المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل ذبح النبي للنصب ؟؟



هشام محمد بدر
19-10-2004, 02:39
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

أود من فضيلة الدكتور أسامة عبد القادر بحث صحة رواية أن الرسول صلى الله عليه و سلم ذبح للأنصاب في الجاهلية أو عدمها لأنها من أسخف شبهات النصارى التي يحاولون بها تنقص قدر النبي المعصوم .

و ساحاول البحث عن نص الشبهة إن شاء الله .

هشام محمد بدر
19-10-2004, 02:46
هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل في الجاهلية مما ذبح لغير الله؟

فإن قلت: لا ، فما معنى حديث زيد بن عمرو بن نفيل في البخاري:
باب ما ذبح على النصب والأصنام
"5180 حدثنا معلى بن أسد حدثنا عبد العزيز يعني بن المختار أخبرنا موسى بن عقبة قال أخبرني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لقي زيد بن عمر بن نفيل بأسفل بلدح وذاك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه"

فإن قلت: إن النسخة الصحيحة "فقدم إلى رسول الله" أقول: لا بل رواية الإسماعيلى وجزكاني يوافق الأول بل هو المتعين لأن الحديث في سائر الكتب بهذا الأفاظ نحو: مسند أحمد و ابن حبان والبيهقي.

ولا تقول كما قال ابن بطال: "كانت السفرة لقريش قدموها للنبي صلى الله عليه وسلم فأبى ان يأكل منها فقدمها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن عمرو فأبى ان يأكل منها وقال مخاطبا لقريش الذين قدموها اولا انا لا ناكل ما ذبح على انصابكم"
لأن ما ذكر ابن عساكر والذهبي في السير والحافظ في الفتح ينافي ذلك وهو: وفي حديث زيد بن حارثة عند أبي يعلى والبزار وغيرهما قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من مكة وهو مردفي فذبحنا شاة على بعض الانصاب

ولا ترتكب ما ارتكبه السهيلي بقوله" انه ليس في الحديث انه صلى الله عليه وسلم أكل منها" لأن في رواية الطبراني والطيالسي والمقدسي في الأحاديث المختارة ج3/ص309 :"فمر زيد بن عمرو بالنبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة وهما يأكلان من سفرة لهما فدعياه فقال يا ابن أخي لا آكل مما ذبح على النصب"

وإن تريد أن تقول: أنهما ذبحا الشاة على نصب اى على حجر لا لنصب بمعنى "الصنم" فإنه مدفوع بما عند ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ج19/ص508: عن زيد بن حارثة قال خرج النبي ص وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب فذبحنا له شاة..... ثم قدمنا إليه السفرة فقال ما هذا قال شاة ذبحناها لنصب من الأنصاب قال زيد ما آكل شيئا ذبح لغير الله"
و كذلك ما ذكره ابن عساكر عن ابن إسحاق قال فحدثت أن رسول الله ص قال وهو يحدث عن زيد بن عمرو إن كان لأول من عاب على الأوثان و نهاني عنها و أقبلت من الطائف ومعي زيد بن حارثة حتى مررت بزيد بن عمرو بن نفيل و هو بأعلى مكة وكانت قريش قد شهرته بفراق دينها حتى خرج من بين أظهرهم وكان بأعلى مكة فجلست إليه ومعي سفرة لي فيها لحم يحملها زيد بن حارثة من ذبائحنا على أصنامنا..إلخ

ويؤيده ما رواه ابن عساكر وغيره في روايات متعددة :
" فما رئي رسول الله ص بعد ذلك يأكل شيئا ذبح على النصب " وفي رواية:" قال قال رسول الله ص فما تمسحت بوثن منها بعد ذلك على معرفة بها ولا ذبحت لها حتى أكرمني الله تعالى برسالته" وفي رواية :" قال فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم يأكل مما ذبح على النصب من يومه ذلك" وفي رواية :" إن كان لأول من عاب على الأوثان و نهاني عنها"

ولا تقل ما قاله الذهبي في السير : أن الذبح كان لله واتفق ذلك عند صنم كانوا يذبحون عنده
لأنه ظاهر البطلان ومخالف لتصريح الرواة كلهم.

أسامة نمر عبد القادر
19-10-2004, 11:33
أرجو من الأخ الكريم توضيح وجه الإشكال ، حتى يكون جوابي منصبا على وجه الإشكال ، فإني لم أجد في النصوص الحديثية السابقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل مما ذبح على النصب ، وليحتمل الأخ الكريم عدم انتباهي لوجه الإشكال ، وليساعدني في بيانه .
ثم أرجو أن يخبرني هل النص المكتوب من تأليفه ، أم هو منقول ، وما هو مصدر النقل .
وليعذرني إذا تأخر الجواب برهة من الدهر .
وشكرا لك أيها الشاب الطيب ، وهداني الله وإياك لما هو أرشد أمرنا ، اللهم آمين .

هشام محمد بدر
20-10-2004, 03:36
أنا آسف جدًا إن كان هناك أي غموض في سؤالي و الشبهة هي (( هل ذبح الرسول صلى الله عليه و سلم لغير الله ؟)) و (( هل اكل مما ذبح لغير الله ؟)) و الروايات المذكورة بها قرائن تفيد ذلك و بعضها صرح به كما في رواية (( خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من مكة وهو مردفي فذبحنا شاة على بعض الانصاب )) و كذلك رواية (( فمر زيد بن عمرو بالنبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة وهما يأكلان من سفرة لهما فدعياه فقال يا ابن أخي لا آكل مما ذبح على النصب )) .. و باقي الروايات بها قرائن قوية جدًا تفيد قيام الرسول صلى الله عليه و سلم بالذبح لغير الله و الأكل من ذلك الذبح ، و دفع هذه القرائن قد يكون متكلفًا بعض الشئ .

أما هذا النص فقد نقله أحد الأخوة هنا في المنتدى منذ فترة و قد رددت عليه بمساعدة بعض الأخوة و لكني اكتشفت بعدها أن الرد ضعيف و به بعض الأخطاء لذا وددت أن انتهز الفرصة و استشير فضيلتكم بخصوص هذه الشبهة .

و الله المستعان .

هشام محمد بدر
23-10-2004, 18:33
حسنٌ ، هل يمكن القول بأن الأنبياء غير معصومين قبل النبوة ؟

أسامة نمر عبد القادر
23-10-2004, 19:06
من حيث الروايات ، فإني ما زلت أبحث الروايات المتعلقة بهذا الموضوع ، ويوميا يأخذ مني الأمر ساعات متطاولة ، واليوم قضيت كثيرا منه ، وأنا أبحث في اتصال سند واحد من هذه الأسانيد ، إن التوثق من الأسانيد يأخذ فترة طويلة ، فقد أقضي أسبوعا أو اثنين ، كل يوم ستة ساعات ، وذلك لمعرفة صحة حديث واحد بطرقه وشواهده .
فلذلك طلبت أن تصبر علي فترة من الزمن .

أما من حيث معنى الحديث ، فإن هذه عصمة الأنبياء قبل النبوة فيها خلاف .

لكن أريد أن ألفت نظرك إلى أمر ، وهو أنه قبل البعثة ليست ثمة حكم شرعي ، والراجح لدى كثير من الأصوليين أن الأمور قبل نزول الشرع ليست على الإباحة الشرعية ، ولكنها على الإباحة الأصلية ، بمعنى أنه ليس ثمة حكم أصلا ، لا واجب ولا حرام ولا مباح ، ولا مكروه ، ولا مندوب ، فإذا لم يكن ثمة حكم شرعي ، فهذا يعني أنه ليس ثمة خطاب من الله تعالى متعلق بأفعال المكلفين ، وعلى هذا فيكون مجرد الأكل من اللحم المذبوح على الأنصاب لا قبح فيه ، ولا مخالفة للعقل إذا لم يصاحبه تعظيم للصنم ، بمعنى : أنه لو ذبح أحدهم لصنم ذبيحة ، ثم وضعها للناس يأكلوا منها ، فلا مانع من أن يأكل النبي منها على قصد الأكل من الذبيحة ، لأن الأصل أن القبح في نية الذابح ، أما المذبوح في ذاته فلا قبح فيه ، وعلى هذا المعنى قد يجوز عقلا أن يأكل النبي صلى الله عليه وسلم مما ذبح على النصب .

وأنصحك أن تعود إلى كتاب الشفا للقاضي عياض لتنظر فيه مسألة عصمة الأنبياء ، فقد أجاد وأفاد ، ثم أنصحك بالرجوع إلى شرح النسفية في هذا الموضوع أيضا فقد أجاد ، وأفاد .

على كل حال ، إذا شاء العلي القدير ومن علي بإنهاء البحث خلال يومين أو ثلاثة ، ثم أصنع منه مختصرا ، أضعه بين يديكم لتنظروا في الروايات .
وبوركتم أيها الكريم .

لؤي الخليلي الحنفي
23-10-2004, 20:35
جزاك الله خيرا أخي أسامة
وكان الله في عونك ، وأمدك بمدد من عنده
وأقول أن العلم بحاجة الى صبر ومصابرة ، فمن لم يسطع ذلك ، فله أن يبحث عما أراد بنفسه .

