المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : براءة العلامة الأصولي الطوفي من التشيع



مصطفى حمدو عليان
08-03-2010, 10:23
تبرئة الطوفي من التشيُّع )

الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه

أما بعد :

فقد اتُّهِم الطوفي رحمه الله بالرفض والتشيع ، واستُدِل على ذلك بجملة أدلة :

ـ أولها : قولةٌ للطوفي رحمه الله في كتابه : [شرح الأربعين النووية] حيث قال: "اعلم أن من أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص . وبعض الناس يَزْعم أن السبب في ذلك عمر بن الخطاب ؛ وذلك أن الصحابة استأذنوه في تدوين السنة في ذلك الزمان فمنعهم من ذلك ، وقال : لا أكتب مع القرآن غيره ، مع علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اكتبوا لأبي شاة خطبة الوداع . وقال : قيدوا العلم بالكتابة . قالوا : فلو ترك الصحابة يدون كل واحد منهم ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم لانضبطتْ السنة ، ولم يَبقَ بين آخر الأمة وبين النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث إلا الصحابي الذي دوّن روايتـه ؛ لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم إلينا كما تواتر البخاري ومسلم ونحوهما" .

ـ وثانيها : بيتُ من الشِّعر ، قاله الطوفي رحمه الله ، وهو :

حَنْبَلِي رَافِضِي أَشْعَرِي


هَذِه إَحْدَى العِبَر



ـ وثالثها : بيتٌ آخر من الشعر ، قاله الطوفي رحمه الله . وهو :

كَمْ بَيْنَ مَنْ شُكَّ في خِلافَتِهِ


وَبَيْنَ مَنْ قِيْلَ : إنًّهُ الله



ـ ورابعها : صُحْبَتُهُ ـ في آخر عُمره ـ لمحمد السَّكاكِيْني الرافضي الشيعي بل شيخ الشيعة بدمشق .

ـ وخامسها : أنه عُزِّر على الرفض وحُبِسَ ، عَزَّرَه شيخُهُ قاضي قضاة الحنابلة سعد الدين الحارثي رحمه الله .

ـ وسادسها : ذكر تشيعه غير واحد من أرباب السير والتاريخ ، مع قُرْب عهدهم به بل بعضهم عاصره؛كالذهبي رحمه الله في :[ذيل تاريخ الإسلام]، وابن جماعة رحمه الله في : [التعليقة في أخبار الشعراء] .

غير أن هذه الدلائل على تشيُّعِ الطوفي رحمه الله لا تكاد تثبت على بساط التحقيق ، وهذا أَوَان تَفْنِيْدها ، وبيان زَيْفِها ، والله المستعان .

فأما قولته رحمه الله في : [شرح الأربعين النووية] ـ التي عَقَّبَ عليها ابن رجب رحمه الله في : [ذيل الطبقات] بقوله : "فانْظُر إلى هذا الكلام الخبيث ، المُتضمِّن أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه : هو الذي أضَلَّ الأمة قصداً منه وتعمداً ، ولقد كَذَبَ في ذلك وفَجَر" وقال قبلها : "ومن دسائسه الخبيثة" ـ فلا دلالة على تشيعه ورفضه فيها، وبيان ذلك من أوجه :

ـ أولها : أنه ناقل لا قائل ، وفَرْقٌ بينهما ، ويدل عليه قوله رحمه الله : "وبعض الناس يزعم أن السبب … " .

ثم إن لازم القول ليس بمذهبٍ لصاحبه ما لم يَلْتَزمه ؛ فضلاً عن لازمِ قولٍ نَقَلَهُ ، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله في : [مجموع الفتاوى] : "الصواب أن مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يَلْتزمه" . ويقول أيضاً : "فلازم المذهب ليس بمذهب ؛ إلا أن يَلْتزمه صاحب المذهب . فخلق كثير مـن الناس يَنْفُون ألفاظاً أو يثبتونها ، بل يَنْفُون معاني أو يُثبِتُوْنها ويكون ذلك مستلزماً لأمور هي كفر وهم لا يعلمون بالملازمة" .

