المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (ابتغاء الفتنة) .... هل هو الإثبات ؟؟



محمد أيمن الجمال
18-03-2010, 14:22
يقول الله تبارك وتعالى:

(هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكماتٌ هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات، فأمّا الذين في قلوبهم زيغٌ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كلٌّ من عند ربّنا وما يذّكّر إلاّ أولو الألباب)

وفي هذه الآية يبيّن الله تعالى لحكمٍ يعلمُها أنّه قد جعل في الكتاب آيات متشابهات لا يعلمهنّ كثيرٌ من الناس.

وأيًّا كان معنى المتشابه فقد بيّن الله تعالى أنّ المتشابه قليلٌ حيث قال: (وأُخرُ متشابهاتٌ) وهذا يدلّ على قلّتها في مقابل قوله: (منه آياتٌ محكماتٌ هنّ أمّ الكتاب)، ويدلّ على أنّ الأصل عدم الاعتماد على المتشابه، والاعتماد على الأمّ (أمّ الكتاب) ألا وهنّ الآيات المحكمات، فإن وقعنا في لبسٍ أو خلافٍ بسبب آيات متشابهات أن نردّها إلى الأمّهات المحكمات التي لا خلاف فيها ولا لبس.

والأصل في المسلم ألاّ يتتبّع تلك الآيات المتشابهات، فمن جعل لتلك الآيات نصيبًا من جهده ووقته يصرفه إليها في التتبّع والنظر ومحاولة الفهم فهو داخلٌ لا محالة في قوله تعالى: (فأمّا الذين في قلوبهم زيغٌ فيتّبعون ما تشابه منه) فالمتّبع للمتشابه الذي يبحث عنه ويبحث فيه ويهتمّ له ويجعل مدار استباطه للأحكام الشرعيّة الاعتقاديّة من خلاله ... فهو بشهادة الله تبارك وتعالى من الذين في قلوبهم زيغٌ.

فكيف بمن استفرغ وقته في تتبّع هذه الآيات ثمّ لم يقف عند تتبّع آياتٍ أعلن الله تعالى صدقَها وحفظها من التغيير والتحريف: (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون) بل يزداد في ذلك بأن يتتبّع مواضع أمثالها من الأحاديث النبويّة الشريفة من أخبار الآحاد ممّا لم يشهد الله تعالى بصحّته ولا التزم عزّ وجلّ حفظه ولا عهد إلينا عدم تضييعه وهجره. فلا شكّ أنّ تتبّع مواضع المتشابه من السنّة والأحاديث الشريفة دلالة أكبر على زيغ القلب وانطماسه.

وكيف نأخذ ديننا عمّن في قلبه زيغ؟؟ كيف نأخذ ديننا عمّن جعل همّه الأكبر جمع هذه الآيات والأحاديث في مصنّفات مستقلّة؟؟

على أنّنا ينبغي ألاّ نُغفل أنّ الله تعالى قد وصف المتتبّعين لتلك الآيات بالزيغ في قلوبهم سواء أكان هذا التتبّع لغرض الفتنة أم كان لغرض التأويل. فأمّا إن كان من غير المسلمين فيكون تتبّعهم لغرض الفتنة، وهي ردّ المسلمين عن دينهم، وتشويه صورة الإسلام في نفوس أتباعهم، وهذه هي الفتنة الحقيقيّة في ردّ الناس عن دينهم واتّخاذ الدين لهوًا ولعبًا. ولا يتوقّع أن يتأوّل هذه الآيات غير مسلم، فدلّ هذا التقسيم: (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) على كونه خاصًّا بالمسلمين، إذ غيرهم نادرًا ما يتتبّع تلك الآيات وإن تتبّعها فيكون تتبّعُهُ لغرضٍ واحدٍ هو ردّ المسلمين عن دينهم وهو الذي سمّاه تعالى: (فتنة). وأمّا إرادة (الكفر والشرك) بلفظ (الفتنة) فقد ردّها الطبريّ بأنّ المخاطبين بهذه الآيات كانوا مشركين أصلاً فلا معنى لإرادتهم الشرك.