هشام محمد بدر
23-10-2004, 20:50
بارك الله فيكم يا شيخنا على هذا المجهود ، و أنا و الله خجلت من نفسي عندما وجدتكم تبذلون هذا الجهد في الرد على سؤالي و انا لا افعل سوى الجلوس على الاريكة و انتظار الرد :(

على أية حال ، أنا على اطلاع جيد بالخلاف حول عصمة الأنبياء و المبحث المتعلق به في الشفا قرأته من زمن و اعدت قراءته قريبا ، و لكني سارجع له هذه الليلة إن شاء الله و كذلك الذي في شرح النسفية .

و لكم مني دعوة عظيمة - و مستجابة بإذن الله - في الفجر .

هشام محمد بدر
23-10-2004, 20:55
بالمناسبة ليتكم تصححون هذا الخطأ المضحك في سؤالي من ((غير معصومون)) إلى ((غير معصومين)) .. لا ادري حقا كيف كتبتها :confused:

أسامة نمر عبد القادر
25-10-2004, 12:05
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيد المصطفى المختار وآله وصحبه الجميع الأطهار ، أما بعد ،،،
فقد خرجت أحاديث هذه المسألة تخريجا مستفيضا ، ولكنني سأضع هاهنا خلاصة ما توصلت إليه .
وسأصيغ الجواب كالآتي ، سأذكر أولا كلام السائل ، بأن أقول (قال السائل) فأذكر كلامه ، ثم أجيب عنه ، بأن أقول (قلت) فأذكر جوابي .
وأسأل الله تعالى العون والتوفيق والسداد والمغفرة من الزلات لي ولإخواني الكرام .

قال السائل :
هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل في الجاهلية مما ذبح لغير الله ؟
( 1 ) فإن قلت: لا ،

قلت :
لم يذكر السائل سوى احتمال النفي ، ولم يذكر احتمال الإيجاب .
وكان الأولى أن يقول :
هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل في الجاهلية مما ذبح لغير الله ؟
فإن قلت : نعم ، يلزم كذا وكذا .
وإن قلت : لا ، ويتمم كلامه الآتي لاحقا .
على كل حال ، الذي أراه أن السؤال يحتمل الجوابين :
[ 1 ] فيحتمل القول بجواز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل قبل البعثة مما ذبح لغير الله :
لكن ، ليس على جهة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح لغير الله ويأكل مما ذبح ، وليس أيضا على جهة أنه يأكل مما ذبحه عباد الأصنام لغير الله تعظيما منه للأصنام .
بل على جهة أنه يأكل لحما لأجل أن يتغذى عليها .
1 = فإن الصواب امتناع أكل النبي صلى الله عليه وسلم مما ذبح على النصب بأن يذبحه هو للنصب ثم يأكل مما ذبح ، أو بأن يذبحه عباد الأصنام لها فيأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما لهذه الأصنام .
والدليل على ذلك : أن الصواب أن الأنبياء معصومون قبل النبوة في باب الاعتقادات ، فهم معصومون من الجهل أو الشك بالله تعالى وبصفاته ، وكذلك معصومون من كل ما يضاد الإيمان من الكفر والشرك .
ومستند هذا الباب النقل ، ومن ذلك :
/ أنه قد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنـزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ، وأنهم نشأوا على التوحيد والإيمان .
/ أنه لم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبأه الله تعالى واصطفاه ، وقد كان معروفا بكفر وإشراك قبل ذلك .
/ واستدل بعضهم على ذلك بالعقل قائلا : بأن القلوب تنفر عن الاستجابة لمن كان كافرا ( ) .
/ واستدل بعضهم : بأن قريشا قد رمت النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما افترته ، وعير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته ، مما نص الله تعالى عليه ، أو نقلته إلينا الرواة ، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته ، وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه ، ولو كان هذا ، لكانوا بذلك مبادرين ، وبتلونه في معبوده محتجين ، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم ، وما كان يعبد آباؤهم من قبل ، ففي إطباقهم عن الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه ، إذ لو كان لنقل ، وما سكتوا عنه ، كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة ، وقالوا {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} كما حكاه الله تعالى عنهم ( ) .
/ وقد استدل القاضي القشيري على تنـزيههم عن هذا بقوله تعالى {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} الأحزاب/7 ، وبقوله تعالى {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} آل عمران/81 ، قال القشيري : فطهره الله في الميثاق ، وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه ، ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور ، ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب ، هذا ما لا يجوزه إلا ملحد ، قال عياض : هذا معنى كلامه ( ) .
قال العبد الفقير أسامة نمر : هذا الاستدلال ضعيف في نظري ، إذ لا أرى أن أخذ هذا الميثاق كان حقيقة قبل خلق الأنبياء ، فلتراجع كتب التفاسير .
/ وكيف يكون ذلك ، وقد أتاه جبريل عليه السلام وشق قلبه صغيرا ، واستخرج منه علقة ، وقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله وملأه حكمة وإيمانا ، كما تظاهرت به أخبار المبدأ ( ) .
قال العبد الفقير أسامة نمر : هذا الاستدلال لا ينفع مع من ينكرون الإسلام ابتداء ، كاليهود والنصارى والدهريين (أعني الذين لا يؤمنون بإله) ، لكنه ينفع مع المسلم المؤمن إذا كان يصحح الأحاديث الواردة بشق الصدر في صغره صلى الله عليه وسلم .
فإن قلت : الحديث الذي يرويه عثمان بن أبي شيبة بسنده عن جابر أن النبي قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم ، فسمع ملكين خلفه ، أحدهما يقول لصاحبه : اذهب حتى تقوم خلفه ، فقال الآخر : كيف أقوم خلفه ، وعهده باستلام الأصنام ، فلم يشهدهم بعد ؟
فيقال : قال عياض : هذا حديث أنكره أحمد جدا ، وقال : هو موضوع أو شبيه بالموضوع ، وقال الدارقطني : يقال إن عثمان وهم في إسناده ، والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده ، فلا يلتفت إليه ( ) .
والمعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه عند أهل العلم من قوله : بغضت إلي الأصنام .
قلت : هذا المعروف بحاجة إلى معرفة إسناده لمعرفة صحته فيستدل به ، أو لمعرفة ضعفه فلا يستدل به .
وقوله في الحديث الآخر الذي روته أم أيمن حين كلمه عمه وآله في حضور بعض أعيادهم ، وعزموا عليه فيه بعد كراهته لذلك ، فخرج معهم ورجع مرعوبا ، فقال : كلما دنوت منها من صنم تمثل لي شخص أبيض طويل يصيح بي : وراءك ، لا تمسه ، فما شهد بعد لهم عيدا .
قلت : هذا أيضا بحاجة إلى معرفة إسناده ، وهل هو صحيح أم لا .
وقوله في قصة بحيرا حين استحلف النبي باللات والعزى إذ لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي ، ورأى فيه علامات النبوة ، فاختبره بذلك ، فقال له النبي : لا تسألني بهما ، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما ، فقال له بحيرا : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال : سل عما بدا لك .
قال العبد الفقير أسامة : الراجح عندي أن حادثة بحيرا لا تثبت لأنه قد تفرد بها قراد ، وهو ممن لا أقبل تفرده ، لا سيما لو تفضل القارئ بقراءة النص الكامل لحديث قراد ، لرأى آثار الصنعة بادية عليه .
وكذلك المعروف من سيرته صلى الله عليه وسلم وتوفيق الله له أنه كان قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج ، فكان يقف هو بعرفة ، لأنه كان موقف إبراهيم عليه السلام .
قلت : كل هذا بحاجة إلى دراسة سنده ، ولم أدرسه ، لقلة الوقت الآن ، ولأنه ليس موضوع البحث ، ولأنني قد قدمت الأدلة الأقوى في ذلك ، ولست بحاجة إلى هذا الدليل الآن .
2 = أما أن يأكل النبي صلى الله عليه وسلم مما ذبح على النصب لأجل أن يتغذى بها فقط ، من غير نظر إلى أن الذابح نوى من ذلك التقرب بها إلى الأصنام ، فإن الشرك حاصل في النية ، أما لو جاء شخص فأكل من ذلك اللحم لمجرد الأكل من غير ملاحظة منه لكونها مذبوحة على نية التقرب للأصنام ، فهذا قد يجوز أن يفعله النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة .
ووجه هذا القول هو ما صرح به القاضي عياض : بأن تصور مسألة عصمة الأنبياء من المعاصي قبل البعثة ممتنع ، لأن المعاصي والنواهي إنما تكون بعد تقرر الشرع ، ونبينا صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه لم يكن متبعا لشرع قبله ، على ما ذهب إليه الجمهور .
فالمعاصي ، على هذا ، غير موجودة ولا معتبرة في حقه حينئذ ، إذ الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالأوامر والنواهي وتقرير الشريعة .
وحجة أنه لم يكن متبعا لشرع قبله : أنه لو كان متبعا لشرع قبله لنقل ، ولما أمكن كتمه وستره في العادة ، إذا كان من مهم أمره ، وأولى ما اهتبل من سيرته ، ولفخر به أهل تلك الشريعة ، ولاحتجوا به عليه ، ولم ينقل شيء من ذلك جملة .
واحتج بعضهم لذلك : بأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا ، أي : يبعد أن يستجيب الناس لشخص عرف واشتهر بأنه قد كان تابعا لدين ما ثم غير دينه ، قال عياض : وهذا دليل غير سديد ، والحجة الأولى أولى وأظهر .
فإذا ثبت لدينا أنه لم يكن ثمة معاصي قبل البعثة ، فهل هم معصومون من بعض الأفعال قبل البعثة ، ذهب بعض أهل العلم إلى أنهم معصومون من كل عيب ومن كل ما يوجب الريب فيهم ، فلا شك أنهم معصومون قبل البعثة وبعدها من الزنا ومن الخيانة والغدر ، ومن الكذب ، ومن السكر ، ومن السجود لوثن ، ومن الاستقسام بالأزلام ، ومن الرذائل والسفه وبذاء اللسان وكشف العورة ، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت عريانا .
قلت :
ذهب الجمهور إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع لا حكم فيها ، سواء كان الانتفاع بها ضروريا أو لا يكون ، سواء كان محض المضرة أو محض النفع أو مشتملا عليهما ، وهذا لأن الحكم عبارة عن خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين ، فلما لم يكن قبل البعثة خطابا متعلقا بأفعال المكلفين ، لم يكن ثمة حكما متعلقا بأفعال المكلفين .
ومن الدليل على ذلك : قوله تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ، ولم يبعث رسول بعد ، فليس ثمة عذاب إذن ، وليس ثمة تكليف إذن ، وليس ثمة واجب أو حرام أو مباح إذن .
وأيضا قوله تعالى {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ولم يبعث رسول بعد يبشر وينذر ، فلا يكون ثمة تكليف ، لأنه سيكون عندئذ للناس على الله حجة ، وهو أنه تعالى لم يبعث رسولا يبين لهم ويبشرهم وينذرهم .
وهكذا ، فإنه لما ثبت أنه قبل البعثة ليس ثمة تكليف :
فإذا صح في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل مما ذبح على النصب على المعنى الذي ذكرناه ، وهو أنه أكله على جهة التغذي ، لا على جهة التعظيم للأصنام ، فإنما يكون فعل أمرا لا حرمة فيه .
وإن لم يصح في الخبر ذلك ، فلا إشكال أيضا .
أقول : قد يكون من الجائز أن يأكل النبي صلى الله عليه وسلم مما ذبح لغير الله على جهة التغذي فحسب ، لكن القول بجواز وقوعه شيء ، وإثبات وقوعه شيء آخر ، إذ ليس ثمة خبر بإسناد صحيح يثبت ذلك .
أمر شبيه بما نحن بصدده
لقد جاء الحكم الشرعي بعد البعثة : بتحريم الزواج من المشركات ، قال تعالى {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ، وقال أيضا {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} .
ومع ذلك ، فقد أنكح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبل البعثة ، ابنته زينب أبا العاص بن الربيع ، وهو مشرك ، وقد هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبقيت عند أبي العاصم بمكة مدة ، إلى أن لحقت برسول الله بعد .
وكذلك ، كان عند عمر بن الخطاب امرأتان مشركتان ، طلقهما يوم الحدييبية حين نزل قوله {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ، وقوله {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} .
فيكون أمر الطعام قبل نزول تحريم ذبائح أهل الشرك مثل أمر النكاح قبل نزول تحريم نكاح المشركين والمشركات ، في أنهما قبل البعثة لم يتعلق بهما حكم ، فيجوز صدروهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ما دام ليس في الفعل نفسه شرك وكفر بالله تعالى .
[ 2 ] ويحتمل القول بامتناع أن يأكل النبي صلى الله عليه وسلم مما ذبح على النصب لأجل التغذي ، تماما كما يمتنع أن يأكل منها على جهة التعظيم للأصنام .
وذلك بناء على أن رتبة الكمال تأبى وقوع ذلك منه صلى الله عليه وسلم ( قال العبد الفقير أسامة : لكن هذه الرتبة لا يثبتها النصارى واليهود له ، فإنها مبنية على الإيمان به صلى الله عليه وسلم ، لذلك لا أفضل استخدام هذا الوجه في الجواب ضد اليهود والنصارى ، إلا إذا استطاع المستدل أن يقنعهم قبل ذلك بوصوله إلى مثل هذه الرتبة ، والله أعلم ) .
ويؤيد القول بامتناع الأكل : عدم وقوعه ، إذ لم يثبت ذلك في شيء من الروايات ، وما روي في ذلك فإنه لا يصح ، كما سيأتي بيانه .

