجرد تصديق النبى صلى الله عليه وسلم , وهل يمكن ذلك الا بالنظر والتفكير وتقليب الامور ؟
تنبه يا أخى هو يقف بنا عند درجة العوام , عند درجة الاعراب الذين قال الله تعالى فيهم [ الاعراب اشد كفرا ونفاقا وأجدر الا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ] حتى الصحابة لم يكونوا كذلك , الصحابة استخدموا كل العلوم المتاحة فى عصرهم لمعرفة عظمة هذا الدين , وكانت المعرفة معظمها لغوية فهم اصحاب الفصاحة والبيان , ونزل القرآن يتحداهم فيما برعوا فيه ,
وهذا سبب اهدار اتباع ابن تيمية للعقل وحصره فى زاوية ضيقة ,
تدبر هذا القول من ابن تيمية [ ليس القدح فى بعض العقليات قدحا فى جميعها , كما انه ليس القدح فى بعض السمعيات قدحا فى جميعها , ولا يلزم من صحة بعض العقليات صحة جميعها , كما لا يلزم من صحة بعض السمعيات صحة جميعها ]
هذا نص فى منتهى الخطورة , يمكن ان تقدح فى العقليات كما تريد ولكن كيف يكون القدح فى بعض السمعيات , ؟ هل يمكن ان يصدق الرسول فى اشياء ويكذب فى اشياء { حاشا لله ان يقع اى رسول فى الكذب } ما معنى القدح فى بعض السمعيات ؟ الا تعلم ان الدين كل لا يتجزأ ؟ فلو كذب الرسول فى شيء واحد لتطرق الكذب الى كل الدين , وكل المعلومات العقلية بلا استثناء تؤكد صدق وعظمة الدين ,
مثال : فى الحديث الصحيح فى البخارى [ جاءت ام سليم الى النبى صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله , ان الله لا يستحيى من الحق فهل على المرأة من غسل اذا احتلمت ؟ فقال : اذا رأت الماء , فغطت ام سلمة , يعنى وجهها وقالت يا رسول الله وتحتلم المرأة ؟ قال نعم , تربت يمينك , فبم يشبهها ولدها ] اخبر صلى الله عليه وسلم ان للمرأة ماء وان ماء المرأة اذا غلب ماء الرجل جاء الولد شبيها بأمه وأخواله وهذا ما اثبته العلم الحديث فى موضوع الجينات والكروموزومات , كيف يكون الوضع لو ذكر النبى صلى الله عليه وسلم خلاف هذا ؟ لكانت ثغرة ينفذون منها الى تكذيبه , وكذلك قول الله تعالى [ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ] فيأتى العلم الحديث ويثبت ان مراكز الاحساس فى الجلد فلو ذهب الجلد فى النار لانعدم الاحساس بالعذاب , وبسبب هذه الآية اسلم بعض علماء الامراض الجلدية ,
فكل المعلومات العقلية تؤيد الدين , والدين لا يخالف اى علم عقلى الى قيام الساعة , فالاقتصار على جانب واحد فقط من العقل لمهمة واحدة فقط هى التصديق ظلم واهدار لهذه النعمة التى هى مناط التكليف ,
ام انك تقصد بجواز كذب بعض السمعيات الاحاديث الموضوعة الاسانيد الباطلة , فهذه ليست من السمعيات , وانما هى افتراء على الدين من الكذابين , لا دخل للدين بهم , ولا تصل ان تقول [ ليس القدح فى بعض السمعيات قدح فى بعضها ] ولماذا لم تذكر امثلة او ادلة على جواز القدح فى بعض السمعيات ؟ ولاحظ ان القدح فى بعض السمعيات هو من عمل الفلاسفة غير المسلمين فكيف تنقل عنهم هذا الكلام ؟
• يتضح مما سبق انه يحصر ويضيق نطاق العقل فى نقطة واحدة وضيقة وعلى هذا صار اتباعه فى التقليل من شأن العقل , ولم يذكر مثالا واحدا على اتهامه للاشاعرة بتقديم العقل على النقل ,و رغم كل هذا الكلام يقول فى نهاية الوجه الثالث [فقد تبين بهذه الوجوه الثلاثة ,فساد المقدمات الثلاث التى بنوا عليها تقديم آرائهم على كلام الله ورسوله ] ولم يذكر مثالا واحدا على هذا التقديم , لم يقل –هذا الرأى قدمه الاشاعرة على هذه الآية –او على هذا الحديث –ولم يذكر آية واحدة ردها الاشاعرة , ولم يذكر حديثا واحدا رده الاشاعرة
• وبالتالى يسقط كلامه , ويصبح مجردا عن الدليل