ـ وثانيهـا : أنه حكى القول السابق بلفظة : يزعم ؛ الدالة على توهين الكلام المحكي بعدها . يقول الخطابي رحمه الله في : [معالم السنن] : "وإنما يقال: زعموا ؛في حديث لا سند له ، ولا ثبت فيه . وإنما هو شيء يُحْكى على الألسن على سبيل البلاغ" . لذا قال شريح رحمه الله : "زعموا ؛ كُنْيَةُ الكذب" رواه ابن سعد في : [الطبقات] . وجاء في : [سنن أبي داود] عن أبي مسعود مرفوعاً : ((بِئْسَ مَطِيَّةُ الرجل : زعموا(( .

ـ وثالثها : أن القولة المحِكَّيَة تدل على عدم تشيع صاحبها ؛ لأنه لو كان كذلك لما تحدث عن رواية الصحابة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ إذ إن الشيعة لا يقرون من الحديث إلا ما صَحَّ لهم من طرق أهل البيت ، وأهل البيت عندهم هم الأئمة الإثنا عشر ، والذي أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم منهم وهو مميز هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

ثم هو يقولون بكفر الصحابة رضي الله عنهم إلا جماعة قليلة . يقول شيخ الإسلام رحمه الله في : [مجموع الفتاوى] : "إن الرافضة تقول : إن المهاجرين والأنصار كَتَمُوا النص؛ فكفروا إلا نفراً قليلاً .. إما بضعة عشر أو أكثر ، ثم يقولون : إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين . وقد يقولون : بل آمنوا ثم كفروا" .

ـ ورابعها : أن كتاب : [شرح الأربعين النووية] المذكورة فيه تلك القولة ؛ فيه كلام يَمْدَحُ به الطوفي رحمه الله أبا بكر وعمر رضي الله عنهما .

* وأما البيت الشعري : (حَنْبليٌ رافِضِيٌ أَشْعَري .. ) . فيأتي على أحد معنيين:

ـ الأول : أنه مقولٌ على وَجْهِ التَّعجُّب والاستنكار ؛ إذ إنها تُهَمٌ متناقضة ، فكيف يسوغ اجتماعها في شخصية واحدة ؟!

وهذا المعنى هو المتَّجِه ، عند القول بثبوت ذلك البيت عن الطوفي رحمه الله .

ـ الثاني : أنه إخبار عن حقيقةٍ انطوتْ عليها النفس ، وهذا المعنى منقوض من أوجه :

* أولاً : أن الأَخْذ بالمذهب الأشعري يَلْزم منه اطِّراح التشيُّع والرفض ولا بد ؛ لأن الأشعرية يَدْخلون في أهل السنة عند النظر إلى الرافضة . يقول شيخ الإسلام رحمه الله في : [نقض التأسيس] : "وهم ـ يعني : الأشاعـرة ـ: يُعَدَّون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة ـ كما هي دعوى الخصم ـ وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم" . بل الأشاعرة أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث "، وهم ليسوا كفاراً بلا خلاف ، وممن نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً ، حيث قال في [مجموع الفتاوي] عنهم "ليسوا كفاراً باتفاق المسلمين" . وقال رحمه الله في : [الصارم المسلول] : "ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً ، أو أنهم فَسَّقوا عامَّتهم ، فهذا لا ريب أيضاً في كفره،… بل مَنْ يشكِّك في كفر مثل هذا ؛ فإنَّ كفره مُتَعَيِّن" .

* ثانياً : أن التمذهب بالمذهب الحنبلي يدل على عدم التزام الرفض والتشيُّع مسلكاً واعتقاداً ؛ وذلك لشدة الإمام أحمد رحمه الله على المبتدعة ، وخاصة الروافض . يقول شيخ الإسلام رحمه الله في : [مجموع الفتاوى] : "نصوص أحمد في تفاصيل السنة ، ونفي البدع: أكثر من غيره بكثير" . وجاء في كتاب : [السنة] لأحمد : "ليست الرافضة من الإسلام في شيء" . وفي : [السنة] للخلال : "أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد قال : سمعت أبا عبد الله قال : (من شتم أخاف عليه الكفر ؛ مثل : الروافض) . ثم قال : (من شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نأمن أن يكون قد مَرَقَ من الدين)" .