أسامة نمر عبد القادر
25-10-2004, 12:16
قال السائل :
فإن قلت : لا ، فما معنى حديث زيد بن عمرو بن نفيل في البخاري : باب ما ذبح على النصب والأصنام ، حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد العزيز (يعني ابن المختار) ، أخبرنا موسى بن عقبة قال : أخبرني سالم ، أنه سمع عبد الله يحدث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه لقي زيد بن عمر بن نفيل بأسفل بلدح ، وذاك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه" .

قلت :
1 = يلاحظ أولا ، كما قال الخطابي ، أن حديث ابن عمر هذا ـ وكذلك حديث سعيد بن زيد ـ ليس فيهما بيان أنه ذبح ، أو أمر بذلك ، ولعل زيد بن عمرو بن نفيل ظن أن ذلك اللحم مما كانت قريش تذبحه لأصنامها ، فامتنع لذلك ، ولم يكن الأمر كما ظن ، فإن كان ذلك فُعل فبغير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رضاه .
قال العبد الفقير أسامة : قول الخطابي (ليس فيهما بيان أنه ذبح أو أمر بذلك، ينفع الاستدلال به في مواجهة غير المسلمين ، لكن قوله (ولعل زيد ظن أن ذلك ) إلى آخره ، لا ينفع الاستدلال به في مواجهة غير المسلمين ، وإنما ينفع مع المسلم المؤمن بالمعجزة ، لأن العصمة ثابتة عنده بدليل قطعي ، فآي نص آحاد يروى يخالف القطعي ، فلا بد إما أن يكون له تفسير آخر غير ظاهره الذي يعارض القطعي ، وإما أن يكون ضعيف السند .
2 = ويلاحظ ثانيا ، كما قال السهيلي ، أنه ليس في حديث ابن عمر حين لقيه ببلدح ، أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل منها ، وإنما في الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم إليه سفرة فيها لحم ، فأبى زيد بن عمرو أن يأكل منها ، ثم قال ما قال .
قلت : فإن قيل : قد جاء في بعض الروايات التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم أكل مما ذبح على النصب ، فيقال : هذه الأحاديث ضعيفة جدا ، كما سيأتي في سؤال تال للسائل وجوابي عنه .
3 = قال الكرماني : جعل هذا اللحم المذبوح على النصب في سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدل على أنه كان يأكله ، وكم شيء يوضع في سفرة المسافر مما لا يأكله هو ، بل يأكل من معه ، وإنما لم ينه الرسول صلى الله عليه وسلم من معه عن أكله : لأنه لم يوح إليه إذ ذاك ، ولم يؤمر بتبليغ شيء تحريما وتحليلا حينئذ ( ) .

أسامة نمر عبد القادر
25-10-2004, 12:18
قال السائل :
( 2 ) فإن قلت : إن النسخة الصحيحة ( فقدمت إلى رسول الله ) ، أقول : لا بل رواية الإسماعيلى والجرجاني توافق الأول ، بل هو المتعين ؛ لأن الحديث في سائر الكتب بهذا اللفظ ، نحو: مسند أحمد وابن حبان والبيهقي.