وأمّا إن كان المتتبّع لهذه الآيات (أو الأحاديث معها) من المسلمين فقد يكون في قلبه زيغٌ، فيتّبعها لأحد أمرين إمّا الإثبات الذي يلحقه التشبيه والتجسيم بسبب التتبّع والجمع الذي يوهم هذه المعاني (وهو ما وقع فيه طوائف من المسلمين) وإمّا التأويل الذي يُغيّر واقع النصوص في بعض الأحيان ويلوي أعناقها إلى درجة تُخرجها عن سياقاتها وسباقاتها، فتحرّف معاني النصوص بسبب هذا التتبّع الذي نهينا عنه.

والفتنة أصلها عرض الذهب على النار؛ لاستخلاصه من الغش ، ثم صار اسما لكل ما كان سببا للامتحان؛ تشبيها بهذا الأصل، ونحن نرى اليوم أنّ اتّباع هذه المتشابهات لغرض الإثبات كثيرًا ما يمتحن إيمان الناس وعقيدتهم بمثل استفساره عن معاني هذه الألفاظ التي وردت في آيات متشابهات، فهو أقرب إلى الفتنة من سواه. وقال الإمام الرازي: الفتنة في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه. ونحن نرى من غلوّ المثبتين في الإثبات ما يستلزم إلصاق معنى الفتنة بفعلهم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قرأ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:"هو الذي أنزل عليك الكتاب" إلى قوله:"وما يذكر إلا أولوا الألباب"، فقال: فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما -وذكر عنده الخوارج وما يلقون عند القرآن، فقال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه.

وعن مجاهد:"ابتغاء الفتنة"، قال: الشبهات، بها أهلكوا.

وعن محمد بن جعفر بن الزبير:"ابتغاء الفتنة"، أي اللبس.

قال أبو جعفر الطبريّ: فمعنى الكلام إذا: فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وحيف عنه، فيتبعون من آي الكتاب ما تشابهت ألفاظه، واحتمل صرف صارفه في وجوه التأويلات -باحتماله المعاني المختلفة- إرادة اللبس على نفسه وعلى غيره، احتجاجا به على باطله الذي مال إليه قلبه، دون الحق الذي أبانه الله فأوضحه بالمحكمات من آي كتابه.

والذي يظهر أنّ المقصود بالفتنة هنا: (الإثبات المفضي إلى التجسيم والتشبيه في نفس المتتبّع وامتحان الناس بهذا الإثبات) وذلك أنّ المتتبّع لهذه الآيات (من المسلمين) يريد بتتبّعه إلاّ أحد أمرين: (الإثبات أو التأويل). فأمّاّ التأويل فقد سمّاه الله تعالى باسمه قال تعالى: (وابتغاء تأويله)، وأمّا الإثبات المفضي إلى التجسيم والتشبيه في نفس المتتبّع فقد سمّاه (فتنة) قال تعالى: (ابتغاء الفتنة)

قال الإمام الرازي في تفسيره: واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة ، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة.

ولعمري لقد أتى بدرّة نفيسة إذ يقول: وأمّا المحقق المنصف ، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة. أحدها : ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية ، فذاك هو المحكم حقا. وثانيها : الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها ، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره. وثالثها : الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه ، فيكون من حقه التوقف فيه ، ويكون ذلك متشابها بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر ، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها.

نسأل الله أن يرزقنا حسن الإيمان به لنقول: (كلٌّ من عند ربّنا) ويغنينا بإيماننا ذاك عن أن نتتبّع النصوص المتشابهة، وأن يُحصّن قلوبنا من الزيغ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.

والحمد لله ربّ العالمين.

جلال علي الجهاني
18-03-2010, 18:02
انظر هذا الرابط .. وإذا كان لك من استفسار حول ما فيه فاكتبه هنا، أو في مشاركة جديدة .. (http://www.aslein.net/showthread.php?t=9987&p=64914#post64914)