وكذلك كان أصحاب أحمد في الجملة . يقول شيخ الإسلام رحمه الله في : [مجموع الفتاوى] "وأهل البدع في غير الحنبلية : أكثر منهم في الحنبلية بوجوه كثيرة" . وقال في : [مجموع الفتاوى] أيضاً : "الحنابلة اقتفوا أثر السلف ، وساروا بسيرهم ، ووقفوا بوقوفهم، بخلاف غيرهم" .

* ثالثاً : ينضَمُّ إلى ذلك اختلاف النَّقَلَة في ضَبْط ذلك البيت . فمن الروايات :

حنبـليٌ رافضـيٌ ظاهـريٌ أشعـريٌ هـذه إحْـدى الكِـبرَ

وهذا الاختلاف الظاهر يُكسب نسبة البيت إلى الطُّوفي رحمه الله ضعفاً ، ويَجْعله مَحَلَّ نظر.

* وأما قوله : (كَمْ بَيْن مَنْ شُكَّ …) ، فقد عزاه الذهبي رحمه الله في : [ذيل تاريخ الإسلام] إلى الطوفي رحمه الله ، وكذا قال القيسي في : [تاريخ النحاة]، واستدلا به على تشيُّع الطوفي ورفضه .

وليس الأمر كذلك ؛ إذ إن الطوفي رحمه الله ذَكَرَ البيت السابق على لسان شيعي في مناظرة، كما في كتابه : [جدل القرآن] ، حيث قال فيه ص 222: "إن شيعياً ناظر جمهورياً في علي وأبي بكر . فقال الشيعي :

كم بَيْن مَنْ شُكَّ في خِلافتِه وبَيْن مَنْ قيل : إنَّه الله

يعني : علياً . فقال الجمهوري : خذ مثل هذا من النصراني في عيسى ومحمد ؛ إذ يقول لك:

كَمْ بَيْن مَنْ شُكَّ في رسالتِه وبَيْن مَنْ قيل : إنَّه الله

فانقطع الشيعي" .

* وأما صحبته للسَّكَاكِيْني ـ نسبةً إلى صناعة السَّكاكين ـ ؛ فقد أثبتها واستدلَّ بها على تشيُّعه ابن رجب رحمه الله في كتابه : [ذيل الطبقات] ، غير أن في دلالتها على الرفض والتشيع نظراً ، وبيانه .

أن ما كل صحبةٍ تُوجِب الرِّضا بما عند المصاحَب من مخالفات ؛ وإن كان من أهل البدع؛ إذ قد يُصْحَب لنُصْحِهِ ، وتأليف قلبه على السُّنَّة ، خاصة من قِبَلِ العالم الفقيه . وإن كان الأصل : هو هجر أهل البدع ، وعدم صحبتهم ومجالستهم ، يقول شيخ الإسلام في : [مجموع الفتاوى] (28/216) : "فالمقصود بهذا : أن يَهْجُر المسلم السيئات، ويَهْجر قرناء السوء الذين تَضُرُّ صحبتهم ؛ إلا لحاجةٍ ، أو مصلحةٍ راجحة" .

ثم إن السكاكيني لم يكن غالياً ، سابّاً للصحابة ، بل كان ذا ديانة ، وقُرْبٍ من السنة. قال عنه ابن تيمية رحمه الله ـ كما في [الدرر] لابن حجر ـ : "هو ممن يتسنَّن به الشيعي ، ويتشيع به السُّنِّي" ، وجاء في : [ذيل العبر] : عنه : "وكان لا يغلو ، ولا يسب معيناً ، ولديه فضائل" . وقال ابن حجر رحمه الله في : [الدرر الكامنة] : "ولم يُحْفظ لـه سَبّ في الصحابة بل له نظم في فضائلهم ، .. وعنده تعبُّد وسَعَة علم" ، وقال : "وقال الذهبي : (كان حلو المجالسة ذكيّاً عالماً ، فيه اعتزال ، ويَنْطوي على دين وإسلام وتعبّد)".