قلت :
إن لترجيح لفظة على أخرى منهجا دقيقا ، يعتمد الرواة ، لا المخرجين :
فقد يخرج الحديث عشرات من المصنفين ، لكنهم يخرجونه من نفس الطريق .
وقد يخرج الحديث مصنف واحد في كتاب واحد له من عشرة طرق .
فالاعتماد إذن على عدد الرواة ، لا على عدد المخرجين للحديث ولا على عدد الكتب التي خرجت الحديث .
وبناء على ما سبق أقول :
قبل كل شيء لا بد من تحديد مسألة البحث ، وهاهنا أمران وليس أمر واحد :
الأمر الأول : ما هو الصحيح في لفظ الحديث في هذا الموضع من صحيح البخاري ؟
إن لفظة (فقدمت إلى رسول الله) أخرجها البخاري من طريق : فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبدالله ، عن أبيه عبد الله بن عمر .
وقد اختلف رواة صحيح البخاري في رواية هذه اللفظة في هذا الموطن من الصحيح ، أعني من طريق فضيل بن سليمان .
× فأكثر من روى الصحيح عن البخاري قالوا (فقدمت إلى رسول الله) .
× والجرجاني ممن روى الصحيح عن البخاري قال (فقدم إليه النبي سفرة) .
والأصل أن رواية الأكثر مقدمة رواية الواحد ، إذا كان كلهم ثقات .
ولذلك قال عياض : والأول إن شاء الله هو الصواب ، ولا يبعد صحة الثاني ( ) .
لكن نبه ابن حجر إلى أن الإسماعيلي والزبير بن بكار والفاكهي وغيرهم أخرجوا الحديث كما يوافق رواية الجرجاني ( ) ، وسؤالي هنا : هل أخرج هؤلاء ، أعني الإسماعيلي والزبير بن بكار والفاكهي ، هذا الحديث من طريق فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة ، وعندئذ يكون لكلام ابن حجر وجه هنا ، أما أخرجوه من غير طريق فضيل بن سليمان عن موسى ، وعندئذ يكون في كلامه نظر ؟ إن الكتب غير متوفرة بين يدي لأعرف الجواب ، فالله أعلم .
على كل حال ، إنني بعد مقارنة الروايات وجدت أن آخرين رووا الحديث عن موسى بن عقبة بنفس اللفظ الذي جاء رواه الجرجاني عن البخاري ، وهذا هو الأمر الثاني الذي سوف أشرحه .
الأمر الثاني : ما هو الصحيح في لفظ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أخرج البخاري الحديث من طريقين عن موسى بن عقبة ، وذلك في موضعين من صحيحه :
الطريق الأول : طريق فضيل بن سليمان ، عن موسى بن عقبة .
أخرج البخاري من طريق : محمد بن أبي بكر ، عن فضيل بن سليمان ، عن موسى بن عقبة ، جاء فيه (لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح ، فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد : إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم) .
فصريح هذه الرواية أن ثمة ناس هم الذين قدموا السفرة إلى النبي ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد ما قال .
وقد أخرج البيهقي في دلائل النبوة الحديث من طريق أخرى عن فضيل بن سليمان ، وهي طريق : إسماعيل الجحدري ومحمد بن عبدالله بن يزيع ، عن فضيل بن سليمان ، عن موسى بن عقبة ، جاء فيه (فقدمت إليه سفرة ، فأبى زيد أن يأكل منها) ، فلم تصرح هذه الرواية بأن السفرة قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، بل صريح الجملة التي بعدها يدل على أن السفرة قدمت إلى زيد ، لكن لم تصرح هذه الرواية بالذي قدم السفرة إلى زيد .
ولم أجد أحدا آخر خرج الحديث من طريق فضيل بن سليمان .
على كل حال هذه الطريق كلها غير معتمدة ، لأن فضيل بن سليمان ضعيف ، والآخرون الذين رووا الحديث عن موسى بن عقبة أوثق من فضيل بن سليمان .
الطريق الثاني : طريق عبد العزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة .
أخرج البخاري : عن معلى بن أسد ، عن عبد العزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة ، جاء فيه (أن رسول الله لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح ، فقدم إليه رسول الله سفرة لحم ، فأبى أن يأكل منها) ثم قال ما قال .
فصريح هذه الرواية أن الذي قدم إليه سفرة اللحم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكذلك أخرجها الطبراني : عن علي بن عبدالعزيز ، عن عبدالعزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة ، جاء فيها : (أنه لقي زيد ، فقدم إليه رسول الله سفرة لحم ، فأبى أن يأكل ، ثم قال : لا آكل مما تذبحون على أصنامكم)
لكن أخرجها البيهقي في السنن الكبرى من طريق أخرى : عن علي بن عبدالعزيز ، عن معلى ، عن عبدالعزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة ، جاء فيه : (أنه لقي زيد ، فقدم إليه سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم) .
فليس فيه هذه الرواية من قريب ولا من بعيد أن الذي قدم إليه سفرة اللحم هو رسول الله ، وإنما بنى الراوي الفعل للمجهول .
وكذلك أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق : إبراهيم بن الحجاج السامي ، عن عبدالعزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة ، جاء فيه : (أنه لقي زيد ، فقدم إليه سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : إني لا آكل مما تذبحون لأصنامكم) .
وهكذا نجد أن الرواة عن عبد العزيز بن المختار اختلفوا ، فنحتاج إلى طرق وروايات أخرى لنعرف أيهم الأصوب رواية .
وللحديث طرق أخرى عن موسى بن عقبة خارج صحيح البخاري ، منها :
الطريق الثالث : طريق وهيب ، عن موسى بن عقبة .
أخرج النسائي في السنن الكبرى وأحمد في المسند وإبراهيم الحربي في غريب الحديث وابن سعد في الطبقات الكبرى ، من طريق عفان ، عن وهيب ، عن موسى بن عقبة ، وجاء فيه : ( أنه لقي زيد ، فقدم إليه رسول الله سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : إني لا آكل مما تذبحون على أصنامكم) .
وهذا أيضا صريح بأن الذي قدم سفرة اللحم إلى زيد بن عمرو هو : النبي صلى الله عليه وسلم .
الطريق الرابع : طريق زهير بن معاوية ، عن موسى بن عقبة .
أخرج أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق : يحيى بن آدم ، عن زهير بن معاوية ، عن موسى بن عقبة ، وجاء فيه : ( لقي زيد ، فقدم إليه رسول الله سفرة فيها لحم ، فأبى أن يأكل منه ، وقال : إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم) .
وهذا أيضا صريح بأن الذي قدم سفرة اللحم إلى زيد بن عمرو هو : النبي صلى الله عليه وسلم .
وهكذا نلاحظ أن الروايات التي صرحت بأن الذي قدم سفرة اللحم إلى زيد بن عمرو هو رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الأوثق والأكثر عددا .
أعود فأقول :
إن هذه الرواية لم تذكر نهائيا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح على النصب .
وكذلك لم تذكر نهائيا أن رسول الله أكل من اللحم الذي على السفرة ، سواء ذبح على النصب أم لم يذبح .
غاية ما صرحت به الرواية أنه قدم اللحم إلى زيد بن عمرو بن نفيل .
ولو فرضنا أنه كان من الممتنع أن يأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ذبح على النصب ، فليس من الممتنع أن تكون على سفرة أمامه ، وأن يقدمها لغيره لأجل أن يأكل منها ، لا تعظيما للأصنام .

أسامة نمر عبد القادر
25-10-2004, 12:23
قال السائل :
( 3 ) ولا تقول كما قال ابن بطال : "كانت السفرة لقريش قدموها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يأكل منها ، فقدمها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن عمرو ، فأبى أن يأكل منها ، وقال (يعني زيد بن عمرو) مخاطبا لقريش الذين قدموها أولا : إنا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم" .
لأن ما ذكر ابن عساكر ، والذهبي في السير ، والحافظ في الفتح ينافي ذلك ، وهو : وفي حديث زيد بن حارثة عند أبي يعلى والبزار وغيرهما قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من مكة وهو مردفي فذبحنا شاة على بعض الأنصاب .