بل حكى الذهبي رحمه الله ـ كما في : [الدرر] لابن حجر ـ رُجُوْعَ السَّكاكيني إلى السُّنَّة في آخر عمره ، وقال : "ونَسَخَ صحيح البخاري" .

ثم إن الذهبي رحمه الله جالس السكاكيني وأخذ عنه ، وقـال : "وكان صديقاً لأبي"، وكذلك سَمِع منه البرزالي رحمه الله .

وأما التَّعْزِير الذي لَحِقه من قِبَل : سعد الدين الحارثي رحمه الله ؛ فَأثْبَتَهُ جماعة من معاصري الطوفي رحمه الله ، ومنهم : الأدفوي ، والصفدي،وتاج الدين القيسي رحمهم الله .

ويحكي تاج الدين القيسي رحمه الله تلك الواقعة فيقول : "قدم علينا ـ يعني : قَدِم مصر ـ في زِيِّ أهل الفقر ، وأقام على ذلك مُدَّة ، ثم تَقَدَّم عند الحنابلة، وتَّولى الإعادة في بعض مدارسهم ، وصار له ذكر بينهم . وكان يشارك في علوم … ، واشتهر عنه الرفض، والوقوع في أبي بكر وعائشة رضي الله عنهما وفي غيرهما من جملة الصحابة رضي الله عنهم. وظهر له في هذا المعنى أشعار بخطه ؛ نقلها عنه بعض من كان يصحبه ويُظْهر موافقة له ، منها قوله في قصيدة :

كم بَيْن من شُكَّ في خلافته وبَيْن من قيل : إنَّه الله

فرفع أمر ذلك إلى قاضي قضاة الحنابلة : سعد الدين الحارثي ، وقامت عليه بذلك البينة ، فتقدم إلى بعض نوابه بضربه وتعزيره وإشهاره ، وطيف به ، ونودي عليه بذلك ، وصُرِف عن جميع ما كان بِيَدِه من المدارس ، وحُبِسَ أياماً ، ثم أُطلق ؛ فخرج من حينه مسافراً ، فبلغ إلى قوص من صعيد مصر" انتهى . ويقول الذهبي : "وعُزِّر بالرفض بالقاهرة على حمار".

وهذه الواقعة ، وإن صحَّت ؛ ففي صِدْق التُّهْمة التي عُزِّر عليها الطوفي رحمه الله نظر ويَسْتَبين ذلك بمجموعة ضمائم :

ـ أولها : أن الطوفي رحمه الله قبل قُدُومه القاهرة ، لم يُعْرَف عنه الرفض . وجملة مشايخه الذين أَخَذ عنهم ليس منهم رافضي . ويؤكده ما قاله الحافظ البرزالي رحمه الله في : [المقتفى] والبرزالي من شيوخ الطوفي قبل مجيئه القاهرة ـ "هو : الشيخ الإمام العالم الفاضل نجم الدين سليمان بن … ، وكان رجلاً فاضلاً ، واتُّهِم بالقاهرة بالرفض" .

ـ ثانيها : أن الطوفي رحمه الله قَضَى بالقاهرة سنيناً لا يُعْرف عنه إلا السُّنَّة ، حتى وقَعَتْ بينه وبين شيخه الحارثي واقعة ، فاتُّهِم عندها بالرفض والتشيُّع ، ثم عُزِّر وضُرب من قِبل الحارثي .

يقول الصَّفَدِي رحمه الله : "كان ـ يعني : الطوفي ـ وقع له بمصر واقعة مع سعد الدين الحارثي ، وذلك أنه كان يحضر دروسه فيُكْرمه ويُبَجِّله ، وقرَّرَه في أكثر مدارس الحنابلة ، فتبسَّط عليه إلى أنْ كَلَّمه في الدرس بكلام غليظ ؛ فقام عليه ولده شمس الدين عبد الرحمن ، وفَوَّض أمره لبدر الدين بن الحبال ، فشهدوا عليه بالرفض ، وأخرجوا بخطه هَجْواً في الشيخين فعُزِّر وضُرِب" .

ويقول الأدفوي رحمه الله : "كان قاضي القضاة ـ الحارثي ـ يُكرمه ويُبَجِّله ، فرتَّبَهُ في مواضع في دروس الحنابلة ، وأحسن إليه ، ثم أُوقع بينهما ، وكَلَّمه في الدرس كلاماً لا يناسب الأدب ، فقام عليه شمس الدين ـ ابن الحارثي ـ ، وفوَّض أمره إلى بدر الدين الحبال ـ أحد النواب ـ فأشهدوا عليه بالرَّفض فضرب" .

ـ ثالثها : أن الطوفي رحمه الله لم يكن مجهول الحال في مصر قبل التهمة ، بل حَصَل له ذِكْرٌ وتَقَدُّمٌ فيها ، ودَرَّس في أكثر مدارس الحنابلة . وكان للحارثي رحمه الله اليَدُ الطُّوْلى في تَقَدُّم الطوفي رحمه الله وتدريسه ، ولم تقع بينهما الواقعة إلا بعدما وَليَ الحارثي رحمه الله القضاء من قِبَلِ المظفر بيبرس ، وكان ذلك يوم الثلاثاء لثلاثٍ خَلَوْنَ من شهر ربيع الآخر لسنة تسع وسبعمائة . وكان دخول الطوفي رحمه الله القاهرة سنة خمس وسبعمائة ، قاله ابن رجب رحمه الله في : [الذيل] .

ـ رابعها : أن الأدفوي رحمه الله عند ذكره الواقعة بين الطوفي وشيخه الحارثي قال : "ثم أُوْقِع بَيْنَهما ، وكَلَّمه في الدرس كلاماً لا يناسب الأدب..". ثم قال : "وتوجه من القاهرة إلى قوص وأقام بها سنين (كذا) ، .. ولم نر منه بعد ذلك ولا سمعنا شيئاً يشين ، ولم يزل ملازماً للاشتغال وقراءة الحديث والمطالعة والتصنيف وحضور الدروس معنا إلى حين سفره إلى الحجاز" .

وكلام الأدفوي رحمه الله السابق يؤخذ منه أمران :

الأول : أن الحادثة التي حَصَلَتْ بين الطُّوفي وشيخه ؛ استُغِلَّتْ للإيقاع بينهما.

الثاني : أنه لم يَرَ ويَسْمَع ما يَشِين عن الطوفي رحمه الله مدة مُكْثه في قوص . مع اشتغال الطوفي رحمه الله في الحديث .

ـ خامسها : أن مما أُخِذ على الطوفي رحمه الله عند تعزيره قوله : (كَم بَيْن مَنْ شُكَّ..). كما ذكره تاج الدين القيسي رحمه الله . وسبق أن الطوفي رحمه الله قاله في كتابه : [جدل القرآن] وعلى لسان شيعي في مناظرة . وكان انتهاء الطوفي منه قُبَيْل الظهر من يوم الأحد أول شعبان من سنة تسع وسبعمائة . كذا في آخر [جدل القرآن] .

وأما كون بعض معاصريه فمن بَعْدُ من المؤرخين قد نَبَزَه بالرفض والتشيع ؛ فهو نوعان:

الأول : نبـز اعتمد فيه صاحبه على بعض ما سبق من دلائل ، فله حكمها . وقد مضى تفنيدها .

الثاني : نبز بالرفض ، لم يَذْكر فيه صاحبه معتمده فيه . وهذا النوع وقع لأئمة هم :

ـ الذهبي رحمه الله في كتابه : [العبر] ، حيث قال : "الطوفي ، الحنبلي ، الشيعي ، الشاعر.." غير أنه أبان عن دلائل نبزه له بالتشيع في : [ذيل تاريخ الإسلام] ، وهي راجعة لبعض ما سبق تفنيده من دلائل .