قلت :
هاهنا ملاحظات :
الملاحظة الأولى :
لقد اعتمد ابن بطال في كلامه على الجمع بين روايتي فضيل بن سليمان وعبد العزيز بن المختار :
فقد جاء في رواية : فضيل بن سليمان ، عن موسى بن عقبة : (لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح ، قبل أن ينزل على النبي الوحي ، فقدمت إلى النبي سفرة ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد : إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم) .
فظاهر لفظ هذه الرواية أن ثمة قوم قدموا سفرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال زيد بن عمرو ما قال .
وجاء في رواية : عبدالعزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة : (أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح ، وذاك قبل أن ينزل على رسول الله الوحي ، فقدم إليه رسول الله سفرة لحم ، فأبى أن يأكل منها ، ثم قال : إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم) .
وظاهر لفظ هذه الرواية : أن رسول الله قدم سفرة لحم لزيد بن عمرو ، فأبى أن يأكل منها .
ففي رواية فضيل بن سليمان ما ليس في هذه الرواية ، وهو : أن سفرة اللحمة قدمها قوم للنبي صلى الله عليه وسلم .
وفي رواية عبدالعزيز بن المختار ما ليس في رواية فضيل ، وهو أن زيد بن عمرو أبى أن يأكل منها .
ثم سائر الأمور مشتركة بين الروايتين .
وهكذا يتضح لنا أن صنيع ابن بطال ما هو إلا جمع بين الروايتين فيما اختلفتا فيه وفيما اتفقتا عليه ، هذا غاية ما صنعه ابن بطال ، فما هو المستنكر في ذلك ؟!
لكن ابن بطال زاد أمرا آخر لم يوجد في شيء من طرق الحديث ، وهو : أن السفرة كانت لقريش، ولعل هذا هو الأمر الذي انتقده ابن حجر على ابن بطال قائلا : "وما قاله محتمل ، لكن لا أدري من أين له الجزم بذلك ، فإني لم أقف عليه في رواية أحد" ، يعني ابن حجر أن كون السفرة كانت لقريش محتمل ، لكنه لم يقف عليه في شيء من روايات هذه القصة .
فإذا غضضنا الطرف عن تعيين القوم الذين قدموا السفرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه لم يرد في شيء من الروايات ، يبقى عندنا ما يلي :
× أن ثمة قوم ـ هكذا من غير تعيين ـ قدموا السفرة للنبي فأبى أن يأكل منها ، وهذا أمر صرحت به رواية فضيل بن سليمان التي أخرجها البخاري في صحيحه .
× وأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم سفرة اللحم لزيد بن عمرو فأبى أن يأكل منها ، وهذا أمر صرحت به رواية عبدالعزيز بن المختار التي أخرجها البخاري في صحيحه .
× ثم قال زيد بن عمرو ما قال ، وهذا أمر صرحت به الروايتان .
وهكذا يكون مستند ابن بطال فيما فعل هو الجمع بين روايتي الحديث التين في صحيح البخاري .
تنبيه
ليس ابن بطال وحده الذي جمع بين هاتين الروايتين على هذا النحو .
فقد تبعه : ابن المنير ، فقد نقل ابن حجر عن ابن المنير أنه جمع بين هذا الاختلاف (أي الاختلاف بين رواية فضيل بن سليمان التي تدل على أن السفرة قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين رواية عبد العزيز بن المختار التي تدل على أن السفرة قدمها النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيد) : بأن القوم الذين كانوا هناك قدموا السفرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقدمها رسول الله لزيد ، فقال زيد مخاطبا لأولئك القوم ما قال ( ) .
تعقيب
بالرجوع إلى كتاب تهذيب الكمال للمزي يتبين لنا أن فضيل بن سليمان هذا ضعيف ، ضعفه يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وصالح بن محمد ، ولم أر من وثقه ، فإن قيل : قد ذكره ابن حبان في الثقات ، فيقال : ليس من منهج ابن حبان أن كل من ذكرهم في كتابه الثقات هم ثقات ، وله منهج خاص في ذلك ، ولا نجزم بتوثيق ابن حبان للراوي إلا إذا نص بشأنه خصوصا أنه ثقة .
فإن قيل : كيف أخرج له البخاري ؟
فيقال : أخرج له البخاري أحاديث قليلة في المتابعات .
وبهذا يتبين لنا خطأ مقولة : أن كل من أخرج له البخاري جاز القنطرة !!!
على كل حال ، بناء على ضعف فضيل بن سليمان الذي تبين الآن ، وبناء على أن اللفظة التي ذكرها فضيل بن سليمان لم يتابعه عليها أحد ، أعني لفظة (فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة) ، فلا بد من ردها وعدم قبولها ، وبالتالي لا يصح الجمع بين رواية فضيل بن سليمان ورواية غيره بالجمع الذي أتى به ابن بطال وابن المنير .
الملاحظة الثانية :
إن ابن بطال لم يستند فقط على الجمع بين روايات فيما ذهب إليه .
وإنما استند أيضا إلى ما بينه عقب جمعه بين الروايات قائلا : "ولم يكن زيد في الجاهلية بأفضل من النبي صلى الله عليه وسلم ، فحين امتنع زيد ، فالنبي الذي كان حباه الله لوحيه واختاره ليكون خاتم النبيين وسيد المرسلين أولى بالامتناع منها في الجاهلية أيضا " ( ) .
وهذا توجيه قوي وجيه ، فإن زيد بن عمرو كان يرفض عبادة الأصنام ، وبالتالي يرفض أكل ما ذبح على النصب ، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفض عبادة الأصنام ، وبالتالي كان لا بد أن يكون رافضا أكل ما ذبح على النصب .
وليس هذا منهما من باب التشريع ، ولا من باب الحلال والحرام ، لكنه رأي ارتأياه لنفسيهما ، وذلك من باب بناء النتائج على المقدمات ، فإنه قد ظهر لنا أن المقدمات عند كل من رسول الله وزيد بن عمرو تأكدت بأن الأصنام لا تضر ولا تنفع وأنها ليست بآلهة ، فلا بد أنهما لن يعظما ما ذبح لها ، فإذا نقل وروي عن أحدهما أنه أكل ما ذبح لها ، فلا بد أن يكون ثمة خلل في النقل وغلط في الرواية ، هذا ما يوجبه العقل ويستلزمه النقل .
وهذه النقطة التي استند عليها ابن بطال ، سوف نستند عليها نحن ، لأجل تبيين ضعف حديث زيد بن حارثة الذي استند عليه السائل ، فانظره حين مناقشتنا لدرجته وحاله من حيث الصحة والضعف .
الملاحظة الثالثة :
لقد استند السائل في رد ورفض ما ذهب إليه ابن بطال على حديث زيد بن حارثة ، والذي جاء فيه : (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من مكة وهو مردفي ، فذبحنا شاة على بعض الأنصاب) ، ووجه استدلاله واضح ، فإن ظاهر هذا النص يدل على أن رسول الله وزيد بن حارثة ذبحا شاة تقربا لبعض الأنصاب .
والجواب أن هذا الحديث مروي بإسناد لا يقبل ولا يحتج به ، لا سيما في هذا المقام .
نص الحديث
أما الحديث نفسه ، فقد أخرج النسائي في السنن الكبرى وإبراهيم الحربي في غريب الحديث والبزار في مسنده والطبراني في المعجم الكبير والحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة وإسماعيل الأصبهاني في دلائل النبوة وأبو زكريا بن مندة في معرفة أرداف النبي صلى الله عليه وسلم والمزي في تهذيب الكمال ، كلهم من طريق أبو أسامة حماد بن أسامة (ح)
وأخرج أبو يعلى في مسنده ابن عساكر في تاريخ دمشق والذهبي في سير أعلام النبلاء ، كلهم من طريق عبد الوهاب بن عبدالمجيد الثقفي (ح)
وأخرج الطبراني في المعجم الكبير وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني وأبو زكريا بن مندة في معرفة أرداف النبي ، كلهم من طريق خالد بن عبدالله (ح)
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة من طريق عمر بن علي المقدمي (ح)
أربعتهم ، أعني أبو اسامة حماد بن أسامة وعبدالوهاب بن عبدالمجدي وخالد بن عبدالله وعمر بن علي المقدمي ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ويحيى بن عبدالرحمن بن حاطب ، عن أسامة بن زيد ، عن زيد بن حارثة قال : خرج رسول الله ، وهو مردفي ، إلى نصب من الأنصاب ، فذبحنا له شاة ، ووضعناها في التنور ، حتى إذا نضجت استخرجناها فجعلناها في سفرتنا .
ثم أقبل رسول الله يسير ، وهو مردفي في أيام الحر من أيام مكة ، حتى إذا كنا على الوادي لقي فيه زيد بن عمرو بن نفيل ، فحيا أحدهما الآخر بتحية الجاهلية ، فقال له رسول الله : ما لي أرى قومك قد شنفوك ؟ قال : أما والله ، إن ذلك مني لغير ثائرة كانت مني إليهم ، ولكني أراهم على ضلالة ، فخرجت أبتغي هذا الدين ، حتى قدمت على أحبار يثرب فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به ، فقلت : ما هذا بالدين الذي أبتغي ، فخرجت حتى أقدم على أحبار أيلة فوجدتهم يعبدون الله ويشركون به ، فقلت : ما هذا بالدين الذي أبتغي ، فقال لي حبر من أحبار أهل الشام : إنك تسأل عن دين ما نعلم أحدا يعبد الله به إلا شيخا بالجزيرة ، فخرجت حتى قدمت عليه فأخبرته بالذي خرجت له ، فقال : إن كل من رأيت في ضلالة ، إنك تسأل عن دين هو دين الله ودين ملائكته ، وقد خرج في أرضك نبي ، أو هو خارج ، يدعو إليه ، ارجع إليه وصدقه واتبعه وآمن بما جاء به ، فرجعت فلم أختبر شيئا بعد .
وأناخ رسول الله البعير الذي كان تحته ، ثم قدمنا إليه السفرة التي كان فيها الشواء، فقال : ما هذه ؟ فقلنا : هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا ، فقال : إني لا آكل ما ذبح لغير الله .