ـ ابن جماعة رحمه الله في كتابه : [التعليقة في أخبار الشعراء] ، حيث قال : "وكان شيعياً خبيث اللسان ؛ حتى في الشيخين" ولعلَّه اعْتَمَدَ على الواقعة التي حصلتْ للطوفي مع شيخه الحارثي لقول ابن جماعة بَعْدُ : "واطلع قاضي القضاء سعد الدين الحارثي الحنبلي رحمه الله على ذلك منه ؛ بعد أن أحسن إليه ونزله في دروس الحنابلة فعزره بسبب ذلك وأشهر أمره" .

ـ الصفدي رحمه الله ـ عن : [بغية الوعاة] للسيوطي ـ ؛ حيث قال : "كان شيعياً ؛ يتظاهر بذلك" . ولعله اعتمد أيضاً على واقعة الطوفي مع شيخه الحارثي لقوله بَعدها : "وُجد بخطه هجو في الشيخين ، ففوِّض أمره إلى بعض القضاة ، وشُهد عليه بالرفض ، فضُرِب ونفي إلى قوص فلم يُرَ منه بعد ذلك ما يشين" . مع أنه ـ أعني : الصفدي ـ لم يَذْكر عن الطوفي ما يشين في كتابه : [أعيان العصر] ، بل ذكر عنه سيرة حسنة وختمها بقوله : "ولم يَزَل كذلك إلى أن تُوفِّي رحمه الله تعالى" .

ـ القطب الحلبي رحمه الله ـ عن : [الدرر] لابن حجر ـ ؛ حيث قال : "وكان يُتَّهَم بالرفض، وله قصيدة يَغُضُّ فيها من بَعْض الصحابة" . ولعلَّه عَنَى ما سَبَقَ من أبيات نُسِبتْ إلى الطوفي رحمه الله ، فإن كان المعنيُّ غيرها فأقل ما يقال : إنه قد تاب من ذلك بأَخَرة ،قال البرازلي في : [المقتفى] : "وبلغني أنه تاب قبل وفاته من ذلك ـ يعني : الرفض ـ ، ومن هجو الناس". وقال الذهبي في : [ذيل تاريخ الإسلام] : "وقيل : تاب في الآخر من الرفض والهجاء" .

وعلى كلٍّ فهذا الضَّرْب من النبز ، الذي لم يُصرَّح ببرهانه ، مع مثل الطوفي رحمه الله المعروف قبل تُهْمة التشيع بالسنة والتمذهب الحنبلي ، لا يُعْتَمد . على نحو ما قاله أحمد رحمه الله ـ كما في : [تهذيب التهذيب] لابن حجر ـ : "كل رجل ثبتَتْ عدالته ؛ لم يُقْبل فيه تَجْرِيح أحد حتى يَبِيْن ذلك عليه بأمرٍ لا يَحْتَمل غير جَرْحه" . وإلى هذا المعنى أشار العراقي رحمه الله في : [ألفية الحديث] بقوله :

وَلَمْ يَرَوْا قَبُولَ جَرْحٍ أُبْهِما
استُفْسِرَ الجَرْحُ فَلَمْ يَقْدَحْ ، كما
هذا الَّذِي عليه حُفَّاظُ الأَثَرْ

للخُلْف في أَسْبَابِهِ ، وَرُبَّمَا
فَسَّدَهُ شُعْبَةُ بالرَّكْضِ ، فما
كَشَيْخَيِ الصَّحِيحِ مَعْ أَهْلِ النَّظَرْ



* ومما يؤكِّد براءة الطوفي رحمه الله من تُهَمة الرفض والتشيُّع جملةِ أمور :