وكان صنما من نحاس يقال له : إساف ونائلة ، يتمسح به المشركون إذا طافوا ، فطاف رسول الله وطفت ، فلما مررت مسحت به ، فقال رسول الله : لا تمسه ، قال زيد : فطفنا ، فقلت في نفسي : لأمسنه ، حتى أنظر ما يقول : فمسحته ، فقال رسول الله : ألم تنه ؟ قال زيد : فواللذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلمت صنما حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ، ومات زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن يبعث ، فقال رسول الله : يأتي يوم القيامة أمة وحده .
هذا لفظ الحاكم في المستدرك .
وقد قال الحاكم عقب الحديث : صحيح ، على شرط مسلم .
درجة الحديث
هذا الحديث ، وإن صححه الحاكم ، لكنه في الواقع ضعيف جدا ، للأسباب التالية :
السبب الأول : فيه : محمد بن عمرو بن علقمة .
وهو مختلف فيه :-
أولا : الذين عدلوه
× قال ابن المبارك : لم يكن به بأس .
× روى ابن طهمان عن ابن معين قال : روى عنه يحيى بن سعيد القطان وغيره .
× وروى ابن طهمان وابن أبي مريم وابن محرز وأحمد بن زهير عن ابن معين قال : ثقة .
قال العباس الدوري : سئل يحيى بن معين عن حديث سهيل والعلاء وابن عقيل وعاصم بن عبيدالله ؟ فقال : عاصم وابن عقيل أضعف الأربعة ، والعلاء وسهيل حديثهم قريب من السواء ، وليس حديثهم بالحجج ، أو قريبا من هذا ، تكلم به يحيى ، قال يحيى : ومحمد بن عمرو أكبر من هؤلاء الأربعة .
قال عبدالله بن أحمد : سمعت ابن معين سئل عن سهيل ، والعلاء بن عبدالرحمن ، وعبدالله بن محمد بن عقيل ؟ فقال : ليس حديثهم بحجة ، قيل له : فمحمد بن عمرو ؟ قال : هو فوقهم .
روى إسحق بن منصور عن ابن معين أنه سئل عن محمد بن عمرو ومحمد بن إسحق ، أيهما يقدم ؟ قال : محمد بن عمرو .
× وروى محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن علي بن المديني قال : كان ثقة .
× قال النسائي : ليس به بأس ، وقال مرة : ثقة .
× ذكره ابن حبان في الثقات ، لكنه قال : كان يخطئ ، وقد أخرج له في صحيحه .
× ذكره في تاريخ أسماء الثقات قائلا : ثقة ، روى عنه يحيى بن سعيد القطان ، قاله ابن معين .
× ذكره ابن عدي في الكامل في الضعفاء ، وأخرج له حديثا ، ثم قال : ولمحمد بن عمرو بن علقمة حديث صالح ، وقد حدث عنه جماعة من الثقات ، كل واحد منهم ينفرد عنه بنسخة ، ويغرب بعضهم على بعض ، وأرجو أنه لا بأس به .
× ذكره الذهبي فيمن تكلم فيه وهو موثق ، قائلا : صدوق ، وقال الجوزجاني : ليس بقوي .
وذكره في الميزان قائلا : شيخ مشهور ، حسن الحديث ، مكثر عن أبي سلمة .
وذكره في السير قائلا : الإمام المحدث الصدوق ، وحديثه في عداد الحسن .
وذكره في الكاشف قائلا : قال أبو حاتم : يكتب حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس به بأس .
وذكره في المغني في الضعفاء قائلا : مشهور، حسن الحديث، قال يحيى : ما زالوا يتقون حديثه، وقال مرة : ثقة ، وقال الجوزجاني وغيره : ليس بقوي .
× قال الهيثمي في مواضع مختلفة ما مجموعه : اختلف في الاحتجاج به ، وهو ثقة حسن الحديث ، وفيه ضعف لسوء حفظه ، لكن أقل مراتب حديثه الحسن .
× قال ابن حجر في التقريب : صدوق ، له أوهام .
وقال في هدي الساري : مشهور ، صدوق ، تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه .
ثانيا : الذين جرحوه
× قال علي بن المديني : قلت ليحيى بن سعيد القطان : محمد بن عمرو ، كيف هو ؟ قال : ليس ممن تريد ، كان يقول : أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبدالرحمن بن حاطب .
قال يحيى القطان : وسألت مالكا عن محمد بن عمرو ، فقال فيه نحوا مما قلت لك .
وقال علي بن المديني : كان يحيى بن سعيد القطان يضعفه بعض الضعف .
× قال ابن سعد : كان كثير الحديث ، يستضعف .
× روى عباس الدوري عن ابن معين قال : ومن روى مثل الزهري ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر ؟ إذا روى هؤلاء هذه الأحاديث ، وروى محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، فخالفهم ، كان القول قول الزهري ويحيى بن أبي كثير ، إنهم أثبت منه .
قال العباس الدوري : سئل ابن معين عن محمد بن عجلان ، أحب إليك ، أم محمد بن عمرو ؟ فقال : سبحان الله ، ما يشك في هذا أحد ، أو كما قال يحيى ، محمد بن عجلان أوثق من محمد بن عمرو ، ولم يكونوا يكتبون حديث محمد بن عمرو حتى اشتهاها أصحاب الإسناد ، فكتبوها .
وروى العباس الدوري عن ابن معين قال : محمد بن عجلان أحب إلي من محمد بن عمرو ، ومحمد بن عمرو أحب إلي من محمد بن إسحق .
قال أبو بكر بن أبي خيثمة : سئل يحيى بن معين عن محمد بن عمرو ، فقال : ما زال الناس يتقون حديثه ، قيل له : وما علة ذلك ؟ قال : كان محمد بن عمرو يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء رأيه ، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة .
روى ابن محرز عن ابن معين وقيل له : أيما أحب إليك يزيد بن عبدالله بن خصيفة أو محمد بن عمرو بن علقمة ؟ فقال : يزيد ، ويزيد أعلاهما .
× قال عبدالله بن أحمد : سألته عن سهيل بن أبي صالح ومحمد بن عمرو بن علقمة ، أيهما أحب إليك ؟ فقال : ما أقربهما ، ثم قال : سهيل ، يعني : أحب إلي .
قال المروذي : سألته عن محمد بن عمرو ، فقال : قد روى عنه يحيى ، وربما رفع أحاديث يوفقها غيره ، وهذا من قبله .
قال الميموني : سألته عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، فقال لي : ربما رفع بعض الحديث ، وربما قصر به ، وهو يحتمل ، ويحيى بن سعيد أثبت حديثا منه .
قال أبو داود : قلت لأحمد : عمر بن أبي سلمة ؟ قال : صالح ، قيل لأحمد : هو أحب إليك أو محمد بن عمرو ؟ قال : هو أحب إلي ، ويحيى زعموا كان يختار محمد بن عمرو عليه .
قال أبو داود : سمعت أحمد يقول : كان يحيى زعموا يقول : محمد بن عمرو أحب إلي من سهيل ، فقيل لأحمد وأنا أسمع : أليس سهيل أحب إليك منه ؟ قال : نعم .
قال الفضل بن زياد : سمعت أبا عبدالله يقول : حكى فلان عن يحيى أن محمد بن عمرو أحب إليه من سهيل ، قال أبو عبد الله : وليس هو عندي هكذا .
قال العقيلي : حدثنا محمد بن عيسى ، ثنا محمد بن علي الوراق ، سمعت أحمد سئل ، فقيل له : سهيل بن أبي صالح كيف حديثه ؟ فقال : صالح ، قيل : إن يحيى القطان يقدم محمد بن عمرو على سهيل ، فقال : لم يكن له بسهيل علم ، وقد كان جالس محمد بن عمرو .
قال ابن أبي حاتم : نا محمد بن حمويه بن الحسن ، سمعت أبا طالب يقول : سألت أحمد بن نبل عن سهيل بن أبي صالح ومحمد بن عمرو ، فقال : قال يحيى ـ يعني بن سعيد القطان ـ : محمد أحب إلينا ، قال أحمد : وما صنع شيئا ، سهيل أثبت عندهم من محمد بن عمرو .
قال ابن أبي حاتم : أنا حرب بن إسماعيل فيما كتب إلي قال : قال أحمد بن حنبل : العلاء بن عبدالرحمن ـ عندي ـ فوق سهيل ، وفوق محمد بن عمرو .
× قال يعقوب بن شيبة : هو وسط ، وإلى الضعف ما هو .
× قال أبو حاتم : صالح الحديث ، يكتب حديثه ، وهو شيخ .
× ذكره العقيلي في الضعفاء الكبير ، وذكر فيه قول يحيى القطان "ليس هو ممن تريد" ، وقول يحيى بن معين "ابن عجلان أوثق منه ، ومحمد بن عمرو أحب إلي من ابن إسحق" .
× ذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين ، قائلا : " قال يحيى : ما زال الناس يتقون حديثه ، وقال مرة : ثقة ، وقال السعدي (يعني الجوزجاني) : ليس بقوي " .
فإن قيل : قد أخرج له البخاري ومسلم ؟
فيقال : إنما أخرج له البخاري حديثا واحدا مقرونا بآخر غيره ، وعلق له ثلاثة أحاديث ، وكلها لها شواهد .
وإنما أخرج له مسلم أربعة أحاديث فقط ، وكلها مع المتابعات والشواهد ، ولم يخرج له استقلال ولا اعتمادا .
قلت : نخرج مما سبق أن مثل هذا الراوي لا يقبل ما ينفرد به .
لذلك فإن الذهبي نفسه في سير أعلام النبلاء عقب على رواية أبي يعلى قائلا : في إسناده محمد ، لا يحتج به ، وفي بعضه نكارة بينه ( ) .
السبب الثاني : لم يثبت عندي سماع كلا من أبي سلمة ويحيى بن عبدالرحمن بن حاطب : من أسامة بن زيد .
ولم أر رواية لأيهما عن أسامة بن زيد غير هذه الرواية، وهي من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، وقد علمت أنه لا يعتمد على ما انفرد به .
السبب الثالث : في متن هذا الحديث علة واضحة .
وذلك أن ثمة تناقض في معناه :
1 / ففي أول الحديث يقول : (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مردفي ، إلى نصب من الأنصاب ، فذبحنا له شاة ) وفي وسطه يقول : (ثم قدمنا إليه السفرة التي كان فيها الشواء، فقال : ما هذه ؟ فقلنا : هذه شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا ، فقال : إني لا آكل ما ذبح لغير الله)
2 / ثم يقول مباشرة : (وكان صنما من نحاس يقال له : إساف ونائلة ، يتمسح به المشركون إذا طافوا ، فطاف رسول الله وطفت ، فلما مررت مسحت به ، فقال رسول الله : لا تمسه ، قال زيد : فطفنا ، فقلت في نفسي : لأمسنه ، حتى أنظر ما يقول : فمسحته ، فقال رسول الله : ألم تنه ؟ قال زيد : فواللذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلمت صنما حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب)
والسؤال : إن كان رسول الله ذبح إلى نصب تقربا له ، فلماذا نهى زيدا عن التمسح والتبرك بها ؟
إن هذا مما يبين لنا ضعف الحديث واضطرابه .
ينبني على ما سبق أن حديث زيد بن ثابت لا يصح ، ولا يجوز الاعتماد عليه نهائيا ، لما تبين لنا من ضعف سنده وتناقض متنه .