أولها : انتصاره لأهل السنة في كتابه : [الإشارات الإلهية] ، وبيان زَيْف استدلال الشيعة في خمس وخمسين آية منه . ومنها قوله عند قوله تعالى : (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة...) : "احتج بها الجمهور على فضل ... وأجابت الشيعة لعنهم الله بأن المراد فضل المال وكثرته ..." . ومنها قوله أيضاً عند قوله تعالى : (وقرن في بيوتكن) : "تعلَّق بها الشيعة أخزاهم الله على عائشة ، ويقولون : …" . ومنها قوله عند قول الله : "ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط" : "زعمت الشيعة الرافضة لعنهم الله أنه يُعَرّض بعائشة وحفصة ، وأنهما كامرأتي نوح ولوط في النار لتظاهرهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذاهما له . وزعموا لعنهم الله … " .

وللطوفي رحمه الله عبارات بنحو ما سبق في كتب أخرى له ، منها كتابه : [الصعقة الغضبية] ، الذي أَلَّفه قبل سنة أربع وسبعمائة ، يقول فيه : "… إلا أن للرافضة أصلاً خبيثاً باطلاً ؛ وهو أنهم لا يقبلون رواية الصحابة لمرض في قلوبهم عليهم ، وليس هذا موضع الرد عليهم في ذلك الأصل" .

ثانيها : تصريحه رحمه الله بانتسابه إلى أهل السنة والجماعة ، وترجيحه مذهبهم على غيرهم . وهذا ثابت في مواضع من كتبه . منها : قوله في : [قدوة المهتدين إلى مقاصد الدين] : ـ والمفروغ من تأليفه سادس عشر رجب الفرد ، سنة إحدى عشرة وسبعمائة بالقاهرة ، كما في آخر الكــتاب ـ: "إن الناس اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها ، نحو : (بل يداه مبسوطتان) ، (ويبقى وجه ربك) ، (يوم يكشف عن ساق) . وحديث القدم والأصبع والضحك والتواجد ، ونحوها وهي كثيرة .

فمنهم من حملها على ظواهرها المتعارفة ؛ فجَسَّم ومَثَّل . ومنهم من تأولها على معان مجملة في الجملة ، فراراً من التجسيم ؛ فأبطل وعطل . ومنهم من جعلها ألفاظاً مشتركة بين صفات المخلوقين وصفات الله عز وجل ، حقائق بالنسبة لذاته المقدسة ؛ كالعين المشترك بين عين الماء وعين الذهب . فتقول : لي يد حقيقة ، ولله عز وجل يد حقيقة ولا اشتراك بين اليدين إلا في لفظ اليد . أما مدلولها فيد الله حقيقة لائقة به عز وجل ، كما أن لي ذاتاً ولله عز وجل ذاتاً ، ولا اشتراك إلا في الاسم . وهذا رأي الحنابلة وجمهور أهل السنة ، وهو مذهب جيد صحيح" . وبنحوه قال في : [شرح مختصر الروضة] عند الكلام عن : التكليف بالمعدوم . ويقول فيه ـ في موضع آخر ـ : "لم يُنْقَل عند أحد من السلف القول بخلق القرآن .. ، إن السلف ما زالوا شديدين على من قال بخلق القرآن تكفيراً وتبديعاً ، ولعناً وسباً ، حتى ظَهَرتْ البدعة بخلق القرآن" .

ومن ذلك قوله رحمه الله في : [الإشارات الإلهية] : "اعلم أن الناس اختلفوا في أن الله تعالى هل يجوز أن يُرَى في الدار الآخرة أم لا ؟ مع إجماعهم على أنه لا يرى في الدنيا . . وأما أصحابنا وعامة السلف من الصحابة والتابعين وأهل الحديث : فيعتقدون جواز الرؤية مع اعتقادهم أن الله تعالى في جهة السماء على العرش ، وأنه مع ذلك ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض .." ثم أخذ رحمه الله في الانتصار لقول أهل السنة والجماعة وتفنيد غيره من الأقوال .