أسامة نمر عبد القادر
25-10-2004, 12:25
قال السائل :
( 4 ) ولا ترتكب ما ارتكبه السهيلي بقوله: "انه ليس في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أكل منها" ، لأن في رواية الطبراني والطيالسي والمقدسي في الأحاديث المختارة : " فمر زيد بن عمرو بالنبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة ، وهما يأكلان من سفرة لهما ، فدعياه ، فقال : يا ابن أخي لا آكل مما ذبح على النصب " .

قلت :
كيف لا أقول بما قاله السهيلي ، والحديث الذي استندت عليه ، أعني الذي فيه (فمر زيد بن عمرو بالنبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة ، وهما يأكلان في سفرة لهما) ، حديث ضعيف جدا ، وبيان ذلك كما يلي :
نص الحديث
أخرج أحمد في مسنده وابن عساكر في تاريخ دمشق والضياء المقدسي في المختارة مما ليس في الصحيحين من طريق يزيد بن هارون (ح)
وأخرج الطيالسي في مسنده وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والبزار في مسنده والبيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق : أبو داود الطيالسي (ح)
وأخرج البزار في مسنده والطبراني في معجمه وابن عبد البر في الاستيعاب والضياء المقدسي في المختارة وابن عساكر في تاريخ دمشق وإسماعيل الأصبهاني في دلائل النبوة من طريق : عبدالله بن رجاء الغداني (ح)
وأخرج أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق : يونس بن بكير (ح)
وأخرج إبراهيم الحربي في غريب الحديث من طريق : أبي قطن عمرو بن الهيثم .
خمستهم ، أعني يزيد بن هارون وأبا داود الطيالسي وعبدالله بن رجاء الغداني ويونس بن بكير وأبي قطن عمرو بن الهيثم ، عن عبدالرحمن بن عبدالله المسعودي ، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد ، عن أبيه هشام بن سعيد ، عن جده سعيد بن زيد قال : خرج ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو يطلبان الدين حتى مرا بالشام ، فأما ورقة فتنصر ، وأما زيد فقيل له : إن الذي تطلب أمامك ، فانطلق ، حتى أتى الموصل ، فإذا هو براهب ، فقال : من أين أقبل صاحب المرحلة ؟ قال : من بيت إبراهيم ، قال : ما تطلب ؟ قال : الدين ، فعرض عليه النصرانية ، فأبى أن يقبل ، وقال : لا حاجة لي فيه ، قال : أما إن الذي تطلب سيظهر بأرضك ، فأقبل وهو يقول : لبيك حقا حقا ، تعبدا ورقا ، البر أبغي لا الحال ، وهل مهاجر كمن قال ، عذت بما عاذ به إبراهيم وهو قائم ، وأنفي لك اللهم عان راغم ، مهما تجشمني فإني جاشم ، ثم يخر فيسجد للكعبة .
قال : فمر زيد بن عمرو بالنبي وزيد بن حارثة ، وهما يأكلان من سفرة لهما ، فدعياه ، فقال : يا ابن أخي ، لا آكل مما ذبح على النصب ، قال : فما رؤي النبي يأكل مما ذبح على النصب من يومه ذاك حتى بعث .
قال : وجاء سعيد بن زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إن زيدا كان كما رأيت ، أو كما بلغك ، فأستغفر له ؟ قال : نعم ، فاستغفر له ، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده .
هذا لفظ الضياء المقدسي في المختارة .
ويلاحظ أن الحاكم أخرج الحديث ولم يصححه ، بل سكت عليه .
درجة الحديث
قلت : هذا سند ضعيف جدا ، لما يلي :
( 1 ) فيه المسعودي ، وقد اختلط ، لكن ذهب العراقي إلى أن رواية عبدالله بن رجاء الغداني عنه قبل اختلاطه ، وهو أحد رواة هذا الحديث عنه .
( 2 ) وفيه : نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل .
وهو مجهول الحال ، بل قال ابن معين : لا أعرفه ، وقد ذكره ابن حبان في الثقات ، وقد علمنا أنه ليس من منهج ابن حبان أن كل من ذكره في الثقات فهو ثقة ، بل ما نص على توثيقه فقط .
ولم أجد في كتب الحديث رواية لنفيل هذا ، ولا رواية لأبيه ، سوى هذا الحديث .
( 3 ) وفيه : هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل .
وهو أيضا مجهول الحال ، لم أجد فيه جرحا ولا تعديلا ، وقد ذكره ابن حبان في الثقات ، وليس هذا بتوثيق من ابن حبان للراوي .

أسامة نمر عبد القادر
25-10-2004, 12:31
قال السائل :
( 5 ) وإن تريد أن تقول : أنهما ذبحا الشاة على نصب ، أي : على حجر ، لا لنصب بمعنى "الصنم" .
فإنه مدفوع :
1 = بما عند ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ج19/ص508: عن زيد بن حارثة قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب فذبحنا له شاة..... ثم قدمنا إليه السفرة فقال ما هذا قال شاة ذبحناها لنصب من الأنصاب قال زيد ما آكل شيئا ذبح لغير الله " .

قلت :
1 / سبق أن حديث زيد بن حارثة ضعيف ، فلا يعتمد عليه ولا يحتج بما تضمنه من أمور .
هذا أمر .
2 / والأمر الآخر : أن ما روي من ذبح النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة الشاة على النصب ؛ إنما ورد من حديث زيد بن حارثة نفسه ، وهو حديث ضعيف كما بينته ، لذلك فنحن لسنا بحاجة إلى تفسير النصب الذي ذبحت عليه الشاة ، لأنه لم يثبت أصلا أن رسول الله وزيد بن حارثة ذبحا شاة على النصب .
3 / نعم ، على فرض صحة الحديث ، فإنه من المستبعد تفسير النصب هنا بالحجر ، كما حكاه ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث وابن حجر في فتح الباري ، وذلك : لأن قرينة قول زيد بن عمرو بعد ذلك (إني لا آكل ما ذبح لغير الله) مع عدم اعتراض النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة على ذلك ، إقرار بأن الشاة قد ذبحت على النصب بمعنى الأصنام ، لكن الحديث لم يصح أصلا .

أسامة نمر عبد القادر
25-10-2004, 12:33
قال السائل :
2 = وكذلك ما ذكره ابن عساكر عن ابن إسحاق قال : فحدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث عن زيد بن عمرو : إن كان لأول من عاب على الأوثان ونهاني عنها ، وأقبلت من الطائف ومعي زيد بن حارثة حتى مررت بزيد بن عمرو بن نفيل و هو بأعلى مكة وكانت قريش قد شهرته بفراق دينها حتى خرج من بين أظهرهم وكان بأعلى مكة فجلست إليه ومعي سفرة لي فيها لحم يحملها زيد بن حارثة من ذبائحنا على أصنامنا..إلخ .

قلت :
أخرج ابن عساكر من طريق : يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال : فحُدِّثْتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، وهو يحدث عن زيد بن عمرو :
إن كان لأول من عاب على الأوثان ، و نهاني عنها .
أقبلت من الطائف ومعي زيد بن حارثة حتى مررت بزيد بن عمرو بن نفيل ، وهو بأعلى مكة ، وكانت قريش قد شهرته بفراق دينها حتى خرج من بين أظهرهم ، وكان بأعلى مكة ، فجلست إليه ومعي سفرة لي فيها لحم يحملها زيد بن حارثة من ذبائحنا على أصنامنا ، فقربتها إليه وأنا غلام شاب ، فقلت : كل من هذا الطعام ، أي عم ، قال : فلعلها أي ابن أخي من ذبائحكم هذه التي تذبحون لأوثانكم ؟ فقلت : نعم ، فقال : أما إنك يا ابن أخي لو سألت بنات عبد المطلب لأخبرنك إني لا آكل هذه الذبائح ، فلا حاجة لي بها ، ثم عاب الأوثان ومن يعبدها ويذبح لها ، وقال : إنما هي باطل لا تضر ولا تنفع ، أو كما قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تمسحت بوثن منها بعد ذلك على معرفة بها ، ولا ذبحت لها حتى أكرمني الله تعالى برسالته صلى الله عليه وسلم ( ) .
درجة هذا الوجه
هذا ضعيف جدا ، لأنه شديد الانقطاع ، فإن محمد بن إسحق توفي سنة 150 هـ ، فيكون بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين أو ثلاثة ، ومثل هذا السند لا قيمة له ، ولا يعتبر ولا يستأنس به فضلا عن أن يحتج ويستشهد به .

أسامة نمر عبد القادر
25-10-2004, 12:35
قال السائل :
3 = ويؤيده ما رواه ابن عساكر وغيره في روايات متعددة : " فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يأكل شيئا ذبح على النصب " .

قلت :
1 / قوله (فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يأكل شيئا ذبح على النصب) جزء من حديث سعيد بن زيد نفسه ، وقد سبق أنه ضعيف جدا .
2 / وقول السائل (في روايات متعددة) تلبيس وإيهام ، فإن كان مقصودا فهو غش وخداع ، وإن لم يكن مقصودا فهو جهل مطبق ، لأن هذه الروايات المتعددة كلها من طريق : عبدالرحمن المسعودي ، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد ، عن أبيه هشام بن سعيد ، عن جده سعيد بن زيد ، وسبق أن نفيل وأباه هشام مجهولان ، وبسببهما لا يصح الحديث أبدا .
3 / نعم ، قد أخرج أبو نعيم في دلائل النبوة من طريق : يعقوب بن محمد الزهري قال : حدثنا عبدالله بن محمد بن يحيى بن عروة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب أكل ما ذبح لغير الله ، فما ذقت شيئا ذبح على النصب حتى أكرمني الله عز وجل بما أكرمني به من رسالته .
لكن سنده ضعيف جدا ، لما يلي :
1 / فيه : عبدالله بن محمد بن يحيى بن عروة ، قال أبو حاتم الرازي : متروك الحديث ، وقال أيضا : ضعيف الحديث جدا ، وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الأثبات ، وقال ابن عدي بعد أن ذكر بعض أحاديثه : أحاديثه عامتها مما لا يتابعه الثقات عليه ، ولم أجد من المتقدمين فيه كلاما ، ولم أجد بدا من ذكره لما رأيت من أحاديثه أنها غير محفوظة لما شرطت في أول الكتاب .
2 / وفيه أيضا : يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ، قال ابن معين : إذا حدثكم عن الثقات فاكتبوه ، وما لا يعرف من الشيوخ فدعوه ، وقال مرة : صدوق ، ولكن لا يبالي عمن حدث ، حدث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود" ، هذا كذب وباطل ، لا يحدث بهذا أحد يعقل ، وقال أبو زرعة : واهي الحديث ، وقال أبو حاتم : هو على يدي عدل ، أدركته فلم أكتب عنه ، وروى عبدالله بن أحمد عن أبيه أحمد بن حنبل قال : ليس بشيء ، لا يسوى شيئا ، وقال العقيلي : في حديثه وهم كثير ، ولا يتابعه عليه إلا من هو نحوه .

قال السائل :
4 = وفي رواية : " قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تمسحت بوثن منها بعد ذلك على معرفة بها ، ولا ذبحت لها حتى أكرمني الله تعالى برسالته " .

قلت :
هذا آخر جملة من الحديث الذي سبق أن ذكرنا أن ابن عساكر أخرجه من طريق يونس بن بكير عن
ابن إسحق ، وقد بينا أنه ضعيف جدا بسبب الانقطاع الشديد بين ابن إسحق ورسول الله .

قال السائل :
5 = وفي رواية :" قال : فما رئي النبي صلى الله عليه وسلم يأكل مما ذبح على النصب من يومه ذلك " .

قلت :
سبق أن بينت أن هذه الجملة جزء الحديث الذي رواه المسعودي ، عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد ، عن أبيه هشام بن سعيد ، عن جده سعيد بن زيد ، وأن فيه نفيل وأباه مجهولان ، وبسببهما الحديث ضعيف جدا .
ولا أدري لماذا يجعل السائل الحديث نفسه أدلة متعددة ويعيدها بحيث يتوهم القارئ الغر المسكين أن هذه أحاديث متعددة ، وهي في الواقع تعود إلى حديث واحد !!!!

قال السائل :
6 = وفي رواية : " إن كان لأول من عاب على الأوثان و نهاني عنها " .
قلت :
هذا أيضا جملة من الحديث الذي سبق أن ذكرنا أن ابن عساكر أخرجه من طريق يونس بن بكير عن
ابن إسحق ، وقد بينا أنه ضعيف جدا بسبب الانقطاع الشديد بين ابن إسحق ورسول الله .

قال السائل :
( 6 ) ولا تقل ما قاله الذهبي في السير : أن الذبح كان لله ، واتفق ذلك عند صنم كانوا يذبحون عنده ، لأنه ظاهر البطلان ، ومخالف لتصريح الرواة كلهم .

قلت :
ما قاله الذهبي في سير أعلام النبلاء ليس من كلامه ، وإنما هو من كلام إبراهيم الحربي في كتابه غريب الحديث .
ومن الواضح أن ثمة تصحيف في لفظة (لله) وقع فيه الذهبي أو طابع كتاب سير أعلام النبلاء ، فقد رجعت إلى كتاب غريب الحديث لإبراهيم الحربي ، ووجدت النص فيه كالآتي :
" أن يكون ذبح لزاده في خروجه ، فاتفق ذلك عند صنم كانوا يذبحون عنده ، فكان الذبح منهم للصنم ، والذبح منه لله تعالى ، إلا أن الموضع جمع بين الذبحين " .
ومع ذلك أقول :
إن ما روي من ذبح النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة الشاة على النصب ؛ إنما ورد من حديث زيد بن حارثة نفسه ، لذلك فنحن لسنا بحاجة إلى بيان نية النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة في ذبحهما ، لأنه لم يثبت أصلا أن رسول الله وزيد بن حارثة ذبحا شاة على النصب .
ولن أبحث هاهنا في نية الذبح ، على فرض صحة الحديث ، لأن الحديث متناقض بين أوله وآخر ، ففي أوله أن الذبح كان للأصنام ، وفي آخره النهي عن التمسح والتبرك بالأصنام .

هشام محمد بدر
26-10-2004, 01:15
بارك الله فيك يا دكتور و قد ذبحث الشبهة فعلا من الوريد للوريد و لكني لاحظت أنك - على ما يبدو - قد دونت هذا الرد في ملف وورد ، فهل تتكرم بإرفاقه هنا جتى يتسنى لنا الاطلاع على المصادر المثبتة في الحاشية لأنها غير مثبتة هنا .

أسامة نمر عبد القادر
26-10-2004, 04:05
لا أدري كيف أفعل ذلك ، فلو تفضلت علي وأرشدتني إليه خطوة خطوة لفعلت ، إن شاء الله ، لكن تصبر علي برهة أخرى من الدهر حتى أنظم البحث الأصلي بعض تنظيم ، ولكم جزيل الشكر ووافر الاحترام .

هشام محمد بدر
26-10-2004, 04:19
هذا سهل جدًا إن شاء الله .. فقط اضغط على زر ((إضافة رد)) ستجد في الصفحة المخصصة لكتابة الرد زر صغير تحت المربع المخصص لكتابة نص الرد مكتوب عليه browse .. اضغط عليه لتحميل الملف و ستفتح لك نافذة صغيرة لاختيار الملف المراد تحميله .

و لكن قبل أن تقوم بهذه الخطوات سيكون عليك أن تضغط الملف ليكون بامتداد zip و هو الامتداد المسموح التحميل به .. أما الملفات بامتداد doc أو rtf أو غيرهما من امتدادات ملفات ميكروسوفت وورد فلا يمكن تحميلها إلى المنتدى .

هشام محمد بدر
22-11-2004, 02:57
اعتذر لسوء أدبي و لكني فقط وودن أن اذكر فضيلتك بطلبي السخيف

هشام محمد بدر
22-11-2004, 17:40
بسم الله الرحمن الرحيم

لإرفاق الملف يجب ان تقوم فضيلتك بضغطه ببرنامج وين زيب قبل الرفع للمنتدى ثم تفتح صفحة الرد على الموضوع و ذلك بالضغط على زر ((إضافة رد)) عندها ستظهر لك هذه الصفحة المرفقة صورتها .

ستقوم بالضغط على الزر المشار إليه بالسهم فتظهر نافذة بفهارس جهاز الكمبيوتر لديك فتقوم فضيلتك بانتقاء الملف كما هو معلوم .

و هذه طريقة سهلة ان شاء الله .