وثالثها : ما قرره مؤرخو الشيعة من كون الطوفي رحمه الله ليس منهم ، وأنه سُنيٌّ حنبلي . وفي ذلك يقول الخونساري الشيعي في كتابه : [روضات الجنات] ص 323 : "ولم نجد في تراجم الشيعة ، ومعاجم الإمامية : ما يدل على كون الرجل ـ يعني : الطوفي ـ منهم ، فضلاً عن كونه من جملة فقهائهم ومجتهديهم . ولو كان ما ذكره الصفدي في حقه صحيحاً ـ يعني : كونه شيعياً ـ لما خفي ذكره عن أهل الحق ـ يعني : الشيعة ـ ، ولما ناسب وصف الحافظ السيوطي إياه بالحنبلية ، مع أنها ـ أي : الحنبلية ـ أبعد مذاهب العامة ـ يعني : غير الشيعة ـ عن طريقة هذه الطائفة الخاصة ـ أي: الشيعة ـ كما أشير إلى ذلك في ترجمة أحمد بن حنبل ، فليتأمل" .

رابعها : عناية الطوفي رحمه الله بالحديث النبوي دراسة وتعليماً وتصنيفاً ، وهذا فيه دلالة على عدم تشيعه ؛ حيث إن الشيعة ليس لديهم اعتناء بالسنة . يقول شيخ الإسلام رحمه الله في : [منهاج السنة] (5/163) : "والرافضة لا تعتني بحفظ القرآن .. ولا تعتني أيضاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعرفة صحيحه من سقيمه ، والبحث عن معانيه ، ولا تعتني بآثار الصحابة والتابعين..." .

ومن مصنفات الطوفي رحمه الله في السنة والحديث كتاب : (شرح الأربعين النووية) وكتاب : (شرح حديث أم زرع) ، وكتاب : (مختصر الترمذي) .

تَتِمَّة :

لقد أَطْبق مترجمو الطوفي رحمه الله على إمامته ، وعُلوِّ مكانته في العلم ، ودُوْنَك أيها الراغب ثَبتُ كلامهم في ذلك :

ـ قال الحافظ البرزالي رحمه الله في : [المقتفى] : "توفي الشيخ الإمام العالم الفاضل نجم الدين سليمان بن … ، وكان رجلاً فاضلاً" .

ـ وجاء في : [ذيل العبر] : "العلامة النجم (كذا) سليمان بن … وكان .. كثير العلم ، عاقلاً ، متديناً" . وفي : [ذيل تاريخ الإسلام] يقول : "العلامة نجم الدين سليمان بن … ، وكان دَيِّناً ساكناً ، قانعاً فقيراً" .

ـ وقال عز الدين الصفدي رحمه الله في : [التعليقة في أخبار الشعراء] : "وكان فاضلاً أديباً له مشاركة في : الحديث ، والأصول ، …. " .

ـ وقال صلاح الدين الصفدي رحمه الله في : [أعيان العصر] : "كان فقيهاً حنبلياً ، عارفاً بفروع مذهبه ملياً ، شاعراً أديباً ، فاضلاً لبيباً … " .

ـ وقال ابن رجب رحمه الله في : [ذيل طبقات الحنابلة] : "الفقيه الأصولي المُتَفَنِّن" ، وبنحوه قال البرهان ابن مفلح رحمه الله في : [المقصد الأرشد] ، وابن العماد رحمه الله في :[شذرات الذهب] .

ـ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في :[الدرر الكامنة] :"كان : قوي الحافظة ، شديد الذكاء" .

والله الموفق ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وآله .
كتبه : ابن محمد بن حسن الأسمري .
نقل للفائدة .

عمر شمس الدين الجعبري
17-10-2018, 21:20
رجح العلامة البوطي -رحمه الله- تشيعه ومخالفته لأصول أهل السنة والجماعة، وذلك في كتابه ضوابط المصلحة.

على إبراهيم على
05-11-2018, 05:09
بارك الله فيكم، وقد كنت أفكر في أمر العلامة الطوفي منذ زمان ولا أجد سبيلا إلى توفيق بين تراثه ومكانته العلمية وبين ما وجد من الاتهمات